الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وبهذا ينكشف لك ويتضح عندك بطلان ما عليه كثير من أهل الزمان من أنواع الشرك والبدع الحدثان، فلا تغتر بما هم عليه. وهذه هي البلية العظيمة، والخصلة القبيحة الذميمة، وهي الاغترار بالآباء والأجداد، وما استمر عليه عمل كثير من أهل البلاد، وتلك الحجة التي/ انتحلها/1 أهل الشرك والكفر والعناد، كما حكى الله تعالى ذلك عنهم في محكم التنزيل، من غير شك ولا تأويل، حيث قال/ الله تعالى:2 وهو أصدق القائلين حكاية عن فرعون اللعين، أنه قال لموسى وأخيه هارون الكريمين:{قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى} 3 فأجابه عليه السلام بقوله: {عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى} 4. فمن امتطى كاهل الصدق والوفاء، سلم من التعصب والعناد والجفاء، وتوسط في/ لاحب/5 المحجة، وقنع في قبول الحق بالحجة، وكان ذلك طريقه/و/6، وأشرق في صدره مصباح القبول، وأوقد فيه بزيت المعرفة والوصول، وكان من ضوء التوحيد على حصول.
1 في "د": أنتجها.
2 ساقط في المطبوع.
3 سورة طه: الآية "51".
4 سورة طه: الآية "52".
5 ساقطة في المطبوع. ومعنى "لاحب": الطريق الواضح، وهو فاعل بمعنى مفعول، يقال: طريق لاحب، ولحب وملحوب، إذا كان واضحا.
لسان العرب 1/737، مادة "لحب". والمعنى هنا: أي المحجة الواضحة.
6 ساقط في "د".
فصل: الغلو في تعظيم الصالحين ذريعة إلى الشرك
…
"فصل"7
قال ابن القيم8 رحمه الله في الإغاثة 9: قال صلى الله عليه وسلم: "لا تتخذوا
7 ساقط في "د" والمطبوع.
8 تقدمت ترجمته في ص 329.
9 يريد كتابة: إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان، ورد فيه كلامه هذا ابتداء من 1/302.
قبري عيدا" 1 وقال: "اللهم لا تجعل قبري يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" 2. وفي اتخاذها عيدا من المفاسد ما يغضب من أجله من كان في قلبه وقار لله، وغيرة على التوحيد –ولكن "ما لجرح بميت إيلام"3 منها- الصلاة إليها، والطواف بها، واستلامها، وتعفير الخدود على ترابها، وعبادة أصحابها، وسؤالهم النصر والرزق والعافية، وقضاء الديون، وتفريج الكربات التي كان عباد الأوثان يسألونها أوثانهم.
وكل من شم أدنى رائحة من العلم، يعلم أن من أهم الأمور سد الذريعة إلى ذلك وأنه صلى الله عليه وسلم أعلم بعاقبة ما نهى عنه،/وما/4 يؤول إليه.
وإذا لعن من اتخذ القبور مساجد يعبد فيها، فكيف بملازمتها واعتياد قصدها وعبادتها؟!.
ومن جمع بين سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبور، وما أمر به، وما نهى عنه، وما عليه أصحابه؛ وبين ما عليه أكثر الناس اليوم، رأى أحدهما مضادا للآخر. فنهى عن اتخاذها مساجد، وهؤلاء يبنون عليها المساجد؛ ونهى عن تسريجها، وهؤلاء يوقفون عليه الوقوف على إيقاد القناديل عليها/ 5؛ ونهى أن تتخذ عيدا،
1 هذا جزء من حديث أبي هريرة، وتمامه "لا تتخذوا قبري عيدا ولا تجعلوا بيوتكم قبورا، وحيثما كنتم فصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني". مسند الإمام أحمد، 2/367؛ المصنف لابن أبي شيبة، 2/375، 3/345؛ مجمع الزوائد 4/3. وقد تقدم الحديث برواية أخرى في ص 229.
2 رواه الإمام مالك في الموطأ 1/172؛ وعبد الرزاق في المصنف، 1/406؛ وابن أبي شيبة في مصنفه، 3/345، عن زيد بن أسلم مرسلا ووصله الإمام أحمد في مسنده، 2/246؛ والحميدي في مسنده، 2/445 "1026" باب الجنائز، من أحاديث أبي هريرة.
