الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الساعة بشيرا ونذيرا.
أما بعد: فقد سألت –أرشدك الله- أن أُرسل إليه نبذة مفيدة كاشفة عن حال الشيخ الإمام العالم القدوة، المجدد لما اندرس من دين الإسلام، القائم بنصرة شريعة سيد الأنام، الشيخ محمد بن عبد الوهاب، أحسن الله له المآب وضاعف له الثواب، ويسر له الحساب.
وذكرت –أرشدك الله- أن جهتكم لا يوجد فيها ذلك، وأن عندكم من الطلبة من يتشوق إلى تلك المناهج والمسالك، فكتبت إليه هذه الرسالة، وسودت إليك هذه الكراسة والعجالة، ليعلم الطالب ويتحقق الراغب حقيقة ما دعا إليه هذا الإمام، وما كان عليه من الاعتقاد والفهم التام، ويستبين للناظر فيها ما يبهت به الأعداء، من الأكاذيب والافتراء التي يرومون بها تنفير الناس عن المحجة والسبيل، وكتمان البرهان والدليل، وقد كثر أعداؤه ومنازعوه، وفشا البهت بينهم فيما قالواه ونقلوه، فربما اشتبه على طالب الإنصاف والتحقيق، والتبس عليه واضح المنهج والطريق، فإن استصحب الأصول الشرعية، وجرى على القوانين المرضية؛ عرف أن لكل نعمة حاسدا، ولكل حق جاحدا، ولا يقبل في نقل الأقوال والأحكام إلا العدول الثقاة الضابطين من الأنام.
ومن استصحب هذا، استراح عن البحث فيما ينقل إليه، ويسمع، ولم يلتفت إلى أكثر ما يختلق ويصنع، وكان من أمره على منهاج واضح ومشرع.
فصل: نسب الشيخ محمد بن عبد الوهاب ونشأته
…
"فصل"
فأما نسب هذا الشيخ1: فهو الإمام العالم، القدوة البارع، محمد بن عبد الوهاب
1 من المصادر التي ترجمت للشيخ محمد بن عبد الوهاب روضة الأفكار، لابن غنام ص 25-50. عنوان المجد، لابن بشر، 1/6/15. علماء نجد خلال ستة قرون، 1/25-47. الدرر السنية 12/3-25. مشاهير علماء نجد وغيرهم، ص 16. علماء الدعوة، لعبد الرحمن بن عبد اللطيف، ص 6.مثير الوجد في معرفة ملوك نجد، لراشد بن علي جريس ص، 31-32.
ابن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن بريد بن مشرف/ بن عمر بن معضاد بن ريس بن زاحر محمد بن علوي بن وهيب بن قاسم بن موسى بن مسعود بن عقبة بن سنيع بن نهشل بن شداد بن زهير بن إدريس بن مسعود بن طارئة بن عمرو بن ربية بن ساعدة بن ثعلبة بن عقبة بن ملكان بن عدي بن عبد بن مناف بن تميم1/2.
ولد –رحمه الله سنة خمس عشر بعد المائة والألف من الهجرة النبوية، في بلد /العيينة/3 من أرض نجد، ونشأ بها، وقرأ القرآن بها حتى حفظه وأتقنه قبل بلوغه العشر، وكان حاد الفهم، سريع الإدراك والحفظ، يتعجب أهله من فطنته وذكائه.
وبعد حفظ القرآن اشتغل بالعلم، وجد في الطلب، وأدرك بعض الأرب قبل رحلته لطلب العلم، وكان سريع الكتابة، ربما كتب الكراسة في المجلس.
قال أخوه سليمان4 كان والده يتعجب من فهمه، ويعترف بالاستفادة منه مع صغر سنه.
ووالده هو مفتي تلك البلاد، وجده مفتي البلاد النجدية، لآثاره وتصنيفه وفتاواه تدل على علمه وفقهه، وكان جده إليه المرجع في الفقه والفتوى، وكان معاصرا للشيخ
1 ساقط في "د" والمطبوع.
2 انظر نسبه هذا في: علماء نجد خلال ستة قرون، 1/26. وفيه "
…
بن زهير بن شهاب بن ربيعة بن أبي الأسود بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مرد بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن سعد بن عدنان".
3 تقدم في ص 35.
4 هو سليمان بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن مشرف، أخو الشيخ محمد بن عبد الوهاب –رحمه الله ولد في بلدة العيينة. كان مخالفا لأخيه الشيخ محمد ولدعوته ومعاد لها، وراد عليها، وله في ذلك: فصل الخطاب في الرد على محمد بن عبد الوهاب. قدم الدريعة عام 1190هـ وبقي فيها حتى توفي "1208هـ".
انظر: ترجمته: علماء نجد خلال ستة قرون 1/302-306.
