الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الرسالة التاسعة والخمسون: إلى عيسى بن إبراهيم
…
الرسالة التاسعة والخمسون1
قال جامع الرسائل:
وله أيضا قدس الله روحه، ونور ضريحه رسالة إلى عيسى بن إبراهيم، جواب لأربع مسائل:
الأولى: عن قوله تعالى: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ} الآية 2.
الثانية: الفرق بين المرفوع والمسند والمتصل، وأيهما أصح.
الثالثة: عن قول شارح الزاد 3: "غير تراب ونحوه"4.
الرابعة: عن قول شارح الزاد أيضا –نقلا عن النظم: "وتحرم القراءة في الحش 5 وسطحه 6، وهو متوجه على حاجته".
ثم إن الشيخ استشعر منه أنه يشير إلى رسم فائدة زائدة. فأجاب بما يشفي العليل، ويروي الغليل، ويهدي إلى أقوم منهج وسبيل، بأوضح عبارة، وأبين دليل، فرحمه الله من إمام؛ بالسنة ما أعلمه، ويعلم التفسير ما أفهمه، وبالفقه وغيره من العلوم ما أحكمه، فلقد فاق بذلك على أقرانه، وكان وحيد عصره وفريد زمانه، وهذا نص الرسالة:
1 جاءت هذه الرسالة في المطبوع في ص 1890-194، وهي الرسالة رقم "33". وجاءت في "ب" في ص 233-237، وهي آخر رسالة في "ب".
2 سورة الممتحنة: الآية "8".
3 أي شارح زاد المستقنع.
4 ورد هذا الكلام في زاد المستقنع، لموسى بن أحمد المقدسي "968هـ"، مطبعة المدني، القاهرة، ص 5.
5 الحش: البستان. ويطلق أيضا على المتوضإ، سمي به لأنهم كانوا يذهبون عند قضاء الحاجة إلى البستان. لسان العرب، 6/286؛ مادة "حشش". فيكنى به عن كل ما يتغوط فيه.
6 غير واضحة في "ج".
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المحب عيسى بن إبراهيم –سلك الله بي وبه صراطه المستقيم. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته: وبعد:
فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو على نعمه. والخط وصل، فسرني إنباؤه عن سلامة تلك الأحوال، والذوات لا زالت سالمة من الآفات، وما أشرت إليه قد علم.
وجواب/ مسائلك/1 هذا هو قد رُسم، نسأل الله التوفيق والإصابة، وحسن القصد والإنابة.
المسألة الأولى
فأما قوله تعالى: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ} الآية 2 فالذي يظهر: مشروعية بر الكافر أن هذا إخبار من الله جل ذكره لعباده المؤمنين بأنه لم ينههم عن البر والعدل والإنصاف في معاملة أي كافر كان من أهل الملل، إذا كان لم يقاتلهم في الدين، ولم يخرجهم من ديارهم 3. إذ العدل والإحسان والإنصاف مطلوب محبوب شرعا، ولهذا علل هذا الحكم بقوله: {إنَّ اللَّه يُحِبُ المُقسِطينَ} 4.
وأما قوله: {أَن تَبَرُوهُم} ، فقد قال بعض المعربين: إنه بدل من الموصول /بدل/5 اشتمال، و"أن" وما دخلت عليه في تأويل مصدر، والتقدير: لا ينهاكم الله عن بر من لم يقاتل في الدين 6. ولو قال هذا البعض أنه بدل بداءٍ، لكان أظهر؛ إذ لا يظهر
1 في "ب" و "د" والمطبوع: سألتك.
2 سورة الممتحنة: الآية "8".
3 وبهذا فسر الطبري الآية في جامع البيان، 28/66. وانظر تفسير القاسمي، 16/5769.
4 سورة الممتخنة: الآية "8".
5 في "د": يد.
6 انظر هذا المعنى: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، 18/40؛ والكشاف للزمخشري، 4/91؛ وفتح القدير للشوكاني، 5/213؛ والتفسير الكبير للرازي، 29/304.
