المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فصل: قال الجهمي: وإذا قررت لله مكانا معينا، فما معنى قوله تعالى: {فأينما تولوا فثم وجه الله} - عيون الرسائل والأجوبة على المسائل - جـ ٢

[عبد اللطيف آل الشيخ]

فهرس الكتاب

- ‌(تابع) تحقيق النص

- ‌(تابع) الرسائل الخاصة بعقيدة التوحيد والإتباع وما ينافيها من الشرك والإبتداع

- ‌الرسالة التاسعة والعشرون: إلى عبد الله بن عمير

- ‌جامع الرسائل

- ‌فصل: أموال السلطان وجوائز الأمراء

- ‌فصل: فيما جاء في رؤيا طفيل

- ‌فصل: الإقتداء بإهل الخير والبر في العمل الصالح

- ‌الرسالة الثلاثون: إلى محمد بن عون

- ‌تقديم جامع الرسائل

- ‌من عبد اللطيف بن عبد الرحمن الى محمد بن عون

- ‌فصل: قال الجهمي: وإذا قررت لله مكانا معينا، فما معنى قوله تعالى: {فأينما تولوا فثم وجه اللَّه}

- ‌الرسالة الحادية والثلاثون: منظومة فيما جرى من مفاسد الساكر

- ‌منظومة فيما جرى من مفاسد العساكر والبوادي

- ‌الرسالة الثانية والثلاثون: إلى عبد الرحمن بن محمد بن جربوع

- ‌الرسالة الثالثة والثلاثون: إلى علما الحرمين

- ‌الرسالة الرابعة والثلاثون:: إلى الشيخ أبي بكر بن محمد آل الملا

- ‌الرسالة الخامسة والثلاثون: إلى بعض الولاة توسم فيه محبة الخير

- ‌الرسالة السادسة والثلاثون: إلى عبد الله بن جريس

- ‌الرسالة السابعة والثلاثون: إلى منيف بن نشاط وقج أشتكى غربة الإسلام

- ‌الرسالة الثامنة والثلاثون: إلى منيف بن نشاط

- ‌الرسالة التاسعة والثلاثون: في توحيد الأسماء والصفات

- ‌الرسالة الأربعون: إلى أهل الحوطة

- ‌الرسالة الحادية والأربعون: إلى حمد بن عتيق

- ‌الرسالة الثانية والأربعون: إلى عبد العزيز بن إبراهيم بن عبد اللطيف

- ‌الرسالة الثالثة والأربعون: إلى عثمان بن منصور

- ‌الرسالة الرابعة والأربعون: جواب سؤال ورد عليه من عمان

- ‌الرسالة الخامسة والأربعون: في ترجمة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وما قام به ودعى إليه

- ‌مدخل

- ‌فصل: نسب الشيخ محمد بن عبد الوهاب ونشأته

- ‌فصل: حال البلاد في عصره

- ‌فصل: إنكار العلماء لبدعة تقديس المشاهد

- ‌فصل: الغلو في تعظيم الصالحين ذريعة إلى الشرك

- ‌فصل: تقسيم ابن القيم الشرك إلى نوعين

- ‌فصل: تعريف الحنفية للكفر

- ‌الرسالة السادس والأربعون: إلى زيد بن محمد آل سليمان

- ‌الرسالة السابعة والأربعون: إلى زيد بن محمد

- ‌الرسالة الثامنة والأربعون: إلى زيد بن محمد آل سليمان

- ‌الرسالة التاسعة والأربعون: إلىإلى زيد بن محمد آل سليمان

- ‌الرسالة الخمسون: إلى محمد بن عمير

- ‌الرسالة الحادية والخمسون: إلى خالد آل قطنان ومحمد بن عيسى

- ‌الرسالة الثانية والخمسون: في الكلام على فضل طلب العلم

- ‌الرسالة الثالثة والخمسون: إلى راشد بن عيسى

- ‌الرسالة الرابعة والخمسون: إلى حمد بن عبد العزيز

- ‌الرسالة الخامسة والخمسون: إلى حمد بن عبد العزيز

- ‌الرسالة السادسة الخمسون: إلى حمد بن عبد العزيز

- ‌ثانيا: الرسائل الخاصة بالفتاوى في الفروع

- ‌الرسالة السابعة والخمسون: سؤال من الشيخ لوالده

- ‌الرسالة الثامنة والخمسون: إلى زيد بن محمد

- ‌الرسالة التاسعة والخمسون: إلى عيسى بن إبراهيم

- ‌الرسالة الستون: جواب عن مسائل فقهية سئل عنها

- ‌الرسالة الحادية والستون: في مسألة الرهن

- ‌الرسالة الثانية والستون: أجوبة على مسائل متعددة

- ‌الرسالة الثالثة والستون: إلى عبد الله بن محمد بن عتيق في السؤال عن نهائب الأعراب

