الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
و
إيجاز الحذف
، والمحذوف إمّا جزء جملة مضاف؛ نحو قوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ (1)، أو موصوف؛
ــ
إيجاز الحذف:
ص: (وإيجاز الحذف إلى آخره).
(ش): الضرب الثانى من ضربى الإيجاز إيجاز الحذف، وهو ما يكون بحذف شئ من أصل الكلام. لا يقال: إيجاز القصر فيه أيضا حذف لكلام كثير؛ لأن إيجاز القصر يؤتى فيه بلفظ قليل، يؤدى معنى لفظ كثير غيره. وإيجاز الحذف يترك فيه شئ من ألفاظ التركيب الواحد، مع إبقاء غيره بحاله.
والمحذوف: إما جزء من جملة، أو جملة، أو أكثر. وجزء الجملة إما مضاف، أو لا.
الأول: جزء الجملة المضاف، كقوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ أى: أهل القرية، فحذف المضاف. كذا قاله المصنف، وفيه نظران: الأول: أن هذا ليس بجزء جملة؛ لأنه مفعول، فهو متعلق الجملة لا جزؤها، وكذا غالب ما ذكر فى هذا الباب. فيجب حمل قولهم: جزء الجملة، على ما له بها تعلق. الثانى: أنه قيل: إن القرية عبر بها عن أهلها، والتأنيث فيها على اللفظ لا على المعنى، فيكون مجازا ولا حذف فيه. وقيل: أريد الحقيقة على سبيل المعجزة. وقيل: القرية: اسم مشترك بين المكان وأهله، نقله داود الظاهرى عن بعض أهل اللغة. ومثله المصنف بقوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ (2) أى: أكلها؛ لأن التحريم لا يتعلق بالأجرام، وقد سلم هذا المثال من السؤال الأول، ولم يسلم من الثانى، لجواز أن يكون عبر بالميتة عن أكلها. وينقل عن الحنفية أن التحريم يتعلق بالذوات.
والأحسن التمثيل بقوله تعالى: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى (3) فإنه لا بد من تقدير: ذا البر أو بر من اتقى، إلا أن يكون من قوله: فإنما هى إقبال وإدبار.
الثانى: جزء جملة موصوف، فقول المصنف:(أو موصوف) معطوف على قوله:
مضاف، كما اقتضاه كلام الإيضاح، ومثله بقوله:
(1) سورة يوسف: 82.
(2)
سورة المائدة: 3.
(3)
سورة البقرة: 189.
نحو [من الوافر]:
أنا ابن جلا وطلّاع الثّنايا
أى أنا ابن رجل جلا، أو صفة؛ نحو: وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً (1) أى: صحيحة، أو نحوها؛ بدليل ما قبله، أو شرط؛ كما مر، أو جواب شرط:
ــ
أنا ابن جلا وطلاع الثّنايا
…
متى أضع العمامة تعرفونى (2)(3)
التقدير: أنا ابن رجل جلا. وعليه ما على الأول، فإن رجل ليس جزء جملة، بل فضلة، على أنه قيل: أى: جلا اسم علم فلا حذف. حينئذ، وهو مستند عيسى ابن عمر فى أن فعل عنده وزن يمنع من الصرف، فلذلك لم ينون جلا. وقال سيبويه: كأنه قال: أنا ابن الذى جلا، فعلى هذا الوجه، يكون حذف الموصول.
الثالث: جزء جملة هو صفة، كقوله تعالى: وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً أى كل سفينة صحيحة، أو صالحة بدليل فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وقيل: إن ابن عباس قرأ كل سفينة صالحة.
الرابع: جزء جملة هو شرط كما مر فى آخر الإنشاء، نحو: ليت لى مالا أنفقه أى: أن أرزقه.
الخامس: جزء جملة هو جواب شرط، ويسمى الشرط فى الأول، والجواب فى الثانية جزء جملة، وإن كان جملة كاملة، باعتبار أنه غير مستقل، وكان الأحسن أن يقول: جزء كلام فإن الشرط جزء كلام، وإن كان جملة كاملة، وحذفه
(1) سورة الكهف: 79.
ــ
(2)
أى فى آخر باب الإنشاء.
(3)
البيت من الوافر، وهو لسحيم بن وثيل فى الاشتقاق (424)، والأصمعيات (ص 17)، وجمهرة اللغة ص 495، 1044، وخزانة الأدب (1/ 255، 257، 266) والدرر (1/ 99)، وشرح شواهد المغنى (1/ 459)، وشرح المفصل (3/ 62)، والشعر والشعراء (2/ 647)، والكتاب (3/ 207)، والمقاصد النحوية (4/ 356) وبلا نسبة فى الاشتقاق/ ص 314)، وأمالى ابن الحاجب ص 456، وأوضح المسالك 4/ 127، وخزانة الأدب 9/ 402، وشرح الأشمونى 2/ 531، وشرح شواهد المغنى 2/ 749، وشرح قطر الندى ص 86، وشرح المفصل 1/ 61، 4/ 105، ولسان العرب (ثنى)، (جلا) وما ينصرف وما لا ينصرف ص 20، ومجالس ثعلب 1/ 212، ومغنى اللبيب 1/ 160، والمقرب 1/ 283، وهمع الهوامع 1/ 30.
