المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌رأى السكاكى: ووافقه السّكّاكىّ على ذلك؛ إلا أنه قال: التقديم يفيد - عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح - جـ ١

[السبكي، بهاء الدين]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة المحقق

- ‌خطة التحقيق

- ‌ترجمة جلال الدين القزوينى صاحب" التلخيص

- ‌اسمه ونسبه:

- ‌ولادته ونشأته:

- ‌صفته:

- ‌طلبه للعلم ومشايخه:

- ‌مصنفاته:

- ‌وفاته:

- ‌ترجمة بهاء الدين السبكى صاحب شرح عروس الأفراح

- ‌اسمه ونسبه ونسبته:

- ‌الأسر البارزة:

- ‌والده

- ‌إخوته:

- ‌إجلال أخيه ووالده له:

- ‌ الوالد

- ‌أبناؤه:

- ‌شيوخه:

- ‌تلاميذه:

- ‌وظائفه:

- ‌وفاته:

- ‌مصنفاته:

- ‌ تناقض كلام الرافعى والشيخ محيى الدين النووى:

- ‌ تعليق على الحاوى:

- ‌ تكملة شرح المنهاج

- ‌ شرح مختصر ابن الحاجب:

- ‌ شرح كتاب تسهيل الفوائد لابن مالك:

- ‌ شرح التخليص للقزوينى فى المعانى والبيان، سماه" عروس الأفراح

- ‌ قطعة على شرح المنهاج:

- ‌ هدية المسافر فى المدائح النبوية:

- ‌مقدمة المصنف لعروس الأفراح

- ‌شرح مقدمة صاحب التلخيص

- ‌مقدمة فى أهمية علم البلاغة

- ‌مقدّمة فى بيان معنى الفصاحة، والبلاغة

- ‌ما يوصف بالفصاحة:

- ‌ما يوصف بالبلاغة:

- ‌ الفصاحة فى المفرد:

- ‌الفصاحة في الكلام

- ‌شروط فصاحة الكلام:

- ‌الفصاحة فى المتكلم:

- ‌البلاغة فى الكلام:

- ‌رجوع البلاغة إلى اللفظ:

- ‌طرفا بلاغة الكلام:

- ‌ملكة المتكلم:

- ‌الفنّ الأوّل علم المعانى

- ‌أبواب علم المعانى:

- ‌أحوال الإسناد الخبرىّ

- ‌نوعا الإسناد:

- ‌أ - الحقيقة العقلية:

- ‌ب - المجاز العقلى:

- ‌ملابسات المجاز العقلى:

- ‌أقسام المجاز العقلى:

- ‌أهمية القرينة للمجاز الإسنادى:

- ‌ حذف المسند إليه

- ‌[الجزء الاول] أحوال المسند إليه:

- ‌ذكر المسند إليه:

- ‌ تعريف المسند إليه

- ‌تعريف المسند إليه بالإضمار:

- ‌تعريف المسند إليه بالعلمية:

- ‌تعريف المسند إليه بالموصوليّة:

- ‌تعريف المسند إليه بالإشارة:

- ‌تعريف المسند إليه باللام:

- ‌تعريف المسند إليه بالإضافة:

- ‌ تنكير المسند إليه

- ‌(تنبيهان):

- ‌ إتباع المسند إليه، وعدمه

- ‌ وصف المسند إليه:

- ‌توكيد المسند إليه:

- ‌بيان المسند إليه:

- ‌الإبدال من المسند إليه:

- ‌العطف على المسند إليه:

- ‌ تقديم المسند إليه

- ‌رأى عبد القاهر:

- ‌رأى السكاكى:

- ‌(تنبيه):

- ‌تأخير المسند إليه:

- ‌إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر:

- ‌تفسير السكاكى للالتفات:

- ‌ ترك المسند:

- ‌الجزء الثانى أحوال المسند

- ‌ذكر المسند:

- ‌كون المسند مفردا:

- ‌كون المسند فعلا:

- ‌كون المسند اسما:

- ‌ تقييد الفعل بمفعول ونحوه:

- ‌تقييد المسند بالشرط:

- ‌[عبارات النحاة في «لو» شرطيه]

- ‌تنكير المسند:

- ‌تخصيص المسند بالإضافة أو الوصف:

- ‌تعريف المسند:

- ‌كون المسند جملة:

- ‌تأخير المسند:

- ‌تقديم المسند:

- ‌تنبيه

- ‌باب أحوال متعلقات الفعل

- ‌حذف المفعول للبيان بعد الإبهام:

- ‌حذف المفعول لدفع توهم إرادة غير المراد:

- ‌حذف المفعول لإرادة ذكره ثانيا:

- ‌حذف الفعل لإرادة التعميم مع الاختصار:

- ‌حذف الفعل لمجرد الاختصار:

- ‌حذف الفعل لرعاية الفاصلة:

- ‌حذف المفعول لاستهجان ذكره:

- ‌حذف المفعول لنكتة أخرى:

- ‌تقديم المفعول على الفعل:

- ‌تقديم بعض معمولات الفعل عليه:

- ‌باب القصر

- ‌[طرق القصر]

- ‌أولا - العطف:

- ‌ثانيا - النفى والاستثناء:

- ‌ثالثا - التقديم:

- ‌اختلاف طرق القصر:

- ‌تأخير المقصور عليه فى (إنما):

- ‌باب الإنشاء

- ‌أنواع الإنشاء:

- ‌1 - (التمنى):

- ‌2 - الاستفهام:

- ‌[اداة الاستفهام]

- ‌(هل) لطلب التصديق:

- ‌(هل) تخصص المضارع بالاستقبال:

- ‌(هل) لاختصاص التصديق بها إلى آخره:

- ‌هل قسمان: بسيطة ومركبة:

- ‌بقية ألفاظ الاستفهام يطلب بها التصور إلى آخره:

- ‌(من) للاستفهام للعارض المشخص:

- ‌يسأل بأى (عما) يميز أحد المتشاركين فى أمر يعمهما:

- ‌(كم) للاستفهام عن العدد:

- ‌(كم) للاستفهام عن الحال:

- ‌(أين) للاستفهام عن المكان:

- ‌(أيان) للاستفهام عن المستقبل:

- ‌استعمالات أنّى:

- ‌هذه الكلمات تستعمل كثيرا فى غير الاستفهام:

- ‌الأمر من أنواع الطلب:

- ‌اختلاف صيغة الأمر عند تجردها عن القرائن:

- ‌النهى من أقسام الإنشاء:

- ‌هذه الأربعة تقدير الشرط بعدها:

- ‌العرض مولد عن الاستفهام:

- ‌القرينة تجوز فى غير الأمور الأربعة:

- ‌النداء من أنواع الإنشاء:

- ‌الخبر يقع موقع الإنشاء:

- ‌الإنشاء كالخبر فى الأبواب الخمسة السابقة:

- ‌الفصل والوصل

- ‌(تنبيه):

- ‌[مثال لقسم الاتفاق بين المسند والمسند اليه معنا]

- ‌تذنيب

- ‌الإيجاز والإطناب والمساواة

- ‌(تنبيهان):

- ‌‌‌(المساواة)

- ‌(المساواة)

- ‌(الإيجاز)

- ‌إيجاز الحذف

- ‌(الإطناب)

الفصل: ‌ ‌رأى السكاكى: ووافقه السّكّاكىّ على ذلك؛ إلا أنه قال: التقديم يفيد

‌رأى السكاكى:

ووافقه السّكّاكىّ على ذلك؛ إلا أنه قال: التقديم يفيد الاختصاص إن:

1 -

جاز تقدير كونه (1) فى الأصل مؤخّرا على أنه فاعل معنى فقط؛ نحو: (أنا قمت).

