الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثانيا: الرسائل الخاصة بالفتاوى في الفروع
الرسالة السابعة والخمسون: سؤال من الشيخ لوالده
…
الرسالة السابعة والخمسون
قال جامع الرسائل:
وله أيضا قدس الله روحه ونور ضريحه سؤال سأل/عنه/1 والده الشيخ الإمام المبجل الفاضل النبيل الشيخ عبد الرحمن بن حسن، ثم ذيل عليه الشيخ عبد اللطيف ذيلا. وهذا نصه:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد: فإني قد سألت والدي قدس الله روحه، ونور ضريحه عما يفعله بعض الأمراء بنجد، من أخذ ابن العم بجريرة ابن عمه أو غير ابن العم من الأصول والفروع؛ هل له مستند شرعي أو لا مستند له؟.
فأجاب –رحمه الله تعالى - بقوله: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيد المرسلين، وإمام المتقين، محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا، أما بعد: فقد سألني من لا تسعني مخالفته، أن أكتب فيما يفعله الأئمة من أخذ ابن العم وحبسه فيما يأخذه ابن عمه من مال وغيره بغير حق؛ هل له مسوغ في الشرع أم لا؟
فالجواب: اعلم وفقك الله أن أهل نجد قبل ظهور هذه الدعوة الإسلامية فيهم، بأسوأ حال. أما الأعراب فلا يلتفت أحد منهم لشريعة الإسلام، لا في العبادات ولا في غيرها من الأحكام، في الدماء ولا في الأموال ولا في النكاح والطلاق والمواريث وغير ذلك. وكانوا في شر عظيم فيما بينهم من الحروب، كل طائفة تقاتل الأخرى، وتستحل دماءها وأموالها. والحضر عندهم في غاية الذل، يأخذون المال منهم كرها. فلما منَّ الله بهذه الدعوة، وأقام الجهاد، أجلبوا كلهم على محاربة من دعاهم إلى
1 زيادة مني لضرورة استقامة المعنى.
الإسلام، والتزام شرائعه وأحكامه، فحصل التأييد من الله لمن قام بدينه، فجاهدوا الأعراب وغيرهم على طاعة ربهم، والتزام ما شرعه؛ فبقوا على جهاد الأعراب، كلما أسلمت قبيلة جاهدوا بها الأخرى، فما زالوا يجاهدونهم على أن يسلموا ويُصَلُّوا ويزكُّوا، وأكثرهم ألقى السلم لأهل الإسلام، لكن بقي من البغي والظلم والعدوان على من قدروا عليه واستضعفوه، ممن قد دخل فيما قد دخلوا فيه من الإسلام 1. فكل من نهب أو قطع طريقا أو قتل، استند إلى قبيلة، فلا يقدر أحد من ولاة الأمر أن يأخذ الحق منهم والحالة هذه؛ فلو تركوا رأسا ولم ينظر إلى جنايتهم، ونظر إلى جناية المباشر فقط، لفهم يفهمه بعض القاصرين من حديث: "لا يجني جان إلا على نفسه"2، لضاعت حقوق الناس ودماؤهم وأموالهم، وعطلت القاعدة الشرعية، وقصر بالحديث عما يتناوله ويدل عليه عند إمعان النظر.
فعلى قدر ما أحدثوا من البغي والظلم والعدوان، والتعاون على ذلك؛ ساغ للأئمة أن يحبسوا ابن عمه، ليقوم بأداء ما وجب عليه من الحق، والطاعة في المعروف، من نصرة المظلوم، وإغاثة الملهوف، والبراءة من المحاربين وقطع السبيل.
ومثل هذه القبائل لما تركوا ما وجب من أمر الشارع، مع القدرة على القيام، ورضوا بمحاربة الله ورسوله، ساغ للأئمة ما ذكر؛ و"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"3. وأيضا فلو خلوا بين أهل الإسلام، وبين هذا الجاني من أبناء عمهم، لتمكن المظلوم من أخذ حقه، ورد مظلمته؛ فهم قد آووا محدثا، وفي الحديث: "لعن الله من آوى محدثا"4.
1 في "أ" و "ج": الاستسلام.
2 سنن الترمذي، 4/401، الفتن، باب ما جاء "دماؤكم وأموالكم عليكم حرام". سنن ابن ماجه، 2/188، المناسك، باب الخطبة يوم النحر. قال الترمذي:"حديث حسن صحيح".