إما لمجرد الاختصار؛ نحو: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (1)، أى: أعرضوا؛ بدليل ما بعده، أو للدّلالة على أنه شئ لا يحيط به الوصف، أو لتذهب نفس السامع كلّ مذهب ممكن، مثالهما: قوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ (2)، أو غير (3) ذلك؛ نحو قوله تعالى: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ (4) أى: ومن أنفق بعده وقاتل؛ بدليل ما بعده.
ــ
إما لمجرد الاختصار، نحو قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أى: أعرضوا، بدليل قوله تعالى بعد ذلك: مُعْرِضِينَ (5).
ولك أن تقول: يمكن أن يكون من القسم الثانى بأن يكون حذف إشارة إلى أنهم إذا قيل ذلك فعلوا شيئا لا يحيط به الوصف، وإما لقصد أن يذهب السامع كل مذهب ممكن، فلا يتصور مطلوبا، ولا مكروها، إلا ويجوز أن يكون الأمر أعظم منه، بخلاف ما لو اقتصر على ذكر شئ، فربما خف أمره عنده، ومثله المصنف بقوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ.
وقول المصنف: (مثالهما) يحتمل أن يريد هذا المثال صالح لهما على البدل، وإنما هو لأحدهما، ويحتمل أن يكون ذكر هذين المعنيين، لأنهما عنده واحد أو يتلازمان. ولك أن تقول: الفصاحة هاهنا حصلت من حذف متعلق الجواب، لا من حذف الجواب نفسه؛ لأنك لو قلت: لرأيت وحذفت المفعول لحصل هذا المعنى.
قال السكاكى: ولهذا المعنى حذفت الصلة من قولهم: جاء بعد اللتيا والتى أى:
بعد الشدائد التى بلغت فظاعتها مبلغا يبهت السامع، فلا يدرى ما يقول.
السادس: أن يكون حذف جزء الجملة لغير ذلك، كقوله تعالى: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أى: ومن أنفق من بعده وقاتل، بدليل ما بعده، وإنما كان هذا جزء جملة؛ لأن الموصول وصلته فى حكم المفرد.
ومن هذا الباب أيضا حذف الموصول، كما قيل فى قوله تعالى: وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ (6) وقول حسان رضى الله عنه:
(1) سورة يس: 45.
(2)
سورة الأنعام: 37.
(3)
أى المذكور كالمسند والمسند إليه والمفعول كما فى الأبواب السابقة وكالمعطوف مع حرف العطف.
(4)
سورة الفتح: 10.
(5)
سورة يس: 46.
(6)
سورة الرعد: 10.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أمن يهجو رسول الله منكم
…
ويمدحه وينصره سواء (1)
على ما ذكره النحاة، وفيه نظر. ومنه حذف المضاف والمضاف إليه، كقوله:
وقد جعلتنى من جذيمة أصبعا (2)
أى ذا مسافة إصبع، وكذلك مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ (3) أى حافر فرس الرسول، وحذف المضاف إليه فقط، نحو قوله تعالى: كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (4) وكذلك كل ما قطع عن الإضافة مما وجبت إضافته معنى لا لفظا. وحذف الصلة، مثل: جاء من بعد اللتيا والتى، وهو كثير، وحذف المفعول تقدم، والجار والمجرور نحو قوله تعالى:
خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً (5) أى بسيئ وَآخَرَ سَيِّئاً أى: بصالح، ومن بعد أفعل التفضيل، كقولك: الله أكبر أى: من كل شئ قال الزمخشرى فى المفصل: أفعل التفضيل له معنيان:
أحدهما: أن يراد أنه زائد على المضاف إليه فى الخصلة التى هو وهم فيها شركاء.
والثانى: أن توجد مطلقا له الزيادة فيها إطلاقا، ثم يضاف لا للتفضيل على المضاف إليه، لكن لمجرد التخصيص، كما يضاف ما لا تفضيل فيه نحو قولك: الناقص والأشج أعدلا بنى مروان، كأنك قلت: عادلا بنى مروان. انتهى.
(1) البيت من الوافر، وهو لحسان بن ثابت فى ديوانه (ص 9 / ابن خلدون)، وتذكرة النحاة (ص 70)، والدرر (1/ 296)، ومغنى اللبيب ص 625، والمقتضب 2/ 137، وبلا نسبة فى شرح الأشمونى ص 82، وهمع الهوامع 1/ 88، وروايته فى الديوان: فمن يهجو
…
(2)
هذا عجز بيت من الطويل، وصدره: فأدرك إبقاء العرادة ظلعها.