ــ

بالنسبة إليه فى جانب الثبوت، وليست عامة؛ بل تقتضى أن غيره ضرب شخصا ما؛ لأن نقيض السلب الكلى، إثبات جزئى.

وسؤال آخر على عبارة الإيضاح، فإنه قال: إن المنفى بالأول الرؤية الواقعة على كل واحد من الناس، وفيه نظر؛ لأن نفى رؤية كل الناس جزئى لا كلى، لأنه سلب عموم لما سيأتى، ولما تقرر فى المنطق من أن ليس كل من أسوار السالبة الجزئية. ويمكن الجواب بأن هذا مشاحة فى العبارة وإنما أراد أن المنفى بالأول، الرؤية الواقعة على أحد، وعلل الشيخ عبد القاهر والسكاكى امتناع الثانى، بأن نقض النفى بإلا يقتضى أن يكون القائل قد ضرب زيدا،

وإيلاء الضمير حرف النفى، يقتضى أن لا يكون قد ضربه، وهو تناقض. قال المصنف: وفيه نظر؛ لأن إيلاء الضمير، لا يقتضى ذلك. فإن قيل:

الاستثناء الذى فيه مفرغ، وذلك يقتضى أن لا يكون ضرب أحدا من الناس؛ قلنا: إن لزم؛ فليس للتقديم، لجريه فى غير صورة التقديم أيضا، كقولك: ما ضربت إلا زيدا.

(قلت): المنع الذى قاله المصنف أولا واضح؛ لأن إيلاء الضمير إنما يقتضى نفى ما عدا المستثنى، وقوله بعد ذلك، فإن قيل: كلام ساقط، وقوله بعد ذلك إن لزم، لا أدرى ما أراد به، وكيف يفيد تفريغ الاستثناء عدم ثبوت الحكم للمستثنى؟

رأى السكاكى:

ص: (ووافقه السكاكى إلخ).

(ش): فصل السكاكى فى المسند إليه المتقدم، فقال: إما أن يكون لا يجوز تقديره فى الأصل فاعلا مؤخرا فى المعنى لا اللفظ، ثم قدم مثل: زيد قام، فإنه لا يجوز أن يقدم فاعلا فى المعنى فقط، إن لو كان مؤخرا، لأنه لو تأخر؛ لكان فاعلا لفظا، فهذا لا يفيد الاختصاص.

(1) أى المسند إليه.

ص: 239

2 -

وقدّر.

وإلّا فلا يفيد إلا تقوّى الحكم، سواء جاز كما مر ولم يقدّر، أو لم يجز؛ نحو: زيد قام خ خ.

واستثنى المنكّر، بجعله من باب: وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا (1) أى: على القول بالإبدال من الضمير؛ لئلا ينتفى التخصيص إذ لا سبب له سواه؛ بخلاف المعرّف.

ــ

(قلت): وقد تقدم عن السكاكى فى الكلام على ذكر المسند خلاف هذا، وكذا صرح الزمخشرى أنه يفيد الاختصاص ذكره فى قوله تعالى: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ (2) فى سورة الرعد، وفى قوله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ (3).

الثانى: يجوز أن يكون فاعلا فى المعنى لو تأخر، ولكن لا يقدره كذلك أى:

لا يعتقد ذلك، كقولك: أنا قمت، إذا قدرت أنا مثبتا فى موضعه، ولم يكن مؤخرا فهذا لا يفيد الاختصاص.

الثالث: أن يجتمع الأمران، بأن يجوز ويعتقد ذلك، كقولك: أنا قمت، معتقدا أن: أنا كان تأكيدا للفاعل وقدمته؛ ثم استثنى السكاكى من القسم الأول ما إذا كان المسند إليه نكرة، نحو: رجل جاءنى فقال: إنه لا يفيد الاختصاص، وإن كان لا يمكن تقديره عند التأخير فاعلا معنويا فقط، بل لو تأخر، لكان فاعلا لفظيا، فقال: يفيد لا على تقدير كونه كان فاعلا على تقدير أنه بدل من الضمير فى: قام، كقوله تعالى: وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا (4) إنما لم يقدر مثل ذلك فى المعرفة، نحو:

زيد قام؛ لعدم الموجب؛ لأنه فى رجل قام، اضطر إلى تقديره متأخرا؛ ليفيد الاختصاص؛ ليكون مسوغا للابتداء بالنكرة وفى زيد قام لا حاجة لذلك، فلو قدره لكان تقديرا لا دليل عليه.

قلت: قد جوز أن يقدر فى: أنا قائم التأخير، مع كونه لا دليل عليه، ثم ما ذكروه يؤدى إلى جواز الابتداء بالنكرة فى جميع الأحوال، وما الدليل على جواز: رجل جاءنى من غير قرينة؟ ثم يأتى عن السكاكى فى الكلام على: هل الاستفهامية، يقتضى القول بالتخصيص فى مثله، وإن كان للابتداء بالنكرة مسوغ، وهو الاستفهام.

(1) الأنبياء: 3.

(2)

سورة الرعد: 26.

(3)

سورة الزمر: 23.

(4)

الأنبياء: 3.

ص: 240

ثم قال: وشرطه ألّا يمنع من التخصيص مانع؛ كقولنا: رجل جاءنى على ما مرّ، دون قولهم:،، شرّ أهرّ ذا ناب،،:

أمّا على التقدير الأول (1): فلامتناع أن يراد: المهرّ شرّ لا خير.

وأمّا على الثانى (2): فلنبوّه عن مظانّ استعماله.

وإذ قد صرّح الأئمة بتخصيصه، حيث تأوّلوه ب:(ما أهرّ ذا ناب إلا شرّ) -: فالوجه تفظيع شأن الشرّ بتنكيره ":

وفيه نظر:

ــ

ص: (ثم قال وشرطه أن لا يمنع من التخصيص مانع إلخ).

