الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الصحيح أى: أرسوا السفينة نزاول الحرب، أو للسفينة على قول غيره فلا يحسن جزمه ولا جعله حالا لفوات معنى التعليل حينئذ، بل يتعين الرفع على القطع، قال الخطيبى مثل: قم يدعوك؛ لأن المراد بقوله: يدعوك تعليل الأمر بالقيام، ولا يحسن جعله مجزوما؛ لأنه ينعكس المعنى ويصير القيام سببا للدعاء ولو أردت ذلك لجزمت، قلت: وفى هذا نظر؛ لأن نزاولها لا يمنع جزمه ولا ينعكس المعنى لأن المزاولة قد تترتب على الإرساء، ولا سيما إذا عاد الضمير على الحرب ويكون المراد مزاولتهم وأهل السفينة، وقوله: قم يدعوك، فى التمثيل به نظر؛ لأن يدعوك خبر فى معنى الإنشاء، فليس مما نحن فيه، ولو كان لى تصرف فى هذا البيت لقدمت حتف على كل، وقلت: حتف كل امرئ يجرى بمقدار، لما لا يخفى من أن الحتف ليس متجزئا ولا متعددا بالنسبة إلى كل فرد حتى يؤتى فيه بكل بخلاف امرئ، فإنه يؤتى فيه بكل ليفيد استغراق الأفراد، وجعل المصنف هذا من قسم ما ليس له محل؛ رعاية للكلام المحكى كما سبق، لا للحكاية وقد جعل السكاكى مما نحن فيه قول اليزيدى:
ملّكته حبلى، ولكنّه
…
ألقاه من زهد على غاربى
وقال: إنّى فى الهوى كاذب
…
انتقم الله من الكاذب (1)
وحمله الجرجانى على الاستئناف بتقدير قلت: المعنى، وقال: أنت فى الهوى كاذب، قلت: انتقم وهو واضح؛ فإنه لا يصح أن يكون مما نحن فيه إلا إذا كان انتقم الله من كلام المحكى عنه وفيه بعد، وينبغى أن يعلم أنا إذا جعلناه استئنافا كان مقطوعا عن وقال، فيمكن أن يقال: إنه من قطع الاحتياط الذى يكون لشبه الانقطاع؛ لأن عطفها على قال يوهم عطفها على إنى.
(تنبيه):
اعترض الخطيبى على المصنف فقال: التقدير أن الجملة الأولى لا محل لها، والأولى فى البيت لها محل؛ لأنه مقول إما مفعول به أو مفعول مطلق على اختلاف
(1) البيتان فى دلائل الإعجاز ص 237، وقال الأستاذ محمود شاكر فى تعليقه عليه:" اليزيدى" هو" أبو محمد"،" يحيى بن المبارك بن المغيرة العدوى"، والبيتان غير منسوبين فى الأغانى. 22/ 168.
أو معنى فقط؛ نحو: مات فلان، رحمه الله! أو لأنه لا جامع بينهما؛ كما سيأتى.
وأمّا كمال الاتصال: فلكون الثانية:
مؤكدة للأولى؛ لدفع توهّم تجوّز، أو غلط؛ نحو: لا رَيْبَ فِيهِ؛ * فإنه لمّا بولغ فى وصفه ببلوغه الدرجة القصوى فى الكمال؛ بجعل المبتدأ ذلك خ خ، وتعريف الخبر باللام -: جاز أن يتوهّم - السامع قبل التأمّل: أنّه ممّا يرمى به جزافا؛ فأتبعه نفيا لذلك التوهّم؛ فوزانه وزان نفسه فى: جاءنى زيد نفسه خ خ، ونحو: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ؛ فإنّ معناه: أنه فى الهداية بالغ درجة لا يدرك كنهها حتى كأنّه هداية محضة؛ وهذا معنى: ذلِكَ الْكِتابُ؛ لأنّ معناه - كما مرّ -: الكتاب الكامل، والمراد بكماله: كماله فى الهداية؛ لأن الكتب السماوية بحسبها تتفاوت فى درجات الكمال؛ فوزانه وزان زيد الثانى فى: جاءنى زيد زيد خ خ.
ــ
فى القول هل هو متعد أو لازم؟ قلت: الأولى فى البيت لها محل باعتبار الحكاية؛ لأن قال متسلط عليها على المشهور، وباعتبار المحكى هى مستأنفة لا محل لها؛ لأن أرسوا جملة مستأنفة، والمقصود هنا إنما هو تعليل عدم وصل المحكى عنه.
(الثانى): أن يختلفا خبرا وإنشاء ويكون اختلافهما معنى لا لفظا فيجب الفصل، كقولك: مات فلان رحمه الله، فالأولى: خبرية لفظا ومعنى والثانية: إنشائية معنى لا لفظا؛ لأن لفظ الفعل خبر لا أمر ولا تقل: لأنه ماض كما قال الشارح؛ لأن صيغة المضارع أيضا صيغة خبر ما لم يدخل عليه لام الأمر أو النهى، ويدخل فى هذا القسم صور، أن يكونا خبرين، أولهما: معناه إنشاء، وأن يكونا خبرين، أولهما: معناه خبر، وأن يكونا إنشاءين، أولهما: معناه خبر، وأن يكونا إنشاءين، أولهما: معناه إنشاء، وهذا القسم أيضا مما يأتى فيه الأقسام السابقة كما قدمناه، فالصواب أن ذلك يوجب القطع سواء أكان للأولى محل أم لا بالواو أم غيرها.
(الثالث): أن لا يكون بين الجملتين جامع، وسيأتى تفصيله.
ص: (وأما كمال الاتصال إلى آخره).
(ش): هذا القسم أيضا لا يخفى أنه لا يعود إليه أقسام العطف بغير الواو، وأقسام المحل وعدمه، فكان الاتصال لأحد ثلاثة أمور: أن تكون الثانية مؤكدة أو بدلا أو عطف بيان، وقال السكاكى: وكذا النعت أيضا، والمصنف أسقطه، وسنتكلم عليه،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وذلك لأن التوابع هى هذه الأربعة، والبدل هو المقصود، فإن المبدل منه فى حكم الطرح، وكذلك النعت والمعطوف بيانا والمؤكد كلها هى عين المتبوع، وإذا كان عينه، والعطف يقتضى التشريك كان العطف منافيا لكل من هذه التوابع فعلم أنه لا يجوز حيث أريد أحدهما.
واعلم: أن المراد ينزل منزلة المتبوع هو معنى النسبة ففى قوله تعالى: إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (1) الاستهزاء
ينزل منزلة التابع للاستقرا فى معكم، ولما قرر السكاكى أن كل واحد من هذه التوابع الأربعة لا مدخل للعطف فيه ذكر ما قد يتخيل أنه صفة، وإن كان فيه الواو فمنه قوله تعالى: وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ (2) فأجاب بأن الواو للحال والجملة حالية ووقعت الحال من النكرة؛ لأنها بعد النفى أولى بذلك من النهى فى قوله
لا يركنن أحد إلى الإحجام
…
يوم الوغى متخوّفا لحمام (3)
وقصد مخالفة الزمخشرى فإنه قال: وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ صفة لقرية، وتوسطت الواو لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف، كما نقول: جاءنى زيد عليه ثوب وجاءنى وعليه ثوب، وتبعه أبو البقاء وتبعهما المصنف فى الإيضاح قبيل باب الإيجاز عند الكلام على واو الحال، وليس كما قالوه فإن الواو لا تقع بين الصفة والموصوف وإن وقعت بين الصفتين، ولأن إلا لا تفصل بين الموصوف والصفة، وقال ابن مالك: إن ما زعمه منفرد به، وليس كذلك، فقد تابعه عليه صاحب البديع وابن هشام ومما يدل لما قلناه، وأن النفى يسوغ كون صاحب الحال نكرة قول الفارسى: تقول ما مررت بأحد إلا قائما، حال من أحد، ولا يجوز إلا قائم؛ لأن إلا لا تعترض بين الصفة والموصوف، وقال الزمخشرى فى قوله تعالى: إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ (4): كذلك، وليس
(1) سورة البقرة: 14.
