المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فصل: تقسيم ابن القيم الشرك إلى نوعين - عيون الرسائل والأجوبة على المسائل - جـ ٢

[عبد اللطيف آل الشيخ]

فهرس الكتاب

- ‌(تابع) تحقيق النص

- ‌(تابع) الرسائل الخاصة بعقيدة التوحيد والإتباع وما ينافيها من الشرك والإبتداع

- ‌الرسالة التاسعة والعشرون: إلى عبد الله بن عمير

- ‌جامع الرسائل

- ‌فصل: أموال السلطان وجوائز الأمراء

- ‌فصل: فيما جاء في رؤيا طفيل

- ‌فصل: الإقتداء بإهل الخير والبر في العمل الصالح

- ‌الرسالة الثلاثون: إلى محمد بن عون

- ‌تقديم جامع الرسائل

- ‌من عبد اللطيف بن عبد الرحمن الى محمد بن عون

- ‌فصل: قال الجهمي: وإذا قررت لله مكانا معينا، فما معنى قوله تعالى: {فأينما تولوا فثم وجه اللَّه}

- ‌الرسالة الحادية والثلاثون: منظومة فيما جرى من مفاسد الساكر

- ‌منظومة فيما جرى من مفاسد العساكر والبوادي

- ‌الرسالة الثانية والثلاثون: إلى عبد الرحمن بن محمد بن جربوع

- ‌الرسالة الثالثة والثلاثون: إلى علما الحرمين

- ‌الرسالة الرابعة والثلاثون:: إلى الشيخ أبي بكر بن محمد آل الملا

- ‌الرسالة الخامسة والثلاثون: إلى بعض الولاة توسم فيه محبة الخير

- ‌الرسالة السادسة والثلاثون: إلى عبد الله بن جريس

- ‌الرسالة السابعة والثلاثون: إلى منيف بن نشاط وقج أشتكى غربة الإسلام

- ‌الرسالة الثامنة والثلاثون: إلى منيف بن نشاط

- ‌الرسالة التاسعة والثلاثون: في توحيد الأسماء والصفات

- ‌الرسالة الأربعون: إلى أهل الحوطة

- ‌الرسالة الحادية والأربعون: إلى حمد بن عتيق

- ‌الرسالة الثانية والأربعون: إلى عبد العزيز بن إبراهيم بن عبد اللطيف

- ‌الرسالة الثالثة والأربعون: إلى عثمان بن منصور

- ‌الرسالة الرابعة والأربعون: جواب سؤال ورد عليه من عمان

- ‌الرسالة الخامسة والأربعون: في ترجمة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وما قام به ودعى إليه

- ‌مدخل

- ‌فصل: نسب الشيخ محمد بن عبد الوهاب ونشأته

- ‌فصل: حال البلاد في عصره

- ‌فصل: إنكار العلماء لبدعة تقديس المشاهد

- ‌فصل: الغلو في تعظيم الصالحين ذريعة إلى الشرك

- ‌فصل: تقسيم ابن القيم الشرك إلى نوعين

- ‌فصل: تعريف الحنفية للكفر

- ‌الرسالة السادس والأربعون: إلى زيد بن محمد آل سليمان

- ‌الرسالة السابعة والأربعون: إلى زيد بن محمد

- ‌الرسالة الثامنة والأربعون: إلى زيد بن محمد آل سليمان

- ‌الرسالة التاسعة والأربعون: إلىإلى زيد بن محمد آل سليمان

- ‌الرسالة الخمسون: إلى محمد بن عمير

- ‌الرسالة الحادية والخمسون: إلى خالد آل قطنان ومحمد بن عيسى

- ‌الرسالة الثانية والخمسون: في الكلام على فضل طلب العلم

- ‌الرسالة الثالثة والخمسون: إلى راشد بن عيسى

- ‌الرسالة الرابعة والخمسون: إلى حمد بن عبد العزيز

- ‌الرسالة الخامسة والخمسون: إلى حمد بن عبد العزيز

- ‌الرسالة السادسة الخمسون: إلى حمد بن عبد العزيز

- ‌ثانيا: الرسائل الخاصة بالفتاوى في الفروع

- ‌الرسالة السابعة والخمسون: سؤال من الشيخ لوالده

- ‌الرسالة الثامنة والخمسون: إلى زيد بن محمد

- ‌الرسالة التاسعة والخمسون: إلى عيسى بن إبراهيم

- ‌الرسالة الستون: جواب عن مسائل فقهية سئل عنها

- ‌الرسالة الحادية والستون: في مسألة الرهن

- ‌الرسالة الثانية والستون: أجوبة على مسائل متعددة

- ‌الرسالة الثالثة والستون: إلى عبد الله بن محمد بن عتيق في السؤال عن نهائب الأعراب