(ش): شرط السكاكى فى إفادته التخصيص، أن لا يمنع مانع مثل: جاءنى رجل، فإن منع مانع، لم يجز مثاله قولهم: شر أهر ذا ناب، لا يمكن أن يكون للتخصيص؛ لأن التخصيص إما لفرد، أو لجنس، لا جائز أن يكون للجنس؛ لأنه يصير تقديره: ما أهر ذا ناب إلا شر، فيكون فيه نفى الإهرار عن الخير، وذلك لا فائدة فيه، فإنه لا يصح أن ينفى

الشئ، حتى يصح اتصافه به، ولا جائز أن يكون للواحد؛ لأنه يصير المعنى: ما أهر ذا ناب إلا شر، وذلك غير مقصود. غير أن الأئمة قالوا: إن التقديم فى: شر أهر ذا ناب للاختصاص، فليجمع بين الكلامين بأن يقال: المراد نوع غريب من أنواع الشر أهر ذا ناب، فيصح حينئذ. ويمثل بعد هذا المثال لما قام معه مانع من الاختصاص لفظى، أو خارجى.

ص: (وفيه نظر).

(ش): كل ما سبق هو من كلام السكاكى، وقد تضمن كلامه مخالفة عبد القاهر، فإن ظاهر كلام عبد القاهر فيما يلى حرف النفى الاختصاص بكل حال، بخلاف السكاكى، فإنه يقتضى أنه لا يفيد إلا مضمرا مقدر التأخير، أو منكرا. فنحو: ما زيد قام، يفيد التخصيص عند الشيخ، لا عند السكاكى. ونحو: ما أنا قمت، يفيده مطلقا على قول عبد القاهر، وبشرط التقدير، على رأى السكاكى.

فظاهر كلام الشيخ أن المعرف إذا لم يقع بعد النفى، وخبره مثبت أو منفى، قد يفيد الاختصاص، مضمرا كان، أم مظهرا؛ لكنه لم يمثل إلا بالمضمر، وكلام السكاكى مصرح بأنه لا يفيده إلا المضمر، فنحو: زيد قام، قد يفيده عند الشيخ، لا عنده. هذا كلام المصنف.

(1) يعنى تخصيص الجنس.

(2)

يعنى تخصيص الواحد.

ص: 241

1 -

إذ الفاعل اللفظى والمعنوى سواء فى امتناع التقديم، ما بقيا على حالهما؛ فتجويز تقديم المعنوى دون اللفظى تحكّم.

2 -

ثم لا نسلّم انتفاء التخصيص لولا تقدير التقديم؛ لحصوله بغيره؛ كما ذكره.

3 -

ثم لا نسلّم امتناع أن يراد: المهرّ شرّ لا خير ".

ــ

(قلت): وفيه نظر؛ أما قوله: ظاهر كلام الشيخ فيما يلى حرف النفى الاختصاص بكل حال فصحيح، ثم يحتمل أن يصلح للتخصيص بلا قيد، لا أنه موضوع للتخصيص، حتى إذا استعمل فى غيره، كان مجازا، كما يشعر به قوله: قد المستعملة للتقليل غالبا، ويحتمل أن يريد أنه حقيقة فى التخصيص حيث ورد أما ما يشعر به" قد" من عدم اللزوم فهو عائد إلى التقديم لا إلى إفادة الاختصاص، معناه أنه قد يقدم وقد لا يقدم وإذا قدم كان تقديمه مفيد الاختصاص أبدا لا مجازا، وهذا أظهر، ويشهد له ما سيأتى وقوله: إن ظاهر كلام الشيخ أن المعرف المثبت هو

وخبره قد يفيد الاختصاص وقد يفيد التقوية صحيح، ثم يحتمل أن يريد أن ذلك يستعمل تارة للاختصاص وأخرى للتقوية مطلقا ويحتمل وهو ظاهر كلامه أنه إن قصد الرد على من زعم انفراد غيره أو مشاركته كان للاختصاص جزما وإلا كان للتقوية جزما وقوله: إن ظاهر كلام عبد القاهر فى المعرفة المثبت إذا كان خبرا منفيا أنه قد يفيد الاختصاص فيه نظر، لأن الشيخ قال فى المثبت هو وخبره: إنه قد يفيد الاختصاص وقد يفيد التقوية ثم قال: وكذا إذا كان الفعل منفيا مثل أنت لا تكذب فإنه أشد لنفى الكذب من قولك: لا تكذب ومن قولك: لا تكذب أنت لأنه لتأكيد المحكوم عليه لا الحكم، وعليه قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (1) اه. فهو كالصريح فى أن قوله وكذا الخبر المنفى يعود إلى أنه يقدم للتقوية لا أنه يكون كالمثبت فتارة للاختصاص وتارة للتقوية، وإن كان الذى يظهر من جهة المعنى أنه لا فرق، وأما ما نقل المصنف عن السكاكى ففيه أيضا نظر، فإن السكاكى لا ينفى الاختصاص عن نحو: زيد قام بل يبعده ويقول: الغالب عليه إرادة التقوية فقط. والطيبى تبع المصنف فنقل عن السكاكى أن هذا لا يحتمل التخصيص أصلا ذكره فى سورة الرعد، وكذلك فى جانب النفى أطلق أنه إذا ولى المسند حرف النفى أفاد التخصيص ولم يفرق بين معرفة ونكرة ولا بين مضمر ومظهر وإن كن إنما مثل بالمضمر كما فعل

(1) سورة المؤمنون: 59.

ص: 242

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

الجرجانى غير أن الفرق والذى فرق به بين الظاهر والمضمر والمعرفة والنكرة يقتضى هذا الفرق، فلذلك تكلم المصنف معه فأورد عليه أن الفاعل اللفظى والمعنوى سواء فى امتناع التقديم كما يمتنع زيد قام على أن يكون زيد فاعلا يمتنع أنا قمت على أن يكون أنا تأكيدا فكلاهما ما داما فاعلا وتأكيدا ممتنع التقديم فإن خرجا من ذلك جاز تقديم كل منهما، فتجويز تقديم أحدهما دون الآخر ترجيح من غير مرجح (قلت): للسكاكى أن يفرق بأن الفاعل المعنوى إذا قدم لا يبقى الفعل بلا فاعل ولا يتغير عن حاله بخلاف زيد قام إذا قدم بقى الفعل بلا فاعل فاحتاج إلى ضمير. وأجيب عنه بأن الفاعل المعنوى له جهتان: جهة التبعية وجهة الفاعلية المعنوية، فيقدم باعتبار إحدى الجهتين دون الأخرى، وفيه نظر؛ لأن الفاعل اللفظى له جهتان: فاعلية معنوية، ولفظية. فقدم بإحداهما دون الأخرى، ثم قال المصنف: ثم لا نسلم انتفاء التخصيص لولا تقدير التقديم أى فى رجل قام لجواز أن يكون المسوغ للابتداء بالنكرة التقوية كما ذكره السكاكى فى" شر أهر ذا ناب" على رأيه.

