الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العطف على المسند إليه:
وأمّا العطف، ف:
1 -
لتفصيل المسند إليه مع اختصار، نحو: جاءنى زيد وعمرو.
ــ
فإذا بنيته للمفعول فقلت: سلب زيد، ينبغى أن تقول: ثوبه منصوبا فإن قلت: سلب زيد ثوبه على أن يكون ثوبه مرفوعا على بدل الاشتمال، صار معنى الكلام: سلب ثوب زيد، فتحتاج حينئذ لمفعول ثان، ويصير المعنى: سلب ثوب زيد بياضه مثلا، وهو معنى لا ينطبق على قولنا: سلب زيد، ثم إن المشتمل فى بدل الاشتمال هو الأول لا الثانى، والثوب مشتمل على زيد لا بالعكس، فلا يصح. نعم إن ثبت أن سلب يستعمل متعديا لمفعول واحد بمعنى أخذ، صح ذلك، والأولى التمثيل بقولك: أعجبنى زيد علمه. فان قلت: هلا ذكر بدل الغلط وبدل البداء؟ قلت: لأنهما كالمستقلين بأنفسهما عن المبدل منه، فلا نسبة بينهما يتكلم عليها، على أن فى ثبوت بدل الغلط فى كلام العرب خلافا ثم نقول: ليسا فصيحين، فليسا من موضوع هذا العلم.
ومن البدل فى غير المسند إليه: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ (1) وهذه أقسام البدل لا غيرها بالاستقراء، وما يتوهم بعضهم من أن ثم قسما يقال له: بدل كل من بعض، فى نحو: رأيت القمر فلكه، وهم فإن وقع شئ من ذلك فى كلام معتبر، فهو بدل كل من كل، غايته أن البدل اشتمل على زيادة معنى ليس فى المبدل،
وذلك لا ينافى البدلية، وهذا التخريج أحسن من حمله على بدل الغلط. وحكم المصنف بأن: جاء زيد أخوك، بدل، وأن جاء صديقك زيد، عطف بيان مع صلاحية كل منهما لهما. فيه نظر، ولا يصح الاعتذار بأن صديقك عام، فكان الخاص بيانا، وإذا عكس لم يتجه البيان؛ لأن العام فى هذا المثال أريد به الخاص، ولا يمتنع أن يقع العام المراد به الخاص بدلا ومبدلا منه.
العطف على المسند إليه:
ص: (وأما العطف إلخ).
(ش): يريد عطف النسق، ويكون لأحد أشياء:
الأول: أن يقصد تفصيل المسند إليه مع الاختصار، نحو: جاء: زيد، وعمرو، وبكر.
(1) سورة الفاتحة: 6، 7.
2 -
أو المسند كذلك؛ نحو: جاءنى زيد فعمرو، أو ثمّ عمرو، أو جاءنى القوم حتى خالد.
ــ
الثانى: أن يقصد تفصيل المسند مع اختصار، نحو: جاء زيد فعمرو؛ لأن عطفه بالفاء يقتضى إسناد فعلين إليهما، هكذا نقل عن سيبويه. وينبغى أن يسمى هذا تعدد المسند إليه والمسند معا، ويلزم من تعدد المسند إليه، تعدد المسند. ففى جاء زيد، وعمرو، ولا شك أنهما مجيئان؛ لاستحالة صدور الفعل الواحد من فاعلين؛ إلا إذا حصل التعاون فيه، مثل: حمل الصخرة زيد وعمرو وبكر على تكلف فيه، فإن كل واحد، إنما حمل بعضها؛ لكن يصدق أن حملها، فعل صدر من جماعة اشتركوا فيه، فأما قول سيبويه فى نحو: مررت بزيد وعمرو، أنه مرور واحد بهما، بخلاف مررت بزيد فعمرو، فسببه أن الفاعل واحد فيمكن فيه ذلك.
وقد يقال: إنك إذا قلت: قام زيد وعمرو، فقد جردت من قيامهما حقيقة كلية واحدة، أخبرت بها، ولذلك كان العامل فى المعطوف عليه، هو العامل فى المعطوف، ولا يتضح هذا المعنى فى العطف فى الفاء؛ لأن الترتيب ينفى إرادة الحقيقة الكلية؛ وإن كان يمكن القول به بأن يخبر بالقيام، ويريد به ما يشمل القيامين معا، وكذلك يتعدد المسند إذا كان العطف بثم، أو حتى، غير أنه لا بد فى حتى من تدريج. قال المصنف:
كما ينبئ عنه قول الشاعر:
وكنت فتى من جند إبليس فارتمى
…
بى الحال حتى صار إبليس من جندى
فلو مات قبلى كنت أحسنت بعده
…
طرائق فسق ليس يحسنها بعدى (1)
وأورد على المصنف أن حتى هذه ليست عاطفة.