- ‌الرسالة الرابعة والستون: إلى عبد الرحمن بن عدوان

- ‌الرسالة السادسة والستون: سؤال عن تركة الميت قسم ماله بين أولاده وأوصى لصغارهم

- ‌الرسالة السابعة والستون: إلى عبد العزيز بن حسن قاضي محمل

- ‌الرسالة الثامنة والستون: إلى الشيخ عبد العزيز بن حسن

- ‌الرسالة التاسعة والستون: إلى عبد العزيز بن حسن بن مزروع

- ‌الرسالة السبعون: إلى عبد الله بن علي بن جريس

- ‌الرسالة الحادية والسبعون: إلى جماعة من أهل الزلفي

- ‌الرسالة الثانية والسبعون: جواب رسالة لمحمد بن زومان

- ‌الرسالة الثالثة والسبعون: إلى عبد المحسن بن سلمان

- ‌الرسالة الرابعة والسبعون: إلى أهل عرقة

- ‌الرسالة الخامسة والسبعون: جواب سؤال ورد عليه من أهل المجمعة

- ‌الرسالة السادسة والسبعون: إلى الشيخ عبد العزيز بن حسن

- ‌الرسالة السابعة والسبعون: جواب على سؤال

- ‌الرسالة الثامنة والسبعون: جواب على سؤال

- ‌الرسالة التاسعة والسبعون: إلى عثمان بن حسين وجماعته أهل الحوطة

- ‌الرسالة الثمانون: إلى عبد العزيز بن حسن

- ‌الرسالة الحادية والثمانون: إلى صالح الشثري

- ‌الرسالة الثانية والثمانون: الكلام على البسملة

- ‌ثالثا: الرسائل الخاصة بالفتن

- ‌الرسالة الثالثة والثمانون: إلى عبد الرحمن بن إبراهيم

- ‌الرسالة الرابعة والثمانون: إلى زيد بن محمد وصالح بن محمد الشثري

- ‌الرسالة الخامسة والثمانون: إلى علي بن محمد وابنه في شأن الفتنة

- ‌الرسالة السادسة والثمانون: إلى الشيخ إبراهيم ورشيد بن عوين في شأن الفتنة

- ‌الرسالة السابعة والثمانون: إلى الأخوان من بني تميم يعزيهم في وفاتهالشيخ عبد الملك

- ‌الرسالة الثامنة والثمانون: منظومة في الفتنة التي وقعت بين المسلمين

- ‌الرسالة التاسعة والثمانون: إلى سالم بن سلطان

- ‌الرسالة التسعون: إلى الشيخ حمد بن عتيق في شأن الفتنة

- ‌الرسالة الحادية والتسعون: إلى الشيخ حمد بن عتيق يحضه على الغلظة في معاداة من والى المشركين

- ‌الرسالة الثانية والتسعون: إلى الشيخ حمد بن عتيق يحضه في الدعوة إلى الله وبث العلم

- ‌الرسالة الثالثة والتسعون: غلى الشيخ حمد بن عتيق

- ‌الرسالة الرابعة والتسعون: إلى محمد علي

- ‌الرسالة الخامسة والتسعون: إلى أهل الحوطة

- ‌الرسالة السادسة والتسعون: إلى زيد بن محمد آل سليمان

- ‌الرسالة السابعة والتسعون: إلى زيد بن محمد آل سليمان

- ‌رسالة ملحقة

- ‌رسالة الرد على الصحاف

- ‌جدول يبين أمراء آل سعود وفترة إماراتهم

- ‌ملحق (جدول يبين أمراء آل سعود وفترة إماراتهم)

الفصل: ‌فصل: قال الجهمي: وإذا قررت لله مكانا معينا، فما معنى قوله تعالى: {فأينما تولوا فثم وجه الله}

الصفات. وأصل ضلال هذه الطائفة، أنهم فهموا من صفات الله الواردة في الكتاب والسنة، ما يليق بالمخلوق ويختص به، فلذلك أخذوا في الإلحاد والتعطيل، شبهوا أولا وعطوا ثانياً.

الوجه الرابع: أن هذا التمثيل الذي أبداه السائل، قد نص القرآن على إبطاله، قال تعالى:{فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} 1 وأصل الشرك تشبيه الخالق بالمخلوق.

1 سورة النحل الآية "74".

ص: 549

‌فصل: قال الجهمي: وإذا قررت لله مكانا معينا، فما معنى قوله تعالى:{فأينما تولوا فثم وجه اللَّه}

"فصل"

قال الجهمي في ورقته: وإذا قررت لله مكانا معينا، فما معنى قوله تعالى:{فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} 2 وقال: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} 3 وقال: إنه قريب 4. وقال صلى الله عليه وسلم: "حيثما كنتم فأنه معكم"5 فإذا قلت: هذه الآيات مؤولة وأقررت بالتأويل، فالآية الأولى أولى به، لأنها بلا تأويل تخالف الإجماع وتعارض الآيات والأحاديث. أما الآيات الأخيرة، فقد قيل في الأولى 6 إنها من المتشابهات، لأن الاستواء معلوم، والكيف مجهول؛ وما نفي الاستواء/عن/7 غير العرش.

هذا كلامه بحروفه، نقلناه على ما فيه من التحريف واللحن ليعتبر الناظر، ويعرف المؤمن المثبت حال هؤلاء الجهال الضلال الحيارى.

2 سورة البقرة الآية "115".

3 سورة ق الآية "16".

4 ذلك في قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} [البقرة:186] .

5 تقدم تخريجه في ص 537.

6 أي قوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق:16] .

7 في "أ": من.

ص: 549

فأما قوله: فإذا قررت لله مكانا معينا: فاعلم أن أهل السنة والجماعة، ورثة الرسل وأعلام الهدى لا يصفون الله إلا بما وصف به نسفه، وأو وصفه به رسوله، من غير زيادة ولا نقص، ينتهون حيث انتهى بهم، تعظيما للموصوف وخشية وهيبة وإجلالا.

وأما أهل البدع، فيخوضون في ذلك، ويصفونه بما لم يصف به نفسه، ويلحدون فيما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، ولا يتحاشون من الكلام في ذلك بالبدع التي لا تعرف.

وقد ذم الله هذا الصنف في كتابه، ووصفهم بما لم يأتهم عنه ولا عن رسوله. وذكر الله عن أصحاب النار أنهم لما قيل لهم:{مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ، قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ، وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ} 1؛ فوصفهم بالعتو عن طاعته، وعدم الانقياد لعبادته، بقوله:{لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} 2، ووصفهم بعدم الإحسان والمعروف بقوله:{وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ} 3، ووصفهم بالخوض في شأن دينهم وما جاءت به رسلهم، وعدم وقوفهم مع ما أمروا به، وتعديهم إلى ما يرونه ويهوونه بقوله:{وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ} 4. وهذا حال أهل البدع والضلالات الذين لم يؤسسوا دينهم على ما جاءت به الرسل.