(قلت): وجوابه أن إرادة الاهتمام لا تطرد كما أنه ليس فى كل صفة يتأتى القطع للمدح كما نص عليه سيبويه، ثم

قال المصنف: ولا نسلم أنه يمتنع أن يقال: المهر شر لا خير، وأجيب عنه بأن نسبة الإهرار إلى الخير إذا استعملت مجاز فنفيه عنه كذلك، وفيه نظر، وقد ظهر بما ذكرناه أن المسند إليه أقسام.

أحدها: نكرة وليت حرف النفى فيفيد الاختصاص عند الجميع بكل حال.

الثانى: ضمير ولى حرف النفى فيفيد الاختصاص دائما - عن الجرجانى والمصنف - ويشترط تقديره مؤخرا عند السكاكى.

الثالث: اسم ظاهر ولى حرف النفى فيفيد الاختصاص دائما عند الجرجانى ولا يفيد أبدا عند السكاكى على ما نقله المصنف.

الرابع: مثبت مضمر، والمسند غير منفى فيفيد الاختصاص تارة والتقوية أخرى عند الجميع.

الخامس: مثبت نكرة فيفيد الاختصاص دائما عند الجرجانى والسكاكى والمصنف.

السادس: معرفة وهو اسم ظاهر مثبت، والمسند غير منفى، فلا يفيد دائما إلا التقوية عند السكاكى، وعند الجرجانى والمصنف يفيد تارة دون أخرى.

ص: 243

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

السابع: أن يكون مثبتا ظاهرا معرفة، والمسند منفى فلا يفيد عندهما إلا التقوية على مقتضى ما فهمنا عنه، وعلى ما فهمه المصنف يكون عنده للتخصيص تارة وللتقوية أخرى.

الثامن: مثبت والخبر منفى فلا يفيد إلا التقوية - عند الجرجانى - على ظاهر عبارة التلخيص المنقولة عنه وعلى ظاهر عبارة الإيضاح يفيد عنده التخصيص تارة والتقوية أخرى وعند السكاكى يفيد التخصيص تارة والتقوية أخرى.

التاسع: مثبت نكرة والخبر منفى فيفيد التخصيص عند السكاكى وعند عبد القاهر، فلنرجع حينئذ إلى عبارة المصنف فقوله: عبد القاهر أى عبد القاهر قائل: قد يقدم أى المسند إليه، ليفيد تقديمه تخصيصه أى تخصيص المسند إليه بالمسند وقوله:

بالخبر الفعلى يدخل فيه الخبر الذى هو فعل مثل: أنا قمت، أو صفة مثل: وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ (1)، وإنما أدخلنا الصفة؛ لأن الخبر إذا كان وصفا صدق عليه أنه فعلى؛ لأنه يعمل عمل الفعل، فإن قلت: قد قال المصنف فيما سبق: إن ذلك مشروط بكون الخبر فعليا ورد به على قول السكاكى أنه للتخصيص فى فهم خفوف، قلت: ذلك وهم بلا إشكال ويكفى فى تغليظه أنه مثل هاهنا بقوله تعالى: وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ «1» وسيأتى فى عبارة المصنف، وقوله: إن ولى حرف النفى قيد يخرج ما إذا لم يل فإنه قد يفيد التخصيص وقد لا يفيد - كما سيأتى - ودخل فى إطلاقه

المسند إليه نكرة كان أم معرفة ضميرا أم ظاهرا سواء كان المسند منفيا أم مثبتا وإن لم يمثل إلا بالضمير (قوله: نحو: ما أنا قلت هذا، أى: لم أقله مع أنه مقول) الأحسن التمثيل بقوله عليه الصلاة والسلام:" ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم"(2)، ولك أن تقول: أنا قلت: يقتضى مجموع أمرين إثبات القول منه ونفيه عن غيره، والنفى إذا ورد على مجموع الشيئين كان أعم من نفيهما معا ونفى كل منهما فقط فمن أين دل ما أنا قلت: على نفى قوله، وإثبات قول غيره ومدلول قوله: ما أنا قلت ليس مختصا بالقول وذلك صادق بقوله وقول غيره وبعدم قول واحد منهما وبقول غيره فقط، فمن أين تعين

(1) سورة هود: 91.

(2)

أخرجاه فى الصحيحين، وقد سبق تخريجه.

ص: 244

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

الثالث؟ (قوله: ولهذا لم يصح ما أنا قلت ولا غيرى) لقائل أن يقول: ما الذى يمنع؟ ذلك وإنما منعه فرع هذه الدعوى ولو سلمنا أنه يدل على قول غيره فما المانع من أن يصرح بخلاف المفهوم فيصح هذا التركيب كما أن قولك: لا تضرب رجلا جاهلا اقتضى بالمفهوم اختصاص ذلك بالجاهل، ويصح أن يصرح بخلافه؟

فيقول: لا تضرب عالما ولا جاهلا فهذا التعليل لا يصح والذى يظهر فى تعليله بعد تسليم أن ما أنا قلت، معناه: أنا مختص بعدم القول أن قولك: وما غيرى تقديره ولا غيرى قال: فيناقض منطوق ما قبله، فإن معنى: ما غيرى، قال: اختصاص غيره بعدم القول وهو يناقض اختصاصه بالقول الذى هو دليل المعطوف عليه، وإنما قلنا ذلك؛ لأن الإتيان بلا فى مثله يفيد الحكم على كل فرد فإذا أثبت الاختصاص فى كل منهما تناقضا كل ذلك على رأى الجرجانى الذاهب إلى أن نحو: زيد قال يفيد الاختصاص، وبهذا يعلم أنه لا فرق فى الامتناع بين ما أنا قلت ولا غيرى، وما أنا قلت ولا زيد، ويعلم أيضا أنه لا يمتنع أن تقول: ما أنا قلت وزيد، فإن المعنى حينئذ أنا وزيد مختصان بعدم القول وأما ما أنا قلت وغيرى، فلو جعلنا المراد: أنا وغيرى مختصان بعدم القول لزال الاختصاص (قوله: ولا ما أنا رأيت أحدا) قد تقدم الاعتراض عليه فيه (قوله: وإلا) أى وإن لم يكن حرف النفى مع المسند إليه فهو منقسم إلى قسمين، فعلمنا منه أنه متى ولى المسند إليه حرف النفى كان للتخصيص مطلقا (قوله: ردا على من زعم انفراد غيره به أو مشاركته) فيه نظر، فينبغى أن يكون للتخصيص حيث قصد الرد على مدعى المشاركة، وللتقوية حيث قصد الرد على مدعى انفراد غيره إلا أن يقصد المبالغة فى إثباته بالتخصيص الادعائى.