(قلت): لا يخفى على المصنف ذلك؛ لكنه أراد أن يمثل لدلالة حتى على التدريج، وهى تدل عليه عاطفة كانت، أم غير عاطفة، ولهذا قال: كما ينبئ عنه قوله، ولم يقل: ومنه قوله. أو يكون بناء على أن حتى تعطف الجمل؛ لكن فيه بعد؛ لأن ارتمى بى الحال، لا يستقل بمعنى الكلام.
(1) البيتان لأبى نواس، والأول منهما فى المفتاح ص 102، وحتى فيه ليست عاطفة، وإنما يقصد التمثيل بها لإفادتها التدريج، وإنما لم تكن عاطفة لأن المشهور أنها لا تأتى فى عطف الجمل، ولأن الجملة قبلها لا يستقل بها الكلام حتى يصح العطف عليها عند من يقول بصحة العطف بها فى الجمل.
3 -
أو ردّ السامع إلى الصواب؛ نحو: جاءنى زيد لا عمرو.
4 -
أو صرف الحكم إلى آخر؛ نحو: جاءنى زيد بل عمرو، وما جاءنى عمرو بل زيد.
5 -
أو الشكّ أو التشكيك للسامع؛ نحو: جاءنى زيد أو عمرو.
فصل (1) المسند إليه:
وأما فصله، ف:
- لتخصيصه بالمسند.
ــ
الثالث: أن يقصد رد السامع من الخطأ إلى الصواب، كقولك: جاءنى زيد لا عمرو، ولمن اعتقد مجئ عمرو فقط، أو مشاركته لزيد، كذا قالوه، وفيه نظر: لأن من اعتقد مجئ عمرو فقط، حصل رده عن الخطأ بقولك: جاء زيد، وقولك: ما جاءنى زيد، لكن عمرو، لمن اعتقد مجئ زيد، دون عمرو، وكذلك العطف ببل.
الرابع: أن يقصد الشك، أو التشكيك، نحو: جاء زيد أو عمرو، أو إما زيد أو إما عمرو أو إما زيد وإما عمرو وزاد فى الإيضاح: أو أن يقصد إبهام نحو: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (2) ولك أن تقول: هذا تقريب من التشكيك، أو الإباحة، أو التخيير. والفرق بينهما أن الإباحة لا تمنع كلا منهما، مثل: جالس الحسن، أو ابن سيرين، والتخيير يمنع نحو: خذ من مالى درهما، أو دينارا وانكح هذه الأخت، أو هذه. وفيه نظر سنذكره فى باب الأمر.
واعلم أن لحروف العطف السابقة استعمالات أخر، مذكورة فى علم النحو، تركناها لأنا نذكر فى هذا العلم ما يتعلق
بمعانى الحروف، لا ما يتعلق بحروف المعانى. فإن أحكام الحروف واستعمالاتها من موضوع علم النحو، وأيضا فالظاهر أن تلك الاستعمالات غير فصيحة.
فصل (3) المسند إليه:
ص: (وأما الفصل فلتخصيصه بالمسند).
(ش): المراد: فصل المبتدأ من الخبر بضمير الفصل، ويحتمل أن يريد: وأما إتيان ضمير الفصل، والفصل هو صورة ضمير واقع بين المبتدأ والخبر، أو ما أصلهما كذلك،
(1) أى: تعقيب المسند إليه بضمير الفصل.
(2)
سورة سبأ: 24.
(3)
أى: تعقيب المسند إليه بضمير الفصل.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهو الذى يسميه الكوفيون: عمادا، وبعضهم يسميه: دعامة، والبصريون: فصلا، والمنطقيون: رابطة، وله أحكام يطول ذكرها.