وإذا عرفت ذلك فلفظ المكان لم يرد لا نفيا ولا إثباتا، وقد يراد به معنى/ صحيح/5 كالعلو والاستواء والظهور، وقد يراد به غير ذلك من الأماكن المحصورة. فالواجب ترك المشتبه، والوقوف مع نصوص الكتاب والسنة، فيقال لهذا الجهمي: نحن لا نقر لله من الصفات إلا ما نطق به الكتاب العزيز، وصحت به السنة النبوية، ولا يلزم من أثبت ذلك شيء من البدعيات والأوضاع المختلفة.

1 سورة المدثر الآيات "42، 44، 45".

2 سورة المدثر الآية "43".

3 سورة المدثر الآية "44".

4 سورة المدثر الآية "45".

5 في "أ" و"ج": صحيحاً.

ص: 550

وأما قوله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} 1 فسياق الآية الكريمة يدل على أنها في شأن القبلة. قال ابن عباس: خرج نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر قبل تحويل القبلة فأصابهم الضباب، وحضرت الصلاة وصلوا وتحروا القبلة، فلما ذهب الضباب، استبان لهم أنهم لم يصيبوا، فلما قدموا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فنزلت هذه الآية2.

وقال ابن عمر: نزلت في المسافر يصلي التطوع حيثما توجهت به راحلته3. وقال عكرمة4: نزلت في تحويل القبلة5.

وقال أبو العالية 6: عيرت اليهود المؤمنين لما صُرفت القبلة، فنزلت هذه الآية 7، وقال

1 سورة البقرة الآية "115".

2 تفسير القرآن العظيم لابن كثير 1/164، قال ابن كثير بعد سرده لعدة روايات في سبب نزول الآية، قال: هذه الأسانيد فيها ضعف، ولعله يشد بعضها بعضا. وأخرج الترمذي نحوه في سننه 2/176، عن طريق عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه. قال الترمذي: "هذا الحديث ليس إسناده بذاك. وأخرجه الطبري في تفسيره 1/503؛ والواحدي في أسباب النزول ص 37، عن طريق جابر بن عبد الله.

3 أسباب النزول للواحدي ص 38؛ جامع البيان للطبري 1/503؛ الجامع لأحكام القرآن 2/55.

4 هو عكرمة، أبو عبد الله القرشي، مولاهم، المدني البربري الأصل، العلامة الحافظ المفسر. حدث عن ابن عباس وعائشة وأبي هريرة وابن عمر وعلي رضي الله عنهم. وعن غيرهم. "ب105هـ".

وفيات الأعيان 3/265، سير الأعلام 5/12، تهذيب التهذيب 7/263.

5 تفسير القرآن العظيم لابن كثير 1/162.

6 هو رفيع بن مهران، الإمام المقرئ الحافظ المفسر، أبو العالية الرياحي البصري، أحد الأعلام. أسلم في خلافة أبي بكر، ودخل عليه وسمع من عمر وعلي وغيرهم من الصحابة "ت 90هـ".

سير الأعلام 4/207، تهذيب التهذيب 3/284، شذرات الذهب 1/102.

7 جامع البيان للطبري 1/502.

ص: 551

مجاهد 1 والحسن 2: نزلت في الداعي يستقبل أي جهة كان، لأنهم قالوا لما نزلت:{ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} 3 أين ندعوه 4.

قال الكلبي 5: {فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} 6، فثمن الله يعلم ويرى، والوجه صلة، كقوله:{كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَاّ وَجْهَهُ} 7، أي إلا هو 8.

وقال الحسن ومجاهد وقتادة ومقاتل بن حيان 9: فثم قبلة الله. والوجه والوجهة والجهة القبلة 10.

1 هو مجاهد بن جبر، أبو الحجاج المكي، شيخ القراء والمفسرين، مولى السائب بن أبي السائب، روى عن ابن عباس، وعنه أخذ القرآن والتفسير والفقه، وعن أبي هريرة وعائشة رضي الله عنهم أجمعين. "ت104هـ".

سير الأعلام 4/449، تهذيب التهذيب 10/42، شذرات الذهب 1/125.

2 هو الحسن البصري. وقد تقدمت ترجمته في ص 181.

3 سورة غافر الآية "60".

4 الجامع لأحكام القرآن للرطبي 2/57، تفسر القرآن العظيم 1/165.

5 هو إبراهيم بن خالد بن أبي اليماني، أبو ثور الكلبي البغدادي، الحافظ الحجة المجتهد، مفتي العراق، سمع من ابن عيينة ووكيع وأبي عبد الله الشافعي. "ت 240هـ".

تاريخ بغداد 6/65، 69. سير الأعلام 12/72، طبقات السبكي 2/74.

6 سورة البقرة الآية "115".

7 سورة القصص الآية "88".

8 الجامع لأحكام القرآ، 2/58.

9 هو مقاتل بن حيان بن دوال دور، الإمام العالم المحدث الثقة، أبو بسطامي النبطي البلخي، الخراز، حدث عن الشعبي ومجاهد والضحاك وعكرمة. توفي في حدود "150هـ".

سير الأعلام 6/340، تهذيب التهذيب 10/277.

10 الجامع لأحكام القرآ، 2/58.

وإطلاق الوجه هنا بمعنى القبلة، لعل المراد به، بيان المعنى المقصود من الآية، أنه التوجه في الصلاة يكون إلى جهة القبلة. أما كون "وجه الله" هو المفسَّر بالقبلة تفسيرا لغويا. كما يشعر اللفظ هنا. فهذا لا يصح.