(وقوله: وقد يأتى لتقوى الحكم) نحو: أنت لا تكذب، فإنه أبلغ من: لا تكذب، ومن: لا تكذب أنت، فإن التأكيد فيه

للمحكوم عليه لا الحكم والتأكيد فى: أنت لا تكذب، للحكم، هذا يدل على أنه حيث جعله للتقوية لا يقدر فيه تقديما ولا تأخيرا كما صنع السكاكى، وهذا يقتضى أن الفعل المثبت فيما نحن فيه لا يكون إلا للتخصيص، كما إذا كان المسند إليه منفيا مثل: ما أنا قلت؛ لأنه جعل احتمال التقديم للتخصيص والتقوية مشروطا بكون المسند إليه منفيا، وهذا ما قدمت الوعد به عند

ص: 245

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

ذكر الاحتمالين فى ذلك، هذا ظاهر العبارة؛ لكنه قال فى الإيضاح: إن عبارة الشيخ تقتضى أنه لا فرق بين نفى المسند وإثباته وقوله: وإن بنى الفعل على منكر أفاد، أى: أفاد ذلك البناء أو ذلك التقديم ثم يحتمل أن يكون التقدير: وإن لم يل حرف النفى فهو على قسمين: تعريف وتنكير، ويحتمل أن يقدر إن ولى حرف النفى وكان مبنيا على معرفة، فيكون معطوفا، والأول أولى فإنه يقتضى أنه متى ولى المسند إليه حرف النفى كان للتخصيص بكل حال كما نقله عنه فى الإيضاح وإلا فإن كان نكرة فكذلك، وإلا فإن كان المسند منفيا فللتقوية وإلا فيحتمل، وقوله: أفاد تخصيص الجنس أو الواحد، يعنى: أن له حالتين، ويتعين المقصود منهما بسؤال أو غيره (قوله ووافقه السكاكى إلا أنه إلخ) قد تقدم الكلام على أنه ليس كذلك، ثم إذا مشينا على ما نقله عنه، فالسكاكى لا يفرق بين تقدم النفى وتأخره بخلاف عبد القاهر فقد خالفه بغير ما ذكر (قوله: إن جاز تقدير كونه فى الأصل مؤخرا فاعلا معنى فقط) أى لا لفظا، فخرج بذلك ما لو تأخر لكان فاعلا لفظا، مثل: زيد قام أو لا يكون فاعلا لفظا ولا معنى مثل زيد قام أبوه، وخرج بقيد التأخر أنا قمت غير منوى التأخير، نعم خرج من كلامه أن قولك: أنا قام غلامى لا يفيد اختصاصا؛ لأنه لو تأخر لما كان فاعلا معنويا وفيه نظر، والظاهر أنه يفيد، وكذلك أنت قام غلامك وهو قام غلامه (قوله وقدر) أى إن جاز كونه فاعلا وقدر وإلا أى إن فقد شرط منهما فليس للاختصاص عنده جاز كونه - كما مر - فى أنا قمت، أم لم يجز نحو: زيد قام وقوله:

من باب وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا (1) هذا أحد الأقوال فى الآية الكريمة ويعزى لسيبويه والمبرد.

والثانى: للأخفش: أنه فاعل والواو علامة على لغة أكلونى البراغيث.

الثالث: أن أسروا خبر والذين مبتدأ ويعزى للسكاكى.

الرابع: أنه فاعل فعل محذوف أى يقول الذين ظلموا قاله النحاس.

الخامس: لأبى البقاء أن الذين مبتدأ خبره: هل هذا، المعنى: يقولون: هل هذا؟ هذه عبارة الشيخ أبى حيان وفيه نظر؛ لأن هذا عبارة عن حذف الخبر وإبقاء معموله لا عن جعل هل هذا، خبرا.

(1) سورة الأنبياء: 3.

ص: 246

ثم قال: ويقرب من (هو قام): (زيد قائم) فى التقوّى؛ لتضمّنه الضمير، وشبّهه (1) بالخالى عنه (2): من جهة عدم تغيّره فى التكلّم والخطاب والغيبة؛

ــ

السادس: أنه فاعل فعل مشتق مما سبق، التقدير: أسرها الذين ظلموا.

السابع: أنه خبر مبتدأ محذوف، أى: هم الذين.

الثامن: أنه منصوب على الذم قاله الزجاج.

التاسع: أنه منصوب على إضمار أعنى.

العاشر: أنه مجرور نعتا للناس من قوله تعالى: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ (3) قاله الفراء وكثير من هذه التخاريج تأتى فى قوله تعالى: ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ (4) (قوله:

واستثنى المنكّر) أى: قال: إنه يفيد الاختصاص واستثناه من كون ما ليس بفاعل معنوى مفيد للاختصاص، فنحو: رجل قام ليس بفاعل معنوى فقط إذ لو أخر لكان فاعلا لفظيا لا معنويا ومع ذلك أفاد الاختصاص عنده، وعدم كونه فاعلا معنويا فقط إما لكونه فاعلا لفظيا، مثل: رجل قام، وإما لأنه لا يكون فاعلا لا لفظا ولا معنى مثل:

رجل قام أبوه، فلا يرد عليه فيه ما أوردناه عليه فى القسم الأول، نعم يرد عليه أن يقال: هو يقول: إن الاختصاص فى رجل قام؛ لأنه يقدره مؤخرا بدلا فهو فاعل معنوى فقط فلا يصح الاستثناء (قوله: لئلا ينتفى التخصيص إذ لا سبب له سواه) قد تقدم ما يرد عليه (قوله: وشرطه) أى شرط إفادة التقديم الاختصاص (أن لا يمنع مانع) عليه مؤاخذة لفظية؛ لأن عدم المانع ليس شرطا كما هو مقرر فى علم الجدل (قوله: لامتناع أن يراد المهر شر) تقدم ما عليه، وقوله: ثم لا نسلم انتفاء التخصيص لولا تقدير التقديم، أى: فى المنكر والمضمر وغيرهما، وقوله: لحصوله بغيره كما ذكره، أى: من التهويل (قوله: ويقرب من" هو قام"" زيد قائم" فى التقوّى) يعنى: أن اسم الفاعل قريب من الفعل وهذا ما قدمنا الإشارة له، ومعنى كلامه أن السكاكى قال: ويقرب زيد قائم من هو قام فى التقوية؛ لأن المبتدأ بوضعه يستدعى الخبر والضمير يصرفه له، وهذا القدر موجود فى الخبر، وقال: ولم أقل مثله؛ لأنه يشبه الخالى من الضمير من جهة أنه لا يتغير بالتكلم والخطاب والغيبة فصارت التقوية الحاصلة بالضمير

(1) أى السكاكى.