(2)
سورة الحجر: 4.
(3)
البيت من الكامل، وهو لقطرى بن الفجاءة فى ديوانه ص 171، وخزانة الأدب 10/ 163، والدرر 4/ 25، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقى ص 136، وشرح ابن عقيل ص 330، وشرح عمدة الحافظ ص 423، والمقاصد النحوية 3/ 150، وبلا نسبة فى أوضح المسالك 2/ 314، وشرح الأشمونى 1/ 247، وشرح التصريح 1/ 377، وهمع الهوامع 1/ 240.
(4)
سورة الشعراء: 208.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الكلام فيه من غرضنا، وقال فى قوله تعالى: وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ (1): هى صفة لقوله تعالى: سَبْعَةٌ وهى الداخلة على الجملة الواقعة صفة لنكرة، كما تدخل على الجملة الواقعة حالا وما ذكره ضعيف؛ لأن الحال يخالف الصفة بتقدمها على صاحبها ومخالفتها له فى الإعراب ولتخالفهما بالتعريف والتنكير غالبا ذكره ابن مالك، وأيضا فإن الواو إنما دخلت بين الحال وصاحبها؛ لأن الحال فى معنى الجملة، فإن معنى:
جاء زيد راكبا جاء وهو راكب بخلاف جاء زيد الراكب، نقله الطيبى ثم رده وقال:
الصواب العكس، وعندى أن الصواب فى الأول وسنفصل بين الكلامين عند الكلام على الجمل الحالية - إن شاء الله
تعالى - وقد صرح ابن الحاجب فى الأمالى بما قلناه: من عدم عطف الصفة على الموصوف، وقد قدمنا الإشارة إلى شئ من ذلك، واختار الطيبى صحة قول الزمخشرى فى دخول الواو بين الصفة والموصوف، وزعم أنها سلبت معنى التغاير وصارت للربط فقط، فتكون بمعنى الباء، فإن صاحب اللباب نقل عن سيبويه:
أن الواو بمعنى الباء فى قوله: بعت الشاء شاة ودرهما أن معناه: بدرهم، ووجهه: أن الواو للجمع والاشتراك والباء للإلصاق، والجمع والإلصاق، من واد واحد، ويكون خروج الواو عن التغاير، كما فعل بالهمزة وأم فى قوله عز وجل: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (2) وبالنداء فى: أيتها العصابة انتهى، وقال ابن الحاجب فى أماليه - بعد أن قرر أنه لا تقع الواو بين الصفة والموصوف -: إن وثامنهم كلبهم عطف خبر على خبر؛ لأن الأخبار يعطف بعضها على بعض كقولك: زيد قائم وعالم، وأما جاء رجل ومعه آخر فإما أن يكون من عطف جملة على جملة أو آخر معطوف على رجل، ومن ذلك قوله: عليك ورحمة الله السّلام، لا يتوهم أن الواو وقعت بغير عطف؛ لأنه فى نية التقديم والتأخير وأما وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (3) فتقديره: ارهبوا فارهبون، وأما قوله تعالى: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا (4) فقال الزمخشرى: معناه تكذيب على تكذيب وقولك:
أعجبنى زيد وعلمه، فالعطف فيه للدلالة على أن لذات زيد مدخلا فى أن يتعجب منه، وليس كقولك: أعجبنى زيد علمه فهو كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ
(1) سورة الكهف: 22.
(2)
سورة البقرة: 6.
(3)
سورة البقرة: 40.
(4)
سورة القمر: 9.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَرَسُولَهُ (1) ولما كان صلى الله عليه وسلم من الله سبحانه وتعالى بمكان عظيم كان إيذاؤه إيذاءه وعطف الصفات بعضها على بعض إشارة لاستقلال كل واحد منها - كما هو معروف فى موضعه وسيأتى - وقوله تعالى: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ (2) قالوا: من عطف الخاص على العام وفيه نظر؛ لأن المعطوفات إذا اجتمعت فإما أن تقول: إن كلها معطوف على الأول فقوله تعالى: وَجِبْرِيلَ معطوف على لفظ الجلالة وإن كان كل واحد على ما قبله فيكون جبريل معطوفا على رسله، والظاهر أن المراد بهم: الرسل من بنى آدم لعطفهم على
الملائكة فليس منه والتحقيق أن يقال: هو من عطف الخاص بعد العام أو من ذكر الخاص بعد ذكر العام وقوله تعالى: سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (3) عكسه إلا أن يكون المراد بالسبع المثانى وبالقرآن العظيم واحدا.
ولنرجع إلى كلام المصنف.
فالقسم الأول: أن تكون الثانية مؤكدة للأولى والموجب للتأكيد دفع توهم الغلط أو التجوز وهو قسمان تارة بتنزل الثانية من الأولى مع الاختلاف فى معنى الجملتين منزلة التأكيد المعنوى من متبوعه فى إفادة التقرير، كقوله سبحانه وتعالى: الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ (4) فإن لا رَيْبَ فِيهِ وزان نفسه فى قولك: جاء الخليفة نفسه، فإنه بولغ فى وصف الكتاب ببلوغه إلى أقصى الكمال، فجعل المبتدأ ذلك وعرف الخبر باللام، ومع ذلك جائز أن يتوهم السامع قبل التأمل فى قوله سبحانه وتعالى ذلك مجازا فأتبع ذلك بلا ريب فيه، دفعا لهذا التوهم، كما أتبع الخليفة فى قولك: جاء الخليفة نفسه كذا قالوه ولا يخلو عن نظر؛ لأنه أقصى ما يمكن أن يقال: إن دلالة ذلِكَ الْكِتابُ (5) على نفى الريب باللازم أما إنه بالمطابقة حتى يكون مثل: جاء زيد فبعيد، ولا يخفى أن هذا تفريع على أن لا ريب ليس نهيا، وقد قيل: إنه نهى معناه لا ترتابوا فرارا مما يوهمه الخبر من نفى وقوع الريب من أحد - وللكلام فى ذلك سبح طويل ليس هذا محله - وكذلك قوله تعالى: كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً (6) وجعله كأن لم يسمعها من قسم ما لا موضع له من الإعراب فيه نظر،
(1) سورة الأحزاب: 57.
(2)
سورة البقرة: 98.
(3)
سورة الحجر: 87.
(4)
سورة البقرة: 1، 2.
(5)
سورة البقرة: 2.
(6)
سورة لقمان: 7.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وكذا قوله تعالى: إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (1)؛ لأن إِنَّا مَعَكُمْ أفاد ثبوتهم على اليهودية، وإِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ أفاد رفع الإسلام ورفع نقيض الشئ إثبات له، كذا قيل وفيه نظر؛ لأن الاستهزاء أخص من الثبات على اليهودية لجواز أن يكونوا على اليهودية ولم يكونوا مستهزئين، بأن يتلفظوا بالإسلام خوفا أو لغير ذلك إلا أن يقال: دلالته على معنى زائد لا ينفى تأكيده لمعنى سابق، وقد يعترض أيضا بأن إِنَّا مَعَكُمْ أفاد ثبوتهم على اليهودية ولا ينافى ذلك أن
يكون إسلامهم السابق حقا فقولهم: إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ أفاد أنهم لم يكونوا مسلمين حين أظهروا الإسلام وحاصله أن إِنَّا مَعَكُمْ أفاد ثباتهم على اليهودية، وإِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ أفاد شيئا زائدا، لا يقال: ليست هذه الآية الكريمة من هذا الباب؛ لأن قوله تعالى: إِنَّا مَعَكُمْ ليست لا محل لها لنصبها بالقول؛ لأنا نقول: هى مستأنفة فى كلام الكفار وقد تقدم مثله وقوله: نحو: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ إشارة إلى القسم الثانى، وهو أن تنزل الثانية من الأولى منزلة التأكيد اللفظى فى اتحاد المعنى مثل: هدى للمتقين، فإن معناه أنه بالغ فى الهداية درجة لا يدرك كنهها حتى كأنه هداية محضة وهذا معنى ذلِكَ الْكِتابُ فإن مدلوله أنه الكتاب الكامل دون غيره وكماله باعتبار الهداية (فوزانه وزان زيد الثانى من قولك: جاء زيد زيد) ولا يخفى أن فى كون ذلِكَ الْكِتابُ (2) لا محل لإعرابه نظرا وإن كان هو المختار عند الزمخشرى قال فى الإيضاح: وكذلك سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (3) فإن معنى لا يؤمنون معنى ما قبله ويجوز أن يكون لا يؤمنون خبرا وسَواءٌ عَلَيْهِمْ اعتراض (قلت): وعلى الأول لا يصح أيضا أن يكون من هذا القسم؛ لأن سواء عليهم لها محل من الإعراب؛ لأنها خبر إن، ومن الغريب: أن أهل هذا الفن لم يذكروا من أقسام كمال الاتصال أن تكون الثانية صريحة فى تأكيد الأولى بإعادتها بلفظها مثل: قام زيد قام زيد فهى تأكيد بنفسها، فهى أجدر أن يحكم عليها بكمال الاتصال مما هو فرع عنها وملحق بها، ولعلهم إنما تركوا ذلك؛ لأن المؤكد الصريح هو نفس المؤكد فكأنهما جملة واحدة فلا تعدد.
(1) سورة البقرة: 14.
(2)
سورة البقرة: 2.
(3)
سورة البقرة: 6.
أو بدلا منها؛ لأنها غير وافية بتمام المراد، أو كغير الوافية، بخلاف الثانية، والمقام يقتضى اعتناء بشأنه لنكتة؛ ككونه مطلوبا فى نفسه، أو فظيعا، أو عجيبا، أو لطيفا؛ نحو: أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (1) فإنّ المراد التنبيه على نعم الله تعالى، والثانى أوفى بتأديته؛ لدلالته عليها بالتفصيل من غير إحالة على علم المخاطبين المعاندين؛ فوزانه وزان وجهه فى: أعجبنى زيد وجهه لدخول الثانى فى الأوّل،
ــ
القسم الثانى: أن تكون بدلا وإليه أشار بقوله (أو بدلا منها) أى تكون الجملة الثانية بدلا من الأولى وقوله: (لأنها) تعليل للإبدال أى: إنما أبدلت منها لكون الأولى غير وافية بتمام المراد، وهى المنزلة منزلة بدل البعض أو الاشتمال أو كغير الوافية وهى المنزلة منزلة بدل الكل، ومع ذلك فلا بد أن يكون المقام يقتضى اعتناء بشأنه لنكتة ما وتلك النكتة
مثل: (كونه مطلوبا فى نفسه أو فظيعا أو عجيبا أو لطيفا) ثم ذلك ضربان، الأول: أن تنزل الثانية من الأولى منزلة بدل البعض من متبوعه وإليه أشار بقوله: (نحو أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) فإنه سيق للتنبيه على عظم نعم الله سبحانه وتعالى عند المخاطبين فهو مقام يقتضى الاعتناء به، والثانية أوفى من الأولى لدلالتهما على التفصيل من غير إحالة على علمهم فإنهم معاندون، وقول المصنف: لدلالة الثانية عليه بالتفصيل فيه نظر، فإن الثانية إذا كانت بدل بعض تكون دلت على أن المراد بالأولى البعض، فالثانية كالمخرجة لبعض الأفراد ليست مفصلة لمعنى الأولى، والإمداد بما ذكر من الأنعام وغيرها بعض الإمداد بما تعلمون (فوزان الثانية وزان وجهه من قولك: أعجبنى زيد وجهه) قال فى الإيضاح:
ويحتمل أن يكون أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ مستأنفة (قلت): فيه نظر؛ لأنه كان يلزم أن يكون التأكيد مستحسنا كما سيجئ وكما سبق، وقول المصنف: والثانية أوفى مخالف لقوله فى الأول أن تكون الأولى غير وافية؛ لأن أوفى يشعر بالمشاركة ثم أشار إلى القسم الآخر وهى أن تكون الأولى غير وافية بالشروط السابقة وهى التى تنزل مما قبلها منزلة بدل الاشتمال من متبوعه بقوله تعالى: اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ (2) فإنه أريد به حمل المخاطبين على اتباع الرسل وقوله: اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ أوفى بتأدية المعنى ولك أن تقول: اتباع
(1) الشعراء: 132 - 134.
(2)
سورة يس: 20، 21.
ونحو قوله [من الطويل]:
أقول له ارحل لا تقيمنّ عندنا
…
وإلّا فكن فى السّرّ والجهر مسلما
فإنّ المراد به إظهار كمال الكراهة لإقامته، وقوله:(لا تقيمنّ عندنا) أوفى بتأديته؛ لدلالته عليه بالمطابقة مع التأكيد؛ فوزانه وزان حسنها فى: أعجبتنى الدار حسنها خ خ؛ لأنّ عدم الإقامة مغاير للارتحال، وغير داخل فيه، مع ما بينهما من الملابسة.
ــ
المرسلين واتباع من لا يسأل أجرا ليسا كبدل الاشتمال ومبدله لأن الاتباع الأول لم يشتمل على الاتباع الثانى بل هو هو وهذا بخلاف أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ (1) فإن نفس الإمداد والأنعام والبنين بعض من الإمداد العام بما تعلمون، ومثّله المصنف بقوله:
أقول له: ارحل لا تقيمنّ عندنا
…
وإلّا فكن فى السّرّ والجهر مسلما (2)
فإن لا تقيمن عندنا أوفى بتأدية المعنى المقصود من كراهتهم المقام عندهم من قولهم؛ لأن لا تقيمن يدل على ذلك بالمطابقة مع التأكيد، بخلاف ارحل فإنه يدل عليه بالتضمن، وينبغى أن يقال: يدل على النهى عن الإقامة بالمطابقة، وارحل يدل عليه لا بالمطابقة فإنا قد نمنع أن يكون لا تقيمن يدل على الكراهة بالمطابقة، ومع ذلك لا يصح أن يكون ارحل يدل على لا تقيمن بالتضمن إلا بعد التفريع، على أن الأمر بالشئ يتضمن النهى عن ضده، قلنا: باللازم أو لا يدل فليس مما نحن فيه، ووزان كل من الجملة الثانية فى الآية الكريمة والبيت وزان حسنها فى قولك: أعجبتنى الجارية حسنها (لأن عدم الإقامة مغاير للارتحال) يعنى: أن حقيقتهما مختلفة، أى: لا يتوهم أنهما شئ واحد فيكون بمنزلة بدل الكل بل أحدهما ملزوم والآخر لازم.