قال الإمام ابن القيم –رحمه الله: "والوجه لا يعرف في اللغة بمعنى القبلة، ولكل منهما معناه الخاص به، لا يشاركه فيه غيره". اجتماع الجيوش الإسلامية ص 94.

ص: 552

وقوله: {إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} 1 ختم هذه الآية بهذين الاسمين الشريفين، يشعر بما قاله الكلبي، من أنه يعلم ويرى. ومن كان له أدنى شعور بعظمة الله وجلاله، عرف صغر المخلوقات بأجمعها في جنب ما له تعالى من الصفات المقدسة، ولم يخلتج في قلبه ريب ولا شك في الإيمان بهذه النصوص كلها، وعرف الجمع بينها وبين ما تقدم. فسبحان من جلت صفاته، وعظمت أن يحاط بشيمنها.

وأما قوله: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} 2 فهذا القرب لا ينافي علوه على خلقه واستواءه على عرشه 3.

وفي الحديث: "وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء"4، ولا يعرف هذا من ضاق نطاقه عن الإيمان بما جاءت به الرسل وإنما يعرفه رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين.

ومن أسمائه العلى الأعلى؛ ومن أسمائه القريب المجيب؛ ومن أسمائه الظاهر الباطن. وكذلك قوله/تعالى/5: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ} 6 وقد حرف السائل هذه الآية، وقال: إنه قريب، وهذا قرب خاص/بداعيه/7.

وفي الحديث: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" 8 حال السجود غاية في العبودية والخضوع، ولذلك صار له قرب خاص لا يشبهه سواه. وهذا مما يبن لك

1 سورة البقرة الآية "115".

2 سورة ق الآية "16".

3 شرح حديث النزول لابن تيمية ص 314؛ مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 3/143، 5/103.

4 تقدم تخريجه في ص 545.

5 ساقط في "أ""ب".

6 سورة البقرة الآية "186".

7 في "ج" و"د" والمطبوع: يدعيه. وهو خطأ.

8 تقدم تخريجه في ص 315.

ص: 553

بطلان قول الجهمي: إنه بذاته في كل مكان1 ولو كان المر كما قال الظالم، لم يكن للمصلي والداعي خصوصية بالقرب،/ولكان/2 المصلي وعابد الصنم سواء في القرب إليه؛ تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا

قال العلامة ابن القيم –رحمه الله: المعية نوعان3:

عامة وهي معية العلم والإحاطة 4، كقوله تعالى:{وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} 5 وقوله: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} 6.

وخاصة: وهي معية القرب كقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} {وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} 9. فهذه

1 كما أشار إلى قولهم شيخ الإسلام في مجموع فتاواه 5/166، 187.

2 في "أ": ومكان.

3 ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية هذين النوعين في مجموع الفتاوى 11/249-250. ويأتي ذكر مصدر ابن القيم –رحمه الله عند نهاية كلامه إن شاء الله.

4 ذكره أيضا النووي في شرح صحيح مسلم 17/29.

5 سورة الحديد الآية "4".

6 سورة المجادلة الآية "7".

فالمعية في الآيتين معية علم وإحاطة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وقد ثبت عن السلف أنهم قالوا: هو معهم بعلمه. وقد ذكر ابن عبد البر أن هذا إجماع من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولم يخالفهم فيه أحد يعتد بقوله. وهو مأثور عن ابن عباس، والضحاك ومقاتل بن حيان وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وغيرهم". شرح حديث النزول ص 356. وانظر التمهيد لابن عبد البر 7/138. وإثبات صفة العلو للمقدسي ص 166.

7 سورة النحل الآية "128".

8 سورة البقرة الآية "153".

9 سورة العنكبوت الآية "69".

ص: 554

معية قرب تتضمن الموالاة والنصر والحفظ. وكلا المعيتين مصاحبة منه للعبد، لكن هذه مصاحبة إطلاع وإحاطة، وهذه مصاحبة موالاة ونصر وإعانة 1.

ف"مع" في لغة العرب للصحبة اللائقة، لا تشعر بامتزاج ولا اختلاط ولا مجاورة ولا محايثة، فمن ظن شيئا من هذا، فمن سوء فهمه أتي.

وأما القرب: فلم يقع في القرآن إلا خاصا2 وهو نوعان: قربه من داعيه بالإجابة، وقربه من عابديه بالإثابة3.

فالأول كقوله: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} 4 ولهذا نزلت جوابا للصحابة رضي الله عنهم، وقد سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم:/أ/5 قريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله هذه الآية6.

والثاني: كقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد""أقرب ما يكون الرب من عبده في جوف الليل" 8، فهذا قربه من أهل طاعته9.

1 مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 11/249-250.

2 المرجع السابق 5/240.

3 مدارج السالكين 2/265.

4 سورة البقرة الآية "186". فالقرب في الآية قرب إجابة. انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام 5/247.

5 ساقط في "أ" و"ج".

6 جامع البيان للطبري 2/158، الجامع لأحكام القرآن 2/206.

7 تقدم تخريجه في ص 315.

8 سنن الترمذي 5/532، الدعوات، باب حدثنا محمود بن غيلان. قال الترمذي:"هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. سنن النسائي 1/179، المواقيت، باب النهي عن الصلاة بعد العصر؛ الترغيب والترهيب للمنذري 1/434. مشكاه المصابيح 1/387، قال الألباني: "سنده صحيح، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي" كنز العمال 1/416، وعزاه إلى النسائي والنرمذي والمستدرك. وفي 7/419.

9 وهو أقرب إثابة لعابديه. مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 5/247.