(2)

أى عن الضمير.

(3)

سورة الأنبياء: 1.

(4)

سورة المائدة: 71.

ص: 247

ولهذا لم يحكم بأنه جملة، ولا عومل معاملتها فى البناء ".

ــ

الذى يصرفه للمبتدأ ضعيفة؛ لعدم ظهورها تقول: زيد عارف وأنا عارف وأنت عارف (قوله: ولهذا) أى ولعدم ظهور الضمير فيه لم يحكم عليه بأنه جملة، وإن كان له فاعل ولا عومل معاملة الجملة فى البناء، يعنى أن الجمل من شأنها أن تكون مبنية، لا يظهر فيها إعراب وهذا يظهر فيه، فتقول: جاءنى رجل عارف ورأيت رجلا عارفا ومررت برجل عارف، ولأنه لو كان جملة لوقع صلة؛ لكنه لا يقع إلا بتقدير مبتدأ قبله (قلت): ولك أن تقول: لم يظهر الإعراب فى جاء رجل عارف فى مجموع اسم الفاعل وفاعله ومجموعهما هو الذى يشبه الجملة بل فى عارف فقط وعارف هو لم يظهر فيه إعراب فالأولى أن يقال: لو كان جملة لما تغير جزؤه، فإن الجمل لا يتغير جزؤها بدخول العامل عليه، قال ابن الحاجب فى أماليه: لم يختلفوا فى أن اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة مع الضمير ليست بجمل لأمرين:

أحدهما: أن الجملة هى التى تستقل بالإفادة وهذه ليست كذلك.

الثانى: أن وضعها أن تفيد معنى فى ذات تقدم ذكرها فإذا استعملت مبتدأ خرجت عن وضعها، ولذلك لما خرج بعضها عن هذا المعنى وجعل المعنى الفعل بشرط سبق ما يكون كالعوض عما كان يستحقه من الاعتماد أو كالدال على إخراجه عن وضعه الأصلى جاز أن يكون مع مرفوعه جملة، مثل: أقائم زيد، والذين يخالفون فى زيد ضارب غلامه ويجعلون ضارب غلامه جملة فليسوا يخالفون فى الذى ذكرناه، بل الخلاف فى أنه هل ثبت أن ضارب غلاماه مثل ضارب الزيدان أو لا، فمن جوزه أخرج الصفة عن موضوعها الأصلى واستعملها استعمال الفعل. اه.

واعلم أن السكاكى يريد أن اسم الفاعل يقرب من الفعل فى إفادة التقوية التى هى أعم من التخصيص، والمصنف يوهم أنه إنما يفيد التقوية فلذلك نقل عن السكاكى ما اعترض عليه فيه، وها أنا أذكر، مبينا ما فيه.

قال المصنف حاكيا عن السكاكى: ومما يفيد التخصيص ما يحكيه تعالى عن قوم شعيب عليه الصلاة والسلام: وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ (1) أى: العزيز علينا رهطك لا

(1) سورة هود: 91.

ص: 248

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

أنت، ولذلك قال عليه السلام: أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ (1) أى من نبى الله، ولو كان المراد ما عززت علينا لم يكن مطابقا.

قال المصنف: (وفيه نظر)؛ لأن قوله: ما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ من باب: أنا عارف، لا من باب: أنا عرفت.

(قلت) وهذا هو الذى يريده السكاكى وباب أنا عارف وأنا عرفت شئ واحد، وقد صرح السكاكى فى فصل القصر بإفادة أنا عارف للحصر، قال: والتمسك بالجواب ليس بشئ؛ لجواز أن يكون فهم كون رهطه أعز عليهم من قولهم: وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ (2).

قال: وقال الزمخشرى: دل إيلاء ضميره حرف النفى على أن الكلام فى الفاعل لا فى الفعل كأنه قال: وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ بل رهطك هم الأعزة علينا، وفيه نظر، لأنا لا نسلم أن إيلاء الضمير حرف النفى إذا لم يكن الخبر فعليا يفيد الحصر.

(قلت): والخبر هنا فعلى؛ لأن الفعلى أعم من الفعل واسم الفاعل كما سبق، وإنما يريد الزمخشرى إيلاء الضمير حرف النفى مع كون المسند فعليا، نعم فى النفس وقفة من أن السكاكى اشترط إفادة الاختصاص أن يكون فاعلا معنويا لا لفظيا بتقدير التأخير، وما أنا عارف لو تأخر فيه الضمير لكان فاعلا لفظيا، لأنه يصير وضعه ما عارف أنا وهو فاعل لفظى، إلا أن يقال: يعربه حينئذ مبتدأ مؤخرا والمبتدأ فاعل معنوى، لكن كيف يقال حينئذ: إنه كان مؤخرا ثم قدم والفرض أن تقديمه الآن هو الأصل لأنا أعربناه مبتدأ فهو بتقدير تأخيره فى قولنا: ما عارف أنا متأخر عن محله، فإذا قلنا: ما أنا عارف فليس ذلك تقديما بل وضعا للشئ فى محله، وتقدير تأخيره على خلاف الأصل بخلاف الفاعل المعنوى المؤكد مثل: قمت أنا، فإنه بتقدير تأخيره يكون واقعا فى محله؛ لأن وضع الضمير المؤكد التأخير عن المؤكد. فلينظر فى ذلك.

(تنبيه): قال الزمخشرى فى قوله تعالى: وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ (3): هم هنا بمنزلتها فى قول الشاعر:

(1) سورة هود: 92.

(2)

سورة هود: 91.

(3)

سورة المائدة: 27.

ص: 249

وممّا يرى تقديمه كاللازم: لفظ مثل وغير فى نحو: (مثلك لا يبخل)، و:

(غيرك لا يجود) بمعنى: أنت لا تبخل، و (أنت تجود) من غير إرادة تعريض لغير المخاطب (1)، لكونه أعون على المراد (2) بهما.

ــ

وهم يفرشون اللّبد كلّ طمرّة (3)

فى دلالته على قوة أمرهم لا على الاختصاص. اه. وهى دسيسة اعتزال لأنه لو جعلها هنا للاختصاص لزمه تخصيص عدم خروج الكفار، فيلزم خروج أصحاب الكبائر من المسلمين كمذهب أهل السنة، والزمخشرى أكثر الناس أخذا بالاختصاص فى مثل هذا وغيره من قواعد البيانيين، فإذا عارضه الاعتزال فزع من قواعدهم إليه.

