الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثم الحذف:
إمّا للبيان بعد الإبهام كما فى فعل المشيئة - ما لم يكن تعلقه به غريبا؛ نحو:
فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (1)
ــ
(تنبيه): مما ذكرنا يعلم أنه لا بد فى الفاعل والمفعول وغيره من متعلقات الفعل من زيادة فائدة، فلا تقول: قام قائم، وضربت مضروبا، وما أوهم ذلك فليؤول كقوله تعالى:
كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (2)، وقوله تعالى: وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ (3)، وقوله تعالى: سَأَلَ سائِلٌ (4)، وليس منه: إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (5)، فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ (6) فإن الألف واللام تفيد زيادة، ولا نحو: قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ (7)؛ لأن الفاعل مقيد بالصفة؛ ولعل الجواب عما ورد من ذلك أنه يقدر له صفة محذوفة. التقدير رسولا عظيما: سَأَلَ سائِلٌ (8)
شفيع أو يكون التنكير الواقع فى مثله لمعنى من المعانى السابقة. وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ (9) المعهودة التى عرف أنك فعلت، ورأيت بخط الوالد رحمه الله فى بعض التعاليق ما نصه: يقال: جاء شئ، ولا يقال: جاء جاء، وإن كان الجائى أخص من شئ؛ لأن جاء مسند والمسند إليه الفاعل، ومعرفة المسند إليه سابقة على معرفة المسند، فمتى عرف الجائى عرف المجئ، فلا يبقى فى الإسناد فائدة. والشئ قد يعرف ولا يعرف مجيئه. وما ذكره الوالد صحيح ولا يرد عليه نحو:
أتانى آت، ونحو: هريرة ودّعها وإن لام لائم.
فإن التنكير فى مثل ذلك لمعنى خاص، وكلامنا إنما هو فى جاء جاء من غير إرادة شئ خاص ثم أخذ فى تفصيلها.
حذف المفعول للبيان بعد الإبهام:
ص: (ثم الحذف إما للبيان بعد الإبهام
…
إلخ).
(ش): حذف المفعول مع تقديره لأحد أمور، منها: أن يقصد البيان بعد الإبهام، كما فى فعل المشيئة، ما لم يكن تعلقه بها غريبا؛ فإنه لا يذكر كما ذكرنا نحو: فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ أى فلو شاء هدايتكم لهداكم فإنه إذا سمع السامع فلو شاء
(1) سورة الأنعام: 149.
(2)
سورة المزمل: 15.
(3)
سورة الشعراء: 19.
(4)
سورة المعارج: 1.
(5)
سورة الواقعة: 1.
(6)
سورة المطففين: 26.
(7)
سورة يوسف: 10.
(8)
سورة المعارج: 1.
(9)
سورة الشعراء: 19.
بخلاف نحو [من الطويل]:
ولو شئت أن أبكى دما لبكيته
…
وأما قوله (1)[من الطويل]:
ولم يبق منّى الشّوق غير تفكّرى
…
فلو شئت أن أبكى بكيت تفكّرا
فليس منه؛ لأنّ المراد بالأول البكاء الحقيقىّ.
ــ
تعلقت نفسه بشئ أبهم عليه، لا يدرى ما هو فلما ذكر الجواب استبان بعد إبهامه.
وأكثر ما يقع ذلك بعد (لو)؛ لأن مفعول المشيئة مذكور فى جوابها وكذلك غيرها من أدوات الشروط، وقد يكون مع غيرها استدلالا بغير الجواب كقوله تعالى: وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ (2) وقد يذكر إذا كان فيه غرابة لتأنيس السامع به كقوله:
ولو شئت أن أبكى دما لبكيته
…
عليه ولكن ساحة الصّبر أوسع (3)
وقال التنوخى: إنه إنما ذكر فى البيت لاحتياجه فى الوزن إلى ضمير بكيته فاحتاج لما يفسره ولتعظيم بكاء الدم أيضا أو يذكر لأن المذكور فى جواب لو خلافه كقول ابن عباد:
فلم يبق منى الشّوق غير تفكّرى
…
فلو شئت أن أبكى بكيت تفكّرا
فإنه ليس المراد: فلو شئت أن أبكى تفكرا بكيت تفكرا، ولكن لو شئت أن أبكى البكاء الحقيقى، فالمراد بالبكاء فى الأول البكاء الحقيقى، وفى الثانى المجازى، إشارة إلى أنه من النحول لم يبق فيه محل لدمعة ولا شئ من الفضلات، فلو عصر عينيه لخرج منهما التفكر بدل الدمع، وأورد أنه: هلا يكون المراد فلو شئت أن أبكى تفكرا لبكيت تفكرا، معناه أنه فنى حتى صار قادرا على البكاء التفكرى؛ فيكون كالبيت قبله، وأجيب بأنه ليس التفكر مذكورا فى الشرط، وردّ بأن قوله: غير تفكرى يغنى عنه. قلت: وأيضا يكون محذوفا، ويتنازع فى تفكر المذكور فعلا الشرط وجوابه.
(تنبيه): قد يقال: ما الحكمة فى اطراد أو كثرة حذف مفعول المشيئة دون غيره من الأفعال؟
(1) هو للجوهرى من شعراء الصاحب بن عباد.
(2)
سورة البقرة: 255.
(3)
البيت من الطويل، وهو للجوهرى من شعراء الصاحب بن عباد.