3 قاعدة أصولية. الإحكام في أصول الأحكام، لعلي بن أبي علي بن محمد الآمدي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1400هـ-1980م، 1/157.
4 هذا جزء من حديث واثلة، كنت عند علي بن أبي طالب، فأتاه رجل فقال: ما كان =
وفي الحقيقة هذا إحسان إلى القبيلة، وسبب لتخليصهم من ارتكاب ما حرم الله؛ وهذا الذي أخذ في ابن عمه، لم يقصد ماله، بل حبس لأخذ ما بيد مولاه، الذي هو ابن عمه.
وبالجملة فهذا من أسباب صلاح الناس وصيانتهم. وهذا الذي ذكرنا، هو الذي تأوله الأئمة، وظهرت مصلحته، وقلت مفسدته. والذي أخذ النبي صلى الله عليه وسلم ناقته العضباء، قال له: لم تأخذ سابقة الحاج؟ قال: "أخذتها بجريرة حلفائك من ثقيف: "أو كما قال صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا 1. وعلى أله وأصحابه والتابعين.
قلت 2: فظهر من هذا البيان الذي أفاده شيخنا رحمه الله أن الحكم خاص بأهل القوة والنصرة، بخلاف المستضعف الذي لا /قدرة/3 له ولا جناية، ولا مصلحة في حبسه، ولا يُؤْبَه له عند قبيلته؛ فعلى الحاكم إمعان النظر في جلب المصالح ودفع المفاسد.
قال جامع الرسائل:
أملاه شيخنا عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، قدس الله روحه ونور ضريحه. ثم ذيل على ذلك ذيلا، فقال رحمه الله:
ما قاله شيخنا ووالدنا حفظه الله في أسر ابن العم للمصلحة، فهو الحكم العدل،
= النبي صلى الله عليه وسلم يسر إليك فغضب عليّ وقال: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يسر إليّ شيئا يكتمه عن الناس، غير أنه قد حدثني بكلمات أربع فقال: ما هن يا أمير المؤمنين قال: قال: "لعن الله من لعن والده، لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من آوى محدثا، ولعن الله من غير منار الأرض". صحيح مسلم بشرح النووي، 13/150، الأضاحي، باب تحريم الذبح لغير الله. سنن النسائي، 7/232، الأضاحي، باب من ذبح لغير الله –عز وجل.
1 وسيأتي الحديث بلفظه عند المصنف قريبا.
2 الكلام هنا للشيخ عبد اللطيف.
3 في "د": قوة.
وهو الذي عليه أكثر السلف. فإن الرجل إذا قطع السبيل وأخافه، وامتنع بنفسه، وتُرك من يؤويه وينصره، صار قوة له، وإعانة له على ظلمه. فإن أُخِذَ بجريرته وأسر فيه، حصل له ردع وامتناع. وهذا يعلم بالاضطرار.
قال الخطابي1 في شرح سنن أبي داود، في باب النذر فيما لا يملك ابن آدم: حدثنا سليمان بن حرب2 ومحمد بن عيسى3، قالا: حدثنا حماد4، عن أيوب5، عن أبي قلابة6، عن أبي المهلب7، عن عمران بن حصين8 قال:
1 هو حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب، أبو سليمان الخطابي البستي، إمام في الفقه والحديث واللغة، صاحب معالم السنن وأعلام الحديث "شرح صحيح البخاري"، وغريب الحديث وغيرها. "ت388هـ".
انظر: وفيات الأعيان، 2/214؛ سير الأعلام، 17/23؛ طبقات السبكي، 3/282.
2 هو سليمان بن حرب بن بجيل، أبو أيوب الواشخي، الأزدي البصري، الإمام الثقة الحافظ، قاضي مكة. "ت224هـ".
انظر: تاريخ بغداد، 9/33، وفيات الأعيان، 2/418؛ سير الأعلام، 10/330.
3 هو محمد بن عيسى بن نجيح، أبو جعفر بن الطباع، الحافظ الكبير الثقة، البغدادي، علق له البخاري. "ت224هـ".
انظر: تاريخ بغداد، 2/395؛ وسير الأعلام، 10/386؛ وتهذيب التهذيب، 9/392.
4 هو حماد بن زيد بن درهم، أبو إسماعيل الأزدي، الحافظ الثبت، محدث الوقت. قال الذهبي: روى عنه سليمان بن حرب ومحمد بن عيسى وغيرهما "ت179هـ".