وقوله: (وغير داخل فيه) يعنى: ليس عدم الإقامة داخلا فى مدلول الرحيل وهذا صحيح؛ لأن العدم لا يدخل فى الموجود لكن الذى قصده لا يصح؛ لأنه يعنى: أنه بدل اشتمال وأن ارحل يلزم منه مضمون لا تقيمن، فكأنه يريد: أن الأمر بالشئ يستلزم النهى عن ضده؛ لكن لا يصح أن يعبر عن ذلك بالعدم، فإن مدلول لا ترحل
(1) سورة الشعراء: 132.
(2)
البيت من الطويل، وهو بلا نسبة فى الإشارات للجرجانى ص 123، وكذا خزانة الأدب 5/ 207، 8/ 463، ومجالس ثعلب ص 96، ومعاهد التنصيص 1/ 278، ومغنى اللبيب 2/ 426، وعقود الجمان ص 178، والإيضاح ص 154.
أو بيانا لها؛ لخفائها؛ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى (1)؛
ــ
ليس العدم بل الكف، فإنه مطلوب النهى خلافا لأبى هاشم وما تضمنه كلامه من أن الأمر بالشئ يستلزم النهى عن ضده قد خالف فيه السكاكى وهو قول مشهور، وقوله:
مع ما بينهما من الملابسة لكى لا يتخيل أن أحدهما لا يدل على الآخر كما هو قول قد قيل، ولم يتعرض المصنف لحالة كون الثانية بمنزلة بدل الكل؛ لأنه استغنى عنه بعطف البيان؛ لأنه قريب منه، وقال فى الإيضاح: لأن بدل الكل تأكيد إلا أن لفظه غير لفظ متبوعه، يعنى: أنه تأكيد معنوى وأنه لا يتوافق لفظهما إلا بزيادة نحو:
لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (2)؛ ولأنه مقصود دون متبوعه بخلاف التأكيد المعنوى واللفظى وما ادعاه المصنف فى هذه الآية الكريمة والبيت من أن الجملة الأولى لا محل لها، جار على ما قررناه من أن المعتبر فى ذلك الكلام المحكى لا الحكاية.
القسم الثالث: من صورة كمال الانقطاع: أن تكون الثانية بيانا للأولى فتنزل منها منزلة عطف البيان من متبوعه للإيضاح، وقوله:(لخفائها) يعنى: أن المقتضى لإثباتها بيانا خفاء معنى الجملة السابقة.
قال فى الإيضاح: مع اقتضاء المقام إزالته ولا بد من هذا القيد فإن قلت: إذا كان فى الجملة السابقة خفاء فالأولى غير وافية أو كغير الوافية بتمام المراد، وهى حالة البدل فيلزم أن تتحد حالتا البدل والبيان، قلت: المقصود فى الإبدال هو الثانى لا الأول، فلهذا كان الأول غير واف أو كغير الوافى والمقصود فى البيان هو الأول والثانى توضيح له، وإن اشتركا فى أصل خفاء الجملة السابقة، وقوله: خفاء معنى الجملة السابقة يشير إلى أنها هى المقصودة - وذلك هو الفاصل بين البابين - ومثال هذا القسم قوله عز وجل: فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى (3) فإنه فصل، قال عن وسوس؛ لأن فيها تفسيرا وبيانا لها، ويحتمل أن يكون استئنافا، قلت: وفى جعل هذا من هذا القسم نظر، فإن وسوس الظاهر أن له محلا من الجر، فإنه معطوف على قلنا الذى أضيف له إِذْ * ثم إن
(1) سورة طه: 120.
(2)
سورة العلق: 15، 16.
(3)
سورة طه: 120.
فإنّ وزانه وزان عمر فى قوله [من الرجز]:
أقسم بالله أبو حفص عمر (1)
ــ
الجملة التى هى قال: ليس فيها بيان لوسوس، فإن قال: أخص من وسوس من وجه فكيف يبينه؛ بل العكس أقرب، فإن القول يبين بالوسوسة؛ لكن البيان على هذا وقع فى متعلق الجملة وهو ذكر المقول وذكر فى الإيضاح قوله تعالى: ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (2)، وقال: يحتمل التبيين، فإنه إذا خرج من جنس البشر فقد دخل فى جنس آخر فاحتاج إلى بيان يعينه ويحتمل التأكيد؛ لأنه إذا كان ملكا لم يكن بشرا، وقول المصنف:(فإن وزانه وزان أقسم بالله أبو حفص عمر) يشير إلى ما روى أن أعرابيا أتى عمر رضى الله عنه فقال: إن أهلى بعيد وإنى على ناقة دبراء عجفاء نقباء واستحمله، فظنه كاذبا فلم يحمله فأخذ الأعرابى بعيره واستقبل البطحاء وهو يقول:
أقسم بالله أبو حفص عمر
…
ما إن بها من نقب ولا دبر
اغفر له اللهمّ إن كان فجر (3)
وعمر رضى الله عنه مقبل، فجعل كلما قال: اغفر له اللهم إن كان فجر، يقول عمر رضى الله عنه: اللهم صدق حتى التقيا فأخذ بيده فقال: ضع عن راحلتك، فوضع فإذا هى نقباء عجفاء، فحمله على بعير وزوده وكساه، وقيل: إن الذى قاله عمر: اللهم صدق ظنى، وقال ابن يعيش فى باب عطف البيان، وقول المصنف فى غير موضع:
وزانه وزان كذا، أى: موازنة الثانية للأولى موازنة البدل للمبدل ونحوه؛ لأن الوزان فى اللغة الموازنة.
(1) وبعده: ما مسها من نقب ولا دبر.
(2)
سورة يوسف: 31.
(3)
الأبيات لأعرابى، كما فى عقود الجمان ص 179، وفيه: ما مسّها من نقب، مكان: ما إن بها من نقب
…
وأما كونها كالمنقطعة عنها: فلكون عطفها عليها موهما لعطفها على غيرها، ويسمّى الفصل لذلك قطعا؛ مثاله [من الكامل]:
وتظنّ سلمى أننى أبغى بها
…
بدلا أراها فى الضّلال تهيم (1)
ويحتمل الاستئناف.
ــ
ص: (وأما كونها كالمنقطعة إلخ).
(ش): يعنى لن تكون الجملتان ليس بينهما كمال الانقطاع؛ بل بينهما شبه كمال الانقطاع، بأن تكون الجملة اللاحقة كالمنقطعة عما قبلها والمعنى بذلك أن يكون عطفها على السابقة يوهم عطفها على غيرها.