الاشتمال بأنواعه السبعة هنا. والأظهر عندي، أن لا بدل مطلقا، وأن الموصول معمول للمصدر المتأخر المأخوذ من "أن" وما دخلت عليه 1.
فالموصول إذاً في محل نصب بالمصدر المسبوك، وتأخر العامل لا يضر. وأما على البداية فهو في محل جر.
وقوله: {إنَّ اللَّه يُحبُ المُقسِطيِنَ} 2. أكد الجملة هنا لمناسبة مقتضى الحال؛ إذ المقام مظنة لغلط الأكثر، ولتوهم خلاف المراد، فاقتضى التأكيد والتوفية بالأداة، كما يعلم من فن المعاني.
وقوله: {فيِ الدَيِنِ} 3 الفاء سببية، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: "دخلت النار امرأة في هرة
…
" الحديث 4.
وسبب النزول: ما رواه الإمام أحمد في مسنده حدثنا أبو معاوية 5، حدثنا هشام بن عروة 6
1 فيكون التقدير حينئذ: لا ينهاكم الله عن أن تبروا الذين
…
فهو معمول الفعل على الاشتغال.
2 سورة الممتحنة: الآية "8".
3 سورة الممتحنة: الآية "8".
4 هذا جزء من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " دخلت امرأة النار في هرة، ربطتها، فلا أطعمتها، ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت". أخرجه البخاري في صحيحه، 6/409، بدء الخلق، باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه. صحيح مسلم بشرح النووي، 17/79، التوبة باب في سعة رحمة الله؛ سنن ابن ماجه، 2/439، الزهد، باب ذكر التوبة. كلهم بتقديم "المرأة" على "الدار" خلافا لما عند المصنف.
5 هو محمد بن خازم، مولى بني سعد ابن زيد مناة بن تميم، الإمام الحافظ، أبو معاوية السعدي الكوفي الضرير، ولد سنة 113هـ، حدث عن هشام بن عروة، والأعمش، ومالك الأشجعي، وغيرهم، "ت194هـ".
سير الأعلام، 9/73؛ تهذيب التهذيب 9/137.
6 هو هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، أبو المنذر القرشي الأسدي، ولد سنة "61هـ"، وتوفي سنة "146هـ". تاريخ بغداد، 14/37؛ سير الأعلام، 2/34.
عن فاطمة بنت المنذر1.
عن أسماء2 بنت أبي بكر –رضي الله عنهما قالت: قدمت/ عليَّ/3 أمي وهي مشركة، في عهد قريش إذ عاهدوا، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، إن أمي قدمت وهي راغبة، أفأصلها، قال:"نعم صلي أمك"4. وهذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم5. وفي بعض الطرق أنها جاءت لابنتها بهدية، ضباب6 وأقط7 وسمن، فأبت أسماء أن تقبل منها، وتدخل البيت حتى سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله هذه الآية8.
وأما قول ابن زيد9
1 هي فاطمة بن المنذر بن الزبير بن العوام، زوجة هشام بن عروة، ثقة، من الثالثة.
تقريب التهذيب/ 2/609؛تاريخ بغداد، 1/222؛ سير الأعلام، 3/381.
2 هي أسماء بنت أبي بكر. أم عبد الله، القرشية التميمية، المكية ثم المدنية، ذات النطاقين "ت73هـ".
الاستيعاب، 4/ 1781؛ سير الأعلام، 2/287؛ تهذيب التهذيب، 12/398.
3 كذا في "أ"، وساقط في بقية النسخ. وهو كذلك في رواية أحمد 6/347. أما الرواية بدنه، فهي أيضا واردة في مسند أحمد، 6/344.
4 مسند الإمام أحمد، 6/344-347.
5 صحيح البخاري مع الفتح، 5/275، الهبة، باب الهدية للمشركين. صحيح مسلم بشرح النووي، 7/93؛ الزكاة، باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين.