ص: 555

وفي الصحيح عن أبي موسى رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فارتفعت أصواتنا بالتكبير فقال: "يا أيها الناس، اربعوا1 أنفسكم إنكم لا تدعون أصما ولا غائبا، إن الذي تدعونه سميع قريب، أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته"2. فهذا قرب خاص بالداعي دعاء العبادة والثناء والحمد.

وهذا القرب لا ينافي كمال مباينة الرب لخلقه واستوائه على عرشه3، بل يجامعه ويلازمه، فإنه ليس كقرب الأجسام بعضها من بعض4؛ تعالى الله علوا كبيرا. ولكنه نوع آخر، والعبد في الشاهد يجد روحه قريبة جدا من محبوب وبينه وبينه مفاوز تنقطع فيها أعناق المطي، ويجده أقرب إليه من جليسه، كما قيل:

ألا رب من يدنو ويزعم أنه

يحبك والنائي أحب وأقرب5

وأهل السنة أولياء رسول الله صلى الله عليه وسلم وورثته وأحباؤه، الذين هو عندهم أولى بهم من أنفسهم، وأحب إليهم منها، يجدون نفوسهم أقرب إليه، وهم في الأقطار النائية عنه، من جيران حجرته في المدينة6 والمحبون المشتاقون للكعبة البيت الحرام يجدون قلوبهم وأرواحهم أقرب إليها من جيرانها ومن حولها، وهذا مع عدم تأتي القرب منها، فكيف بمن يقرب من خلقه كيف يشاء هو مستو على عرشه.

وأهل الذوق لا يلتفتون في ذلك إلى شبهة المبطل بعيد من الله، خلي من محبته

1 اربعوا: أي ارفقوا. النهاية لابن الأثير 2/187، شرح النووي لصحيح مسلم 17/29، فتح الباري 11/509.

2 صحيح البخاري مع الفتح 6/157، الجهاد، باب ما يكره من رفع الصوت في التبكبير.

صحيح مسلم بشرح النووي 17/29، الذكر، باب استحباب خفض الصوت، سنن أبي داود 2/182، الصلاة باب الاستغفار. مسند الإمام أحمد 4/402، واللفظ له.

3 مجموع فتاوى ابن تيمية 3/143.

4 المرجع السابق 5/487-488.

5 لم أقف على مصدره فيما اطلعت عليه.

6 مجموع فتاوى ابن تيمية 6/30.

ص: 556

ومعرفته1.

والقصد أن هذا القرب يدعو صاحبه إلى ركوب المحبة، وكلما ازداد حبا ازداد قربا، فالمحبة بين قربين: قرب قبلها وقرب بعدها. وبين معرفتين: معرفة قبلها حملت عليها، ودعت إليها، ودلت عليها؛ ومعرفة بعدها من نتائجها وآثارها.

وأما مسألة الاشتقاق: فينبغي أولا أن يسأل هذا: ما معنى الاشتقاق، وما يراد به عند المحققين فإن زعم أنه أخذ الأسماء من مصادرها، وأن المصادر متقدمة، فهذا يلزم عليه سبق مادة أخذ منها الاسم، ومجرد القول بهذا، ولا يرتضي عند المحققين من أئمة الهدى.

فإن عرف ذلك وأجابك عن معنى الاشتقاق على الوجه الذي أشرنا إليه، فأخبره أن البصريين والكوفيين اختلفوا في الاسم من حيث هو، هل هو مشتق من السمو أو من السّمة ذهب البصريون إلى الأول2؛ والكوفيون إلى الثاني3.

وأصله عند البصريين: "سمو" على وزن فعل، فحذفت لام الكلمة وهي الواو، ثم سكن أوله تخفيفا، ثم أتى بهمزة الوصل توصيلا بالنطق بالساكن، فصار "اسم"، وعليه فوزنه "افع" /ففيه/4 إعلالات ثلاثة، وهي الحذف ثم الإسكان والإتيان بهمزة الوصل.

وأما على مذهب الكوفيين، فأصله:"وسم" على وزن "فُعَل"، حذفت فاء الكلمة وهي الواو اعتباطا5 ثم عوض عنها بهمزة الوصل، وعلى هذا فوزنه

1 إلى هنا انتهى ما نقله المصنف من كلام الإمام ابن القيم في مدارج السالكين 2/265-267. وقد بدأ كلامه في ص 531.

2 الإيضاح في شرح المفصل، للشيخ عثمان بن عمر، ابن الحاجب "5646"، تحقيق د. موسى بناي العليلي مكتبة العاني. بغداد 1/63. وانظر لسان العرب 14/401.

3 المرجع السابق نفس الصفحة.

4 في "أ": فيه.

5 أي بدون علة ولا سبب، تشبيها بالذبيحة التي تنحر عن غير داء ولا كسر، وهي سمينة فتية، يقال فيها: عبط اعتباطا، وكما في حديث:"من اعتبط مؤمنا قتلا فإنه قود" أي قتله بلا جناية كانت منه ولا جريرة توجب قتله. لسان العرب 7/347-348 مادة "عبط". والحديث بهذا اللفظ أخرجه الهندي في كنز العمال برقم "39833" و"39835".

ص: 557

"إعل"1.

ويسأل عن معنى الإعلال وما يقابله، وعن الاشتقاق الأكبر والأصغر والكبير 2، وعن معنى الاشتقاق في الأكبر مع المباينة في أكثر الحروف، ما معناه.

فإن أجابك عن هذا، فأجبه عن سؤاله؛ وإلا فكيف يسأل عن التفاصيل من أضاع القواعد والجمل.

وأما سؤاله عن الفرق بين القدر والقضاء.

فإن القدر في الأصل مصدر قدر، ثم استعمل في التقدير الذي هو التفصيل والتبيين 3، واستعمل أيضا بعد الغلبة، في تقدير الله للكائنات قبل حدوثها 4.