انظر: سير الأعلام، 7/456-461؛ وتهذيب التهذيب، 9/392.
5 هو أيوب بن كيسان "أبي تميمة" أبو بكر العنزي البصري السختياني، الإمام الحافظ، سيد العلماء، عداده في صغار التابعين، ولد عام "68هـ" وتوفي "131هـ".
انظر: سير الأعلام، 6/15؛ تهذيب التهذيب، 1/397؛ وشذرات الذهب، 1/181.
6 هو عبد الله بن زيد بن عمرو بن نائل بن مالك، أبو قلابة الجرمي البصري، حدث عن ثابت بن الضحاك وأنس ومالك بن الحويرث في الكتب الستة. "ت107هـ".
انظر: سير الأعلام، 4/468؛ تهذيب التهذيب، 5/224؛ والنجوم الزاهرة، 1/254.
7 هو عبد الرحمن بن عمرو، أبو المهلب الجرمي عم أبي قلابة، ثقة، روى عن ابن عمر، وعمران بن حصين. انظر: الكنى والأسماء، للإمام مسلم بن الحجاج، تحقيق عبد الرحيم محمد أحمد القشقري، طبعة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ط/1، 1404هـ 1984م، 2/804.
8 صحابي معروف. كان ممن اعتزل الفتنة "ت52هـ". انظر الاستيعاب، 3/1208؛ وأسد الغابة، 4/281.
كانت العضباء لرجل من عقيل، وكانت من سوابق الحاج 1، قال: فأسر، فأُتي به النبي صلى الله عليه وسلم وهو في وثاق، والنبي صلى الله عليه وسلم على حمار عليه قطيفة، فقال: يا محمد علام تأخذني وتأخذ سابقة الحاج؟ قال: "نأخذك/2 بجريرة حلفائك/ ثقيف/3 " وكان ثقيف قد أسروا رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
…
"4.
قال الشيخ 5: "قوله: "آخذك بجريرة حلفائك من ثقيف" اختلفوا في تأويله: فقال بعضهم: هذا يدل على/ أنهم كانوا عاقدوا بني عقيل /6 أن لا يتعرضوا للمسلمين، ولا أحد من حلفائهم، فنقض حلفاؤهم العهد، ولم ينكره بنو عقيل؛ /فأُخِذَ/7 بجريرتهم.
وقال آخرون: هذا الرجل كافر لا عهد له، وقد يجوز أخذه وأسره وقتله؛ فإن جاز أن يؤخذ بجريرة نفسه وهي كفره، جاز أن يؤخذ بجريرة غيره، ممن كان على مثل حاله من حليف وغيره. ويحكى معنى هذا عن الشافعي.
وفيه وجه ثالث، وهو: أن يكون في الكلام إضمار؛ يريد: إنك إنما أُخذت ليدفع بك جريرة حلفائك، ويفدوا بك الأسيرين الذين أسرتهما ثقيف. ألا تراه يقول: فقدي
1 سوابق الحاج: أي من النوق التي تسبق الحاج. عون المعبود، 9/144.
2 كذا في الأصل عند أبي داود، وفي جميع النسخ "آخذك".
3 كذا في الأصل عند أبي داود وفي جميع النسخ "من ثقيف".
4 الحديث بهذا اللفظ في سنن أبي داود، 3/609-611، الأيمان، باب في النذر فيما لا يملك.
وهو في صحيح مسلم بشرح النووي، 11/108-109، النذر، باب لا وفاء لنذر في معصية الله.
5 المراد بالشيخ هنا: الخطابي في معالم السنن، بحاشية سنن أبي داود، 3/610.
6 هكذا في أصل النص. وفي جميع النسخ: "أنهم كانوا بني عقيل عاهدوا".
7 كذا في المطبوع؛ وفي جميع النسخ: "فأخذوا".
الرَّجُل بعد بالرجلين، انتهى1. فتأمل هذا، فإنه يُدلك على صواب الحكم.
والآية، وهي قوله تعالى:{وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} 2، ليس فيها ما يدفع هذا، ولا يرده، والله الموفق للصواب والله أعلم بمواقع الخطاب. وصلى الله على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
قال الناسخ: أملاه شيخنا الشيخ عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمهم الله – تعالى - وعفا عنهم.
1 معالم السنن بحاشية سنن أبي داود، 3/610.
2 سورة فاطر: الآية "18".