(ويسمى الفصل لهذا المعنى قطعا مثاله:
بدلا أراها فى الضّلال تهيم)
…
وتظن سلمى أنّنى أبغى بها
فلو عطف أراها على تظن لتوهم أنه معطوف على أبغى مع أنه ليس بمراد، بل يفسد المعنى. قال المصنف:(ويحتمل الاستئناف) يعنى: أن لا يكون أصل الكلام العطف وترك لهذا المعنى؛ بل يكون كلا ما قصد به إجابة سؤال مقدر، قال المصنف:
وقسم السكاكى القطع أى: الفصل فى هذا القسم إلى: قطع الاحتياط وهو ما لم يكن لمانع من العطف كما فى البيت، ويحتمل أن يريد بالاحتياط: أن الاحتياط سبب وجوبه من حيث البلاغة وإن لم يكن واجبا لغة بخلاف القسم الثانى فإنه واجب لغة، أى: بالذات وذاك وجوبه بالغير، وهذا كما يقول الفقيه: يجب على الخنثى كيت وكيت وكيت
احتياطا، ويحتمل أن يريد بقوله احتياطا: جواز الترك وإلى ما هو واجب وهو ما كان لمانع كقوله تعالى: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ (2) وقوله تعالى: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ (3) وقوله تعالى: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ (4) قال: لأنه لو عطفت لعطف على جملة قالوا أو جملة إِنَّا مَعَكُمْ وكلاهما لا يصح لما مر قال المصنف: وفيه نظر لجواز أن يكون المقطوع فى المواضع الثلاثة معطوفا على الجملة المصدرة بالظرف،
(1) البيت لأبى تمام أورده محمد بن على الجرجانى فى الإشارات ص 129، والشاهد فصل،، أراها،، عن،، وتظن،،.
(2)
سورة البقرة: 15.
(3)
سورة البقرة: 12.
(4)
سورة البقرة: 13.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهذا القسم لم يبين امتناعه، (قلت): قد تقدم من المصنف موافقة السكاكى على أن الله يستهزئ بهم لا يصح عطفه على قالوا ولا يصح على إِنَّا مَعَكُمْ فيبطل أن يكون مراد المصنف بالجملة المصدرة بالظرف الجواب كما توهم بعضهم، ولا يجوز أن يكون أراد عطفه على خَلَوْا لوضوح فساده إذ يصير التقدير قالوا ذلك وقت خلوهم ووقت استهزاء الله بهم فيلزم ما فر منه فيما سبق من تقييد استهزاء الله بهم بالظرف ويصير المعنى: إذا استهزأ الله بهم، قالوا: والمعنى على العكس إذا قالوا: استهزأ الله بهم أى:
عذبهم أو يلزم عطف الاسمية على الفعلية وهو إن جاز مستهجن - كما سيأتى - وإن أراد أنه معطوف على الظرف وما أضيف إليه وهو قوله تعالى: وَإِذا خَلَوْا (1) وكذلك أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ من قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا (2) قال الخطيبى: فهو ظاهر الفساد؛ لأنها معطوفة إما على يَكْذِبُونَ أو على جملة يَقُولُ من قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ (3) فيصير التقدير من أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وكذلك أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ قال: وأما فى قوله تعالى: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ فالنظر صحيح يعنى: لأنه يصح عطف اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ على يَكْذِبُونَ وعلى يَقُولُ التقدير: ومن الناس من الله يستهزئ بهم أو بما كانوا الله يستهزئ بهم وهذا الذى قال الخطيبى بعيد أعنى: عطف الله يستهزئ بهم على يكذبون؛ لأن الجملتين مختلفتان فى الاسمية والفعلية؛ ولأن استهزاء الله هو عذابه وهو معلول للتكذيب فكيف يعطف على علته؟ فيلزم انقلاب المعلول علة فهذا فساد من جهة المعنى ويفسد ما ذكره المصنف من جهة التركيب فى الآيات الثلاث أن جملة الظرف معمولة للجواب، فيلزم أن يكون قالوا عاملا فى اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ كما أنه عامل فى متبوعها وهو إذا خلوا فكيف يكون اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ معمولا ل قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إلا أن يقول: هو معطوف على جملة
الشرط وجوابها معا، أحدهما: تقديرا، والآخر: تحقيقا، وحاصله أن عطفها على إِنَّا مَعَكُمْ متعذر؛ لعدم المقتضى وعلى الظرف وما بعده أو على جوابه أو على خَلَوْا ممتنع؛ لوجود المانع.
(1) سورة البقرة: 14.
(2)
سورة البقرة: 11.
(3)
سورة البقرة: 8.
وأما كونها كالمتّصلة بها: فلكونها جوابا لسؤال اقتضته الأولى؛ فتنزّل منزلته فتفصل عنها؛ كما يفصل الجواب عن السؤال.
السكاكى: فينزّل ذلك منزلة الواقع لنكتة؛ كإغناء السامع عن أن يسأل، أو مثل ألّا يسمع منه شئ، ويسمّى الفصل لذلك استئنافا، وكذا الثانية، وهو ثلاثة أضرب؛ لأن السؤال:
ــ
(تنبيه): بقى من التوابع الوصف، أى: حال تنزيل الجملة الثانية منزلة الوصف من السابقة، وكأنه تركه اقتداء بالسكاكى، غير أن السكاكى جعل هذا القسم الأخير مما نزلت فيه الثانية منزلة التبيين، ولم يقل: عطف البيان، وكأنه قصد ما هو أعم من عطف البيان والنعت، لا كما قال قطب الدين: أنه أراد عطف البيان إذ ليس فى كلامه ما يدل عليه ولا بد من ذكر هذا القسم والفرق بينهما: أن الثانية إذا كانت فى معنى الوصف تكون مبينة لمعنى الأولى المقصودة كالمؤكدة والمنزلة منزلة عطف البيان، تدل على ما دلت عليه الأولى بلفظ أوضح، والمنزلة منزلة الوصف تدل على صفة لا حقة لمعنى الجملة السابقة.
(تنبيه): هذا القسم أيضا يداخل كثيرا من الأقسام الماضية والآتية بحسب الاعتبارات.
ص: (وأما كونها كالمتصلة إلخ).