وأما القضاء، فقد يستعمل في الحكم الكوني، بجريان الأقدار، وما كتب في الكتب الأولى 5؛ وقد يطلق هذا على القدر الذي هو التفصيل والتمييز. ويطلق

1 وقد خطأ الأزهري هذا الاشتقاق في التهذيب، وقال: "ومن قال إن اسما مأخوذ من وسمت، فهو غلط؛ لأنه لو كان اسم من سمته لكان تصغيره: وسيما، مثل تصغير عدة وصلة. تهذيب اللغة 13/117.

2 الاشتقاق الأوسط الخاص: هو الاشتراك في الحروف وترتيبها، وهو المشهور، كقولك: علم يعلم فهو عالم.

والاشتقاق الأوسط: أن يشتركا في الحروف لا في ترتيبها، كقول الكوفيين: الاسم مشتق من السمية.

والاشتقاق الأكبر: إذا اشتركا في أكثر الحروف وتفاوتا في بعضها، وقيل أحدهما مشتق من الآخر. منهاج السنة 5/192.

3 لسان العرب 5/74، مادة "قدر".

4 المرجع السابق 15/186.

5 نفس المرجع ونفس الصفحة.

ص: 558

القدر أيضا على القضاء الذي هو الحكم1 الكوني بوقوع المقدرات، ويطلق القضاء على الحكم الديني الشرعي، قال تعالى:{ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ} 2.

ويطلق القضاء على الفراغ والتمام3 قال تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ} 4، ويطلق على نفس الفعل5 كقوله تعالى:{فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ} 6؛ ويطلق على الإعلام7 والتقدم بالخبر كقوله تعالى: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ} 8، ويطلق على الموت، ومنه قولهم: قضى فلان، أي مات9، قال تعالى:{وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} 10. ويطق على وجود العذاب، كقوله تعالى: {وَقُضِيَ الأَمْرُ} 11. ويطلق على التمكن من الشيء وتمامه، كقوله تعالى:{وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ} 12، ويطلق على الفصل والحكم، كقوله:{وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ} 13، ويطلق

1 لسان العرب 5/74، ومنه قوله تعالى:{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر:1] .

2 سورة النساء الآية "65".

3 لسان العرب 15/187.

4 سورة الجمعة الآية "10". والمعنى: إذا فرغتم من الصلاة. جامع البيان للطبري، 24/103.

5 لسان العرب 15/187.

6 سورة طه الآية "72". ومعنى الآية: فاصنع ما أنت صانع، واعمل بنا ما بدا لك. جامع البيان للطبري 16/189.

7 لسان العرب 15/177، مادة "قضيى".

8 سورة الإسراء الآية "4". ومعنى قضينا "أي: أعلمناهم. جامع البيان للطبري 15/21.

9 لسان العرب 15/187. مادة "قضى".

10 سورة الزخرف الآية "77"، والمعنى: أي ليمتنا ربك. جامع البيان للطبري 25/98.

11 سورة هود الآية "44". والمعنى: أي مضى بهلاك قوم نوح. جامع البيان للطبري 12/46.

12 سورة طه الآية "114".

13 سورة الزمر الآية "75". ومعنى "قضى" أي فصل بين أهل الجنة والنار. الجامع لأحكام القرآن 15/187.

ص: 559

على الخلق، قال تعالى:{فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} 1، ويطلق على الحتم كقوله تعالى:{وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً} 2، ويطلق على الأمر الديني، كقوله تعالى:{وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ} 3، ويطلق على بلوغ الحاجة، ومنه: قضيت وطري. ويطلق على إلزام الخصمين بالحكم، ويطلق بمعنى الأداء، كقوله تعالى:{فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ} 4 والقضاء في الكل مصدر5. واقتضى الأمر الوجوب، دل عليه. والاقتضاء هو العلم بكيفية نظم الصيغة.

وقولهم/لا أقضي/6 منه العجب، قال الأصمعي7: يبقى ولا ينقضي.

وقال السائل: ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار" 8، وأي شيء حقيقة البدعة، وهل/ يؤول/9 الكلام أم لا فإذا قلت لا، فأكثر ما تستعملونه في شرب القهوة، وليس المحارم وغيرها بدعة، لا تثبت من الرسول صلى الله عليه وسلم ولا ممن يعتبر بهم.

1 سورة فصلت الآية "12". أي ففرغ من خلقهن. جامع البيان 24/99.

2 سورة مريم الآية "21". ومعنى مقضيا "أي قضاه الله ومضى في حكمه وسابق علمه أنه كائن منك. جامع البيان 16/62.

3 سورة الإسراء الآية "23". ومعنى "قضى ربك" أي أمر. جامع البيان للطبري 15/62، 63؛ تفسير القاسمي10/3918.

4 سورة البقرة الآية "200". ومعنى "قضيتم هنا" أديتم أفرغتم. الجامع لأحكام القرآن، 2/285.

5 لسان العرب 15/186، مادة "قضى".

6 في "أ" و"ج" لأقضي.

7 هو عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن علي، أبو سعيد الأصمعي، الإمام الحافظ، حجة الأدب، حدث عنه ابن معين وأبو حاتم الرازي وغيرهما. "ت215هـ". تاريخ بغداد 10/410، سير الأعلام 10/175.

8 أخرج الجزء الأول من الحديث: مسلم في صحيخه 6/403، الجمعة، باب تخفيف الصلاة. وقد تقدم الحديث بتمامه في ص 8. والجزء الثاني "وكل ضلالة في النار" أخرجه النسائي في سننه 3/188-189، العيدين، باب كيف الخطبة.

9 في "أ" و"ب" و"ج": يؤل.

