المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الرسالة الرابعة والأربعون: جواب سؤال ورد عليه من عمان - عيون الرسائل والأجوبة على المسائل - جـ ٢

[عبد اللطيف آل الشيخ]

فهرس الكتاب

- ‌(تابع) تحقيق النص

- ‌(تابع) الرسائل الخاصة بعقيدة التوحيد والإتباع وما ينافيها من الشرك والإبتداع

- ‌الرسالة التاسعة والعشرون: إلى عبد الله بن عمير

- ‌جامع الرسائل

- ‌فصل: أموال السلطان وجوائز الأمراء

- ‌فصل: فيما جاء في رؤيا طفيل

- ‌فصل: الإقتداء بإهل الخير والبر في العمل الصالح

- ‌الرسالة الثلاثون: إلى محمد بن عون

- ‌تقديم جامع الرسائل

- ‌من عبد اللطيف بن عبد الرحمن الى محمد بن عون

- ‌فصل: قال الجهمي: وإذا قررت لله مكانا معينا، فما معنى قوله تعالى: {فأينما تولوا فثم وجه اللَّه}

- ‌الرسالة الحادية والثلاثون: منظومة فيما جرى من مفاسد الساكر

- ‌منظومة فيما جرى من مفاسد العساكر والبوادي

- ‌الرسالة الثانية والثلاثون: إلى عبد الرحمن بن محمد بن جربوع

- ‌الرسالة الثالثة والثلاثون: إلى علما الحرمين

- ‌الرسالة الرابعة والثلاثون:: إلى الشيخ أبي بكر بن محمد آل الملا

- ‌الرسالة الخامسة والثلاثون: إلى بعض الولاة توسم فيه محبة الخير

- ‌الرسالة السادسة والثلاثون: إلى عبد الله بن جريس

- ‌الرسالة السابعة والثلاثون: إلى منيف بن نشاط وقج أشتكى غربة الإسلام

- ‌الرسالة الثامنة والثلاثون: إلى منيف بن نشاط

- ‌الرسالة التاسعة والثلاثون: في توحيد الأسماء والصفات

- ‌الرسالة الأربعون: إلى أهل الحوطة

- ‌الرسالة الحادية والأربعون: إلى حمد بن عتيق

- ‌الرسالة الثانية والأربعون: إلى عبد العزيز بن إبراهيم بن عبد اللطيف

- ‌الرسالة الثالثة والأربعون: إلى عثمان بن منصور

- ‌الرسالة الرابعة والأربعون: جواب سؤال ورد عليه من عمان

- ‌الرسالة الخامسة والأربعون: في ترجمة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وما قام به ودعى إليه

- ‌مدخل

- ‌فصل: نسب الشيخ محمد بن عبد الوهاب ونشأته

- ‌فصل: حال البلاد في عصره

- ‌فصل: إنكار العلماء لبدعة تقديس المشاهد

- ‌فصل: الغلو في تعظيم الصالحين ذريعة إلى الشرك

- ‌فصل: تقسيم ابن القيم الشرك إلى نوعين

- ‌فصل: تعريف الحنفية للكفر

- ‌الرسالة السادس والأربعون: إلى زيد بن محمد آل سليمان

- ‌الرسالة السابعة والأربعون: إلى زيد بن محمد

- ‌الرسالة الثامنة والأربعون: إلى زيد بن محمد آل سليمان

- ‌الرسالة التاسعة والأربعون: إلىإلى زيد بن محمد آل سليمان

- ‌الرسالة الخمسون: إلى محمد بن عمير

- ‌الرسالة الحادية والخمسون: إلى خالد آل قطنان ومحمد بن عيسى

- ‌الرسالة الثانية والخمسون: في الكلام على فضل طلب العلم

- ‌الرسالة الثالثة والخمسون: إلى راشد بن عيسى

- ‌الرسالة الرابعة والخمسون: إلى حمد بن عبد العزيز

- ‌الرسالة الخامسة والخمسون: إلى حمد بن عبد العزيز

- ‌الرسالة السادسة الخمسون: إلى حمد بن عبد العزيز

- ‌ثانيا: الرسائل الخاصة بالفتاوى في الفروع

- ‌الرسالة السابعة والخمسون: سؤال من الشيخ لوالده

- ‌الرسالة الثامنة والخمسون: إلى زيد بن محمد

- ‌الرسالة التاسعة والخمسون: إلى عيسى بن إبراهيم

- ‌الرسالة الستون: جواب عن مسائل فقهية سئل عنها

- ‌الرسالة الحادية والستون: في مسألة الرهن

- ‌الرسالة الثانية والستون: أجوبة على مسائل متعددة

- ‌الرسالة الثالثة والستون: إلى عبد الله بن محمد بن عتيق في السؤال عن نهائب الأعراب

- ‌الرسالة الرابعة والستون: إلى عبد الرحمن بن عدوان

- ‌الرسالة السادسة والستون: سؤال عن تركة الميت قسم ماله بين أولاده وأوصى لصغارهم

- ‌الرسالة السابعة والستون: إلى عبد العزيز بن حسن قاضي محمل

- ‌الرسالة الثامنة والستون: إلى الشيخ عبد العزيز بن حسن

- ‌الرسالة التاسعة والستون: إلى عبد العزيز بن حسن بن مزروع

- ‌الرسالة السبعون: إلى عبد الله بن علي بن جريس

- ‌الرسالة الحادية والسبعون: إلى جماعة من أهل الزلفي

- ‌الرسالة الثانية والسبعون: جواب رسالة لمحمد بن زومان

- ‌الرسالة الثالثة والسبعون: إلى عبد المحسن بن سلمان

- ‌الرسالة الرابعة والسبعون: إلى أهل عرقة

- ‌الرسالة الخامسة والسبعون: جواب سؤال ورد عليه من أهل المجمعة

- ‌الرسالة السادسة والسبعون: إلى الشيخ عبد العزيز بن حسن

- ‌الرسالة السابعة والسبعون: جواب على سؤال

- ‌الرسالة الثامنة والسبعون: جواب على سؤال

- ‌الرسالة التاسعة والسبعون: إلى عثمان بن حسين وجماعته أهل الحوطة

- ‌الرسالة الثمانون: إلى عبد العزيز بن حسن

- ‌الرسالة الحادية والثمانون: إلى صالح الشثري

- ‌الرسالة الثانية والثمانون: الكلام على البسملة

- ‌ثالثا: الرسائل الخاصة بالفتن

- ‌الرسالة الثالثة والثمانون: إلى عبد الرحمن بن إبراهيم

- ‌الرسالة الرابعة والثمانون: إلى زيد بن محمد وصالح بن محمد الشثري

- ‌الرسالة الخامسة والثمانون: إلى علي بن محمد وابنه في شأن الفتنة

- ‌الرسالة السادسة والثمانون: إلى الشيخ إبراهيم ورشيد بن عوين في شأن الفتنة

- ‌الرسالة السابعة والثمانون: إلى الأخوان من بني تميم يعزيهم في وفاتهالشيخ عبد الملك

- ‌الرسالة الثامنة والثمانون: منظومة في الفتنة التي وقعت بين المسلمين

- ‌الرسالة التاسعة والثمانون: إلى سالم بن سلطان

- ‌الرسالة التسعون: إلى الشيخ حمد بن عتيق في شأن الفتنة

- ‌الرسالة الحادية والتسعون: إلى الشيخ حمد بن عتيق يحضه على الغلظة في معاداة من والى المشركين

- ‌الرسالة الثانية والتسعون: إلى الشيخ حمد بن عتيق يحضه في الدعوة إلى الله وبث العلم

- ‌الرسالة الثالثة والتسعون: غلى الشيخ حمد بن عتيق

- ‌الرسالة الرابعة والتسعون: إلى محمد علي

- ‌الرسالة الخامسة والتسعون: إلى أهل الحوطة

- ‌الرسالة السادسة والتسعون: إلى زيد بن محمد آل سليمان

- ‌الرسالة السابعة والتسعون: إلى زيد بن محمد آل سليمان

- ‌رسالة ملحقة

- ‌رسالة الرد على الصحاف

- ‌جدول يبين أمراء آل سعود وفترة إماراتهم

- ‌ملحق (جدول يبين أمراء آل سعود وفترة إماراتهم)

الفصل: ‌الرسالة الرابعة والأربعون: جواب سؤال ورد عليه من عمان

‌الرسالة الرابعة والأربعون: جواب سؤال ورد عليه من عمان

"الرسالة الرابعة والأربعون"1

"في بيان ما دعا إليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب وكونه حقيقة الإسلام، وتضليل من زعم أنه مذهب خامس"

قال جامع الرسائل:

وله أيضا –وله أيضا قدس الله روحه ونور ضريحه- جواب لسؤال ورد عليه من عمان.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:

فقد وصلت إلينا الأسئلة التي صدرت من جهة الساحل الشرقي، على يد الأخ سعد البواردي.