- ‌الرسالة الرابعة والستون: إلى عبد الرحمن بن عدوان

- ‌الرسالة السادسة والستون: سؤال عن تركة الميت قسم ماله بين أولاده وأوصى لصغارهم

- ‌الرسالة السابعة والستون: إلى عبد العزيز بن حسن قاضي محمل

- ‌الرسالة الثامنة والستون: إلى الشيخ عبد العزيز بن حسن

- ‌الرسالة التاسعة والستون: إلى عبد العزيز بن حسن بن مزروع

- ‌الرسالة السبعون: إلى عبد الله بن علي بن جريس

- ‌الرسالة الحادية والسبعون: إلى جماعة من أهل الزلفي

- ‌الرسالة الثانية والسبعون: جواب رسالة لمحمد بن زومان

- ‌الرسالة الثالثة والسبعون: إلى عبد المحسن بن سلمان

- ‌الرسالة الرابعة والسبعون: إلى أهل عرقة

- ‌الرسالة الخامسة والسبعون: جواب سؤال ورد عليه من أهل المجمعة

- ‌الرسالة السادسة والسبعون: إلى الشيخ عبد العزيز بن حسن

- ‌الرسالة السابعة والسبعون: جواب على سؤال

- ‌الرسالة الثامنة والسبعون: جواب على سؤال

- ‌الرسالة التاسعة والسبعون: إلى عثمان بن حسين وجماعته أهل الحوطة

- ‌الرسالة الثمانون: إلى عبد العزيز بن حسن

- ‌الرسالة الحادية والثمانون: إلى صالح الشثري

- ‌الرسالة الثانية والثمانون: الكلام على البسملة

- ‌ثالثا: الرسائل الخاصة بالفتن

- ‌الرسالة الثالثة والثمانون: إلى عبد الرحمن بن إبراهيم

- ‌الرسالة الرابعة والثمانون: إلى زيد بن محمد وصالح بن محمد الشثري

- ‌الرسالة الخامسة والثمانون: إلى علي بن محمد وابنه في شأن الفتنة

- ‌الرسالة السادسة والثمانون: إلى الشيخ إبراهيم ورشيد بن عوين في شأن الفتنة

- ‌الرسالة السابعة والثمانون: إلى الأخوان من بني تميم يعزيهم في وفاتهالشيخ عبد الملك

- ‌الرسالة الثامنة والثمانون: منظومة في الفتنة التي وقعت بين المسلمين

- ‌الرسالة التاسعة والثمانون: إلى سالم بن سلطان

- ‌الرسالة التسعون: إلى الشيخ حمد بن عتيق في شأن الفتنة

- ‌الرسالة الحادية والتسعون: إلى الشيخ حمد بن عتيق يحضه على الغلظة في معاداة من والى المشركين

- ‌الرسالة الثانية والتسعون: إلى الشيخ حمد بن عتيق يحضه في الدعوة إلى الله وبث العلم

- ‌الرسالة الثالثة والتسعون: غلى الشيخ حمد بن عتيق

- ‌الرسالة الرابعة والتسعون: إلى محمد علي

- ‌الرسالة الخامسة والتسعون: إلى أهل الحوطة

- ‌الرسالة السادسة والتسعون: إلى زيد بن محمد آل سليمان

- ‌الرسالة السابعة والتسعون: إلى زيد بن محمد آل سليمان

- ‌رسالة ملحقة

- ‌رسالة الرد على الصحاف

- ‌جدول يبين أمراء آل سعود وفترة إماراتهم

- ‌ملحق (جدول يبين أمراء آل سعود وفترة إماراتهم)

الفصل: ‌فصل: تقسيم ابن القيم الشرك إلى نوعين

ومن هذا ما يفعل بمكة 1 وغيرها من الذبح للجن. انتهى كلام الشيخ –رحمه الله تعالى.

فتأمل –رحمك الله تعالى- هذا الكلام، وتصريحه فيه بأن من ذبح لغير الله من هذه الأمة، فهو كافر مرتد، لا تباح ذبيحته، لأنه يجتمع فيه مانعان:

الأول 2: أنها ذبيحة مرتد، وذبيحة المرتد لا تباح بالإجماع3.