وأخرجه أيضا: أبو داود في سننه، 2/307-308، الزكاة، باب الصدقة على أهل الذمة.
6 ضباب: جمع الضب، وهو دويبة تشبه الورل. ابن منظور/ لسان العرب، مادة "ضبب"، 1/538.
7 الأَقِط والأِقْط والأَقْط والأُقْط" شيء يتخذ من اللبن المخيض، يطبخ ثم يترك حتى يمصُل. والقطعة منه أقطة. ابن مظور /لسان العرب، مادة "أقط"، 7/257.
8 هذه الرواية أخرجها الطبري في تفسيره، 28/66، والواحدي في أسباب النزول، ص 424، وابن كثير في تفسيره، 4/373.
9 هو جابر بن زيد أبو الشعثاء الأزدي اليحمدي، مولاهم البصري، من كبار تلامذة ابن عباس، حدث عنه عمرو بن دينار، وقتادة وآخرون. "ت93هـ". سير الأعلام، 4/481؛ تهذيب التهذيب، 2/38. النجوم الزاهرة، 1/252.
وقتادة1 أنها منسوخة، فلا يظهر؛ لوجوه:
منها: أن الجمع بينها وبين آية القتال2، ممكن غير متعذر، ودعوى النسخ يصار إليها عند التعذر وعدم إمكان الجمع إن دل عليه دليل.
ومنها: أن السنة متظاهرة بطلب الإحسان والعدل مطلقا، ولا قائل بالنسخ؛ لكن قد يجاب عن ابن زيد وقتادة بأن النسخ في/كلاميهما/3 بمعنى التخصيص، وهو متجه على اصطلاح بعض السلف.
ولا شك أن القتال بالسيف، وتوابعه من العقوبات والغلظة في محلها، مخصوص من هذا العموم4.
ووجه مناسبة الآية لما قبلها من الآي5: أنه لما ذكر –تعالى - نهيه عبادة المؤمنين عن اتخاذ عدوه وعدوهم أولياء، يلقون إليهم بالمودة؛ ثم ذكر حال خليله من آمن معه،
1 هو قتادة بن دعامة بن قتادة بن عزيز، حافظ العصر، وقدوة المفسرين والمحدثين، أبو الخطاب السدوسي البصري، روى عن أنس بن مالك وجابر بن زيد والنضر بن أنس. "ت118هـ".
سير الأعلام، 5/269؛ تهذيب التهذيب، 8/351.
2 أي الجمع بين قوله تعالى: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8] وقوله تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة:5] .
فالجمع بينهما: أن آية الممتحنة رخصة في البر والقسط، لكل من لم يناصب المسلمين العداء، ولم يظهر سوءا إليهم، فالبر والقسط والعدل والإحسان ممن بينه وبينهم قرابة نسب أو غير ذلك غير محرم، ولا منهي عنه.
وأما الأمر بالقتال في التوبة، فلا يمنع الإحسان؛ إذ إنه يكون عن من قاتل المسلمين، وأظهر لهم العداء.
انظر: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، لمحمد أمين بن محمد المختار الشنقيطي، عالم الكتب، بيروت، 8/151-152. وجامع البيان للطبري، 28/66؛ وزاد المسير،8/237.
3 في المطبوع: كلامهما.
4 أي العموم الوارد في آية الممتحنة؛ عموم البر والقسط للذين لم يقاتلوا.
5 وهو من بداية سورة الممتحنة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} إلى الآية السابعة.
في قولهم وبراءتهم من قومهم المشركين حتى يؤمنوا، وذكر أن لعباده المؤمنين أسوة حسنة، خيف أن يتوهم أحد أو يظن أن البر والعدل داخلان ضمن ما نهى عنه من الموالاة، وأمر به/ من البراءة، فناسب/1 أن يدفع هذا بقوله:{لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ} الآية 2.