السؤال الأول: قول الملحد الضال في دين الله:

إن الأمر الذي جاء به الشيخ محمد بن عبد الوهاب –رحمه الله/تعالى/2 مذهب خامس 3 وغش للأمة. فهل يكون هذا القائل سنيا أو مبتدعا.

فالجواب وبالله التوفيق:/هذا القائل/4 إنما تدل مقالته هذه على أنه من أجهل خلق الله في دين الله، وأبعدهم عن الإسلام، وأبينهم ضلالة.

فإن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب –رحمه الله إنما دعا الناس إلى أن يعبدوا الله وحده لا شريك له، ولا يشركوا به شيئا، وهذا لا يرتاب فيه مسلم أنه دين الله

1 هذه الرسالة ساقطة في "د". وفي المطبوع جاءت في صفحة 367-377 هي الرسالة رقم "74". وهي موجودة في الدرر السنية 1/217-224.

2 ساقطة في المطبوع.

3 تقدم هذا الكلام عن دعوة الشيخ في ص 291.

4 ساقط في المطبوع.

ص: 641

الذي أرسل به رسله، وأنزل به كتبه، كما سنذكره إن شاء الله تعالى.

وقوله: مذهب خامس؛ يبين جهله، وأنه لا يعرف العلم، ولا العلماء، فإن الذي قام به شيخ الإسلام، لا يقال له مذهب، وإنما يقال له دين وملة، فإن التوحيد هو دين الله، وملة خليله إبراهيم، ودين جميع الأنبياء والمرسلين، وهو الإسلام الذي بعث/الله/1 به محمدا صلى الله عليه وسلم وأجمع عليه علماء الأمة سلفا وخلفا، ولا يخالف في هذا إلا من هو مشرك كما قال تعالى:{فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ، أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} 2 وقال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} 3، فسماه الله تعالى في هاتين الآيتين وغيرهما من آي القرآن دينا ولم يسمه مذهبا.

وأما ما جرى على ألسنة العلماء من قولهم: مذهب فلان، أو ذهب إليه فلان، فإنما يقع في الأحكام لاختلافهم بحسب بلوغ الأدلة وفهمها، وهذا لا يختص بالأئمة الأربعة –رحمه الله بل مذاهب العلماء قبلهم وبعدهم في الأحكام كثيرة.

فقد جرى الخلاف بين الصحابة –رضي الله عنه فللصديق رضي الله عنه مذهب تفرد به، ولابن مسعود كذلك، وكذا ابن عباس، وغيرهم من الصحابة، وكذا الفقهاء السبعة4 من التابعين، خالف بعضهم بعضا في مسائل، وغيرهم من التابعين كذلك، وبعدهم أئمة الأمصار كالأوزاعي إمام أهل الشام، والليث بن سعد إمام أهل مصر،

1 زيادة في المطبوع.

2 سورة الزمر الآية "2، 3".

3 سورة البينة الآية "5".

4 الفقهاء السبعة: هم المشهورون بفقهاء المدينة السبعة، وهم:

1-

خارجة بن زيد 2- سعيد بن المسيب 3- عروة بن الزبير 4- سليمان بن يسار 5- القاسم بن محمد 6- عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود 7- أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.

ص: 642

وسفيان بن عيينة1 والثوري2 إمام أهل العراق. فلكل مذهب معروف في الكتب المصنفة في اختلاف العلماء، ومثلهم الأئمة الأربعة.

وجاء بعدهم أئمة مجتهدون، وخالفوا الأئمة الأربعة في مسائل معروفة عند العلماء، كأهل الظاهر؛ ولذلك تجد من صنف في مسائل الخلاف إذا عنى الأربعة قال: اتفقوا. وفي مسائل الإجماع التي أجمع عليها العلماء سلفا وخلفا يقول: أجمعوا.

وذكر المذهب لا يختص بأهل السنة من الصحابة فمن بعدهم، فإن بعض أهل البدع صنفوا لهم مذهبا في الأحكام يذكرونهم عن أئمتهم، كالزيدية، له كتب معروفة يفتي بها أهل اليمن. والإمامية الرافضة لهم مذهب مدون، خالفوا في كثير منه أهل السنة والجماعة.

والمقصود أن قول هذا الجاهل: مذهب خامس. قول فاسد لا معنى له، كحال أمثاله من أهل الجدل والزيغ في زماننا.

يقول أقوالا ولا يعرفونها

وإن قيل هاتو حققوا لم يحققوا

وأما قوله: "وغش الأمة" فهذا الجاهل الضال بنى هذا القيل الكاذب؛ على سوء فهمه، وانصرافه عن دين الإسلام، لأنه عدو لمن قام به، ودعا إليه وعمل به.

ومن المعلوم عند العقلاء وأهل البصائر، أن من دعا الناس إلى توحيد ربهم وطاعته، أنه ناصح لهم حقا3.

وأما من حسن الشرك والبدع ودعا إليها، وجادل بالباطل، وألحد في أسماء الله

1 تقدمت ترجمته في ص 503.

2 تقدمت ترجمته في ص 503.

3 وفي مثله يقول تبارك وتعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت:33] .

ص: 643

وصفاته؛ فهو الظالم الغاش لعباد الله، لأنه يدعوهم إلى ضلالة. نعوذ بالله من جهد البلاء1، ودرك الشقاء وسوء القضاء2، وشماتة الأعداء3.

ونذكر ما قام به الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى. فإنه/قد/4 نشأ في أناس قد اندرس فيهم معالم الدين، ووقع فيهم من الشرك والبدع ما عمَّ وطم في كثير من البلاد، إلا بقايا متمسكين بالدين، يعلمهم الله تعالى. وأما الأكثرون، فعاد المعروف بينهم منكرا، والمنكر معروفا، والسنة بدعة والبدعة سنة. نشأ على هذا الصغير، وهرم عليه الكبير. ففتح الله بصيرة شيخ الإسلام، بتوحيد الله الذي بعث به رسله وأنبيائه. فعرف الناس ما في كتاب ربهم من أدلة توحيده الذي خلقهم له، وما حرمه/الله/5 عليهم من الشرك الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة منه6؛ فقال لهم ما قاله المرسلون لأممهم {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ} 7.

1 جهد البلاء: هو كل ما أصاب المرء من شدة مشقة، ما لا طاقة له بحمله ولا يقدر على دفعه. فتح الباري 11/153.

2 المراد بالقضاء هنا: المقضي. لأن حكم الله كله حسن لا سوء فيه.

3 شماتة الأعداء: ما ينكأ القلب ويبلغ من النفس أشد مبلغ. فتح الباري 11/153.

قال ابن الأثير: الشماتة: فرح العدو ببلية تنزل بمن يعاديه. النهاية لابن الأثير 2/499.

وأصل هذا لدعاء: حديث في أدعية المصطفى صلى الله عليه وسلم التي كان يتعوذ بها، كما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:"كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء وشماتة الأعداء". صحيح البخاري مع الفتح 11/153، الدعوات، باب التعوذ من جهد البلاء. سنن النسائي 8/269، الاستعاذة، باب الاستعاذة، من سوء القضاء.

4 ساقط في المطبوع.

5 ساقط في المطبوع.

6 وهذا قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً} [النساء:116] .

7 سورة آل عمران الآية "32".

ص: 644

فحجب كثيرا منهم عن قبول هذه الدعوة، ما اعتادوه، وما نشئوا عليه من الشرك والبدع، فنصبوا العداوة لمن دعاهم إلى توحيد ربهم وطاعته، وهو شيخنا –رحمه الله ومن استجاب له، وقبل دعوته، وأصغى إلى حجج الله وبيناته، كحال من خلا من أعداء الرسل، كما قال تعالى:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً} 1، وقال تعالى:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً} 2.

وأدلة ما دعا إليه هذا الشيخ –رحمه الله من التوحيد في الكتاب والسنة، أظهر شيء وأبينه. اقرأ كتاب الله من أوله إلى آخره تجد بيان التوحيد والأمر به، وبيان الشرك والنهي عنه، مقررا في كل سورة. وفي كثير من سور القرآن يقرره في مواضع منها، يعلم ذلك من له بصيرة وتدبر.

ففي فاتحة الكتاب: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} 3، فيها نوعا التوحيد، توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية4. وفي {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} 5 النوعان6. وقصر العبادة والاستعانة على الله عز وجل، أي: لا نعبد غيرك ولا

1 سورة الأنعام الآية "112".