الثاني 4: أنها مما أهل/ به/5 لغير الله، وقد حرم الله ذلك في قوله تعالى:{قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} 6. وتأمل قوله: ومن هذا ما يفعل بمكة وغيرها من الذبح للجن. والله أعلم.

1 هذا ما كان في زمن المؤلف. أما لآن فقد شرف الله تلك البقعة من الأرض وطهرها من الشرك وشوائبه وانمحت آثاره، بفضل الله ثم بفضل القائمين على رعايتها من لدن الملك عبد العزيز –رحمه الله وأبنائه من بعده إلى يومنا هذا- حماها الله من شر كل كافر ومشرك، آمين.

2 بياض في "أ".

3 انظر: فتح القدير لابن الهمام، 9/488؛ بدائع الصنائع للكاساني، 5/45؛ بداية المجتهد، 1/552؛ المهذب للشيرازي، 1/251؛ المغني مع الشرح الكبير، 10/87، 11/32؛ كشاف القناع عن متن الإقناع، 6/205.

4 بياض في "أ".

5 ساقط في "د".

6 سورة الأنعام الآية "145".

ص: 725

‌فصل: تقسيم ابن القيم الشرك إلى نوعين

"فصل"7

قال ابن القيم في شرح المنازل في باب التوبة 8.

وأما الشرك فهو نوعان: أكبر وأصغر. فالأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة، وهو أن يتخذ

7 لفظ "فصل" بياض في "أ".

8 مدارج السالكين، 1/339.

ص: 725

من دون الله ندا، يحبه كما يحب الله. 1 بل أكثرهم يحبون آلهتهم أعظم من محبة الله، ويغضبون لها ولا يغضبون إذا/ انتقص/2 أحد رب العالمين.

وقد شاهدنا نحن وغيرنا منهم جهرة، وترى أحدهم قد اتخذ ذكر إلهه ومعبوده على لسانه إن قام وإن قعد، وإن عثر وإن استوحش، وهو لا يذكر/إلا/3 ذلك، ويزعم أنه باب حاجته إلى الله، وشفيعه عنده؛ وهكذا كان عباد الأصنام سواء.

وهذا القدر هو الذي قام بقلوبهم، وتوارثه المشركون بحسب آلهتهم، فأولئك كانوا ألهتهم من الحجر، وغيرهم اتخذها من البشر. قال تعالى حايكا عن أسلاف هؤلاء:{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} 4. فهذه حال من اتخذ من دون الله وليا، يزعم أنه يقربه إلى الله.

وما أعز من تخلص من هذا، بل ما أعز من لا يعادي من أنكره. والذي قام بقلوب هؤلاء المشركين وسلفهم، أن آلهتهم تشفع لهم عند الله، وهذا عين الشرك. وقد أنكر الله عليهم في كتابه وأبطله، وأخبر أن الشفاعة كلها لله، قال الله تعالى:{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ، وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} 5. والقرآن مملوء من أمثال هذه الآية. ولكن أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته، ويظنه في قوم قد خلوا ولم يعقبوا وارثا. وهذا الذي يحول بين المرء وبين

1 في المطبوع زيد من هنا كلام طويل. وهو من كلام ابن القيم من مدارج السالكين، والشيخ عبد اللطيف –رحمه الله قد نقل الكلام بتلخيص شديد، كما هو في جميع النسخ ولعله كانت هذه الزيادات في المطبوع وفقا للنسخة التي اعتمدها الطابع.

2 في "أ": استنقص.

3 ساقط في "أ".

4 سورة الزمر: الآية "3".

5 سورة سبأ: الآيتان "22، 23".

ص: 726

فهم القرآن، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:"إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية"1.

وهذا لأن من لا يعرف الشرك وما عابه القرآن وذمه، وقع فيه وأقره، وهو لا يعرف أنه الذي عليه أهل الجاهلية، فينتقض بذلك عرى الإسلام، ويعود المعروف منكرا والمنكر معروفا، والبدعة سنة والسنة بدعة، ويُكفر الرجل بمحض الإيمان وتجريده التوحيد، ويُبَدَّع بتجريده متابعة الرسول، ومفارقته الأهواء والبدع. ومن له بصيرة وقلب حي يرى ذلك عيانا والله المستعان.

ومن أنواعه طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم، لأن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، فضلا لمن استغاث به وسأله ان يشفع له إلى الله. وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عنده، فإن الله –سبحانه- لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه، والله –سبحانه- لم يجعل سؤال غيره سببا لإذنه، وإنما السبب لإذنه كمال التوحيد. فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن.

والميت محتاج إلى من يدعو له كما أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم إذا زرنا قبور المسلمين، أن نترحم عليهم ونسأل لهم العافية والمغفرة2، فعكس هذا

1 تقدم قول عمر هذا في ص 265.

2 ومما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك:

حديث عائشة –رضي الله عنها قالت: كيف اقول لهم يا رسول الله –تعني أهل القبور-. قال: "قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون". صحيح مسلم بشرح النووي، 7/48، الجنائز، باب ما يقول عند دخول القبور والدعاء لأهلها.

وعن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية". صحيح مسلم بشرح النووي، 7/49. الجنائز، باب ما يقول عند دخول المقابر. سنن النسائي، 4/94، الجنائز، باب الأمر بالاستغفار للمؤمنين، سنن ابن ماجه، 1/283، الجنائز، باب ما جاء فيما يقال إذا دخل المقابر.

ص: 727

المشركون، وزاروهم زيارة العبادة، وجعلوا قبورهم أوثانا تعبد، فجمعوا بين الشرك بالمعبود وتغيير دينه، ومعاداة أهل التوحيد، ونسبتهم إلى تنقيص الأموات، وهم قد تنقصوا الخالق بالشرك، وأولياءه الموحدين بذمهم ومعاداتهم، وتنقصوا به غاية التنقص إذ ظنوا أنهم راضون منهم بهذا، وأنهم أمروهم به.

وهؤلاء أعداء الرسل في كل زمان ومكان، وما أكثر المستحبين لهم، ولله در خليله إبراهيم/عليه السلام/1 حيث قال:{وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ، رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ} 2. وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر إلا من جرد توحيده لله وعادى المشركين في الله، وتقرب بمقتهم إلى الله3. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.

فتأمل –رحمك الله- كلام هذا الإمام وتصريحه بأن من دعا الموتى، وتوجه إليهم، واستغاث بهم ليشفعوا له عند الله؛ فقد فعل الشرك الأكبر الذي بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بإنكاره، وتكفير من لم يتب منه وقتاله ومعاداته. وأن هذا قد وقع في زمانه، وأنهم غيروا دين الرسول صلى الله عليه وسلم وعادوا أهل التوحيد، والذين يأمرونهم بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له.

وتأمل قوله أيضا: وما أعز من تخلص من هذا، بل ما أعز من لا يعادي من أنكره، يتبين لك الأمر إن شاء الله تعالى.

ولكن تأمل –أرشدك الله- قوله: وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر إلا من عادى المشركين

إلى آخره يتبين لك أن الإسلام لا يستقيم إلا بمعاداة أهل هذا الشرك، فإن لم يعادهم، فهو منهم، وإن لم يفعله. والله أعلم.

1 ساقط في "د".

2 سورة إبراهيم: الآية "35، 36".

3 مدارج السالكين لابن القيم، 1/339-346، وقد نقل الشيخ عبد اللطيف هذا الكلام بتلخيص شديد.

ص: 728

وقال –رحمه الله في كتابه: زاد المعاد في هدي خير العباد1، في الكلام على غزوة الطائف2 وما فيها من الفقه قال فيها: "إنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت، بعد القدرة على هدمها وإبطالها يوما واحدا. فإنها/من/3 شعائر الكفر والشرك. وهي أعظم المنكرات فلا يجوز الإقرار عليها مع القدرة البتة.

وهذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور، التي اتخذت أوثانا وطواغيت تعبد من دون الله، والأحجار التي تقصد للتعظيم وللشرك والتقبيل4، لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالته. /وكثير/5 منها بمنزلة اللآت والعزى ومناة الثالثة الأخرى6، أو أعظم شركا عندها وبها، والله المستعان. ولم يكن أحد من إياب هذه الطواغيت، يعتقد أنها تخلق وترزق، وتحيي وتميت؛ وإنما كانوا يفعلون عندها وبها ما يفعله إخوانهم من المشركين اليوم عند طواغيتهم، فاتبع هؤلاء سنن من كان قبلهم7 حذو القذة بالقذة، وأخذوا مأخذهم شبرا بشبر وذراعا بذراع، وغلب الشرك على أكثر النفوس، لظهور الجهل وخفاء العلم؛ وصار المعروف منكرا والمنكر معروفا، والسنة بدعة والبدعة سنة، ونشأ في ذلك الصغير، وهرم عليه الكبير، وطمست الأعلام، واشتدت غربة الإسلام، وقل العلماء/وغلب/8 السفهاء، وتفاهم الأمر، واشتد البأس، وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس9،

1 ذكر كلامه هذا في الجزء الثالث، ابتداء بصفحة 506.