وهو للكلحبة اليربوعى فى خزانة الأدب (4/ 401)، وشرح اختيارات المفضل ص 146، ولسان العرب (حرم)، (بقى)، وتاج العروس (حرم)، (بقى)، وللأسود بن يعطر فى ملحق ديوانه ص 68، وشرح المفصل 1/ 31 وللأسود أو للكلحبة فى المقاصد النحوية 3/ 442، ولرؤبة فى مغنى اللبيب 2/ 264 وليس فى ديوانه وبلا نسبة فى شرح الأشمونى (2/ 325)، لكن يروى:(من خزيمة) بدلا من: (من جذيمة).
(3)
سورة طه: 96.
(4)
سورة يس: 40.
(5)
سورة التوبة: 102.
وإما جملة مسبّبة عن مذكور؛ نحو: لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ (1) أى: فعل ما فعل، أو سبب لمذكور؛ نحو: فَانْفَجَرَتْ (2) إن قدّر: فضربه بها خ خ، ويجوز أن يقدّر:
فإن ضربت بها فقد انفجرت خ خ،
ــ
فهذا يقتضى أنك إذا قلت: زيد أفضل، فقد قطع عن متعلقه قصدا لنفس الزيادة، كقولك: فلان يعطى ويمنع، فيكون كالفعل المتعدى إذا جعل قاصرا للمبالغة، فعلى هذا لا يكون ذلك إيجاز حذف، بل يكون إيجاز قصر. ويحتمل أن يريد أن تقديره: زيد أفضل من كل أحد. فالمبالغة فى تعميم المفضل عليه، فيكون حينئذ إيجاز حذف، كأحد تقديرى فلان يعطى ويمنع.
ص: (وإما جملة إلى آخره).
(ش): أى قد يكون الإيجاز بحذف جملة مسببة عن مذكور، كقوله تعالى: لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ أى فعل ما فعل، ويصح أن يقال فى مثله أيضا: إنها جملة سبب لمذكور، لأن الفعل سبب لحقية الحق وبطلان الباطل، وكل علة غائية يصح أن يقال عليها اسم السبب واسم المسبب؛ لأنها علة فى الأذهان معلول فى الأعيان، أو تكون الجملة سببا
لمذكور، نحو: فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ قال المصنف: إن قدر فضربه بها فانفجرت، وطوى ذكر فضرب، هذا إشارة لسرعة الامتثال حتى إن أثره وهو الانفجار لم يتأخر عن الأمر، ثم قيل: فضرب كله محذوف. وقال ابن عصفور: حذف ضرب، وفاء فانفجرت، والفاء الباقية: فاء فضرب؛ ليكون على المحذوف دليل ببقاء بعضه.
قال الشيخ أبو حيان: وفيه تكلف.
(قلت): لكنه أقرب إلى اللطيفة التى ذكرناها فى الحذف.
(قوله: ويجوز أن يقدر: فإن ضربت بها فقد انفجرت) هو تقدير جوزه الزمخشرى هنا، وفى قوله تعالى: فَتابَ عَلَيْكُمْ (3) وأمثاله، وفيه نظر من وجوه:
الأول - أن حذف أداة الشرط وفعله معا فى جوازه نظر، وقد تقدم الكلام عليه، حيث ذكره المصنف فى باب الإنشاء.
الثانى - أنه يلزم أن يكون جواب الشرط ماضيا لفظا ومعنى؛ لأن فقد انفجرت ماض لفظا ومعنى لأجل الفاء وقد، ولأجل قوله تعالى قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ
(1) سورة الأنفال: 8.
(2)
سورة البقرة: 60.
(3)
سورة المزمل: 20.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَشْرَبَهُمْ (1) وجواب الشرط لا يجوز أن يكون ماضى المعنى. ومن ذهب إلى جواز كون الجواب ماضى المعنى إنما هو حيث كان المعنى يلجئ إليه، والمعنى هنا على الاستقبال، لأن الانفجار يترتب على الضرب المستقبل بأداة الشرط.
وأما قول ابن مالك: إن فعل الجزاء قد يكون ماضى المعنى، مع كون فعل الشرط مستقبل المعنى، فقد تقدم أن ذلك مما لا يتعقل، إلا أن يريد أن الجواب محذوف، ويكون سمى المذكور جوابا مجازا لسده مسد الجواب. ثم إن الزمخشرى أورد هذا السؤال بعينه فى قوله تعالى: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ (2) وقال:
من حق الجزاء أن يتعقب الشرط، وهذا سابق. وأجاب بأن التقدير: وإن يكذبوك فتأس، فوضع: فقد كذبت، موضع: فتأس، استغناء بالسبب عن المسبب - أعنى بالتكذيب عن التأسى - وهذه العبارة منه يحتمل أن يريد بها أن الجواب محذوف، وفيه نظر؛ لأن الجواب لا يحذف إذا كان فعل الشرط مضارعا. ويحتمل أن يريد أن: فقد كذبت ضمن
معنى تأس. وفيه نظر؛ لأن الفعل الماضى لا يستعمل فى الإنشاء إذا كان معه" قد" على ما يظهر لنا.
وعلى كل من التقديرين؛ لا يصح ذلك فى: فانفجرت؛ لأنه إن أراد أن الجواب محذوف، صار التقدير: إن ضربت فقد انفجرت. وهذا يمجه الطبع السليم؛ لأنه تقدير ما لا داعى إليه، ولا دليل عليه، وفيه حذف جملتى الشرط والجواب، وتكلف ما لا حاجة إليه. وإن أراد أنه حذف الشرط والفاء وقد، وبقى: فانفجرت.
وهذا الجواب لزم أن يكون الجواب ماضى المعنى، فإن قال: إن فقد انفجرت قام مقام: انفجرت، وضمن معناه، فليت شعرى كيف يجعل: انفجرت فى تقدير:
فقد انفجرت، ثم يضمن: قد انفجرت معنى: انفجرت الماضى لفظا، والمستقبل معنى؟! ونحن إذا وجدنا قد الصارفة للمضى، نحتاج أن نتكلف لها، وكيف نقدرها ثم نحتاج إلى الاعتذار عنها؟ فهذا كلام عجيب، إلا أن يكون الزمخشرى أراد تفسير معنى، لا تفسير صناعة، ويكون غير مريد لتقدير قد فيصح كلامه حينئذ.
(1) سورة البقرة: 60.
(2)
سورة فاطر: 4.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الثالث: أن المصنف بعد أسطر يسيرة فى الإيضاح أنكر أن يكون الجواب المصاحب لقد جوابا كما ستراه.
(تنبيه): قال الزمخشرى بعد تجويزه أن يكون التقدير: فانفجرت، أو فإن ضربت فقد انفجرت. وهى على هذا فاء فصيحة، لا تقع إلا فى كلام بليغ.
(قلت): والفاء الفصيحة هى الدالة على محذوف قبلها، هو سبب لما بعدها. سميت فصيحة؛ لإفصاحها عما قبلها. وقيل: لأنها تدل على فصاحة المتكلم بها، فوصفت بالفصاحة على الإسناد المجازى، ونسب الطيبى هذا إلى الحواشى المنسوبة إلى الزمخشرى. واختلفوا: هل شرط ذلك المحذوف ألا يكون شرطا، حتى تكون هى عاطفة لا جزائية أو لا؟ فاشترط الطيبى فيها ذلك، وقال: إن كلام صاحب المفتاح يشعر به، وأنه يعضده قول الزمخشرى: إنها لا تقع إلا فى كلام بليغ، وفاء الجزاء يكثر وقوعها فى الكلام العامى.
(قلت): ليس فى المفتاح ما يشعر بما ذكره، نهايته أنه ذكر أن التقدير: فضرب، وقال: إن الفاء فصيحة، ولم يذكر تقدير الشرط بالكلية، فضلا عن أن يقول: إنها تكون حينئذ فصيحة أو لا.
وقوله: أنه يعضده قوله: لا تقع إلا فى كلام بليغ فيه نظر؛ لأنها على التقديرين لا تقع إلا فى كلام بليغ، فالبلاغة فيه من جهة حذف جملة سابقة شرطية كانت، أو غيرها؛ والإشعار بأن المأمور لم يتوقف عن امتثال الأمر، فكان
المطلوب الانفجار لا الضرب. ثم قول الزمخشرى على هذا ظاهره العود إلى تقدير الشرط ولا حاجة إلى تأويله وإعادته إلى الأول. والأحسن أن يجعله عائدا إلى ما سبق من مطلق التقدير، ليصلح للتقديرين معا، فقد تبين أن الفاء هذه فصيحة على التقديرين، على ما تراه عاطفة فيها معنى السببية على القول الأول، جزائية على الثانى. وعلى ما قاله الطيبى فصيحة على الأول لا الثانى. ومما يدل لما قلناه من أن الزمخشرى، لم يشترط فى الفاء الفصيحة أن لا يكون المقدر قبلها شرطا، أنه قال فى قوله تعالى: أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ (1): وفيه معنى الشرط، أى: إن صح هذا فقد
(1) سورة الحجرات: 12.
أو غيرهما (1)؛ نحو: فَنِعْمَ الْماهِدُونَ على ما مر (2).
وإما أكثر من جملة؛ نحو: أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ يُوسُفُ (3) أى: إلى يوسف؛ لأستعبره الرؤيا، ففعلوا وأتاه، فقال له: يا يوسف.
والحذف على وجهين: ألّا يقام شئ مقام المحذوف؛ كما مر، وأن يقام؛ نحو:
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ (4) أى: فلا تحزن واصبر.
ــ
كرهتموه، وهى الفاء الفصيحة. فهذا كالصريح فى أن الفاء الفصيحة، يجوز أن يقدر الشرط قبلها؛ لأن قوله: أى إن صح الظاهر، أنه يريد تقديرا لفظيا.
(قوله: أو غيرهما) أى أن يكون جملة غير سببية ولا مسببة، تحذف لمعنى من المعانى، كقوله سبحانه: فَنِعْمَ الْماهِدُونَ (5) أى: هم نحن على أحد القولين السابقين.
ص: (وإما أكثر إلى آخره).
(ش): وقد يكون المحذوف أكثر من جملة نحو: فَأَرْسِلُونِ يُوسُفُ التقدير: إلى يوسف لأستعبره الرؤيا، فأرسلوه إليه، فأتاه فقال له .. وأمثلته كثيرة، فلا نطيل بذكرها.
(تنبيه): أذكر فيه - إن شاء الله تعالى - تقسيما لإيجاز الحذف، فنقول: المحذوف أقسام:
الأول: جزء كلمة، مثل: حذف النون فى:" لم يك" فإنها حذفت للتخفيف؛ وكالحذف فى: وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (6) حذفت الياء للتخفيف، ورعاية الفاصلة.
وحكى عن الأخفش: أن المؤرخ السدوسى سأله، فقال: لا أجيبك حتى تنام على بابى ليلة، ففعل، فقال له: إن عادة
العرب أنها إذا عدلت بالشئ عن معناه، نقصت حروفه. والليل لما كان لا يسرى، وإنما كان يسرى فيه، نقص منه حرف، كما فى قوله تعالى: وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (7) الأصل: بغية، فلما حول ونقل عن فاعل، نقص منه حرف. انتهى.
(1) أى غير المسبب والسبب.
(2)
أى فى بحث الاستئناف من أنه على حذف المبتدأ والخبر على قول من يجعل المخصوص خبر مبتدأ محذوف.
(3)
سورة يوسف: 45 - 46.
(4)
سورة فاطر: 4.
(5)
سورة الذاريات: 48.
(6)
سورة الفجر: 4.
(7)
سورة مريم: 28.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ورأيت الطيبى ذكر هذا الجواب من غير أن يذكر هذه الحكاية. ولك أن تجعل:
فعولا وفعيلا حيث كانا لمؤنث مطلقا، من باب الإيجاز.
الثانى: حذف كلمة أو أكثر، فهى إما اسم، أو فعل، أو حرف.
الأول: الاسم، فمنه حذف المبتدأ فقط، وحذف الخبر فقط، ومنه حذف المضاف، والمضافين والثلاثة، وحذف الصفة، وحذف الموصوف، وحذف المعطوف مع حرف العطف مثل: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ (1) وحذف الحال، مثل: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ (2) أى قائلين: سلام.
وحذف التمييز مثل: كم مررت؟ أى: كم ميلا؟ وحذف المستثنى، مثل: ليس إلا.
واختلفوا فى حذف المبدل منه، وخرج عليه: وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ (3) وأما حذف الفعل فكثير، حيث دلت عليه قرينة. وحذف الحرف كثير أيضا، جوز جماعة حذف الواو العاطفة، وخرج عليه: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (4) وهمزة الاستفهام تحذف كثيرا. وحذف الفاء فى جواب الشرط لا يجوز إلا ضرورة. وحذف لام الأمر جوزه بعضهم.
الثالث: الجمل، فيحذف جواب لولا نحو: فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ (5) وجواب لما نحو: فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (6) ويحذف الشرط بلو، نحو: إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وجواب أما، نحو: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ (7) وجواب إذا نحو: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا (8). ومنها حذف القسم منها حذف جوابه، قال القاضى التنوخى: وكل ذى جواب
جوز حذف جوابه. ومنها:
باب الإغراء، وباب التحذير، وباب نعم وبئس، وباب التنازع والاختصاص، والنصب على المدح.
(1) سورة الحديد: 10.
(2)
سورة الرعد: 23، 24.
(3)
سورة النحل: 116.
(4)
سورة الغاشية: 8.
(5)
سورة البقرة: 64.
(6)
سورة الصافات: 103.
(7)
سورة آل عمران: 106.
(8)
سورة يس: 45.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(تنبيه): من تأمل ما سبق علم أن الإيجاز ليس من شرطه إمكان المساواة، فيكون جائزا، بل قد يكون واجبا بحيث لا يجوز خلافه. فهو حينئذ قسمان: قسم مفوض إلى المستعمل، وقسم هو من أصل الوضع، وهو أن يوضع الكلام على اقتصار وحذف مثل المبتدآت التى يجب حذفها، وغير ذلك مما هو واجب الحذف، كالعامل فى الإغراء والتحذير، وفى مصدر بدل من اللفظ بفعله، والخبر فى باب نعم وبئس على أحد الأقوال، وفى خبر المبتدأ بعد لولا غالبا وغير ذلك.