وفائدته كما ذكره المصنف إفادة اختصاص المسند إليه بالمسند، فإذا قلت: زيد هو القائم، معناه أنه لا قائم غيره، وقد صرح به الزمخشرى، عند قوله تعالى: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (1) واستدل له السهيلى، بأنه أتى به فى كل موضع ادعى فيه نسبة ذلك المعنى إلى غير الله تعالى، ولم يؤت به حيث لم يدع، وذلك فى قوله تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى (2) إلى آخر الآية، وذكر نحوه التنوخى، غير أنه جعل الضمير للتأكيد، ولم يذكر الحصر. وفيما قالاه نظر؛ لقوله تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا (3) مع قوله:
وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (4) فالإحياء خلق، وإن كان الخلق لم ينسبه أحد لغير الله تعالى فقد أتى فيه بضمير الفصل فى قوله سبحانه: وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا على خلاف ما زعماه، وإن كان الإماتة والإحياء قد نسبا لغير الله تعالى، كما تضمنه قول النمرود: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ (5) فقوله تعالى: وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ لم يؤكده بالفصل مع أنه منه. ثم ما قالاه ليس بصحيح؛ لأن هذا الضمير، لا يصح إعرابه فصلا؛ لأن الفصل لا يقع قبل خبر هو فعل ماض، وقد توجد دلالة الفصل على الحصر من مواضع من القرآن، منها قوله تعالى: فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ (6) لأنه لو لم يكن للحصر، لما حسن؛ لأن الله لم يزل رقيبا عليهم، وإنما الذى حصل بتوفيه أنه لم يبق لهم رقيب غير
الله تعالى، وينبغى لهذا أن يتعين إعرابه فصلا. ومنها قوله تعالى: لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ (7) فإنه ذكر لتبيين عدم الاستواء، وذلك لا يحسن، إلا بأن يكون الضمير للاختصاص، وبهذا تعين إعراب هم هنا فصلا، لا تأكيدا، ولا مبتدأ ثانيا إلا أن يقال فى هذا كله: إن الحصر يحصل من تعريف الخبر، ومثل فى الإيضاح بقولك: زيد هو يقوم. وليس بصحيح؛ لأنه ليس بفصل؛ لأن بعده فعلا مضارعا. وأما المصنف والبيانيون فاتبعوا فيه الجرجانى، فإنه ذكر ذلك فى شرح
(1) سورة البقرة: 5.
(2)
سورة النجم: 43.
(3)
سورة النجم: 44.
(4)
سورة النجم: 45.
(5)
سورة البقرة: 258.
(6)
سورة المائدة: 117.
(7)
سورة الحشر: 20.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الإيضاح، والجمهور على خلافه، ومما يدل على الحصر أيضا، قوله تعالى: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (1) وقوله تعالى: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ (2) لأن الإنكار فى الآيتين لا يحصل إلا بالحصر.
(تنبيه): فائدة الحصر غير منحصرة فى التخصيص، بل يفيد أيضا التأكيد، كما صرحوا به، ويفيد أيضا الدلالة على أن ما بعده خبر لا صفة، على خدش فى ذلك محله علم النحو؛ لأن هذه الفائدة من حظ النحوى، لا من حظ البيانى. وهذه الفوائد الثلاث، ذكرها الزمخشرى عند الكلام على قوله تعالى: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (3).
(تنبيه): قال ابن الحاجب فى شرح المفصل: إن الفصل ضمير مؤكد لما قبله، وقال فى أماليه: إن ضمير الفصل ليس تأكيدا؛ لأنه لو كان، فإما أن يكون لفظيا، أو معنويا، لا جائز أن يكون لفظيا؛ لأن اللفظى إعادة اللفظ الأول، مثل: زيد زيد، أو معناه مثل:
قمت أنا، والفصل ليس هو المسند إليه، ولا معناه؛ لأنه ليس مكنيا به عن المسند إليه، ولا مفسرا له، ولا جائز أن يكون معنويا؛ لأن المعنوى التأكيد بألفاظ محصورة، كالنفس والعين.
(تنبيه): وما قاله من كون الفصل، لا يعود لما قبله حسن دقيق، ولا سيما إذا قلنا: إن الفصل حرف، غير أنه قد
يخدش فيه، أنه يشترط مطابقته له فى إفراد، وتثنية، وجمع، إلا أن يقال: حوفظ على المطابقة الصورية. وأما قوله: إنه ليس تأكيدا، ففيه نظر، ولا يسلم أن التأكيد منحصر فيما ذكره؛ لأن التأكيد الذى ذكره هو التوكيد الذى تكلم عليه النحاة فى باب التابع؛ ولكنه تأكيد باصطلاح الأصوليين وأهل المعانى، وهذا كما أن التأكيد يكون بأن واللام. وكأنه توهم أن المراد: أن الفصل تأكيد للمسند إليه، وليس كذلك، بل هو تأكيد للجملة، كما قدمناه فى أوائل هذا الشرح.
وبمجموع ما ذكرناه، وما ذكره ابن الحاجب، اتجه إشكال فى قول النحاة: إن الفصل لا يجتمع مع التأكيد، فلا يقال: زيد نفسه هو القائم؛ لأنا نقول: نفسه تأكيد
(1) سورة الكوثر: 3.