2 وكانت غزوة الطائف في سنة "8هـ" بعد غزوة حنين. يرجع فيها إلى مظانها: سيرة ابن هشام، 4/121؛ البداية والنهاية لابن كثير، 4/344، وغيرهما من كتب السير والتاريخ.

3 زيادة "من" هنا تصرف من المؤلف؛ إذ لا وجود له في أصل النص في الزاد.

4 في أصل النص في الزاد: "والنذر والتقبيل" وكلمة "النذر" ساقطة في جميع النسخ.

5 في "د": وكثيرا.

6 وهذه أسماء أصنام التي ورد ذكرها في قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى} [النجم: 19، 20] .

7 هنا أسقط الشيخ عبد اللطيف رحمه الله في النقل، قوله:"وسلكوا سبيلهم".

8 في "د" والمطبوع: وغلبت.

9 هنا اقتبس الإمام ابن القيم –رحمه الله من قوله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ} [الروم:41] .

ص: 729

ولكن لا تزال طائفة من/ الأمة/1 المحمدية/ بالحق/2 قائمين، ولأهل الشرك والبدع مجاهدين، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين"3.

وقال الشيخ تقي الدين –لما سئل عن قتال التتار 4 مع تمسكهم بالشهادتين، ولما زعموا من اتباع أصل الإسلام-: "كل طائفة ممتنعة عن التزام شرائع الإسلام، الظاهرة المتواترة، من مقاتلي/5 هؤلاء القوم وغيرهم، فإنه يجب قتلهم حتى يلتزموا شرائعه؛ كما قاتل أبو بكر والصحابة –رضي الله عنهم مانعي الزكاة، وعلى ذلك اتفق الفقهاء6 بعدهم، بعد سابقة مناظرة عمر لأبي بكر، رضي الله عنهما.

واتفق الصحابة على القتال على حقوق الإسلام، عملا بالكتاب والسنة. وكذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من عشرة أوجه7 الحديث عن الخوارج والأمر بقتالهم، وأخبر أنهم شر الخلق والخليفة، مع قوله:"تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم"8.

فعلم أن مرد الاعتصام بالإسلام مع عدم التزام شرائعه، ليس بمسقط للقتال،

1 في الأصل –زاد المعاد-: "العصابة". وهو تصرف من الشيخ عبد اللطيف –رحمه الله.

2 ساقط في جميع النسخ. والتكملة من أصل النص في الزاد.

3 زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم، 3/506-507.

4 انظر نص السؤال في مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية،28/501-502.

5 زيادة من المؤلف؛ إذ لا وجود له في نص شيخ الإسلام –رحمه الله في المجموع.

6 انظر: روضة الطالبين 2/149؛ والمغني مع الشرح الكبير، 2/435؛ وفقه الزكاة للدكتور يوسف القرضاوي، مؤسسة الرسالة بيروت، ط/1/ 1405هـ، 1985م، 1/78-79؛ والفقه الإسلامي وأدلته، د. وهبة الزحيلي، 2/735.

7 روى هذه الأوجه العشرة الإمام مسلم في صحيحه، 7/170-180، كتاب الزكاة باب ذكر الخوارج وصفاتهم، وباب التحريض على قتل الخوارج، من حديث رقم "147-160".

8 أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، 7/170-172، كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم. وقد تقدم تخريج حديث المخدج في ص 169.

ص: 730

فالقتال واجب حتى يكون الدين كله لله، وحتى لا تكون فتنة 1. فمتى كان الدين لغير الله فالقتال واجب. فأيما طائفة ممتنعة امتنعت عن الصلاة، أو الصيام أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء والأموال والخمر والزنا أو الميسر أو نكاح ذوات المحارم، أو عن التزام جهاد الكفار، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب، أو غير ذلك من التزام واجبات الدين ومحرماته التي لا عذر لأحد في جحودها أو تركها، الذي يكفر/ الجاحد لوجوبها/2، فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها، وإن كانت مقرة بها.