(تنبيه): واعلم أن الذى ذكر المصنف من تقسيم الإيجاز إلى إيجاز قصر وإيجاز حذف، وتقسيم تقليل اللفظ إلى إخلال وغيره، وتقسيم زيادته إلى تطويل وغيره، تبع فيه جميعه الرمانى. قال الرمانى: والإيجاز على ثلاثة أوجه: الإيجاز بسلوك الطريق الأقرب دون الأبعد، والإيجاز باعتماد الغرض دون سعة، ومن الإيجاز بإظهار الفائدة ما يستحسن دون ما يستقبح. ثم قال: الإيجاز: تهذيب الكلام بما يحسن به البيان، والإيجاز: تصفية الألفاظ من الكدر، والإيجاز: إظهار المعنى الكثير باللفظ اليسير.
قال عبد اللطيف البغدادى فى قوانين البلاغة: إنه يوافقه فى المعنى لا فى اللفظ وقال: هى ستة أزواج متقابلة، البسط وهو يعبر بقول عما يمكن أن يعبر عنه باسم، أو بقول كثير الأجزاء عما يمكن أن يعبر عنه بقول قليلها، ويقابله القبض وهو عكس ذلك والاختصار وهو أن يقتصر من أشياء يقصد التعبير عنها، على ما إذا صرح بلفظ فهم به
الباقى. ويقابله: التطويل، وهو أن يصرح بجميع الألفاظ التى يلزم بعضها بعضا، أو يذكر بعضها ببعض، والإجمال: وهو أن يعبر عن الأشياء الكثيرة باسم جنسها، ويقابله التفصيل، وهو أن يذكر تلك الأشياء واحدا واحدا. والتكرير: إما بإعادة اللفظ بعينه، أو بلفظ مرادف للأول، أو يذكر مبسوطا مرة، ومقبوضا أخرى. أو يذكر مجملا مرة، ومفصلا أخرى. ويقابله الإفراد والإضمار أن يسكت عن أشياء اتكالا على أن السامع يأتى بها من قبل نفسه، ويضيفها إلى التى نطق بها القائل؛ لوضوحها أو لقرينة حالية. والفرق بينه وبين الاختصار: أن الذى ينبه على الشئ فى الاختصار، هو شئ من نفس القول، والمنبه فى الإضمار شئ من خارج، والتصريح عكسه.
والإيجاز: الاقتصار على المعانى الضرورية فى بلوغ الغرض، وعلى أقل ألفاظها الدالة عليها عددا. والتذييل: أن يضيف إلى المعانى الضرورية سائر الأشياء التابعة للتزيين والتفخيم.
وأدلته كثيرة:
منها: أن يدل العقل عليه، والمقصود الأظهر على تعيين المحذوف؛ نحو:
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ (1).
ــ
ص: (وأدلته كثيرة إلى آخره).
(ش): لما كان الحذف لا يجوز إلا لدليل، احتاج إلى ذكر أدلته؛ ليعلم أنه لا بد للحذف من أحدها. فإن قلت: قد قسم النحاة الحذف إلى حذف اقتصار، وحذف اختصار، وفسروا الحذف اقتصارا: بأن يحذف لا لدليل. فقد أثبتوا حذفا لا لدليل.
(قلت): هى عبارة مختلة أو اصطلاح لا مشاحة فيه، والحق أنه لا حذف فيه إذا ثبت ذلك، فالدليل تارة يدل على محذوف مطلق، وتارة على محذوف معين. فمنها العقل إذا دل على أصل الحذف من غير دلالة على تعيينه، بل يستفاد التعيين من دليل آخر، كقوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ فإن العقل يدل على أنها ليست المحرمة؛ لأن التحريم لا يضاف إلى الأجرام، فتعين حذف شئ. (قلت): وقد تقدم أنه ينقل عن الحنفية أنهم يرون أن التحريم والتحليل يضافان إلى الذوات، وأما تعيين ذلك المحذوف وأنه التناول، فاستفيد من دليل آخر، وهو أن التناول هو المقصود الأظهر، أى: الأغلب فى الميتة إرادة أكلها، وكذلك: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ (2) فى إرادة النكاح، وهذا الذى قاله بناء على مذهب الجمهور. أما من جعله مجملا، فلا ظهور، ولا تعيين، إلا بدليل خارجى. وأما من قال: الميتة عبر بها عن أكلها، فلا حذف.
(قلت): وفيما قاله المصنف نظر من وجهين:
أحدهما: أن الدليل المسوغ للحذف لا بد أن يكون دليلا على تعيين المحذوف، إما لفظيا كالمعين، أو خارجيا كما فى المجمل، لا على أصل الحذف. فإن أراد أن العقل دل على أصل الحذف، فليس ذلك دليلا مسوغا للحذف، إلا لغرض الإبهام.
وإن أراد أن العقل دل على أصل الحذف، والظهور دل على تعيينه. فالدال حينئذ على المحذوف المعين، وهو الظهور فالأولى أن يقال: ظهور إرادة المحذوف دليل عليه. وتارة يجوز العقل مع ذلك إرادة المنطوق به، وتارة لا يجوز بأن يدل العقل على استحالة إرادته.