ص: 560

فجوابها1 أن يقال: هذا السؤال/دليل/2 على جهل السائل بالرواية والدراية، وباللسان العربي، فكلام هذا الضرب من الناس، يكفي من هداه الله في بيان جهلهم وضلالهم.

أما جهله بالدراية فمن وجوه:

أحدها: قوله: "هل يؤول الكلام أم لا؟.

والتأويل في عرف هؤلاء صرف الكلام عن ظاهره وعن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح3، ومن سلك هذه الطريقة في أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم ونصوص القرآن، فقد فتح على نفسه باب الإلحاد والزندقة، وليس في كلام الله وكلام رسوله ما ظاهره ومعناه الراجح غير مراد4، لن الظاهر هو اللائق بحال الموصوف، وبلغة المتكلم وعرفه، لا ما يظنه الأغبياء الجهال مما لا يصح نسبته إلى الله وإلى رسوله.

وكذلك قوله: "أكثر ما تستعملونه من شرب القهوة وليس المحارم بدعة" وهذا من أدلة جهله، وعدم معرفته للأحكام الشرعية، والمقاصد النبوية، فإن الكلام في العبادات لا في العادات؛ والمباحث الدينية نوع، والعادات الطبيعية نوع آخر. فما اقتضته العادة من أكل وشرب ولبس ومركب ونحو ذلك، ليس الكلام فيه. والبدعة ما ليس لها أصل في الكتاب والسنة، ولم يرد بها دليل شرعي، ولم تكن من هديه صلى الله عليه وسلم وهدي أصحابه5.

أما ما له أصل، كإرث ذوي الأرحام، وجمع المصحف، والزيادة في حد الشارب،

1 في المطبوع: فجوابه.

2 في "أ": يدل.

3 هذا هو معنى التأويل عند الجهمية. مجموع فتاوى ابن تيمية 5/35.

4 انظر المرجع السابق 4/161، 162، 163.

5 اقتضاء الصراط المستقيم ص 276. مجموع فتاوى شيخ الإسلام 21/317-318، 319. التعريفات للجرجاني ص 62.

ص: 561

وقتل الزنديق، ونحو ذلك، فهذا وإن لم يفعل في وقته صلى الله عليه وسلم فقد دل عليه دليل شرعي1.

وبهذا التعريف تنحل إشكالات طالما عرضت في المقام.

وأما ما فيه من جهة اللسان العربي:

فإن "هل" لا تقابل ب"أم" لأن ما يقابل بأم همزة الاستفهام، كما يعلم من محله.

ومنها قوله: "لا تثبت من الرسول": فإن الإثبات يتعدى ب"عن" لا ب"من".

وكذلك قوله: "لا ممن يعتبر بهم"، فإن الاعتبار نوع والاعتداد نوع آخر، فيعتد بالصالحين وأهل العلم؛ والاعتبار لا يختص بهم، بل لما ذكر تعالى فعل.

بني نضير2 بأنفسهم وديارهم قال: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ} 3.

وذكر السائل سؤالا عن الترشيح4.

1 مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 21/318.

2 بنو النضير: جماعة من اليهود كانوا في المدينة، من خلفاء الخزرج، وهم وبنو قريظة أخوان، من أولاد هارون النبي عليه السلام. سكنا قلعتين. فنزل أولاد النضير قلعة على منازل من المدينة. حاضر النبي صلى الله عليه وسلم أهلها، وقطع نخلها، وحرق شحرها، فأنزل الله:{مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ} [الحشر:5] .

الأنساب، لأبي سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور التميمي السمعاني "562هـ" تعليق عبد الله عمر البارودي. دار الجنان ط/1، 1404هـ. 1988م، 5/503.

3 سورة الحشرة الآية "2".

4 الترشيح هو: أن يريد المتكلم ضربا من ضروب البديع فلا يأتي له الإتيان به مجردا حتى يأتي بشيء في الكلام ليرشحه لمجيء ذلك الضرب. مثل قوله تعالى: {اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ} [يوسف: 42] فهنا لفظة [ربك] رشحت لفظة [ربه] إذ يحتمل أن يراد بها الله تعالى، وأن يراد بها الملك. ولو وقع الاقتصار على قوله:{فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ} دون {اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ} لم تدل لفظة [ربه] إلا على الله فحسب. معجم البلاغة العربية للدكتور بدوي طبانه، دار المنار جدة، ودار الرفاعي الرياض، ط/3، 1408هـ. 1988م، ص 252، 253.

ص: 562

والإطلاق1، أيها أبلغ وكذلك الإطلاق والتجريد2. فينبغي أن يسأل عن الترشيح والإطلاق والتجريد، ما يراد بهن عند أهل الفن فإن عبارته تفيد عدم معرفته؛ إذ لا مقابلة بين الترشيح والإطلاق.

والتجريد في الأبلغية3، فسؤاله نص ظاهر في جهله.

فإن الترشيح: يراد به تقوية الشبه بين المشبه والمشبه به، بأن يذكر ما هو من خواص المشبه به، كقولك: أنشبت المنية أظفارها، فإن هذا فيه ذكر التقوية، بما هو من خواص

1 الإطلاق هو: الاقتصار في الجملة على ذكر جزأيها "المسند إليه والمسند"، فالحكم مطلق غير مقيد بوجه من الوجوه يمكن للسماع أن يذهب فيه كل مذهب ممكن. كقولك "ظمئي إلى رؤية أبي شديد". معجم البلاغة العربية ص 382.

2 التجريد نوع من أنواع البديع، وهو: أن ينتزع من أمر ذي صفة أمر آخر مثله في تلك الصفة على سبيل المبالغة في كمال الصفة فيه؛ مثل قولك: رأيت أسدا يتكلم.