3 هذا عجز بيت تقدم تخريجه في ص 274.
4 هكذا في "أ". وفي "د" والمطبوع: "وأنه" وفي أصل النص في الإغاثة: "لما".
5 في جميع النسخ: "القناديل بل عليها" بزيادة لفظ "بل" وهو غير موجود في أصل النص في الإغاثة، 1/306.
وهؤلاء يتخذونها أعيادا؛ ونهى عن تشريفها، وأمر بتسويتها، كما في صحيح مسلم، عن علي رضي الله عنه1، وهؤلاء يرفعونها ويجعلون عليها القباب، ونهى عن تجصيص القبر والبناء عليه، كما في صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه 2.
ونهى عن الكتابة عليها، كما رواه الترمذي في صحيحه عن جابر3. ونهى أن يزاد عليها غير ترابها، كما رواه أبو داود عن جابر4؛ وهؤلاء يتخذون عليها الألواح ويكتبون عليها القرآن، ويزيدون على ترابها بالجص والآجر والأحجار.
وقد آل الأمر بهؤلاء الضلال المشركين إلى أن شرعوا للقبور حجا، ووضعوا لها مناسك، حتى صنف بعضهم في ذلك كتابا سماه "مناسك حج المشاهد"5./ولا يخفى/6 أن هذا مفارقة لدين الإسلام، ودخول في دين عباد الأصنام.
فانظروا إلى التباين العظيم بين ما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته، وبين ما شرعه هؤلاء.
1 يريد حديث أبي الهياج الأسدي، "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم
…
" وقد تقدم تخريجه في ص 683. ونص الحديث موجود في الإغاثة 1/307، حذفه المؤلف هنا تلخيصا.
2 وهو عن جابر قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه". صحيح مسلم، 7/41، الجنائز؛ باب النهي عن تجصيص القبور والبناء عليه. سنن أبي داود، 3/552، الجنائز، باب في البناء على القبر. سنن النسائي، 4/87، الجنائز، باب في البناء على القبر. مسند الإمام أحمد، 3/332، 399، 6/299.
3 وهو عن جابر رضي الله عنه قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبور، وأن يكتب عليها، وأن يبنى عليها، وأن توطأ". سنن الترمذي، 3/368، الجنائز، باب ما جاء في كراهية تجصيص القبور. سنن ابن ماجه، 1/286، الجنائز، باب ما جاء في النهي عن البناء على القبور وتجصيصها ولكتابة عليها.
4 وهو عن جابر رضي الله عنه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يجصص القبر وأن يكتب عليه وأن يزاد عليه". سنن أبي داود، 3/553، الجنائز، باب في البناء على القبر. سنن النسائي، 4/86، الجنائز، باب الزيادة على القبر.
5 تقدم ذكر هذا الكتاب في ص 690.
6 في "د": "ولا شك".
والنبي صلى الله عليه وسلم أمر بزيارة القبور لأنها تذكر الآخرة1 وأمر الزائر أن يدعو لأهل القبور، ونهاه عن أن يقول هجرا2. فهذه الزيارة/التي/3 أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها لأمته، وعلمهم إياها، هل تجد فيها شيئا مما يعتمد عليه أهل الشرك والبدع أم تجدها مضادة لما هم عليه من كل وجه وما أحسن ما / قال الإمام مالك/4 رحمه الله لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها5. ولكن كلما ضعف تمسك الأمم بعهود أنبيائهم، عوضوا عن ذلك بما أحدثوا من البدع والشرك. ولقد جرد السلف الصالح التوحيد، وحموا جانبه حتى كان أحدهم إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أراد الدعاء جعل ظهره إلى جدار القبر ثم دعا 6.
1 وذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "قد كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فقد أذن لمحمد زيارة قبر أمه فزوروها؛ فإنها تذكركم الآخرة". أخرجه الترمذي في سننه من حديث بريدة، 3/370، الجنائز، باب ما جاء في الرخصة في زيارة القبور. قال الترمذي:"حديث حسن صحيح". وابن ماجه في سننه، 1/288، الجنائز، باب ما جاء في زيارة القبور؛ وأحمد في مسنده، 5/356. وفي صحيح مسلم طرف منه، هو: "نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" 7/50، الجنائز، باب استئذان النبي صلى الله عليه وسلم في زيارة قبر أمه.
2 هذه رواية الإمام أحمد والنسائي وغيرهما رحمهم الله، وهي:"كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ولا تقولوا هجرا". مسند الإمام أحمد، 5/261، سنن النسائي، 4/89، الجنائز، باب زيارة القبور.
وقوله: "هجرا" بضم الهاء: أي ما لا ينبغي من الكلام.
حاشية الإمام السندي على سنن النسائي، دار الحديث القاهرة، 1407هـ-1987؛ النهاية لابن الأثير، 5/245.
3 في "د": الذي.
4 كذا في أصل النص في الإغاثة 1/314. وفي "أ": "قال الإمام"؛ وفي "د" "قال مالك"؛ وفي المطبوع: "قال الإمام أحمد" والظاهر أن الناسخ في المطبوع ذكر أحمد –رحمه الله سهوا منه، إذ إن الكلمة مأثورة عن الإمام مالك رحمه الله.
5 تقدم كلام الإمام مالك هذا في ص 688.
6 قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله في اقتضاء الصراط المستقيم ص 110: "ولهذا ذكر الأئمة، أحمد وغيره من أصحاب مالك وغيرهم: إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وقال ما ينبغي له أن يقول: ثم أراد أن يدعو فإنه يستقبل القبلة، ويجعل الحجرة عن يساره".
وقد نص على ذلك الأئمة الأربعة، أنه يستقبل القبلة للدعاء، حتى لا يدعو عند القبر، فإن الدعاء عبادة1.
وبالجملة فإن الميت قد انقطع عمله، فهو محتاج إلى من يدعو له، ولهذا شرع في الصلاة عليه من الدعاء ما لم يشرع/ مثله/2 للحي. ومقصود الصلاة على الميت الاستغفار والدعاء له3؛ وكذلك الزيارة مقصودها الدعاء للميت والإحسان إليه، وتذكير الآخرة؛ فبدل أهل البدع والشرك قولا غير الذي قيل لهم، فبدلوا الدعاء له4 بدعائه نفسه، والشفاعة له بالاستشفاع به؛ والزيارة التي شرعت إحسانا إلى الميت وإلى الزائر، بسؤال الميت والإقسام به على الله، وتخصيص تلك البقعة بالدعاء الذي هو محض العبادة، وحضور القلب عندها وخشوعه أعظم منه في المساجد.
ثم ذكر حديث أنواط، ثم قال: فإذا كان اتخاذ الشجرة لتعليق الأسلحة والعكوف /حولها/5 اتخاذ إله مع الله، وهم لا يعبدونها، و/لا/6 يسألونها، فما الظن بالعكوف حول القبر ودعائه، والدعاء به وأي نسبة للفتنة بشجرة إلى الفتنة بالقبر، لو
1 هذه إشارة إلى قوله صلى الله عليه وسلم: "الدعاء هو العبادة" وقد تقدم تخريجه في ص 310. وهو موجود في أصل النص في الإغاثة 1/314.
2 ساقطة في "أ".
3 لذلك ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا فرغ من دفن الميت، وقف عليه فقال:"استغفروا لأخيكم وسلوا له بالتثبيت، فإنه الآن يسأل". سنن أبي داود 3/550، الجنائز، باب الاستغفار عند القبر للميت؛ السنن الكبرى للبيهقي، 4/56 المستدرك للحاكم، 1/370.
قال الحاكم: "صحيح الإسناد" ووافقه الذهبي.
قال الألباني: "وهو كما قال" وصححه في صحيح سنن أبي داود، 2/620. وفي أحكام الجنائز وبدعها له، نشر المكتب الإسلامي بيروت، ط/4، 1406هـ -1986م. ص 156.
4 ساقط في "أ".
5 كذا في أصل النص في الإغاثة، 1/321. وفي جميع النسخ لها.
6 ساقط في "د".
كان أهل الشرك والبدع يعلمون!.
ومن له خبرة بما بعث الله به رسوله، وبما عليه أهل الشرك والبدع اليوم، في هذا الباب وغيره، علم أن/ما/1 بين السلف وبينهم أبعد مما بين المشرق والمغرب. والأمر –والله- أعظم مما ذكرنا.