(1) سورة المائدة: 3.
(2)
سورة النساء: 23.
ومنها: أن يدل العقل عليهما؛ نحو: وَجاءَ رَبُّكَ (1) أى: أمره أو عذابه (2).
ــ
الثانى: أن قوله: أدلته كثيرة منها أن يدل العقل لا يصح؛ لأن يدل العقل ينحل إلى دلالة العقل، فكأنه قال: أدلته الدلالة، وهو فاسد. وتأويله: إما بأن يؤول الأدلة على الدلالات وهو الأولى، أو يؤول: أن يدل بالدلالة التى بمعنى الفاعل، كما هو قول فى: عسى زيد أن يقوم. كما يؤول الموصول الحرفى وصلته بالمصدر، بمعنى المفعول فى قول ضعيف، ذكره جماعة فى قوله سبحانه: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وقوله سبحانه: وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ (4) ويقرب مما نحن فيه، قولك: زيد أكرم على من أن أضربه. نقل الشيخ أبو حيان فى تذكرته، عن صاحب البديع، أن" أن" فيه بمعنى الذى، وفيه نظر؛ لأن" أن" لا تكون بمعنى الذى، ولأنه كان يلزم أن يقول: أنا أكرم على زيد من أن أضربه.
ونقل الشيخ أبو حيان عن بهرمان أن هذا وقع جوابا لمن قال: أنت تريد أن تضربنى، فمعناه: أنت أكرم على ممن يقدر فى نفسه ذلك. انتهى.
وصحة قولك: أنا أكرم على زيد من أن أضربه، يشهد لها مع كثرة الاستعمال.
وذكر سيبويه لها فى كتابه، قوله صلى الله عليه وسلم:" أنا أكرم على الله من أن يعذبنى بذات الجنب" ثم قال: ومنها - أى من أدلة الحذف - أن يدل العقل عليهما أى: على الحذف والتعيين، نحو: قوله تعالى: وَجاءَ رَبُّكَ أى: أمره، أو عذابه؛ لأن العقل دل على أصل الحذف لاستحالة مجئ البارى سبحانه وتعالى عقلا، فإن ذلك يستلزم الجسمية، ودل العقل أيضا على التعيين، وهو الأمر أو العذاب. (قلت:) فإذا كان محتملا لهما، فأين التعيين؟ إلا أن
يكون أراد بقوله: الأمر الذى بمعنى العذاب، أو العذاب، وذلك اختلاف فى العبارة فقط، لا فى المعنى.
(1) سورة الفجر: 22.
(2)
قوله: أى: أمره أو عذابه فيه نظر، فإن السلف لا يرون هذا التأويل، بل يثبتون لله صفة المجئ بمقتضى ظاهر هذه الآيات، ولا يوجب العقل الصريح هذا التأويل الذى ذكروه، وانظر: مختصر الصواعق المرسلة لابن القيم رحمه الله فقد أجاب عن تأويل الفرق الكلامية لصفة المجئ وغيرها، فى حديثه عن كسر طاغوت المجاز خ خ.
(3)
سورة البقرة: 3.
(4)
سورة يونس: 37.
ومنها: أن يدل العقل عليته، والعادة على التعيين؛ نحو: فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ (1)، فإنه يحتمل فى حبه خ خ؛ لقوله تعالى: قَدْ شَغَفَها حُبًّا (2). وفى مراودته خ خ؛ لقوله تعالى: تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ (3)، وفى شأنه حتى يشملهما، والعادة دلت على الثانى؛ لأن الحب المفرط لا يلام صاحبه عليه فى العادة؛ لقهره إياه.
ــ
واعلم أن الزمخشرى قال: إن هذه الآية الكريمة تمثيل. مثلت حاله - سبحانه - فى القهر، بحال الملك إذا حضر بنفسه. فعلى هذا لا حذف فى الآية الكريمة وإن أراد التعيين فيهما، بمعنى عدم الثالث، فذلك ليس بتعيين، ثم هو ممنوع؛ لأن العقل لا ينفى تقدير عباد ربك أو جنود ربك، وغير ذلك فهذا كالقسم الأول.
ومنها أن يدل العقل على أصل الحذف، وتدل العادة على تعيين المحذوف، كقوله سبحانه: فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ العقل دل على أنه لا بد من محذوف؛ لأن الشخص لا يلام إلا على الفعل. واحتمل أن يكون التقدير فى حبه لأجل: شَغَفَها حُبًّا أو فى مراودته لأجل تُراوِدُ فَتاها وأن يكون فى شأنه وأمره، والعادة دلت على إرادة المراودة لأن الإنسان لا يلام على الحب المفرط، لأنه يقهر صاحبه، إنما يلام على المراودة التى يقدر على دفعها.
(قلت): كلامه متهافت؛ لأنه قال: العقل دل على الحذف، لأن الإنسان لا يلام إلا على ما هو من كسبه، ثم جعله محتملا لثلاثة أمور - أى يجوزها العقل - منها: إرادة الحب، ثم قال: إن الحب ليس من الكسب، فيلزم أن يكون احتمال الحب منفيا عقلا.
ثم إنه جوز أن يكون المراد الحب والمراودة، أو الأمر المطلق، وأقام الدليل على عدم إرادة الحب، فأثبت المراودة، وقد نفى الاحتمال الآخر، وهو إرادة الأمر الذى يشملها، فلم يذكر ما يدفعه. وهذا الاحتمال يرجحه القول الذاهب
إلى أن المقتضى عام، وهو أحد قولى الشافعى، ومنصوصه فى الأم وإن كان مرجوحا عند الأصوليين. ومنها العادة بأن تدل على أصل المحذوف، وعلى التعيين، وذلك بأن يكون العقل غير مانع من إجراء اللفظ على ظاهره من غير حذف، كقوله سبحانه: لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ (4) أى:
مكان قتال، والمراد مكانا صالحا للقتال. وإنما كان كذلك لأنهم كانوا أخبر الناس بالقتال، والعادة تمنع أن يريدوا: لو نعلم حقيقة القتال؛ فلذلك قدره
(1) سورة يوسف: 32.
(2)
سورة يوسف: 30.
(3)
سورة يوسف: 30.
(4)
سورة آل عمران: 167.
ومنها: الشروع فى الفعل؛ نحو: (باسم الله)؛ فيقدّر ما جعلت التسمية مبدأ له.
ومنها: الاقتران؛ كقولهم للمعرّس: بالرّفاء والبنين أى: أعرست.
ــ
مجاهد مكان قتال. ويدل على ذلك أنهم أشاروا على النبى صلى الله عليه وسلم، بأن لا يخرج من المدينة.
(قلت): وتعيين المحذوف هنا دل عليه السياق والقرينة. وأما تسمية ذلك عادة ففيه نظر.
وأيضا قيل: إن المراد لو نعلم أنه يعرض لكم قتال ما، أو لو نعلم أن ما أنتم متوجهون إليه قتال؛ لكنه ليس بقتال، بل هو إلقاء النفس إلى التهلكة، فعلى هذين لا حذف.
ومنها الشروع فى الفعل نحو: باسم الله فيقدر ما جعلت البسملة مبدأ له، فإن كانت عند الشروع فى القراءة قدرت أقرأ، أو إلا كل قلت: آكل كذا قال المصنف. وقد اختلف الناس هل يقدر فى مثله الفعل، أو الاسم المصدر؟ واختلفوا: هل يقدر عام كالابتداء، أو خاص كما ذكره؟
ومنها أن يدل الاقتران على المحذوف المعين، كقولهم لمن أعرس: بالرفاء والبنين أى:
بالرفاء والبنين أعرست. قلت: وهذا الدليل يغنى عن ذكر الدليل السابق، فإن السابق داخل فى هذا، فلم يكن به حاجة لذكر الشروع. قال الخطيبى: ومنها أن يدل عرف اللغة على الحذف، والقرينة الحالية على التمثيل. ثم ذكر المثل المشهور: إن لا حظية فلا ألية، أى: إن لم توجد حظية، فلا تترك ألية. والحظية ذات الحظوة عند زوجها. والألية:
بمعنى الآلية اسم فاعل من ألا إذا قصر. وأصله أن رجلا تزوج امرأة، فلم تحظ عنده، ولم تكن بالمقصرة فيما
يحظى النساء عند أزواجهن، فقالت له: إن لا حظية، فلا ألية أى: إن لم يكن لك حظية، لأن طبعك لا يلائم النساء، فإنى غير مقصرة فيما يلزمنى للزوج. فحظية مرفوع؛ لأنه فاعل المضمر الذى هو يكن من كان التامة، وألية خبر مبتدأ تقديره: فأنا لا ألية أى: غير ألية. ويجوز نصب حظية وألية على تأويل: إن لا أكن حظية، فلا أكون ألية. وهو مثل يضرب فى مداراة الناس والتودد لهم، قال ذلك الزمخشرى فى الأمثال.
وفيما قاله الخطيبى نظر؛ لأن اطراد عرف اللغة بالحذف ليس دليلا على الحذف، بل هو حذف مطرد يحتاج لدليل، وهو القرينة. ثم ذكر من مواضع الحذف ما لا حاجة لذكره، لدخوله فى كلام المصنف وغيره، ممن أطلق القرينة اللفظية أو الحالية. نعم من أعظم الأدلة على الحذف اللغة، وذلك مثل قولك: ضربت، فإن اللغة قاضية أن الفعل المتعدى لا بد له من مفعول، فاللغة دلت على أصل الحذف لا تعيينه، وكذلك المبتدأ المحذوف، والخبر، والفاعل عند من أجاز حذفه.