وأما المسألة الثانية: في الفرق بين المرفوع والمسند والمتصل:
فاعلم أن المرفوع ما أضيف 3 إلى النبي صلى الله عليه وسلم قولا أو فعلا أو حكما 4. واشترط الخطيب البغدادي 5 كون المضيف صحابيا 6، والجمهور على خلافه. بيان الفرق بين الحديث المرفوع والمسند والمتصل والمسند: هو المرفوع 7، فهو مرادف له. وقد يكون متصلا، كمالك عن نافع 8 عن ابن عمر عن النبي صلى الله
1 ساقط في المطبوع.
2 انظر في وجه المناسبة، بين هذه الآية لما قبلها فتح القدير للشوكاني، 5/213. وقال القاسمي: إن هذه الآية {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ} في معنى التخصيص لقوله –تعالى- قبلها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي} الآية. تفسير القاسمي، 16/5768.
3 أي: سواء كان إضافة صحابي أو تابعي أو من بعدهما. التقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من مقدمة ابن الصلاحة، للحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي، "ت806هـ"، مطبوع مع علوم الحديث لابن الصلاح، مؤسسة الكتب الثقافية، 50.
4 علوم الحديث لابن الصلاح، ص 41. والباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث، لابن كثير "774هـ"، تأليف أحمد محمد شاكر، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/1، 3، 1403هـ-1983م، ص 43. وأصول الحديث، علومه ومصطلحاته، للدكتور محمد عجا الخطيب ص 355.
5 تقدمت ترجمته في ص 347.
6 الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي، ص 21.
7 هذا عند بعضهم، كما ذكره ابن الصلاح في علوم الحديث، ص 41. أما عند الخطيب الذي يُعرف المسند بأنه:"ما اتصل إلى منتهاه"، فلا يجوز أن يرادف المرفوع. إذ يدخل في تعريفه: الموقوف على الصحابي، إذا رُوي بسند، وكذلك ما روي عن التابعي بسند.
انظر: الباعث الحثيث، ص 42.
8 تقدمت ترجمته في ص 688.
عليه وسلم. وقد يكون منقطعا، كمالك عن الزهري 1 عن ابن عباس 2 عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ الزهري لم يسمع من ابن عباس، فهو مسند منقطع. وقد صرح ابن عبد البر 3 رحمه الله بترادفهما 4، والانقطاع يدخل عليهما جميعا.
وقيل إن المسند: ما وصل إسناده ولو موقوفا عليه 5. فالمسند والمتصل سواء؛ إذ هو بعينه هو تعريف المتصل 6. فعلى هذا، يفارق المرفوع بقولنا: ولو موقوفا؛ فبينه 7 وبين المرفوع على هذا القول عموم وخصوص وجهي، ويجتمعان فيما اتصل سنده ورفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وينفرد المرفوع في المنقطع المرفوع، وينفرد المسند في الموقوف، والأكثر على التعريف الأول 8.
والعموم والخصوص الوجهي، كذلك يجري أيضا بين المتصل والمرفوع،
1 تقدمت ترجمته في ص 679.
2 تقدمت ترجمته في ص 343. وهذان المثالان ذكرهما ابن الصلاح في علوم الحديث، ص 39.
3 هو يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر تقدمت ترجمته في ص 520.
4 أي ترادف المسند والمرفوع. حيث إن ابن عبد البر يُعرف "المسند" بأنه: ما رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم خاصة. التمهيد لابن عبد البر، 1/21. ومعنى "خاصة" أي: سواء كان قولا أو فعلا أو تقريرا. وسواء كان متصلا أو منقطعا. وعليه يدخل الاتصال والانقطاع، على المسند والمرفوع على سواء، فيترادفان. وانظر أيضا: الباعث الحثيث، ص 42. وعلوم الحديث لابن الصلاح، ص 39.
5 هذا تعريف الخطيب البغدادي في: الكفاية في علم الرواية له، 21.
وانظر: علوم الحديث لابن الصلاح، ص 39؛ والباعث الحثيث، ص 42.
6 أي المتصل: هو الذي اتصل إسناده. علوم الحديث لابن الصلاح، ص 40. وهذا الصنف ينفي الإرسال والانقطاع.