وعمَّى2 الصحابة قبر دانيال3 بأمر عمر رضي الله عنه؛ ولما بلغه أن الناس ينتابون الشجرة التي بويع الرسول صلى الله عليه وسلم تحتها، أرسل إليها وقطعها4. قال عيسى بن يونس5: وهو عندنا من حديث/ ابن عون/6 عن نافع 7 8.
1 زائدة في المطبوع.
2 في "د": أعمى.
3 هو دانيال عليه السلام –ذكر ابن جرير –رحمه الله أن جيش أبي موسى الأشعري وجدوا قبل دانيال بالسوس –وهو بلد قديم العمارة في الأرض- فكتب إلى عمر في أمره، فكتب إليه أن يدفنه، وأن يغيب عن الناس موضع قبره. ففعل أبو موسى رضي الله عنه ذلك. بأن حفروا بالنهار ثلاثة عشر قبرا متفرقة، فلما كان الليل دفنوه وسووا القبور كلها. وذلك سنة سبع عشرة.
انظر هذه القصة: تاريخ الطبري "تاريخ الأمم والملوك" لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري "224-310هـ"، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1/1407-1987م، 2/504-505. البداية والنهاية لابن كثير، 7/91. مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 27/170-171. إغاثة اللهفان، 1/317.
4 انظر قصة قطع عمر رضي الله عنه للشجرة: البدع والنهي عنها، لابن وضاح ص 42-43. الحوادث والبدع للطرطوشي، ص 115.
5 هو عيسى بن يونس بن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله، الإمام القدوة الحافظ، أبو عمرو السبيعي الكوفي. حدث عن أبيه ولم يدرك السماع من جده، وثقه أحمد وأبو حاتم والنسائي وطائفة "ت 87هـ". تاريخ بغداد، 11/152؛ سير الأعلام، 8/489، تهذيب التهذيب، 8/237.
6 كذا في إغاثة اللهفان، 1/327. وفي جمع النسخ:"ابن عوف".
7 تقدمت ترجمته في ص 688.
8 البدع والنهي عنها لابن وضاح، ص 42-42.
فإذا كان هذا فعله في الشجرة التي/ ذكرها/1 الله في القرآن2، وبايع تحتها الصحابة –رضي الله عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم،/ فماذا/3 حكمه فيما عداها؟.
وأبلغ من ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هدم مسجد الضرار4، ففيه دليل على هدم المساجد التي/هي/5 أعظم فسادا منه، كالمبنية على القبور؛ وكذلك قبابها. فتجب المبادرة إلى هدم ما لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعله، والله يقيم لدينه من ينصره ويذب عنه.
وكان بدمشق كثير من هذه الأنصاب، فيسر الله –سبحانه- كسرها على يد شيخ الإسلام، وحزب الله الموحدين؛/ وكان العامة يقولون للشيء/6 /منها/7 إنه يقبل النذر، أي يقبل العبادة من دون الله، فإن النذر عبادة يتقرب بها الناذر إلى الله المنذور /له/8.
1 في "أ" و "د": ذكر.
2 وهو قوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} [الفتح:18] .
3 في "د": فما.
4 انظر قصة هدمه صلى الله عليه وسلم لذلك المسجد: سيرة ابن هشام 4/173-174؛ البداية والنهاية 5/1920. وذكرها الإمام ابن القيم في زاد المعاد 3/549-550. وهكذا فعل الصحابة –رضوان الله عليهم- من بعده. فقد روى ابن وضاح في البدع والنهي عنها: قال: "قال يسار أبو الحكم: خرج رهط من القراء، منهم معضد وعمرو بن عتبة حتى بنوا مسجدا بالنخيلة، قريبا من الكوفة، فوضعوا جرارا من ماء، وجمعوا أقواما من الحصى للتسبيح، ثم قاموا يصلون في مسجدهم ويتعبدون وتركوا الناس، فخرج إليهم ابن مسعود، فقالوا: مرحبا يأبي عبد الرحمن، والله انزل. فقال: والله ما أنا بنازل حتى يهدم مسجد الخبال هذا، فهدموه". في البدع والنهي عنها، ص 119. وذكره الطرطوشي في الحوادث والبدع، ص 113.
5 ساقط في "د".