منصور البهوتي1 الحنبلي، خادم المذهب، اجتمع به بمكة.
وبعد بلوغ الشيخ سن الاحتلام، قدمه والده في الصلاة ورآه أهلا للائتمام. ثم طلب الحج إلى بيت الله الحرام، فأجابه والده إلى ذلك المقصد والمرام، وبادر إلى قضاء فريضة الإسلام، وأداء المناسك على التمام. ثم قصد المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وأقام بها قريبا من شهرين، ثم رجع إلى وطنه قرير العين.
واشتغل بالقراءة في "الفقه" على مذهب الإمام أحمد رحمه الله. ثم بعد ذلك رحل يطلب العلم، وذاق حلاوة التحصيل والفهم، وزاحم العلماء والمشائخ الأخيار، وأتى الإحساء، وهي إذ ذاك آهلة بالمشائخ والعلماء؛ فسمع وناظر وبحث واستفاد، وساعدته الأقدار الربانية بالتوفيق والإمداد. وروى عن جماعة، منهم: الشيخ عبد الله بن إبراهيم النجدي 2 ثم المدني، وأجازه من الطريقين.
وأول ما سمع منه: الحديث المسلسل بالأولية في كتب السماع، بالسند المتصل إلى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
1 هو منصور بن يونس بن صلاح الدين بن حسن، البهوتي الحنبلي، فقيه. صنف "الروض المربع في شرح زاد المستقنع" و"كشاف القناع عن متن الإقناع" وغيرهما. توفي بمصر سنة "1051هـ". معجم المؤلفين، 13/22، الأعلام للزركلي، 7/307.
2 في "د" والمطبوع: فيها. هو عبد الله بن إبراهيم بن سيف من آل سيف الشمري الفرضي النجدي ثم المدني، نزع والده من المجمعة وجاور المدينة وفيها ولد المترجم له، ونشأ بها وقرأ على علمائها، ثم سافر إلى دمشق وقرأ على علمائها، من تلاميذه الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والشيخ محمد بن عبد الرحمن بن عفالق الإحسائي، وابنه الشيخ إبراهين بن عبد الله. وهو صحاب كتاب "العذب الفائض في شرح عمدة الفارض". توفي بالمدينة عام 1140هـ رحمه الله.
انظر ترجمته: علماء نجد خلال ستة قرون، 2/501-504.
انظر ترجمته: علماء نجد خلال ستة قرون، لابن بسام 2/503. وكتاب عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية، للدكتور/ صالح العبود ص 92-96.
"الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء"1. وسمع منه مسلسل الحنابلة بسنده إلى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا أراد الله/بعبد/2 خيرا استعمله، قالوا: كيف يستعمله؟ قال: يوفقه لعمل صالح قبل موته" 3. وهذا الحديث من ثلاثيات أحمد رحمه الله.
وطالت إقامة الشيخ ورحلته/في/4 البصرة. وقرأ بها كثيرا من الحديث والفقه والعربية، وكتب الحديث والفقه واللغة ما شاء الله في تلك الأوقات.
وكان يدعو إلى التوحيد ويظهره لكثير ممن يخالطه ويجالسه، ويستدل عليه، ويظهر ما عنده من العلم وما لديه؛ كان يقول: إن الدعوة كلها لله، ولا يجوز صرف شيء منها إلى سواه. وربما ذكروا /بمجلسه/5 إشارات الطواغيت، أو شيئا من كرامات الصالحين الذين كانوا يدعونهم ويستغيثون بهم ويلجئون إليهم في المهمات؛ فكان ينهى عن ذلك ويزجر، ويورد الأدلة من الكتاب والسنة ويحذر6، ويخبر أن محبة الأولياء والصالحين، إنما هي متابعتهم في ما كانوا عليه من الهدى والدين، وتكثير
1 صحيح مسلم بشرح النووي 15/83، فضائل، باب رحمته صلى الله عليه وسلم الصبيان والعيال. سنن أبي داود 5/231، الأدب، باب في الرحمة. بلفظ: "
…
ارحموا أهل الأرض". سنن الترمذي، 4/285، البر، باب ما جاء في رحمة المسلمين. مسند الإمام أحمد 2/160.
2 كذا عند الترمذي وأحمد وغيرهما. وفي "أ" و"د" والمطبوع: بعبده.
3 سنن الترمذي 4/392، القدر، باب ما جاء أن الله كتب كتابا لأهل الجنة وأهل النار. قال الترمذي:"حديث حسن صحيح". مسند الإمام أحمد، 3/106. المستدرك للحاكم، 1/340.
4 في "د" والمطبوع: بـ.
5 في "د": بمجالسه.
6 وهذا الذي ترجم له في عدة أبواب من كتابه "كتاب التوحيد" كقوله: باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره. باب ما جاء أن سب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين.