الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الرسالة الخامسة والثمانون: إلى علي بن محمد وابنه في شأن الفتنة
…
الرسالة الخامسة والثمانون1
قال جامع الرسائل:
وله أيضا/-قدس الله روحه، ونور ضريحه-/2 رسالة/أرسلها/3 إلى علي بن محمد وابنه محمد آل موسى 4 وقد ذكروا له في أمر هذه الفتنة والحوادث، وما حصل في ضمنها من عظيم الكوارث، فبين لهما – رحمه الله مبدأ هذه الفتنة، والحكم في أهلها وجندها؛ لأنه قد خفي على بعض المنتسبين إلى العلم والدين، حقيقة الحكم الشرعي، والقول الصواب المرضي؛ /وهو/:5 أن من استولى على المسلمين بالغلبة والسيف، فالبيعة ثابتة له؛ تنفذ أحكامه، وتصح إمامته، باتفاق أهل العلم والدين، وأئمة الإسلام، لا يختلف في ذلك منهم اثنان 6. وأنهم يرون المنع من الخروج عليه بالسيف، وتفريق الأمة، وإن/كانت/7 الأئمة ظلمة فسقة، ما لم يرو/كفرا/8 بواحا 9.
وقد جرى في تلك الفتنة، من الخوض، والمراء، والجدال، والاضطراب، والإعراض عن منهج السنة والكتاب، ما عم ضرره، وطار في الأقطار شرره، وصار سببا وسلمّا، لولاية المشركين، وارتداد المرتدين، وخفض أعلام الملة والدين، وذريعة إلى استباحة دماء المسلمين، وهتك أعراض عباده المؤمنين، وهذا نص الرسالة:
1 جاءت هذه الرسالة في المطبوع في ص 166-169، وهي الرسالة رقم "25". وجاءت في "ب" في ص 218-221.
2 ساقط في "ج" و "د" والمطبوع.
3 ساقط في المطبوع.
4 تقدمت رسالة الشيخ إليه في ص 237، وهي "الرابعة".
5 ساقط في "ب" و "ج" و "د".
6 تقدمت هذه المسألة في ص 875.
7 في "د": كان.
8 في "د": كفر.
9 هذا ما أرشد إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته؛ كما جاء في حديث عبادة بن =
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخوين المكرمين علي بن محمد وابنه محمد بن علي، سلمهما الله تعالى من الأهواء، وحماهما نم طوارق المحن والبلوى. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فأحمد إليكما الله، الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل شيء قدير، والخط وصل، وصلكما الله ما يرضيه، وجعلكما ممن يحبه ويتقيه، وما ذكرتما صار معلوما.
و/ها/ 1 الحوادث والفتن أكثر مما وصفتم، وأعظم مما إليه أشرتم، كيف لا وقد تلاعب الشيطان بأكثر المنتسبين،/وصار/2 سُلَّما لولاية المشركين، وسببا لارتداد المرتدين، وموجبا لخفض أعلام الملة والدين، وذريعة إلى تعطيل توحيد رب العالمين وإلى استباحة دماء المسلمين، وهتك أعراض عباده المؤمنين. فتنة لا يصل إليها حديث ولا قرآن 3 ولا يرعوى أبناؤها عما يهدم الإسلام والإيمان، يعرف ذلك من منَّ الله عليه بالعلم والبصيرة، وصار على حظ من أنوار الشريعة المطهرة المنيرة، وعلى نصيب من مراقبة عالم السر والسريرة.
وقد عرفتم مبدأ هذه الفتنة، وأولها، والحكم في أهلها وجندها، ثم صار لهم دولة
= الصامت قال: "دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا، أن بايعنا على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرا بواحا، عندكم من الله فيه برهان". صحيح البخاري مع الفتح 13/7، الفتن، باب قوله تعالى:{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} صحيح مسلم، بشرح النووي، 12/472، الإمارة، باب: وجوب طاعة الأمراء من غير معصية.
1 في المطبوع: وهذه.
2 كذا في المطبوع، وفي جميع النسخ: وصارت.
3 أي لا يصل إلى بيان المخرج منها حديث نبوي، ولا قرآن، بنص صريح، لا يحتمل التأويل، فكل فريق مشارك في الفتنة، يتأول نصوصهما بما يجعله المحق، وخصمه المبطل.
بالغلبة والسيف، واستولوا على أكثر بلاد المسلمين، وديارهم، وصارت الإمامة لهم بهذا الوجه، ومن هذا الطريق، كما عليه العمل عند كافة أهل العلم من أهل الأمصار في أعصار متطاولة.
وأوّل ذلك ولاية آل مروان، لم تصدر لا عن بيعة، ولا عن رأي، ولا عن رضا من أهل العلم والدين بل بالغلبة؛ حتى صار على ابن الزبير 1 ما صار، وانقاد لهم سائر أهل القرى والأمصار.
وكذلك مبدأ الدولة العباسية، ومخرجها من خراسان، وزعيمها رجل فارسي يُدعى أبا مسلم 2، صال على من يليه، ودعا إلى الدولة العباسية، وشهر السيف وقتل من امتنع عن ذلك، وقاتل عليه، وقتل ابن هُبيرة 3 أمير العراق، وقتل خلقا/ كثيرا/4 لا يحصيهم إلا الله، وظهرت الرايات السود العباسية، وجاسوا خلال الديار قتلا ونهبا، في أواخر القرن الأول 5، وشاهد ذلك أهل القرن الثاني والثالث من أهل العلم والدين وأئمة الإسلام؛ كما لا يخفى على من شم رائحة العلم، وصار على نصيب من معرفة التاريخ وأيام الناس.
وأهل العلم مع هذه الحوادث، متفقون على طاعة من تغلَّب عليهم في المعروف، يرون نفوذ أحكامه، وصحة إمامته، لا يختلف في ذلك اثنان، ويرون المنع من الخروج
1 تقدمت ترجمته في ص 876.
2 هو عبد الرحمن بن مسلم –ويقال - ابن عثمان، أبو مسلم الخراساني، الأمير صاحب الدعوة وهازم جيوش الدولة الأموية، والقائم بإنشاء الدولة العباسية "ت137هـ".
تاريخ بغداد 10/207، وفيات الأعيان 3/145، سير الأعلام 6/48.
3 تقدمت ترجمته في ص 885.
4 في "د" كثير.
5 ذكر ابن كثير في البداية والنهاية 9/189، أن ظهرو الدعوة العباسية كان في سنة "100هـ" أما ظهور الرايات السود العباسية كان في الثلث الأول من القرن الثاني، وكانت بداية ذلك في سنة 129هـ على يد أبي مسلم الخراساني. ثم كان سقوط الدولة الأموية في عام 132هـ. [البداية والنهاية لابن كثير 10/29] .
عليهم بالسيف، وتفريق الأمة، وإن كان الأئمة ظلمة فسقة، ما لم يروا كفرا بواحا. ونصوصهم في ذلك موجودة عند الأئمة الأربعة، وغيرهم 1، وأمثالهم ونظرائهم.
إذا عرفت هذا، فالحاصل في هذا العصر، بين أهل نجده، حكم أمثاله من الحوادث السابقة، في زمن أكابر الأئمة؛ كما قدمنا. وصارت ولاية المتغلب ثابتة، كما إليه أشرنا، ووقع اتفاق ممن ينتسب إلى العلم لديكم على هذا؛ كالشيخ إبراهيم الشتري في الحوطة، وحسين 2 وزيد 3 في الحريق؛ وخطوطهم عندنا محفوظة معروفة، فيها تقرير إمامة سعود 4، ووجوب طاعته ودفع الزكاة إليه، والجهاد معه، وترك الاختلاف عليه، كل هذا موجود بخطوطهم، فلا جرم، قد صار العمل على هذا والاتفاق.
1 من النصوص الواردة عن الأئمة في النهي عن نزع يد الطاعة من إمام متغلب، ما يلي:
قال الدسوقي في حاشيته على الشرح الكبير: "اعلم أن الإمامة العظمى تثبت بأحد أمور ثلاثة: إما بإيصاء الخليفة الأول المتأهل لها؛ وإما بالتغلب على الناس؛ لأن من اشتد وطئته بالتغلب، وجبت طاعته
…
".
[حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، لمحمد عرفة الدسوقي، طبعة الحلبي بمصر، 4/298] وقال الإمام ابن قدامة في المغني: "ولو خرج رجل على الإمام فقهره، وغلب الناس بسيفه حتى أقروا له وأذعنوا بطاعته وتابعوه؛ صار إماما، يحرم قتاله والخروج عليه".
[المغني، مع الشرح الكبير، 10/53] .
وفي المغني، 4/130-132: "وتنعقد الإمامة بالبيعة
…
وباستيلاء جامع الشروط".
وقال ابن حجر في فتح الباري، 13/131:"لو تغلب عبد بطريق الشوكة، فإن طاعته تجب، إخماد للفتنة، ما لم يأمر بمعصية".
وقال الإمام الدهلوي: "نتعقد الخلافة بوجوه
…
أو باستيلاء رجل جامع للشروط، على الناس، وتسلطه عليهم، كسائر الخلفاء بعد خلافة النبوة، ثم إن استولى من لم يجمع الشروط، لا ينبغي أن يبادر إلى المخالفة، لأن خلعه لا يتصور غالبا إلا بحروب ومضايقات، وفيها مفسدة أشد مما يرجى من المصلحة". [حجة الله البالغة، لأحمد عبد الرحيم الدهلوي، تعبليق: محمد شريف سُكر، دار إحياء العلوم، بيروت، ط/1، 1410هـ 1990م، 2/398-399] .
2 تقدم في ص 95.
3 هو زيد بن محمد من آل سليمان، تقدمت ترجمته في ص 94.
4 تقدمت ترجمته في ص 45.
ثم تَوَقَّى الله/ سعودا/1، واضطرب أمر الناس، وخشينا الفتنة، واستباحة /الحرمات/2؛ من باد وحاضر، وتوقعنا حصول ذلك، وانسلاخ أمر المسلمين، فاستصحبنا ما ذكر وبنينا عليه 3، واختار أهل الحل والعقد. من حمولة آل سعود ومن غيرهم ومن يليهم – نصب عبد الرحمن بن فيصل 4، وذلك صريح في عدم الالتفات منهم إلى ولاية غير/آل/5 سعود؛ ولذلك كتبنا في الرسائل التي فيها الإخبار بالبيعة، والنهي عن سلوك طريق الفتن والاختلاف، وأن يكون المسلمون يدا واحدة، وذكَّرناهم بالبيعة، والنهي عن سلوك طريق الفتن والاختلاف، وأ، يكون المسلمون يدا واحدة، وذكرناهم قوله تعالى:{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا} 6، ونحو ذلك من الآيات، وبعضا مما ورد من الأحاديث الصحيحة 7.
فترك بعض من لديكم هذا المنهج، وسلكوا طريقا وعرة، تفضي إلى سفك الدماء، واختلاف الكلمة، وتضليل من خالفهم، ودعا بعضهم إلى ذلك واستحسنه، من غير مشورة ولا بينة، ولم ينصحوا إخوانهم ويوضحوا لهم وجه الإصابة، فيما اختاروه وما
1 في "د": سعود.
2 في المطبوع: المحرمات.
3 أي أن الشيخ ومن معه استصحبوا ما كان عليه سابقوه من أئمة الدين، من وجوب طاعة المتغلب.
4 تقدمت ترجمته في ص 45.
5 ساقط في "ب" و "ج" و "د".
6 سورة آل عمران الآية "103".
7 في "أ"، و "ج"، والمطبوع: الصحيحات.
ومما ورد من الأحاديث في النهي عن التفرق:
أ - حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة".
ب - وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر، فإنه ليس احد يفارق الجماعة شبرا، فيموت إلا مات ميتة الجاهلية".
الحديثان أخرجهما البخاري في صحيحه، 13/130؛ الأحكام، باب السمع والطاعة للإمام. وهما يفيدان النهي عن الخروج عن الجماعة، والأمر بطاعة أولي الأمر، من غير اعتبار شكله، ولا الالتفات إلى كيفية توليه لهذا الأمر.
ارتضوه، وكان الواجب على من عنده تعلم أن ينصح الأمة، بل وينصح أولا لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم 1. ويكرر الحجة، وينظر في الدليل، ويرشد الجاهل، ويهدي الضال، بحسن البيان وتقرير صواب المقال. لكنهم أحجموا عن ذلك كله، ولم يلتفتوا إلى المحاقة 2، والله هو ولي الهداية، الحافظ الواقي من موجبات الجهل والغواية.
وقد أوجب البيان، وترك الكتمان، وأخذ الميثاق على ذلك 3 على من عنده علم وبرهان.
وهذا هو صورة الأمر وحقيقة الحال، وقد عرفتموه أولا وآخرا في المكاتبات الواردة عليكم، فلا يلتبس/ عليكم/4 الحال، ولا يشتبه سبيل الهدى بالجهل والضلال/واذكروا /5 قوله/تعالى/6 {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَاّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً} 7.
إذا رضي الحبيب فلا أبالي
…
أقام الحي أم جد الرحيل 8
وأما الصلح بين المسلمين؛ فهو من واجبات الإيمان والدين، ولكن يحتاج
1 تقدم تخريج حديث "الدين النصيحة
…
" في ص 442.
2 المحاقة: محل الاستحقاق. يقال: حاقه في الأمر مُحاقة وحقاقا: أدعى أنه أولى بالحق منه.
لسان العرب 10/53، مادة "حقق".
3 أخذ الله سبحانه وتعالى الميثاق على ذلك في قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} [آل عمران: 187] .
4 في "أ" و "ب" و "ج" والمطبوع: عليك.
5 في جميع النسخ: واذكر.
6 ساقط في "ب" و "د" والمطبوع.
7 سورة الأحزاب الآية "39".
8 البيت تقدم في ص 270.
/إلى قوة/1 وبصيرة، يحصل بها نفوذ ذلك والإجبار عليه، فإن/ وجدت/2 إلى ذلك سبيلا، فاذكره/3 لي، /ولا آلو/4 جهدا -إن شاء الله - فيما يكف الفتن، ويصلح به بين المسلمين.
وأسأل الله أن يَمُنَّ بذلك، ويوفق لما هنالك./وبلغوا سلامنا من لديكم من خواص الجماعة. ومن لدينا العيال بخير، وينهون إليكم السلام والسلام/5.
[وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم]6.
1 كذا في المطبوع، وفي بقية النسخ: لقوة.
2 في "د": وجدتوا.
3 في "د": فاذكروا.
4 في المطبوع: أولا ولا تألو.
5 ساقط في المطبوع.
6 زيادة في المطبوع.