6 كذا في المطبوع. وفي "أ" و "د": "وكنوا يقولون العامة للشيء".
7 في "د": فيها.
8 زيادة في "د".
ولقد أنكر السلف التمسح بحجر المقام، الذي أمر الله أن يتخذ منه مصلى؛ قال قتادة في الآية:1 "إنما أمروا أن يصلوا عنده، ولم يؤمروا بمسحه. ولقد تكلفت هذه الأمة شيئا ما تكلفته الأمم قبلها، ذكر لنا من رأى/ أثره وأصابعه/2، فما زالت هذه الأمة تمسحه حتى اخلولق3"4.
وأعظم/من/5 الفتنة بهذه الأنصاب، فتنة أصحاب القبور، وهي أصل فتنة عبادة الأصنام، كما ذكر الله في سورة نوح في قوله:{وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً، وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً} الآية6؛ ذكر السل في تفسيرها: أن هؤلاء أسماء رجال صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم7.
1 يريد قوله تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً} [البقرة:125] .
2 كذا في أصل النص فيك كتاب: أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار، لأبي الوليد محمد بن عبد الله بن أحمد للأزرقي، تحقيق: رشدي الصالح، ط/3،1389هـ1969م، دار الأنصار للطباعة، بيروت، ص 2/29، وكذلك في إغاثة اللهفان، وفي جميع النسخ:"أثر أصابعه".
3 اخلولق: من خلق الشيء خلقا واخلولق: املاس ولان واستوى.
لسان العرب، 10/90، مادة "خلق".
4 إلى هنا قول قتادة ذكره الأزرقي في أخبار مكة 2/29-30 والطبري في جامع البيان، 1/537. وابن كثير في تفسيره، 1/175، وأخرج في ذلك أثرا عن ابن الشهاب، أن أنس بن مالك حدثهم قال: رأيت المقام فيه أصابعه عليه السلام وأخمص قدميه، غير أنه أذابه مسح الناس بأيديهم. وذكره القاسمي في تفسيره، 2/248. وما أنكره السلف من التمسح بحجر المقام، هو ما عليه أهل السنة اليوم، القائمون على رعاية الحرمين الشريفين من منع ما يقوم به العديد من جهلة الزوار وبعض الحجاج، من التمسح بجدران الكعبة، وبالسياج الحديدي المضروب على قبر النبي صلى الله عليه وسلم وهو أمر ليس في الإسلام من شيء.
5 كذا في المطبوع. وفي "أ" و "د": منه.
6 سورة نوح: الآيتان "23، 24". وفي "أ" والمطبوع: "ذكرت الآية حتى قوله "سواعا"".
7 صحيح البخاري مع الفتح، 8/535-536، التفسير، باب "ود ولا سواعا ولا يغوث ويعوق". جامع البيان للطبري، 29/99، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، 18/198، تفسير ابن كثير، 4/454-455. وانظر: إغاثة اللهفان، 1/286-287.
وتعظيم الصالحين إنما هو باتباع ما دعوا غليه، دون اتخاذ قبورهم أعيادا وأوثانا، فأعرضوا عن المشروع واشتغلوا بالبدع.
ومن أصغى إلى كلامه وتفهمه أغناه عن البدع والآراء، ومن يَعُدَ عنه، فلا بد أن يتعرض بما لا ينفعه، كما أن من عمر قلبه بمحبة الله وخشيته، والتوكل عليه، أغناه عن محبة غيره، وخشيته والتوكل عليه.
فالمعرض عن التوحيد مشرك، شاء أم أبى، /والمعرض عن السنة مبتدع شاء أم أبى، والمعرض عن محبة الله عبد الصور شاء أم أبى/1.
أبعدها عن الشرع: أن يسأل الميت حاجته، كما يفعله كثير، وهؤلاء من جنس عباد الأصنام. ولهذا يتمثل لهم الشيطان في صورة الميت، كما يتمثل لعباد الأصنام، وكذلك السجود للقبر وتقبيله والتمسح به.
/"والنوع الثاني"/2: أن يسأل الله به. وهذا يفعله كثير من المتأخرين، وهو بدعة إجماعا.