7 الضمير هنا يعود إلى "المسند".
8 أي التعريف الأول الذي تقدم في المرفوع، وهو: ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم قولا أو فعلا أو حكما.
كما يُعلم مما تقدم 1.
وأما قولك: أيهما أصح؟
فاعلم أن الصحة غير راجعة لهذه الأوصاف باعتبار حقيقتها، وإنما الصحة والحسن والضعف، أوصاف تدخل على كل من المرفوع والمسند والمتصل؛ فمتى وُجدت حُكم بمقتضاها لموصوفها، لكن المرفوع أولى من المتصل إذا لم يرفع، ومن المسند على القول الثاني 2، إذا لم يرفع أيضا، لا من حيث الصحة 3، بل من حيث رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وأما الصحة، فقد ينفرد بها بعض هذه الأقسام، لا من حيث ذاته. والمرفوع إذا لم يبلغ درجته الصحة، احتُج به في الشواهد والمتابعات كما عليه جمع.
المسألة الثالثة:
وأما الجواب عن قول شارح الزاد 4: "غير تراب ونحوه" 5: في اصطلاحات فقهية فاعلم أن نحو التراب هنا: كل ما كان من الأجزاء الأرضية؛ كالرمل والنورة، أو من المائعات الطاهرة، وكذا كل ما لا يدفع النجاسة عن نفسه، فإنه لو أضيف أحد هذه الأشياء إلى الماء الكثير المتنجس، لم يطهر بإضافته إليه، /لكون/6 المضاف لا
1 أي أن "المتصل والمرفوع" يجتمعان فيما اتصل سنده، ورفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وينفرد المرفوع في "المنقطع المرفوع"، وينفرد المتصل في "المتصل الموقوف".
2 يقصد: تعريف المسند الذي أورده بأسلوب التضعيف: وقيل إن المسند ما وصل إسناده ولو موقوفا.
3 لأن المسند الموقوف على الصحابي، قد يكون أصح من المرفوع المنقطع. أما إذا كان المرفوع متصلا، فيكون حينئذ أولى من المسند الذي لم يرفع، من حيث الصحة والاعتبار.
4 وهي المسألة الثالثة.
5 أصله من كلام صاحب الفروع، شمس الدين محمد بن مفلح "ت 763هـ"، ومعه تصحيح الفروع للمرداي، "ت885هـ"، ط/2/ 1379هـ 1960م، دار مصر للطباعة، 1/88، وورد في زاد المستقنع، ص 5.
6 في "أ": "لكن". وهو خطأ.
يدفع عن نفسه، فعن غيره أولى، ولو زال به التغير على أظهر الوجهين 1.
وأما نحو التراب في باب التيمم، فهو كل ما كان له غبار يعلق باليد 2. وفي باب إزالة النجاسة، هو كل جامد منق كالأشنان والصابون والسدر؛ فيفسر النحو في كل مقام بما يناسبه.
أما المسألة الرابعة: في قول شارح الزاد نقلا عن النظم 3: "وتحرم القراءة في الحش وسطحه، وهو متوجه على حاجته"4.
فاعلم أن قوله: "وهو متجه": من كلام صاحب الفروع، ومعناه: أن التحريم يتوجه إذا كان المتخلي جالسا على حاجته، بهذا القيد 5. فافهم ذلك وتفطن. والكلام في التحريم والكراهة وبيان المختار يستدعي طولا، لا يليق باختصار هذه الأسطار.