(قوله: ومما يرى تقديمه كاللازم إلخ) يريد أنه إذا استعملت كلمة مثل كناية من غير تعريض كقولك: مثلك لا يبخل ونحوه مما يراد فيه بلفظ مثل غير إفادة الحكم للمضاف إليه، وإنما يريد أن مقتضى القياس أن من كان بهذه الصفة التى هو عليها يكون غير فاعل لهذا الفعل، وعليه قول الشاعر:

سواك يا فردا بلا مشبه (4)

ولم أقل مثلك أعنى به

وكذلك حكم غير إذا سلك بها هذا المسلك؛ فتقول: غيرى يفعل ذلك؛ أى لا أفعله فقط من غير إرادة التعريض بإنسان، وعليه قول المتنبى:

(1) لغير المخاطب هكذا فى بعض النسخ، وفى البعض الآخر بغير المخاطب بالباء، والمراد أنه لا يراد بالمثل والغير إنسان آخر مماثل للمخاطب أو غير مماثل بل المراد نفى البخل عنه على طريق الكناية.

(2)

أى بهذين التركيبين لأن الغرض منهما إثبات الحكم بطريق الكناية التى هى أبلغ من التصريح والتقديم لإفادته التقوى أعون على ذلك.

(3)

البيت للمعذل بن عبد الله الليثى، وانظر: الإشارات والتنبيهات 50، ودلائل الإعجاز 129.

والطمرة: الفرس الكريم، والبيت فى مدح فتيان بنى عتيك، وعجزه:

وأجرد سباح يبذ المغاليا

وقبله:

جزى الله فتيان العتيك وإن نأت

بى الدار عنهم خير ما كان جازيا

(4)

انظر: التبيان للعكبرى 1/ 153، دلائل الإعجاز 139، وهو للمتنبى فى عقود الجمان ص 82.

ص: 250

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

غيرى بأكثر هذا النّاس ينخدع (1)

لم يرد أن يعرض بواحد يصفه بأنه ينخدع، بل أراد أنه ليس ممن ينخدع واستعمال غير ومثل هكذا، قال المصنف:

إنه مركوز فى الطباع، ويقدمان أبدا على الفعل إذا قصد هذا، والسر فيه أن تقديمهما يفيد تقوى الحكم، ومما ذكرناه من اشتراط التقديم يعلم عدم صحة التأويل عليه فى قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (2) ويعلم منه فساد قول الطيبى فى قول الشاعر:

فمن مثل ما فى الكأس عينى تسكب

أنه من هذا الباب.

واعلم أنه يقع فى عبارة كثير أن مثلك لا يفعل معناه أنت لا تفعل، وفيه تسامح، والتحقيق أن مثل فى هذا لا يراد بها الذات بل حقيقة المثل ليكون نفيا عن الذات بطريق برهانى كسائر الكنايات، ثم لا يشترط على هذا أن يكون لتلك الذات الممدوحة مثل فى الخارج حصل النفى عنه، بل هو من باب التخييل الذى يأتى فى الاستعارة.

وقوله: ولم أقل مثلك - أعنى به سواك - لا ينافى ما قلناه؛ فإن معناه لم أعن إفادة الحكم على سواك، بل عنيت إفادة الحكم عليك مريدا للاستعمال فى سواك. وهذا المعنى إنما ينجلى لك إذا تأملت ما ستراه فى باب الكناية، فإن قلت: إنما يكون مثلك لا يفعل كذا نفيا له عن المخاطب بطريق برهانى أن لو كانت المماثلة تستدعى التساوى فى الصفات الذاتية وغيرها من الأفعال، فإن اتفاق الشخصين بالذاتيات لا يستلزم اتحاد أفعالهما.

قلت: ليس المراد بالمثل هنا المصطلح عليه فى العلوم العقلية، بل المراد من هو على مثل حاله فى الصفات المناسبة لما سبق الكلام له، ولا نقول: معناه من هو مثلك فى كل شئ؛ لأن لفظ مثل لا يستدعى المشابهة من كل وجه كما سيأتى تحقيقه فى علم البيان.

(تنبيه): بقى من الكلام على تقديم الاختصاص فوائد نذكرها عند الكلام على تقديم المفعول إن شاء الله تعالى.

(1) البيت للمتنبى، وانظر: شرح التبيان للعكبرى 1/ 416، وشرح المرشدى على عقود الجمان 1/ 86، ودلائل الإعجاز 139، ونهاية الإيجاز 312، وهو مطلع قصيدة يمدح بها سيف الدولة الحمدانى.

(2)

سورة الشورى: 11.

ص: 251

قيل: وقد يقدّم؛ لأنه دالّ على العموم؛ نحو: (كلّ إنسان لم يقم)؛ بخلاف ما لو أخّر؛ نحو: (لم يقم كلّ إنسان)؛ فإنه يفيد نفى الحكم عن جملة الأفراد، لا عن كلّ فرد؛ وذلك لئلا يلزم ترجيح التأكيد على التأسيس؛ لأن الموجبة المهملة المعدولة المحمول فى قوّة السالبة الجزئيّة المستلزمة نفى الحكم عن الجملة دون كلّ فرد، والسالبة المهملة فى قوة السالبة الكليّة المقتضية للنفى عن كلّ فرد؛ لورود موضوعها فى سياق النفى:

وفيه نظر:

1 -

لأنّ النفى عن الجملة فى الصورة الأولى (1)، وعن كلّ فرد فى الثانية (2): إنما أفاده الإسناد إلى ما أضيف إليه كل (3)، وقد زال ذلك الإسناد؛ فيكون تأسيسا لا تأكيدا.

2 -

ولأنّ الثانية (4) إذا أفادت النفى عن كل فرد، فقد أفادت النفى عن الجملة، فإذا حملت على الثانى لا يكون كلّ (5) تأسيسا، ولأنّ النكرة المنفيّة إذا عمّت، كان قولنا لم يقم إنسان كلية لا مهملة.

ــ

ص: (قيل: وقد يقدم

إلخ).

(ش): ذهب كثير من أهل هذا العلم إلى أن تقديم المسند إليه قد يكون لإفادة العموم، فقوله: قد يقدم لأنه يعنى؛ لأن التقديم دليل على العموم نحو: كل إنسان لم يقم فإنه يفيد نفى الحكم عن كل واحد بخلاف لم يقم كل إنسان فإنه يفيد نفى الحكم عن جملة الأفراد، أى عن مجموعها لا عن كل فرد، أى لا ينفيها عن كل فرد إنما ينفى المجموع، وهو يصدق بنفى فرد واحد.

أما الدليل على أن كل إنسان لم يقم معناه كل واحد فهو أن قولنا: إنسان لم يقم مهملة، لأنها غير مسورة وهى موجبة معدولة المحمول، والموجبة المعدولة المحمول المهملة فى قوة السالبة الجزئية المستلزمة نفى الحكم عن الجملة دون كل فرد، أى لا تدل على نفى الحكم عن كل فرد لا لأنها تدل على عدمه، وإذا كانت دالة على النفى عن الجملة كانت فى قوة الجزئية، لأن معناها ليس كل إنسان بقائم، فلو كانت كل إنسان لم يقم لا تفيد غير نفى الحكم عن الجملة لكانت للتأكيد فيلزم ترجيح التأكيد على التأسيس.