"النوع الثالث" أن يظن أن الدعاء عنده مستجاب. وأنه أفضل من الدعاء في المسجد، فيقصد القبر لذلك. فهذا أيضا من المنكرات إجماعا، وما عملت/في ذلك/3 نزاعا بين أئمة الدين، وإن كان/ كثير/4 من المتأخرين يفعله5.
وبالجملة6
1 ساقط في "د".
2 بياض في "أ".
3 كذا في أصل النص في الإغاثة، 1/337. وفي المطبوع:"فيه". وهو ساقط في "أ" و "د".
4 في "أ": كثيرا.
5 إلى هنا منقول من إغاثة اللهفان، 1/302-327. وقد بدأ كلامه من ص 764.
6 من قوله "وبالجملة" منقول من الإغاثة 2/319.
فأكثر أهل الأرض مفتونون بعبادة الأصنام، ولم يتخلص/ منها/1 إلا الحنفاء أتباع ملة إبراهيم. وعبادتها في الأرض من قبل نوح، وهياكلها ووقوفها وسدنتها وحجابها والكتب المصنفة في عبادتها طبق الأرض.
قال إمام الحنفاء عليه السلام: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ، رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ} 2؛ وكفى في معرفتهم أنهم/ أكثر/3 أهل الأرض، بما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين4. وقد قال تعالى:{فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُوراً} 5، وقال تعالى:{وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} 6.
ولو لم تكن الفتنة بعبادة الأصنام عظيمة، لما أقدم عبادها على بذل نفوسهم وأموالهم وأبنائهم دونها، وهم يشاهدون مصارع إخوانهم وما حل بهم، ولا يزيدهم ذلك إلا حبا وتعظيما، ويوصي بعضهم بعضا بالصبر عليها7. انتهى كلام الشيخ رحمه الله ملخصا.
1 في "أ" و "د": منهم.
2 سورة إبراهيم: الآيتان "35، 36".
3 في "د": أكفر.
4 ذكر المؤلف الحديث بالمعنى، ولفظه عند البخاري: عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يقول الله يا آدم، فيقول لبيك وسعديك، والخير بيديك. قال: يقول: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فذاك حين يشيب الصغير
…
" صحيح البخاري مع الفتح، 11/396، الرقاق، باب قوله عز وجل: {إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} صحيح مسلم بشرح النووي، 3/97-98، الإيمان، باب "يقول الله لآدم أخرج بعث النار". سنن الترمذي 5/302، التفسير، باب من سورة الحج. مسند الإمام أحمد، 1/388/ 2/166. المستدرك للحاكم/ 1/29.
5 سورة الإسراء: الآية "89".
6 سورة الأنعام: الآية "116".
7 إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان، 2/319-321.
/وقال الشيخ/1 تقي الدين في الرسالة السنية، لما ذكر حديث الخوارج ومروقهم من الدين، وأمره صلى الله عليه وسلم بقتالهم2 قال: فإذا كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه من انتسب إلى الإسلام والسنة، / قد مرق منه مع عبادته العظيمة، فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام/3،/في/4 هذه الأزمان قد يمرق أيضا من الإسلام، وذلك بأسباب، منها:
الغلو الذي ذمه الله في كتابه، حيث قال:{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} الآية 5. وعلي بن أبي طالب/ رضي الله عنه/ /6، حرق الغالية من الرافضة، وأمر بأخاديد خدت لهم عند باب كندة، فقذفهم فيها. واتفق الصحابة على قتلهم، لكن ابن عباس رضي الله عنه مذهبه أنه يقتلوا بالسيف بلا تحريق، وهو قول أكثر العلماء. / وقصتهم/7 معروفة عن العلماء.
وكذلك الغلو في بعض المشائخ، بل الغلو في علي بن أبي طالب، بل الغلو في الشيخ/ عدي/8 ونحوه.
فكل من غلا في نبي أو رجل صالح، وجعل فيه نوعا من الإلهية، مثل أن يقول يا سيدي فلان انصرني، أو أغثني أو ارزقني أو اجبرني، وأنا في حسبك ونحو هذه الأقوال؛ فكل هذا شرك وضلال، يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل، فإن الله إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب، ليعبدوه وحده لا يجعل معه إلها آخر، والذين [كانوا] 9
1بياض في "أ".
2 تقدم ذكر أحاديث الخوارج ومروقهم من الدين والمر بقتالهم في ص 169.