(ش): أى: حال شبه كمال الاتصال، وهو أن تكون بمنزلة المتصلة بها؛ لكونها، أى: الثانية، جوابا عن سؤال اقتضته الجملة السابقة، ومراده بالأولى: ما هو أعم من المذكورة والمحذوفة لما سيأتى (فتنزل) أى الأولى (منزلته) أى: منزلة السؤال (فتفصل) أى: الثانية (عنها) أى عن السابقة (كما يفصل الجواب عن السؤال) وهذه ضمائر مختلفة، ويحتمل أن يريد: فتنزل الثانية منزلة الجواب فتفصل، أى: الثانية (قوله: السكاكى) أى السكاكى قائل بتنزيله، أى: السؤال منزلة الواقع، أى: منزلة السؤال الواقع (قوله: لنكتة) أى تنزيل السؤال منزلة الواقع وعبارة المفتاح والإيضاح:
لتنزيله منزلة السؤال الواقع بالفحوى، والمراد بالفحوى: مدلول اللفظ لا فحوى الخطاب الذى هو مفهوم الموافقة، كذا قيل والذى يظهر لى أن قول المصنف: تنزل الأولى منزلة السؤال، فالثانية منزلة جوابها، والسكاكى يقدر السؤال واقعا، فالثانية جوابه فعلى هذا المراد بالفحوى المفهوم من لازم اللفظ والذى يظهر أن الجملة الأولى إن ظهر منها
إمّا عن سبب الحكم مطلقا؛ نحو [من الخفيف]:
قال لى: كيف أنت قلت: عليل
…
سهر دائم وحزن طويل
ــ
استدعاء السؤال وطلبه فهى منزلة منزلته كما قال المصنف مثل: وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (1) فإنه يشوق السائل إلى السؤال عنها وإن لم يكن، ولكنه استفيد التشوق إليه من القرائن فالسؤال مقدر كقوله: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي (2) وتقدير السؤال لأحد أمور:
كإغناء السائل أن يسأل، والمراد السائل بلسان الحال وإلا فالفرض أنه لم يسأل أو قصد أن لا يسمع منه إما لاحتقاره أو تعظيمه، زاد فى الإيضاح: أو قصد أن لا ينقطع كلامك بكلامه أو قصد تكثير المعنى بتقليل اللفظ وهو تقدير السؤال وترك العاطف. والباء فى قوله: بتقليل اللفظ للمعية، أى: تكثير المعنى للسؤال مع تقليل اللفظ بطى السؤال والعاطف كما قال قطب الدين فى شرح المفتاح، وقال الكاشى: يجوز أن تكون للسببية وهو أولى؛ لأن ترك العاطف سبب فى تقدير السؤال وهو فاسد؛ لأنه مقلوب فإن تقدير السؤال هو السبب فى ترك العطف لا بالعكس إذ يلزم أن يكون ترك العطف بلا مقتض أو تنبيه السامع على موقعه قال: أو لغير ذلك مما هو منخرط فى هذا السلك، أى: مثل ادعاء أن هذا السؤال لا يحتاج لذكره، أو امتحان السامع هل يعلم أن ذلك جواب سؤال؟ ويسمى الفصل لذلك استئنافا (وكذا الثانية) أى: الجملة تسمى أيضا استئنافا، وهو، أى: الاستئناف ثلاثة أضرب؛ لأن السؤال الذى تضمنته الأولى على رأيه أو المقدر على رأى السكاكى إما عن سبب أو لا والأول إما سبب عام أو لا فالسبب العام كقوله:
قال لى كيف أنت قلت عليل
…
سهر دائم وحزن طويل (3)
كأن المخاطب لما سمع عليل، قال: ما سبب علتك؟ فقال: سهر دائم وحزن طويل.
والخاص: أشار إليه بقوله: وإما عن سبب خاص كقوله تعالى: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ (4) فكأنه قيل: هل النفس أمارة بالسوء؟ وهذا الضرب
(1) سورة القدر: 2.
(2)
سورة يوسف: 53.
(3)
البيت فى الإشارات والتنبيهات للجرجانى ص 34، ومعاهد التنصيص 1/ 100، ودلائل الإعجاز ص 238، وقال الأستاذ محمود شاكر: مشهور غير منسوب، وفى عقود الجمان ص 182.
(4)
سورة يوسف: 53.
أى: ما بالك عليلا؛ أو: ما سبب علّتك؟
وإمّا عن سبب خاص؛ نحو: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ (1)؛ كأنه قيل: هل النفس أمّارة بالسوء؟ وهذا الضرب يقتضى تأكيد الحكم؛ كما مر (2).
ــ
يقتضى تأكيد الحكم كما سبق فى أحوال الإسناد فإن الخطاب طلبى فلذلك أكد بإن فإن قلت: لأى شئ كان السؤال فى البيت لطلب السبب العام، وفى الآية: لطلب السبب الخاص؟ ولأى شئ قدر السؤال فى الأول بما التى هى لطلب التصور، وفى الثانى بهل التى هى لطلب التصديق؟ ولأى شئ لم يكن هذا القسم الاستئنافى كله خطابا طلبيا فيؤكد دائما كما سبق؟ (قلت): أما الأول فلأنا إنما نقدر من السؤال ما دلت عليه الجملة السابقة والذى دل عليه قوله:" عليل" وقوع العلة المستدعية لسبب ما، فلا نزيد فى السؤال المقدر عنه فنقدر ما سبب علتك؟ ليكون طلبا لتعيين السبب ولو قلت: هل سبب علتك موجود؟ لما صح؛ لأن ذلك معلوم الوجود والذى دلت عليه الجملة الأولى فى الآية الكريمة عدم تبرئة النفس، وذلك صريح فى اعتقاد المتكلم أنها أمارة بالسوء؛ لأن عدم تبرئة النفس لا سبب له فى مثل ذلك المقام إلا كونها أمارة بالسوء فلا شك أن الجملة الأولى أشارت إلى اعتقاده أن النفس أمارة بالسوء، ولكنه لما لم يكن بالصريح فربما تشكك السامع فى وقوع هذه النسبة فلذلك راجع المتكلم وقال: هل النفس أمارة بالسوء؟ أى: كما اقتضاه كلامك أولا فهو طلبى فى معنى الإنكارى؛ فلذلك أكد بإن واللام، وبهذا ظهر جواب الثانى، وأما جواب الثالث؛ فلأن ما تقدم من التأكيد فى الخطاب الطلبى والإنكارى شرطه أن يكون الاستفهام فيه عن التصديق لا عن التصور، وكذلك نقول فى هذا الباب كله: حيث دلت الجملة الأولى على سؤال تصديقى تأتى الثانية مؤكدة وإلا فلا وإنما شرطنا التصديق فى الطلبى لأن التأكيد بإن إنما يكون للنسبة لا لأحد الطرفين.
بقى فى كلام المصنف اعتراض آخر: وهو أنه قد يقال: أنا عليل يستدعى سؤالا وهو ما ترتب على علتك فأجاب: سهر دائم، وعلى هذا فلا يكون سؤالا عن السبب بل يكون من القسم الثالث، واعتراض آخر: وهو أنه جعل هذا من
السؤال عن السبب العام وليس ذلك سؤالا عن العام؛ لأن العام معلوم وإنما هو سؤال عن تعيين
(1) يوسف: 53.
(2)
أى فى أحوال الإسناد الخبرى.
وإما عن غيرهما؛ نحو: قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ (1) أى: فماذا قال؟ وقوله [من الكامل]:
زعم العواذل أنّنى فى غمرة
…
صدقوا ولكن غمرتى لا تنجلى
ــ
الخاص، فالسؤال عن السبب العام لا يمكن إلا بطلب التصديق بأن يقال: هل وقع لذلك سبب؟ واعتراض ثالث: وهو أنه جعل السبب مطلقا وخاصا، والمطلق والخاص ليسا متقابلين بل المطلق يقابله المقيد وهما الأعم والأخص، والخاص يقابله العام، لكن هو جار على إطلاق المتكلمين، العام على الأعم والخاص على الأخص.
القسم الثالث من هذا القسم: أن يكون السؤال عن غير السبب العام وغير السبب الخاص كقوله عز وجل: قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ * كأنه قيل: فماذا قال إبراهيم؟
فقيل: قال: سلام. قال الشيخ عبد القاهر فى دلائل الإعجاز: كل ما فى القرآن من قال بلا عاطف فقدره على هذا، يعنى على الاستئناف، وكذلك قال ابن الزملكانى فى التبيان، ومنه قول الشاعر:
زعم العواذل أنّنى فى غمرة
…
صدقوا ولكن غمرتى لا تنجلى (2)
كأنه قيل: هل صدقوا؟ فقال: صدقوا، وهذا البيت أحد ما يدل على أن زعم تستعمل فى القول الصحيح، وللناس فيه قولان، قيل: كل قول قام الدليل على بطلانه، وقيل: لم يقم على صحته ولم يستعمل الزعم فى القرآن العظيم إلا للباطل، واستعمل فى غيره للصحيح كقول هرقل لأبى سفيان: زعمت (3)، وهو كثير فى الحديث؛ لكن إذا تأملته تجده حيث يكون المتكلم شاكا، فهو كقول: لم يقم الدليل على صحته، وإن كان صحيحا فى نفس الأمر وسيأتى قريبا بقية لهذا الكلام، وقد يستشكل قول الشاعر: صدقوا، وهو ضمير المذكر والعواذل جمع عاذلة وعاذلة مؤنث،
(1) هود: 69.
(2)
البيت من الكامل أورده الجرجانى فى الإشارات ص 125، بلا غرور، والطيبى فى التبيان ص 142، وفى عقود الجمان ص 182، وفى شرح شواهد المغنى 2/ 800، ومعاهد التنصيص 1/ 281، ومغنى اللبيب 2/ 383.
(3)
حديث هرقل أخرجه البخارى فى" الجهاد والسير"، باب: دعاء النبى صلى الله عليه وسلم الناس إلى الإسلام
…
(6/ 128، 129)، (ح 294)، وفى مواضع أخر من صحيحه، ومسلم فى" الجهاد"، (40/ 391) ط.
الشعب.
وأيضا: منه ما يأتى بإعادة اسم ما استؤنف عنه؛ نحو: أحسنت إلى زيد؛ زيد حقيق بالإحسان خ خ، ومنه: ما يبنى على صفته؛ نحو: أحسنت إلى زيد؛ صديقك القديم أهل لذلك خ خ؛ وهذا أبلغ.
ــ
قيل: ولا يصح أن يكون جمع عاذل؛ لأن فاعلا لا يجمع على فواعل إلا ما هو معهود، ولا يصح إطلاق أن فاعلا لا يجمع على فواعل إنما يمتنع ذلك ويتوقف على السماع فى صفة العاقل كما نحن فيه، أما فاعل الجامد أو صفة غير العاقل أو صفة المؤنث كطوالق فيجوز جمعه على فواعل، ذكره سيبويه وغيره، ومن هذا نواقض الوضوء جمع ناقض، وغلط النسفى حيث قال: جمع ناقضة لتوهمه أن نواقض لا يكون جمع ناقض، وقد وقع جمع فاعل على فواعل فى ألفاظ غير فوارس وهوالك وهى نواكس وسوابق: (قوله:
وأيضا منه) هذا تقسيم آخر للاستئناف أى: من الاستئناف ما يأتى بإعادة اسم ما استؤنف عنه مثل: أحسنت إلى زيد حقيق بالإحسان.
(ومنه ما يبنى على صفته) أى: تذكر صفته (كقولك: أحسنت لزيد صديقك القديم أهل لذلك) وهذا القسم بذكر الصفة أبلغ من الذى قبله بذكر الاسم؛ لأن فى هذا ذكر السبب بخلاف الأول وأنت إذا عرضت هذه الأقسام الاستفهامية على ما تقدم وعلى ما سيأتى من الأقسام أمكن استعمال مادة الاستفهام فى غالبها وبأن ذلك التداخل فى تقسيم المصنف كما ذكرناه.
(وقوله: وقد يحذف صدر الاستئناف) هذا تقسيم آخر للاستئناف، أى: يحذف صدر الجملة المستأنفة لقيام قرينة مثل قوله تعالى: يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (1) فى قراءة من بناه للمفعول فإنه قرأ رجال التقدير: يسبحه رجال أو المسبح رجال.
ومنه: نعم الرجل أو رجلا زيد، وبئس الرجل أو رجلا عمرو على القول بأن المخصوص خبر مبتدأ محذوف، أى: هو زيد - كما تقدم - أما إذا قلنا: نعم الرجل خبر وزيد مبتدأ فلا، والمعنى أنه لما انبهم أمره قيل: من هو وتمثيل المصنف لهذا القسم كان مستغنيا عنه بقوله:
قال لى كيف أنت قلت عليل
(1) سورة النور: 36.
وقد يحذف صدر الاستئناف؛ نحو: يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ رِجالٌ (1) وعليه: نعم الرجل زيد على قول (2).
وقد يحذف كلّه: إمّا مع قيام شئ مقامه؛ نحو قول الحماسىّ: [من الوافر]:
زعمتم أنّ إخوتكم قريش
…
لهم إلف وليس لكم إلاف
ــ
فإنه مثال له (قوله: وقد يحذف الاستئناف) أى: تحذف الجملة المستأنفة كلها، أما مع قيام شئ مقامه كقول الحماسى:
زعمتم أنّ إخوتكم قريش
…
لهم إلف وليس لكم إلاف (3)
التقدير: أصدقنا أم كذبنا، فقال تقديرا: كذبتم، ثم استدل عليه بقوله: لهم إلف وليس لكم إلاف، وجملة لهم إلف وليس لكم إلاف تدل على المحذوف، وإذا قلنا:
الزعم هو القول الباطل استغنينا عن تقدير كذبتم بزعمتم فلا يكون من هذا القبيل، وقد تقدم فى حقيقة الزعم قولان، قال فى الكشاف: الزعم ادعاء العلم ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:
" زعموا مطية الكذب"(4) وعن شريح: لكل شئ كنية وكنية الكذب زعموا. اه.
لكن سيبويه يكثر فى كتابه من قوله: زعم الخليل لا يريد إبطال قوله وقال أبو طالب:
ودعوتنى وزعمت أنّك صادق
…
ولقد صدقت وكنت ثمّ أمينا
وقال تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (5) فانظر إلى أن التقدير: إن كنتم صادقين فى زعمكم ويجوز أن يقدر لهم إلف إلخ.
(1) النور: 36 - 37.
(2)
أى: على قول من يجعل المخصوص خبر مبتدأ محذوف أى هو زيد، ويجعل الجملة استئنافا جوابا للسؤال عن تفسير الفاعل المبهم.
(3)
البيت من الوافر، وهو لمساور ابن هند فى لسان العرب 9/ 10 (ألف)، وقد جاءت (قريش) بالنصب على البدلية. وتاج العروس 23/ 38 (ألف)، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقى ص 1449، وبلا نسبة فى تهذيب اللغة 15/ 379، وتاج العروس 4/ 422 (ألت).
(4)
" صحيح" بنحوه أخرجه أحمد وأبو داود وابن المبارك فى" الزهد" والبخارى فى" الأدب المفرد"، والطحاوى فى" مشكل الآثار" عن أبى مسعود الأنصارى - رضى الله عنه - وانظر الصحيحة (ح 866).
(5)
سورة الجمعة: 6.
أو بدون ذلك؛ نحو: فَنِعْمَ الْماهِدُونَ (1) أى: نحن؛ على قول (2).
وأما الوصل لدفع الإيهام: فكقولهم: (لا وأيّدك الله).
ــ
جواب الاستئناف كأنه قال: هل كذبوا؟ فقال: لهم إلف فإنه تكذيب بالمعنى، ويجوز أن يقدر لهم إلف جواب سؤال اقتضاه الجواب المحذوف كأن المتكلم قال:
كذبتم، فقالوا: لم كذبنا؟ فقال: لهم إلف.
(قوله: أو بدون ذلك)، أى: يحذف الاستئناف بلا إقامة شئ مقامه كقوله تعالى:
فَنِعْمَ الْماهِدُونَ أى: نحن على قول، وفى عبارته نظر، إذ ينبغى أن يقول: أى:
هم نحن، لكن لما كان هم هذا واجب الإضمار لم ينطق به، وكان الأحسن أن يذكره؛ لأنه إنما يمنع النطق به حيث كان فى تركيب، أما إذا قصد تفسير المعنى فلا تقول ضربا زيدا معناه اضرب ضربا وإن كنت لا تنطق به فى الاستعمال كذلك، وهذا إنما يتأتى على أحد هذين القولين، أما إذا جعلنا فَنِعْمَ الْماهِدُونَ خبرا مقدما ونحن مبتدأ كما يوهمه ظاهر قول المصنف، أى: نحن، فليس مما نحن فيه فى شئ، ولك أن تقول: الفصل لا يعقل إلا بين كلامين منطوق بهما فإذا كانت الجملة المستأنفة عما قبلها محذوفة فكيف يسمى ذلك فصلا إلا أن يقال: المصنف استطرد إلى أنواع الجملة المستأنفة ولم يسمه فصلا فليس من هذا الباب.
(تنبيه): قال ابن الزملكانى فى التبيان: إن هذا السؤال مخالف للسؤال المنطوق به فى أنه يحذف الفعل، كقوله: من قام، فتقول: زيد، بخلاف السؤال المقدر فإنه لا يحذف منه شئ، وهذا خلاف ما ذكره المصنف والذى يظهر أن يقال: السؤال المقدر الأولى أن لا يحذف من جوابه شئ بخلاف المنطوق به فالأولى ذكره؛ لأنه مع التصريح بطرفى الإسناد يخرج عن كونه جوابا؛ وإنما قلنا: الأولى ذكره فى جواب المنطوق لضعف السؤال بالتقدير.
ص: (وأما الوصل إلخ).
(ش): تقدم أنه إذا كان بين الجملتين كمال الانقطاع تفصل إحداهما عن الأخرى بشرط عدم إيهام الفصل خلاف المراد فإن أوهم وصلت وذلك كقولهم:
(1) الذاريات: 48.
(2)
أى: على قول من يجعل المخصوص خبر مبتدأ محذوف أى هم نحن.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا وأيدك الله فوصلت، وإن كان بينهما كمال الانقطاع؛ لأن الأولى المقدرة خبرية والثانية إنشائية؛ لأنه لو لم يوصل توهم أن" لا" داخلة على جملة" أيدك الله" فتكون دعاء عليه، وحكى صاحب المغرب عن أبى بكر رضى الله عنه، أنه مر برجل يقال له: أبو اللعانة فى يده ثوب فقال له الصّدّيق: أتبيع هذا الثوب؟ فقال: لا رحمك الله، فقال له الصديق: قد قوّمت ألسنتكم لو تستقيمون لا تقل هكذا، قل: عافاك الله لا، وحكاه الزمخشرى فى ربيع الأبرار، فقال: إن الصديق قال له: قل لا، ويرحمك الله، ولك أن تقول: الإيهام كما يدفعه الفصل بين الجملتين اللتين بينهما كمال الانقطاع يدفعه وإن كان بينهما كمال الاتصال، وكذلك غيره من الأقسام السابقة واللاحقة، فليعتبره الناظر، والإيهام مشروط بأن لا يعارضه إيهام آخر - كما سبق - على أن عندى فى ذكر هذا القسم فى باب الوصل إشكالا فإن هذه الواو إذا جاءت لدفع الوهم، فالظاهر أنها زائدة وليست عاطفة؛ بل زيدت لدفع توهم النفى لما بعدها فهى فى الحقيقة دخلت زائدة لتأكيد عودها لما قبلها، وذلك شأن الزائد يؤتى به للتأكيد، والتأكيد أكثر ما يأتى لدفع إيهام غير المراد وقد جوز الكوفيون زيادتها وتبعهم ابن مالك وجوزه الأخفش فى بعض المواضع وجعلوا منه قوله تعالى: حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها (1) وقيل: المزيد الواو فى: وقال لهم خزنتها وأنشدوا عليه:
فما بال من أسعى لأجبر عظمه
…
حفاظا وينوى من سفاهته كسرى (2)
وقوله:
ولقد رمقتك فى المجالس كلّها
…
فإذا وأنت تعين من ينعينى
وإذا لم يجز زيادة الواو فالظاهر أن المعطوف محذوف، التقدير: لا، وأقول: أكرمك الله وعلى التقديرين لا يعد ذلك مما نحن فيه إنما نتكلم فى الوصل بحرف عاطف؛ حذرا
(1) سورة الزمر: 73.
(2)
البيت من الطويل، وهو لعامر بن مجنون فى حماسة البحترى ص 75، ولابن الذئبة الثقفى فى سمط اللآلى ص 63، وشرح شواهد المغنى 2/ 781، ومجالس ثعلب 1/ 173، ولكنانة بن عبد الثقفى أو للحارث بن وعلة فى الحماسة الشجرية 1/ 264، وللأجرد فى الشعر والشعراء 2/ 738، وبلا نسبة فى مغنى اللبيب.
وأما التوسّط: فإذا اتّفقتا خبرا وإنشاء، لفظا ومعنى، أو معنى فقط بجامع؛ كقوله تعالى: يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ (1)، وقوله تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (2) وقوله تعالى: كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا (3)
ــ
من إيهام عطف شئ على ما لا يصلح أن يعطف عليه، وليس الأمر هنا كذلك إما لعدم العاطف إن لم يجعل حرف عطف أو
لتقدير معطوف خبرى يصح عطفه على ما قبله من غير حذر الإيهام والأحسن جعل الواو زائدة وإذا كان الوصل الصورى بالحرف الزائد يدفع الوهم فأى داع إلى أن يؤتى بالوصل المعنوى فى غير محله مع الاستغناء عنه.
ص: (وأما التوسط).
(ش): هذه الحالة الأخيرة وهى أن يكون بين الجملتين التوسط بين كمال الانقطاع وكمال الاتصال وإن شئت قلت: بين الاتصال والانقطاع وذلك قسمان: أحدهما أن تتفق الجملتان خبرا لفظا ومعنى، أو إنشاء لفظا ومعنى أو خبرا معنى أو إنشاء معنى، ويحصل من ذلك صور: أن يكونا خبرين لفظا أو معنى أو إنشاءين معنى والأول إنشاء أو خبرين معنى والأول خبر أو إنشاءين معنى خبرين لفظا، أو خبرين لفظا، أو خبرين معنى إنشاءين لفظا، فهذه ثمانية أقسام تدخل فى قوله: فإذا اتفقتا خبرا وإنشاء لفظا ومعنى فإن كل واحد من قوله: لفظا ومعنى يعود لكل واحد من قوله: خبرا وإنشاء وكان ينبغى أن يقال: خبرا أو إنشاء لأنه لا يمكن اجتماع الخبر والإنشاء على كل من الجملتين فى حالة واحدة والثانى: أن يتفقا إنشاء وخبرا معنى لا لفظا وقوله: بجامع أى لا بد أن يكون مع ذلك بينهما جامع على ما سيأتى فى بيان الجامع، مثال اتفاقهما لفظا ومعنى فى الخبرية قوله تعالى: يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ فإنهما خبران وبينهما جامع وهو الاتحاد فى المسند، وفى المسند إليه، ولك أن تقول:
لم يتحدا فى المسند فإن المسند فى الأول المخادعة وهو غير الخدع، ولك أن تقول:
جملة يخادعون لها محل، وهو خبران، فكيف ذكرها المصنف فى قسم ما لا محل له، وقوله تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ والجامع التضاد ومثاله فى الإنشاء قوله تعالى: كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا فإن كلا من الثانية مع الثالثة
(1) النساء: 142.
(2)
الانفطار: 13 - 14.
(3)
الأعراف: 31.