شروح التلخيص: عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح "للخطيب القزويني"، لبهاء الدين السبكي، ومعه: مختصر العلامة سعد الدين التفتزاني، ومواهب الفتاح للمغربي. مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه بمصر 348-349. المنزع البديع في تجنيس أساليب البديع، لمحمد بن القاسم السجلماسي، تحقيق علال الغازي، مكتبة المعارف، الرباض المغرب ط/1، 1401هـ-1980م، 378.

فهذه الألفاظ الثلاثة هي أقسام للاستعارة باعتبار ملائمتها، فتنقسم باعتبار ذلك إلى ثلاثة أقسام هي:

الاستعارة المشرحة: هي التي اقترنت بما يلائم المستعار منه "المشبه به" وسميت بذلك لتقويتها به. معجم البلاغة ص 253.

الاستعارة المجردة: هي التي تقترن بما يلائم المستعار له "المشبه". نحو: رأيت أسدا يتكلم. معجم البلاغة العربية ص 126.

الاستعارة المطلقة: هي التي لم تقترن بما يلائم المستعار له أو المستعار منه. كقولك: ظمئي إلى لقاء من أحب شديد. معجم البلاغة العربية ص 383.

3 قال الدكتور بدوي طبانة في معجم البلاغة: "والترشيح أبلغ من التجريد والإطلاق، لما فيه من قوة توكيد المبالغة التي تؤديها الاستعارة". معجم البلاغة العربية ص 253.

ص: 563

المشبه به، وهي الأظفار، فالترشيح قوى المعنى المراد.

وأما الإطلاق في الاستعارة، فيقابله/ التقييد/1. والتجريد معناه: أن يجرد المتكلم من نفسه مخاطبا2 كقول الشاعر: /

3

/.

وأيضا فالبلاغة تختلف باختلاف الأحوال، فتوصف بها الكلمة والكلام والمتكلم 4.

وحقيقتها: مطابقة الكلام مقتضى الحال5؛ فإن كان الحال يقتضي الترشيح، فهو أبلغ، وإلا فلكل مقام مقال.

وأما الإخبار عن الاسم بـ"الذي" فهو كثير في القرآن وغيره، فقال تعالى:{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} 6، فأخبر بالذي عن اسمه الشريف، الذي هو أعرف

1 كذا في المطبوع، وفي "أ" و"ج": التعبير.

2 هذا تعريف لأحد فسمى التجريد، وهما:

التجريد المحض وهو أن تأتي بكلام يكون ظاهره خطابا لغيرك، وأنت تريد خطابا لنفسك ومثاله قول الأعشى:

ودع هريرة إن الركب مرتحل

وهل تطيق وداعا أيها الرجل

التجريد غير المحض: وهو أن تجعل الخطاب لنفسك على الخصوص دون غيرها، "وهذا النوع هو الذي عليه تعريف الشيخ". ومثاله قول عمرو بن الإطنابة:

أقول لها وقد جشأت وجاشت

مكانك تحمدي أو تستريحي

معجم البلاغة العربية ص 124، 125.

3 هنا سقط بين الشعر. وعلماء البيان يمثلون هنا بقول عمرو بن الإطنابة المتقدم في هامش "3".

4 قال أحمد الهاشمي في جواهر البلاغة: "وتقع البلاغة في الاصطلاح: وصفا للكلام، والمتكلم فقط. ولا توصف "الكلمة" بالبلاغة: لقصورها عن الوصول بالمتكلم إلى غرضه ولعدم السماع بذلك" جواهر البلاغة للهاشمي ص 32.

5 المرجع السابق، نفس الصفحة.

6 سورة إبراهيم الآية "32".

ص: 564

المعارف. و"الذي" اسم أيضا بخلاف ما يفيه السؤال.

وأما الإخبار عن اسم بـ"أل" فكقول الشاعر:

ما أنت بالحكم الترضى حكومته 1.

وكذا كل فعل مضارع دخل عليه "أل".

وأما الإخبار عن اسم من الأسماء بـ"الذي" فكقوله تعالى: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ} 2.

وأما الإخبار بـ"اللذين" فكقوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلانَا مِنَ الْجِنِّ وَالأِنْسِ} 3، وقال تعالى:{وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا} 4.

وأما الكل والكليِّ، فالكل يراد به الجميع، كقوله: كل المؤمنين يدخلون الجنة. والكليِّ: ما يقع على الأكثر والغالب، كقولك:

1 البيت للفرزدق، قاله في هجاء رجل من بني عذرة، كان هجاء بحضرة الخليفة عبد الملك بن مروان. فقال افرزدق:

يا أرغم الله أنفاً أنت حامله

يا ذا الخنى ومقال الزور والخطل

ما أنت بالحكم الترضى حكومته

ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل

لم أجد البيت في ديوان الفرزدق. وقد ذكره شراح الألفية في الشواهد.

انظر: أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك، لأبي محمد عبد الله جمال الدين بن يسوف ابن هشام "761هـ"، ومعه كتاب عدة السالك إلى تحقيق المسالك، محمد محيي الدين عبد الحميد، ط/1605هـ. 1967م، مطبعة السعادة بمصر، نشر المكتبة التجارية الكبرى 1/20.

ضياء السالك إلى أوضح المسالك لمحمد بن عبد العزيز النجار، مصر الجديدة، 1401هـ. 1981م، 1/38.

2 سورة آل عمران الآية "172".

3 سورة فصلت الآية "29".

4 سورة النساء الآية "16".

ص: 565

كل بني تميم يحملون الصخرة العظيمة 1.

1 قال جامع الرسائل في هامش "أ": "هذا آخر ما وجد من هذه الرسالة. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم".

وهي ساقطة في "د" كما أشرت إليه عند بدايتها في ص 536.

ص: 566