3 ساقط في "أ" والمطبوع.
4 في "أ" والمطبوع: ففي.
5 سورة النساء: الآية "171".
6 ساقط في "د".
7 في "د" والمطبوع: وقصصهم.
8 ساقط في المطبوع.
9 زيادة مني لا قتضاء الكلام الآتي بعدها لها، وهو: لم يكونوا
…
يدعون من الله آلهة أخرى، مثل المسيح والملائكة والأصنام، لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق، وتنزل المطر أو تنبت النبات، وإنما كانوا يعبدونهم أو يعبدون قبورهم أو صورهم، يقولون إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى1 {وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} 2. فبعث الله رسوله، ينى أن يدعى أحد من دونه، لا دعاء عبادة ولا دعاء الاستغاثة 3، وقال تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً، أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} الآية4.
وقال طائفة من السلف: كانوا أقواما يدعون المسيح وعزيرا 5؛ إلى أن قال 6: وعبادة الله هي أصل الدين، وهي التوحيد الذي بعث الله به الرسل، وأنزل به الكتب. قال تعالى:{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} 7 وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} 8.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحقق التوحيد، ويعلم أمته، حتى قال له رجل: ما شاء الله وشئت، قال:"أجعلتني لله ندا، قل ما شاء الله وحده"9. ونهى عن الحلف بغير الله، وقال: "من حلف بغير الله فقد أشرك" 10 وقال في مرض موته:
1 وهذا ما حكى الله سبحانه وتعالى عنهم في قوله عز وجل: {أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر:3] .
2 سورة يونس: الآية "18".
3 في "أ": الاستعانة.
4 سورة الإسراء: الآية "56، 57".
5 انظر: جامع البيان للطبري، 15/105-106، وتفسير ابن كثير، 3/50.
6 أي شيخ الإسلام تقي الدين، في الرسالة السنية.
7 سورة النحل: الآية "36".
8 سورة الأنبياء: الآية "25".
9 تقدم تخريجه في ص 648.
10 تقدم تخريجه في ص 195-198-705.
"لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" 1، يحذر ما فعلوه وقال:"اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد"2.
ولهذا اتفق أئمة الإسلام على أنه لا يشرع بناء المساجد على القبور ولا الصلاة عندها، وذلك لأن من أكبر أسباب عبادة الأوثان، كان تعظيم القبور؛ ولهذا اتفق العلماء على أنه من سلم على النبي صلى الله عليه وسلم عند قبره، فلا يشبه ببيت المخلوق ببيت الخالق كل هذا لتحقيق التوحيد الذي هو أصل الدين، ورأسه الذي لا يقبل الله عملا إلا به. ويغفر لصاحبه ولا يغفر لمن تركه، كما قال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} 3 وقال تعالى: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً} 4. ولهذا كانت كلمة التوحيد أفضل الكلام، وأعظم آية في القرآن، آية الكرسي: 5 {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} 6 وقال صلى الله عليه وسلم: "من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة"7.
والإله هو الذي تأله القلوب عبادة له، واستعانة به، ورجاء له، وخشية وإجلالا 8. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
1 تقدم تخريجه في ص 666.
2 تقدم تخريجه في ص 712.
3 سورة النساء الآية "48".
4 سورة النساء الآية "48".
5 هذا ما جاء في حديث عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا المنذر، أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} فضرب في صدري وقال: والله ليهنك العلم أبا المنذر". صحيح مسلم بشرح النووي 5/341، صلاة المسافرين، باب سورة الكهف وآية الكرسي.
6 سورة البقرة: الآية "255".
7 تقدم تخريجه في ص 623.
8 إلى هنا نهاية كلام شيخ الإسلام في الرسالة. وقد ورد أيضا في تيسير العزيز الحميد، ص 228، ط/7، 1408هـ، المكتب الإسلامي.
فتأمل أو لكلامه وآخره، وتأمل كلامه فيمن دعا نبيا أو وليا مثل أن يقول: يا سيدي أغثني ونحوه، أنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل؛ تجده صريحا في تكفير أهل الشرك وقتلهم بعد الاستتابة، وإقامة الحجة عليهم، وأن من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعا من الإلهية، فقد اتخذه إلها مع الله، لأن الإله هو المألوه، الذي يألهه القلب، أي يصدقه بالعبادة والدعوة، والخشية والإجلال والتعظيم؛ وإن زعم أنه لا يريد إلا الشفاعة والتقرب عند الله، لنه بين أن هذا هو/ مطلوب/1 المشركين الأولين. فاستدل على ذلك بالآيات الصريحات القاطعات والله أعلم.