(2)
سورة الشورى: 9.
(3)
سورة البقرة: 5.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
للمبتدأ لا للجملة، فلم يجتمع تأكيدان على شئ واحد. ثم ما المانع من اجتماع التأكيد والفصل، وأنت تقول: جاء زيد نفسه عينه، وجاء زيد نفسه، ولا حاجة بعد ثبوت كلمتين فى استعمالين إلى سماعهما من العرب مجتمعين؟ ولهذا تقول: جاء الزيدون كلهم أجمعون أكتعون أبصعون أبتعون، من غير توقف على ورود السماع بها مجتمعة.
واعلم أن الفصل اتفق جمهور النحاة على أنه حرف لا اسم، والقائلون بأنه اسم، أكثرهم على أنه لا محل له من الإعراب، والقائلون بأن له محلا، منهم الكسائى قال:
إن محله باعتبار ما قبله، والفراء قال: باعتبار ما بعده. فما ذكرناه من أنه تأكيد للحكم على قول الجمهور: إنه حرف، أو اسم، ولا موضع له. وإن قلنا بمذهب الكسائى، أنه اسم محل إعرابه ما قبله، فقد قال ابن مالك فى شرح التسهيل: إنه يجعله تأكيدا لما قبله، وإنه باطل، والذى أفهمه من هذا القول، أنه إنكار لحقيقة الفصل بالكلية، وادعى أن ما يسميه غيره فصلا نوع من أنواع التأكيد اللفظى، وأنه توكيد للظاهر بالمضمر؛ ولذلك كان باطلا؛ لأن غيره لا يجيز تأكيد الظاهر بالمضمر وإذا كان كذلك، فلا يرد علينا حينئذ مذهب الكسائى؛ لأنه إنكار للفصل، ولم يثبت لنا من أثبت الفصل وجعله تأكيدا للمسند إليه فلم يبق إلا قول الفراء: إن له اعتبار ما بعده، وهو مذهب شاذ، لا علينا منه، وليس يلزمه من إعطائه اعتبار ما قبله، أن يكون تأكيدا له فليتأمل.
وأما قول الخطيبى فى شرح المفتاح: إن الفصل تأكيد للمسند إليه؛ لأن إعرابه إعراب المسند إليه على المختار،
فليس بصحيح، واختياره ذلك لا يرجع إليه فيه.
(تنبيه): قول المصنف: تخصيصه، أى: تخصيص المسند إليه، بالمسند، وهذه العبارة هى الصواب. وأما قول السكاكى فى المفتاح: تخصيص المسند بالمسند إليه فهو سهو منه فليتأمل.
وقال الطيبى فى التبيان: الفصل لتخصيص المسند بالمسند إليه، أو عكسه، وهو وهم أيضا. والظاهر أنه وجد كلا من العبارتين فى كلام المصنفين، فجمع بينهما توهما أنهما صحيحتان، إلا أن يريد ما ذكرناه من تخصيص الأول بالثانى بكل حال. ويعنى بالمسند إليه: الاسم الجامد، وبالمسند: المشتق، تقدم أو تأخر، فقولك: زيد هو
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
القائم، تخصيص المسند إليه وهو زيد، بالقائم وهو المسند؛ لأن معناه ما القائم إلا زيد، وقولك: القائم هو زيد، تخصيص المسند وهو القائم، بالمسند إليه وهو زيد؛ لأن المخصص أبدا هو الأول؛ والمخصص به هو الأخير؛ لكن القول بأن الصفة هى المبتدأ تقدمت، أو تأخرت، خلاف قول الجمهور. والراجح أن السابق من المعرفتين مبتدأ، واللاحق خبر.
(تنبيه): ترتب على عبارة السكاكى، وهو قوله: إن الفصل لتخصيص المسند بالمسند إليه فساد وهو أن المشايخ: ناصر الدين الترمذى، وشمس الدين الخطيبى، وعماد الدين الكاشى، أوردوا فى شروحهم للمفتاح سؤالا، وهو أن الفصل إذا كان لتخصيص المسند بالمسند إليه، فهو صفة المسند لا المسند إليه؛ لأن تخصيص المسند صفة للمسند ثم اختلفوا فى جوابه، فأجاب الترمذى: بأن الفصل يقترن أولا بالمسند إليه، ثم بواسطة اقترانه به، يحصل تخصيص المسند به، ورد الخطيبى هذا الجواب:
بأن لا نسلم أن اقترانه بالمسند إليه بحسب المعنى الذى هو التخصيص؛ بل اقترانه بحسب التخصيص بهما على السواء. وإنما يقترن بالمسند إليه أولا بحسب اللفظ، ولا اعتبار للاقتران اللفظى. وأجاب الكاشى: بأن فائدة الفصل بالذات موصوفية المسند إليه بالمسند دون غيره، ويلزم منه تخصيص المسند بالمسند إليه، ورده الخطيبى، بأن فائدة الفصل بحسب اللفظ: أن يعلم أن ما بعده خبر، وبحسب المعنى: تخصيص المسند، وعلى التقديرين: فائدته ترجع بحسب الذات إلى المسند، وأن قوله: فائدة الفصل موصوفية المسند إليه بالمسند ممنوع، ولم لا تكون فائدته، كون المسند صفة للمسند إليه دون غيره؟ اه.