(1) وهى كل إنسان لم يقم.

(2)

وهى لم يقم كل إنسان.

(3)

وهو لفظ إنسان.

(4)

وهى لم يقم كل إنسان.

(5)

فى بعض النسخ؛ حذفت كل خ خ.

ص: 252

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

وأما الثانى: فلأن قولنا لم يقم إنسان وهى سالبة مهملة فى قوة سالبة كلية، وهى لا شئ من الإنسان بقائم، وهى تقتضى نفى الحكم عن كل فرد، فلو كان دخول" كل" يجعل الحكم على كل فرد لزم أن يكون للتأكيد، فليجعل" كل" لنفى الحكم عن جملة الأفراد ليفيد فائدة تأسيسية.

هذا مضمون ما نقله المصنف، وهو من كلام بدر الدين بن مالك، ولم يمنع المصنف شيئا من هذا الحكم، بل نازع فى صحة التعليل فقال: وفيه نظر

وذكر أمورا، أحدها: أن النفى عن الجملة فى قولنا: إنسان لم يقم إنما أفاده الإسناد إلى إنسان، فإذا أضيف إليه" كل" انقلب الإسناد إليها فزال ذلك، فيكون النفى الوارد على الأفراد مستفادا من كل لا من الإنسان، لأنه حينئذ غير المسند إليه والنفى عن كل فرد المستفاد من لم يقم إنسان إنما كان من الإسناد إلى إنسان، فإذا دخلت كل وجعلت دالة على كل فرد كانت دلالتها حينئذ تأسيسية لزوال الإسناد إلى إنسان حينئذ فيكون تأسيسا فيهما على التقديرين.

وأجيب بأن المسند إليه فى إنسان لم يقم وفى لم يقم إنسان هو الإنسان، وكذلك المسند إليه فى (كل إنسان لم يقم) وفى (لم يقم كل إنسان) إنما اختلف التعبير فكل إنسان لم يقم إذا كان معناه جملة الأفراد كان تأكيدا، لأنه عبر بكل عن إنسان، وهذا تأكيد؛ لأن التأكيد أن يعبر بلفظ عن شئ بعبارة تقتضى التقوية.

(قلت): وهذا ينبنى على أن المسند إليه فى الكلية هو المضاف أو المضاف إليه، وقد ذكر جماعة من المنطقيين أنه المضاف إليه وهو إنسان لا كل، فإن قلنا بذلك فواضح لأن الإسناد إلى إنسان فى لم يقم كل إنسان باق فى المعنى، فلو استمر العموم لكانت كل تأكيدا، وإن لم نقل به وهو الحق، وقد حققناه فى شرح مختصر ابن الحاجب، والذى قاله المجيب لا شك أنه مراد هذا القائل، فيكون لم يقم كل إنسان إذا جعلنا النفى عن الأفراد تأكيدا باعتبار أنه عبر عنه بلفظ مؤكد كان يمكن أن يعبر عنه بغيره، لكن لا نسلم له حينئذ أن التأسيس باللفظ غير المؤكد خير من التأسيس باللفظ المؤكد، لأن ما ذكره المجيب ينحل إلى أنه صيغة تأسيس تأكيدية فحينئذ يصح اعتراض المصنف الثانى أن لم يقم إنسان إذا اقتضى النفى عن كل فرد فقد اقتضى النفى عن جملة الأفراد فإذا دخلت عليه كل فهى للتأكيد أيضا، وأجيب عنه بأن دلالة لم يقم

ص: 253

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

إنسان على عدم قيام الجملة بالالتزام ودلالة لم يقم كل إنسان على نفيه عن الجملة بالمنطوق.

(قلت): لمن ينازع ابن مالك ويدعى أن لم يقم كل رجل للنفى عن كل فرد فرد أن يمنع أن دلالة لم يقم كل إنسان على نفى القيام عن الجملة بالمنطوق، بل دل على نفى القيام عن كل فرد فرد يصير كأنك قلت: لم يقم كل فرد فرد فهو أيضا عموم سلب، ويلزم منه نفيه عن الجملة بالالتزام أيضا فاستويا، ثم إن ابن مالك قدم أن كل إنسان لم يقم لو لم يكن للعموم لكان تأكيدا، لأن إنسانا يفيد نفى الحكم عن الجملة باعتبار استلزامه له، فقد تضمن هذا الكلام أن كل إنسان لم يقم لو لم يكن دالا على الأفراد وكانت دلالته إنما هى على المجموع لكانت دلالته على الجملة مطابقة ودلالة إنسان لم يقم على نفى الحكم عن الجملة التزاما وجعل الأول تأكيدا للثانى، فكذلك هنا يلزم أن يكون لم

يقم كل إنسان تأكيدا بالنسبة إلى لم يقم إنسان، وإن كان نفى الحكم عن الجملة فى الأول مطابقة وفى الثانى التزاما.

الثالث: أن قوله: إن لم يقم إنسان فى قوة السالبة الكلية لا يصح؛ لأنه إذا عم كل فرد فرد كانت سالبة كلية لا فى قوتها. وأجيب عنه بأن اصطلاح المنطقيين أن السالبة الكلية ما كان مسورا بلا شئ ونحوه لا كل قضية يكون السلب فيها عاما، لكن ذهب كثيرون من الأصوليين إلى أن عموم النكرة فى سياق النفى معناه أن المنفى فيها مطلق الحقيقة فاستلزم نفى الأفراد، فيحسن على هذا أن يقال: لم يقم إنسان ليس سالبة كلية لا لفظا ولا معنى، وليس عاما بالوضع بل استلزم العموم بخلاف كل.

وقد تقرر بما ذكرناه أن الاعتراضين الأولين على ابن مالك صحيحان، لكن قد يقال:

إن لم يقم كل إنسان وإن كان نفيه عن الجملة تأكيدا لما دل عليه لم يقم إنسان من نفى الجملة، فهو تأسيس باعتبار أنه أزال ما دل عليه لم يقم إنسان من نفى القيام عن الأفراد، لأن لم يقم كل إنسان لم يتعرض للحكم على الأفراد بنفى ولا إثبات، ويرد على هذه القاعدة مع ذلك أمور منها: أن قوله: إن المهملة المعدولة المحمول فى قوة السالبة الجزئية ممنوع، لأن الحكم فى المهملة كان على الطبيعة - كما ذهب إليه بعضهم - فالمهملة ليست فى قوة الجزئية، ولا يلزم التأكيد لأن مدلول إنسان لم يقم

ص: 254