وقال –رحمه الله في الكلام على قوله تعالى: {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} 2: ظاهره أن/ما ذبح/3 لغير الله سواء، لفظ به أو لم يلفظ. وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه للحم وقال فيه: بسم المسيح ونحوه.
كما أن ما ذبحناه متقربين به إلى الله تعالى، كان أزكى مما ذبحناه للحم وقلنا عليه بسم الله، فإن عبادة الله بالصلاة والنسك له، أعظم من/الاستعانة/4 باسمه في فواتح الأمور. والعبادة لغير الله أعظم/كفرا/5 /من الاستعانة/6 بغير الله. فلو ذبح لغير الله متقربا إليه لحرم، وإن قال فيه: بسم الله؛ كما/قد/7 يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة. وإن كان هؤلاء لا تباح/ذبائحهم/8 بحال، لكن يجتمع في الذبيحة مانعان.
1 في "د": المطلوب.
2 سورة البقرة: الآية "173".
3 في "د": من ذبح.
4 في "د" والمطبوع: الاستغاثة.
5 في "د": كفر.
6 في "د" والمطبوع: الاستغاثة.
7 ساقط في "د".
8 في "أ" والمطبوع: ذبيحتهم.
الرسالة السابعة والستون: إلى عبد العزيز بن حسن قاضي محمل
…
ثلاثين وسقا، وفضلت له سبعة عشر،/فجاء جابر رسول/1 الله صلى الله عليه وسلم ليخبره بالذي كان، فوجده يصلي العصر، فلما انصرف أخبره بالفضل، فقال:"أخبر بذلك ابن الخطاب". /فذهب/2 جابر إلى عمر/ فأخبره/3، فقال /له/4 عمر: فقد علمت حين مشى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليباركن فيها"5. وقبل هذا قال –رحمه الله: باب إذا قضى دون حقه أو حلله فهو جائز. وساق الحديث مختصرا من طريق آخر، لكن ذكر فيه شاهدا للترجمة، وهو قوله:"فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فسألهم أن يقبلوا تمر حائطي ويحللوا أبي"6.
إذا عرف هذا بطل قول السائل: "وظاهر هذا إباحة المجهول بالمعلوم في الجنس"، فلا جهالة والحالة هذه؛ لأن الحديث صريح في أن تمر الحديقة دون الثلاثين، وإنما بورك فيه لما مشى فيه صلى الله عليه وسلم.
وقول السائل: "وهو ممنوع شرعا"، عبارة لا ينبغي أن تورد على الأحاديث النبوية، وهل الشرع إلا ما جاء عن الله وعن رسوله؟
وأيضا فهي فاسدة في نفسها؛ فإن الاعتياض بالمجهول عن المعلوم في الجنس جائز في غير ربا الفضل، إذا حصل التراضي؛ لأن للمدين أن يزيد، و"خيركم أحسنكم قضاء"7؛ ولرب الدين أن يضع من دينه ما شاء.
1 هكذا في أصل النص عند البخاري. وفي جميع النسخ زيادة حرف إلى: "فجاء جابر إلى".
2 هكذا في أصل النص عند البخاري. وفي جميع النسخ: فجاء.
3 ساقط في جميع النسخ. مثبت في أصل النص.
4 ساقط في جميع النسخ. مثبت في أصل النص.
5 صحيح البخاري مع الفتح، 5/73، الاستقراض، باب إذا قاص أو جازف في الدين تمرا بتمر أو غيره.
6 صحيح البخاري مع الفتح، 5/72، كتاب الاستقراض، من طريق ابن كعب بن مالك، "أن جابر بن عبد الله أخبره
…
" في الباب المذكور.
7 صحيح البخاري مع الفتح، 5/72، الاستقراض، باب حسن القضاء. صحيح مسلم بشرح النووي، 11/42، المساقاة، باب: من استلف شيئا فقضى خيرا منه، وخيركم أحسنكم =