وأجاب الخطيبى المشار إليه بأن الفصل عبارة عن المسند إليه ومؤكد له؛ لأنه فى المعنى تكرار له، وإعرابه إعراب المسند إليه على المختار، ويدل على أن المسند إليه معنى يوجد فيه المسند، ولا يوجد فى غيره؛ فلذلك جعل الفصل من الاعتبار الراجع إلى المسند إليه.
(قلت): قد بنوا هذا السؤال على ظنهم صحة قول السكاكى: فائدة الفصل تخصيص المسند بالمسند إليه. وقد ذكرنا أنها فاسدة، فلا محل للسؤال بالكلية، ولزم منه فساد الأجوبة السابقة، فإنها مبنية على فساد.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثم فى كلامهم السابق نقود كثيرة، منها قول الخطيبى: إن الاقتران اللفظى، لا أثر له فى جعل الفصل من أحوال المسند إليه. وليس كما قال، بل الاقتران اللفظى بأحد الطرفين، إذا كان المعنى بالنسبة إليهما على السواء، يرجح به، وربما رجح به مع التفاوت فى المعنى، ألا ترى أن قولك: القائم زيد، يكون القائم هو المبتدأ والمسند إليه لسبقه لفظا؟ ثم إن الخطيبى ناقض هذا الكلام فى بحثه مع الكاشى، واعتبر قول النحاة: إن فائدة الفصل بيان أن ما بعده خبر، وذلك اعتبار لفظى أيضا.
ومنها قول الخطيبى: الفصل عبارة عن المسند إليه، ومؤكد له، وتكرار له، وإعرابه إعرابه، كل ذلك ممنوع.
(قوله: ويدل على أن المسند إليه معنى يوجد فى المسند، ولا يوجد فى غيره) معارض بأن يقال: هو معنى يوجد فى المسند إليه، ولا يوجد فى غيره، كما فعل هو فى جواب الكاشى سواء بسواء. وإذا تقرر فساد هذا السؤال وجوابه؛ فلنذكر نحن السؤال على التحقيق، بالعكس مما ذكروه، ونقول: الأولى أن يجعل الفصل من الاعتبارات الراجعة إلى المسند إليه أو إلى المسند أو إلى الاسناد ولا شك أن هذا يلتفت عن أن تأكيد الفصل للجملة أو للمفرد، فمقتضى ما سبق أن يقال: للفصل ثلاث فوائد:
التأكيد، والتخصيص، وأن ما بعده خبر. فإن نظر للفائدة الأولى فأولى أن يجعل من اعتبارات الإسناد؛ لأنه توكيد للحكم، كما جعل التأكيد بأن من اعتباراته. ودخوله فى وسط الكلام لا ينافى ذلك، كما أن لام الابتداء تدخل بين المسند إليه والمسند، والتأكيد بها من اعتبارات الإسناد، كما سبق.
وإن نظرنا إلى فائدة التخصيص، فالأولى أن يجعل من اعتبارات المسند إليه، لأن الفصل تخصيص المسند إليه بالمسند، فالفصل مخصص بالكسر، والمسند إليه مخصص بالفتح، والمسند مخصص، فأثر الفصل معنى يتعدى منه إلى المسند إليه، ويصير قائما بالمسند إليه فعلم أن نسبته إلى المسند إليه أولى. ولما كان المصنف وغيره من أهل هذا العلم، إنما عولوا على أن فائدة الفصل التخصيص، ولم يعولوا على التأكيد، جعلوه من أحوال المسند إليه. وإن نظرنا إلى الفائدة الثالثة، وهى أن ما بعده ليس تابعا؛ صح أن يجعل من أحوال المسند إليه؛ لأنه يسرع إعطاءه لخبره، وصح أن يجعل من أحوال المسند؛ لأنه يبين خبريته.