وهذا مما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء. وإنما اختلف الفقهاء في الطائفة الممتنعة إذا أصرت على ترك بعض السنن، كركعتي الفجر أو الأذان والإقامة –عند من لا يقول بوجوبهما-3 ونحو ذلك من الشعائر. فهل تقاتل الطائفة الممتنعة على تركها أم لا؟

فأما الواجبات أو المحرمات المذكورة ونحوها، فلا خلاف في القتال عليها.

وهؤلاء عند المحققين من العلماء، ليسوا بمنزلة البغاة الخارجين على الإمام.

والخارجين عن طاعته؛ كأهل الشام مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فإن أولئك خارجون عن طاعة إمام معين، أو خارجون عليه لإزالة ولايته. وأما المذكورون فهم خارجون عن الإسلام، بمنزلة مانعي الزكاة، أو بمنزلة الخوارج الذين قاتلهم علي رضي

1 هنا يشير شيخ الإسلام إلى لدليل على وجوب قتال هؤلاء وهو قوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال:39] .

2 كذا في مجموع الفتاوى، 29/503. وفي جميع النسخ:"الواجد بجحودها".

3 وهم الجمهور؛ الحنفية والمالكية والشافعية. فيقولون إنهما "أي الأذان والإقامة" سنة مؤكدة للرجال جماعة، للصلوات الخمس والجمعة، دون غيرها.

وعند الحنابلة: أنهما فرضا كفاية للصلوات الخمس والجمعة، دون غيرها. انظر: فتح القدير لابن الهمام، 1/240، بدائع الصنائع، 1/402.الشرح الصغير، 1/246، الشرح الكبير 1/191. المهذب في فقه الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه، لأبي إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزآبادي الشيرازي "ت476هـ"، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه بمصر، 1/55، مغني المحتاج، 1/133، روضة الطالبين، 1/195- المغني مع الشرح الكبير 1/438، كشاف القناع، 1/267، المبدع في شرح المقنع لابن مفلح، 1/312.

ص: 731

الله عنه ولهذا اقترفت/سيرته/1 رضي الله عنه في قتاله لأهل البصرة وأهل الشام، وفي قتاله لأهل النهروان، وإن كانت سيرته مع البصريون والشامي سيرة الأخ مع أخيه، ومع الخوارج بخلاف ذلك.

وثبتت النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم بما استقر عليه إجماع الصحابة، من قتال الصديق لمانعي الزكاة2، وقتال علي للخوارج3" انتهى كلامه رحمه الله تعالى4.

فتأمل –رحمك الله- تصريح هذا الإمام في هذه الفتوى، بأن من امتنع من شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة، كالصلوات الخمس أو الزكاة أو الحج، أو ترك المحرمات كالزنا، أو تحريم الدماء، والأموال، أو شرب الخمر أو المسكرات أو غير ذلك، أنه يجب قتال الطائفة الممتنعة عن ذلك، حتى يكون الدين كله لله، ويلتزموا شرائع الإسلام. وإن ذلك مما اتفق عليه الفقهاء من سائر الطوائف، من الصحابة فمن بعدهم، وأن ذلك

1 في الأصل-مجموع الفتاوى،28/504:"سير علي". وفي جميع النسخ إضمار الاسم وهو الأولى هنا، حيث تقدم قريبا إظهاره.

2 من ذلك: ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو بكر رضي الله عنه، وكفر من كفر من العرب، فقال عمر رضي الله عنه: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قالهما عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله". فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها. قال عمر رضي الله عنه: فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر رضي الله عنه، فعرفت أنه الحق.

صحيح البخاري مع الفتح 3/308، الزكاة، باب وجوب الزكاة صحيح مسلم بشرح النووي، 1/314-318، الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله؛ سنن أبي داود، 2/198-199، الوكاة، باب وجوب الزكاة. سنن الترمذي، 5/605، الإيمان، باب ما جاء أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله. سنن النسائي، 7/77، كتاب تحريم الدم. سنن ابن ماجه، 2/363، الفتن، باب الكف عمن قال لا إله إلا الله.

3 وقد تقدم في ذلك أحاديث. انظر ص 167.

4 مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية،28/502-504.

ص: 732