ثم إنك تشير إلى رسم فائدة زائدة وقد وقع نظري عند إملائي هذا، على عبارة ابن الجوزي، في السر المصون 6، ونصها: نصيحة في إثار الآخرة والعلم والعمل" من علم أن الدنيا دار سباق وتحصيل للفضائل، وأنه كلما علت مرتبة في علم وعمل، زادت المرتبة في دار الجزاء. انتهب الزمان ولم يضيع لحظة، ولم يترك فضيلة تمكنه إلا حصلها. ومن وُفق لهذا فليبتكر زمانه بالعلم، وليصابر كل محنة وفقر، إلى أن يحصل
1 قول المصنف هنا: "كل ما كان من الأجزاء الأرضية.." إلى قوله: "على أظهر الوجهين"، منقول في حاشية الروض المربع، شرح زاد المستقنع، لعبد الرحمن بن محمد بن القاسم العاصمي النجدي، "1391هـ"، ط/4، 1410هـ 1/91.
2 انظر: الفروع لابن مفلح، 1/224.
3 صاحب النظم هو: محمد بن عبد القوي بن بدران المقدسي الحنبلي. له النظم المشهور نحو ستة آلاف بيت. "ت699هـ". هدية العارفين، 2/139.
4 الفروع لابن مفلح، 1/114. وورد في الروض المربع مع حاشيته، 1/131.
5 حاشية الروض المربع، 1/131.
6 لم أطلق عليه.
له ما يريد، وليكن مخلصا في طلب العلم، عاملا به حافظا له. فأما أن يفوته الإخلاص، فذلك تضييع زمان، وخسران الجزاء، / وأما أن يفوته/1 العمل به، فذاك يقوي الحجة عليه، والعقاب له. وأما جمعه من غير حفظن، فإن العلم ما كان في الصدور لا في القمطر 2. ومتى أخلص في طلبه دله على الله عز وجل، فليبعد عن مخالطة الخلق مهما أمكن، خصوصا العوام، وليصن نفسه عن المشي في الأسواق، فربما وقع البصر على فتنة، وليجتهد في مكان لا يسمع فيه أصوات الناس. ومن علم أنه مار إلى الله عز وجل، وإلى العيش معه وعنده، وأن الدنيا أيام سفر؛ صبر على تفث السفر ووسخه، وأن الراحة لا تنال بالراحة 3، فمن زرع حصد ومن جد وجد.
خاضوا في أمر الهوى في فنون
…
فزادهم في اسم هواهم حرف نون
أحسن الله لي ولك العواقب، ونفعنا لنيل أرفع الدرجات والمراتب.
هذا ومن لدينا الوالد حفظه الله./والشيخ علي، وبقية الحمولة، والطلبة والإخوان بخير، وينهون السلام. وبلغ سلامنا الشيخ عبد الملك، وحسين وصالح والأخ سليمان ورشيد وفرحان، وبقية الإخوان لا سيما عبد العزيز بن /حسن/4 والشيخ حمد بن علي بن عتيق، ومن عز عليك من الإخوان. وكاتبه من في ممليه إبراهيم بن حسن
1 ساقط في "د".
2 القمطر: بكسر القاف، وفتح الميم، وسكون الطاء: هو ما يصان فيه الكتب. ويُذَكَّر ويُؤنَّث: قمطر وقمطرة. والجمع: قماطر. قال ابن السكيت:
ليس بعلم ما يعي القمطر
…
ما العلم إلا ما وعاه الصدر
الصحاح للجوهري، 2/797، مادة "قمطر".
3 الراحة الأولى: أي الحصول على الراحة الكبرى في الجنة، والراحة الثانية: ضد التعب في الدنيا.
أي أن الراحة في الجنة لا تنال بالراحة في الدنيا، بل بالتعب.
4 في "أ": حسين. "وعبد العزيز بن حسن" تقدمت ترجمته ضمن تلاميذ الشيخ ص 92 وهو التلميذ رقم "28".
الضبيب يبلغ الجميع السلام/1./ وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم/2.
1 ساقط في المطبوع.
2 زائد في "ب". وهو نهاية هذه النسخة "ب". وهذه آخر رسالة فيها. قال الناسخ بعدها: "تمت هذه الرسائل بعون مولى الفضل والفضائل سبحانه جل عن ند وعن مماثل. فرحم الله مؤلفها وكاتبها والمطالع فيها آمين ثم آمين. 28 شوال، 1335هـ".