الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الرسالة الحادية والستون: في مسألة الرهن
…
الرسالة الحادية والستون1
قال جامع الرسائل:
وله –قدس الله روحه، ونور ضريحه - في مسألة الرهن 2 ما نصه:
حاصل ما ذكره العلماء في صحة الرهن وفساده ولزومه وعدمه.
اتفقوا على أن من شرطه: أن يكون إقراره في يد المرتهن من قبل الراهن 3. وذهب مالك إلى أنه يجوز أن يؤخذ الرهن في جميع الأثمان الواقعة في جميع /البيعات/4 إلا الصرف 5 ورأس مال السَّلم 6 المتعلق
1 جاءت هذه الرسالة في المطبوع في ص 213-315. وهي الرسالة رقم "37". وجاءت في "ب" في ص 52-54.
2 الرهن في اللغة: مطلق الحبس. والاحتباس ما وضع عندك لينوب مناب ما أُخذ منك. ورهنه الشيء وأرهنه: جعله رهنا. لسان العرب، 13/188، وترتيب القاموس المحيط، 3/403-404، مادة "رهن".
وفي الشرع: توثيق دين بعين يمكن استيفاؤه منها، أو من ثمنها.
وجميع تعريفات الفقهاء متقاربة، كلها قريبة من هذا التعريف في ألفاظها ومعانيها. انظر: الاختيار، لابن المودود، 2/63. الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، 3/263. المهذب في فقه مذهب الإمام الشافعي، لأبي إسحاق إبراهيم بن علي للشيرازي، مطبعة الحلبي، بمصر، للشيرازي، 1/305. المغني مع الشرح الكبير، 4/366. حاشية الروض المربع، 5/51.
وقد عرفه الجرجاني بأنه: حبس الشيء بحق يمكن أخذه منه؛ كالدين. قال: ويطلق على المرهون، تسمية للمفعول باسم المصدر. التعريفات للجرجاني، ص 150.
3 انظر: حاشية رد المختار، 6/479؛ بداية المجتهد، 2/230؛ الأم للشافعي، 3/167؛ مغني المحتاج، 2/133؛ المغني مع الشرح الكبير، 3/467.
4 في "أ" البياعات.
5 ذلك لأن الصرف من شرطه التقابض، فلا يجوز فيه عقدة الرهن. بداية المجتهد ونهاية المقتصد، لمحمد بن أحمد بن رشد "الحفيد""ت595هـ" بمراجعة عبد الحليم محمد عبد الحليم، وعبد الرحمن، تقديم سيد سابق، دار الكتب الحديثة، 2/330.
6 السَّلم في اللغة: السلف. يقال: أسلم في الشيء وسلم، إذا أسلف، وهو أن تعطي مالا في سلعة معلومة إلى أمد معلوم. لسان العرب، 12/295. مادة "سلم".
في الشرع: اسم لعقد يوجب الملك للبائع في الثمن عاجلا، وللمشتري في المثمن آجلا. التعريفات للجرجاني، ص 160. والقاموس الفقهي لغة واصطلاحا، ص 182.
بالذمة 1، وعنده يجوز الرهن في السلم وفي القرض 2 وفي الغصب وفي قيم المتلفات، وأرش الجنايات في الأموال وفي الجراح التي لا قود فيها. ولا يجوز في الحدود ولا في القصاص ولا في الكتابة 3.
/واشترط/4 الشافعية في/المرهون فيه/5 ثلاثة شروط:
أحدها: /أن يكون دينا/6، [فإنه لا يرهن في عين] 7
1 انظر: كتاب الكافي في فقه أهل المدينة، لابن عبد البر القرطبي، تحقيق: د محمد محمد ولد ماديك، ط/1، 1398هـ-1978م، 2/812.
وعند الحنفية يصح الرهن برأس مال السلم وبدل الصرف. انظر: الاختيار لتعليل المختار، لعبد الله بن محمود بن مودود الموصلي الحنفي، دار المعرفة، بيروت، لبنان، 1395هـ-1975م، 2/67. وحاشية رد المختار لابن عابدين، 6/494.
2 القرض: في اللغة ما تعطيه غيرك من مالي على أن يرده إليك.
وفي الشرع: عقد مخصوص، يرد على دفع مال مثلي لآخر، ليرد مثله. القاموس الفقهي لغة واصطلاحا ص 300.
3 الكافي لابن عبد البر، 2/813؛ بداية المجتهد لابن رشد، 2/330-331.
4 في "د": واشتراط.
5 كذا في جميع النسخ. وفي "أ": "الرهن"، وهو من باب تسمية المفعول باسم المصدر. كما أشار إليه الجرجاني في التعريفات، ص 150. عند تعريفه للرهن. ويدل على أن ذلك هو مراده أمور:
أن كتب الشافعية أوردت تلك الشروط الثلاثة، تحت "المرهون فيه" المثبت.
أنه سيذكر شروط الرهن، بعد شروط المرهون فيه هذه.
أن شروط "الرهن" عند الشافعية: 1- أن يكون عينا 2- صلاحية ثبوت يد المرتهن عليه. 3- كون العين قابلة للبيع. روضة الطالبين، 4/38-40.
6 في "أ" و "ج" والمطبوع: "أن لا يكون دينا".
7 ما بين المعقوفتين، أصله في جميع النسخ هكذا:"فإن الدين لا يرهن بعين"، وهو تصرف خاطئ من قبل النساخ في عبارة "ابن رشد" –رحمه الله في بداية المجتهد، حيث نقل هذا الكلام بالنص. والمثبت هي عبارة ابن رشد.
الثاني: أن يكون واجبا، فلا يرهن قبل الوجوب 1؛ مثل أن يسترهنه فيما استقرضه 2. ويجوز عند مالك 3.
الثالث: أن لا يكون لزومه متوقعا 4.
وأما/ شروط/5 الرهن: فالمنطوق بها في الشرع ضربان:
شروط الصحة، وشروط الفساد:
وأما شروط الصحة: فشرطان: أحدهما متفق عليه في الجملة، [ومختلف في الجهة التي هو شرط وهو القبض] 6، والثاني مختلف في اشتراطه 7.
أما القبض 8: فاتفقوا في الجملة على أنه شرط في الرهن 9؛ لقوله تعالى: {فَرِهَانٌ
1 أي أن الرهن لا يقدم قبل ثبوت الدين وهو المذهب عند الحنابلة أيضا. المغاني مع الشرح الكبير، 4/368. حاشية روض المربع، 5/56.
2 أي أن يطلب منه رهنا على ما أعطاه من الدين "بعد ثبوت الدين"، أما لو قاله له:"خذ هذا رهنا بكل ما ستقرضني مستقبلا" فهذا لا يصح عند الشافعية.
3 الكافي لابن عبد البر، 2/812؛ بداية المجتهد، 2/331.
4 انظر شروط الشافعية الثلاثة: المهذب في فقه مذهب الإمام الشافعي، 1/305. مغني المحتاج، 2/126. روضة الطالبين، 4/53، 54.
وهذه الشروط نقلها المؤلف بهذا النص من بداية المجتهد لابن رشد، 2/331.
5 في "د" شرط.
6 ما بين المعقوفتين جملة أسقطها المصنف في نقله من بداية المجتهد، وهي ضرورية في استقامة ما بعدها.
7 وهو استدامة القبض، كما سيأتي في ص 805.
8 هذا هو شرط صحة الرهن الأول، والذي كان المؤلف قد أسقطه ضمن الجملة التي زدته بين المعقوفتين آنفاً.
9 انظر: الاختيار لابن مودود، 2/63؛ حاشية رد المختار، 6/479؛ بداية المجتهد، 2/331؛ الكافي لابن عبد البر، 2/812؛ الأم للشافعي، 3/163؛ المهذب للشيرازي، 1/307؛ المغني مع الشرح الكبير، 4/368.
مَقْبُوضةٌ} 1.
واختلفوا، هل هو شرط للتمام أو شرط للصحة؟ وفائدة/ الفرق/2: أن من قال: شرط للصحة، قال: ما لم يقع القبض لم يلزم الرهن 3.
وقال مالك: القبض شرط لتمام الرهن، قال: يلزم بالعقد 4، ويجبر الراهن الإقباض، إلا أن يتراخى المرتهن عن المطالبة.
وذهب الشافعي وأبو حنيفة وأهل الظاهر، إلى أنه من شروط الصحة 5.
وعمدتهم: قوله تعالى: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضةٌ} 6.
وعند مالك أن/من شروط/7 صحة الرهن استدامة القبض 8، وأنه متى عاد إلى يد الراهن بإذن المرتهن، بعارية أو وديعة أو غير ذلك فقد خرج من اللزوم 9.
1 سورة البقرة: الآية "283". وتمامها: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} .
2 في "د": الفرقان.
3 وهذا قول الإمام أبي حنيفة والشافعي وأحمد وأهل الظاهر. انظر: الاختيار لابن مودود 2/64؛ حاشية رد المختار، 6/479؛ الأم للشافعي، 3/174؛ المهذب للشيرازي، 1/305؛ 307؛ مغني المحتاج، 2/128؛ المغني مع الشرح الكبير، 4/368.
4 الكافي لابن عبد البر، 3/812؛ حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، 3/321.
وهي رواية لبعض الحنابلة فيما عدا المكيل والموزون. انظر: المغني مع الشرح الكبير، 4/368؛ وحاشية الروض المربع، 5/57.
5 تقدمت الإشارة إلى مذهبهم هذا في هامش "11" من الصفحة السابقة. وهو أيضا مذهب أحمد كما تقدم.
6 سورة البقرة: الآية "283". وتمامها: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} .
7 كذا في "أ"، وفي جميع النسخ: من شرط.
8 أما القبض نفسه، فهو عنده شرط للتمام، كما تقدم آنفا.
وهذا "استدامة القبض" هو الشرط الثاني المختلف فيها الذي أشار إليه في البداية.
9 الكافي لابن عبد البر، 2/813؛ حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، 3/23؛ بداية المجتهد، 2/332. وهذا هو مذهب الحنابلة. أعني "اشتراط الاستدامة لصحة الرهن".
وقال الشافعي: ليس استدامة القبض من شرط الصحة 1.
فمالك عمّ الشرط على/ ظاهر/2 ما لزم من قوله تعالى: {فَرِهَانٌ مَقْبوُضةٌ} 3، وشرط وجود القبض والاستدامة 4.
والشافعي يقول: إذا وُجد القبض، فقد صح الرهن والعقد، فلا يحل ذلك بإعارته ولا غير ذلك من التصرف 5.
وقد كان الأولى بمن يشترط القبض في صحة العقد، أن يشترط الاستدامة، ومن لم /يشترطه/6 في الصحة، أن لا يشترط الاستدامة 7.
وأما الشرط المحرم الممنوع بالنص فهو: أن يرهن الرجل رهنا، على أنه إن جاءه بحقه عند أجله، وإلا فالرهن له.
فاتفقوا على أن هذا الشرط يوجب الفسخ 8، وأنه معنى قوله صلى الله عليه وسلم:"لا يغلق الرهن"9.
1 مغني المحتاج، 2/133؛ المهذب للشيرازي، 1/312؛ روضة الطالبين، 4/79، 80.
2 في "د": الظاهر.
3 سورة البقرة: الآية "283". وتمامها: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} .
4 فظاهر قوله –تعالى-: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} . عند مالك: أي رهان مقبوضة على الدوام، لا يخرج عن القبض. لذلك اشترط القبض لتمام العقد، والاستدامة للصحة. انظر: الجامع لأحكام القرآن، 3/264.
5 المهذب للشيرازي، 1/307، مغني المحتاج، 2/128.
6 في "أ" ك يشترط.
7 بداية المجتهد، 2/332. حاشية الروض المربع، 5/63.
8 بداية المجتهد، 2/332؛ مغني المحتاج، 2/137؛ المغني مع الشرح الكبير، 4/420.
9 الحديث أخرجه الإمام مالك في الموطأ، 2/728، الأقضية، باب ما لا يجوز من غلق الرهن، مرسلا. وابن ماجه في سننه، 2/63، كتاب الأحكام، باب لا يغلق الرهن، بسنده عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"يغلق الرهن". =
ومن مسائل هذا الباب المشهورة: اختلافهم في المنفصل، مثل الثمرة في الشجر المرهون، ومثل الغلة، هل يدخل في الرهن أو لا؟ فذهب قوم إلى أن نماء الرهن المنفصل، لا يدخل شيء منه في الرهن –أعني الذي يحدث منه في يد المرتهن - وهذا قول الشافعي 1.
وذهب آخرون إلى أن جميع ذلك يدخل، وبه قال أبو حنيفة والثوري 2.
وأما مالك، ففرق فقال: ما كان –من نماء الرهن المنفصل - على خلقه المرهون وصورته، فإنه داخل في الرهن كولد الجارية. وأما ما لم يكن على خلقته، فإنه لا يدخل في الرهن، متولدا عنه كثمرة النخل، أو غير متولد ككراء الدار، وخراج الغلام 3، انتهى ما لخصته 4.
فتبين من هذا، أن ما اعتمده القاضي حسين 5 لنفسه من دعواه أنه 6 أحق بالثمرة
= وقد فسره الإمام مالك بقوله: "وتفسر ذلك: أن يرهن الرجل الرهن عند الرجل بالشيء، وفي الرهن فضل عما رهن به، فيقول الراهن للمرتهن: إن جئتك بحقك، إلى أجل يسميه له، وإلا فالرهن لك بما رهن فيه. قال: فهذا لا يصح ولا يحل. الموطأ، 2/729؛ وانظر في معناه أيضا: حاشية الروض المربع، 5/70.
1 الأم، 3/192؛ المهذب للشيرازي، 1/310، 311؛ روضة الطالبين، 4/59. وذكره ابن رشد في بداية المجتهد، 2/333.
2 هو سفيان الثوري. وقد تقدمت ترجمته في ص 503.
وانظر قوله مع أبي حنيفة: الاختيار لابن مودود، 2/65؛ وحاشية رد المختار، 6/521.
وهو قول الحنابلة. انظر: المغني مع الشرح الكبير، 4/434؛ 435؛ حاشية الروض المربع، 5/6970.
3 الكافي لابن عبد البر، 2/815؛ بداية المجتهد، 2/333-334.
4 يلاحظ أن هذه الرسالة من بدايتها إلى هنا، لخصها المصنف من بداية المجتهد لابن رشد، 2/330-334.
5 هو قاضي الحريق، وقد تقدم في ص 443. ولعل قول القاضي هذا الذي اعتمده، ورد في خطاب السائل الذي لم نتمكن من الوقوف عليه، وكانت قضية واقعة للقاضي، كما سيشير إليها قريبا.
6 أي المرتهن.
من سائر الغرماء، لكونها أو أصلها رهنا له، فلا يتمشى على قول أحد من العلماء.
فإن الشافعي يشترط لصحة الرهن ولزومه، القبض حال العقد، وفي واقعة القاضي المذكور لا قبض 1 فلا يصح الرهن ولا يلزم. وأما مالك فيصح الرهن بالعقد، لكن لا يتم ولا يلزم إلا بالقبض والاستدامة عنده2. وهذا هو الصحيح المعتمد في مذهب الإمام أحمد 3.
ومذهب مالك أن الثمرة الحادثة في يد المرتهن، لا تتبع 4، وفي هذه القضية التي وقعت من قاضي الحريق، إنما حدثت الثمرة فيما لم يقبض، فتكون الثمرة لا يصح رهنها على قول مالك، وعلى قوله وقول الجمهور، ليس صحيحا في الأصل ولا في الثمرة. وعلى كل حال، فهذا الرهن، إما صحيح غير لازم، فيكون أسوة الغرماء، أو يكون/ فاسدا/5، وعلى كلا الحالتين، فلا يختص بشيء من ثمرة/ المدين/6، أعاذه الله من التدحمل 7 والتدعثر 8.
آخرها. والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على/ عبده ورسوله/9 محمد وآله وصحبه وسلم.
1 أي أنه لم يحصل قبض لهذه النماء حال العقد.
2 كما تقدم ذلك في ص 801.
3 وقد تقدم ذكر مذهبه في ص 801.
4 تقدم ذكر مذهبه آنفاً.
5 في "د": فاسد.
6 في "د": الدين.
7 التدحمل: التدحرج على الأرض، يقال: دحمل القوم: إذا تركهم مسوين بالأرض مصرعين. معجم متن اللغة، موسوعة لغوية حديثة، للشيح أحمد رضا، دار مكتبة الحياة، بيروت، 1377هـ/1958م، 3/385، مادة "دحل".
8 التدعثر: التهدم والتكسير، يقال، دعثر الحوض: هدمه، ودعثر الشيء: كسره. ومنه سُمي الحوض المهدم: دعثور. معجم متن اللغة، 2/414، مادة "دعث".
9 ساقط في "ج" و "د" والمطبوع. وفي "ب" قال: "على نبينا".