2 سورة الفرقان الآية "31".

3 سورة الفاتحة الآية "2".

4 وتفصيل ذلك: أن قوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} يشمل توحيد الألوهية، إذ الحمد هو الثناء سبحانه وتعالى عبادة خالصة. فهو سبحانه المستحق لجميع المحامد.

وقوله تعالى: {رَبِّ الْعَالَمِينَ} يشمل توحيد الربوبية، فهو سبحانه وتعالى رب جميع المخلوقات، خالقهم ورازقهم والمتصرف في جميع أحوالهم كيف يشاء.

انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 1/93. ومدارج السالكين 1/7، 8.

5 سورة الفاتحة الآية "5".

6 فيدل على النوع الأول "الألوهية" قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} فهو يقتضي إخلاص العبادة له سبحانه قولا وعملا، عطاء ومنعا، حبا وبغضا، كل ذلك لله تعالى.

كما يدل قوله: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} على الربوبية. إذ هو طلب العون من الرب سبحانه وتعالى على عبادته. مدارج السالكين 1/7، 76.

ص: 645

نستعين إلا بك. وأول أمر في القرآن يقرع سمع السامع والمستمع قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} إلى قوله: {فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} 1. فأمرهم بتوحيد الإلهية، واستدل عليه بالربوبية، ونهاهم عن الشرك به، وأمرهم بخلع الأنداد التي يعبدها المشركون من دون الله. وافتتح سبحانه كثيرا من سور القرآن بهذا التوحيد. {الم، اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} 2، {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} إلى قوله تعالى:{وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ} 3، أي المألوه المعبود في السموات والأرض4. وفي هذه السورة من أدلة التوحيد ما لا يكاد أن يحصر5. وفيها من بيان الشرك والنهي عنه كذلك. وافتتح سورة هود بهذا التوحيد فقال:{الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ، أَلَّا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} 6، فأحكم تعالى آيات القرآن، ثم فصلها ببيان توحيده، والنهي عن الإشراك به. وفي أول سورة طه قال

1 سورة البقرة الآية "21، 22".

2 سورة آل عمران "1، 2".

3 سورة الأنعام الآية "3".

4 هذا ما ذكره بعض المفسرين في معنى هذه الآية. كما ذكره القرطبي في الجامع لأحكام القرآن 6/251، وابن كثير في تفسيره 2/127، والقاسمي في تفسيره 6/224، وهو ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية في فتاواه 11/250، وغيرهم.

وهذا خلاف لما ذهب إليه الجهمية من قول منكر، أن الله في كل مكان، معتمدين على هذه الآية. تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا.

5 أي سورة الأنعام. فهي أجمع سور القرآن لعقائد الإسلام في الإلهيات والنبوة والبعث ورد شبهات المشركين. قال القرطبي –رحمه الله: "قال العلماء: هذه السورة أصل في محاجة المشركين وغيرهم من المبتدعين، ومن كذب بالبعث والنشور. الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 6/247.

6 سورة هود الآية "1، 2".

ص: 646

تعالى: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} 1.

وافتتح سورة الصافات بهذا التوحيد، وأقسم عليه فقال:{وَالصَّافَّاتِ صَفّاً، فَالزَّاجِرَاتِ زَجْراً، فَالتَّالِيَاتِ ذِكْراً، إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ، رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ} 2.

وافتتح سورة الزمر بقوله: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ، أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} 3.

وفي هذه السورة 4 من بيان التوحيد والأمر به وبيان الشرك والنهي عنه، ما يستضيء به قلب المؤمن، وفي السورة وبعدها 5 كذلك،/وفي سورة {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} 6 /7 نفي الشرك في العبادة إلى آخرها؛ وفي سورة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} 8 توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وهذا ظاهر لمن نور الله قلبه بفهم القرآن.

وفي خاتمة المصحف: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، مَلِكِ النَّاسِ، إِلَهِ النَّاسِ} 9، يبين/أنه ربهم/10 وخالقهم ورازقهم والمتصرف فيهم بمشيئته وإرادته؛ وهو ملكهم، الذي نواصي الملوك بيده، وجميع الخلق في قبضته، يعز هذا ويذل هذا،

1 سورة طه الآية "8".

2 سورة الصافات الآية "1-5".

3 سورة الزمر الآية "1-3".

4 أي سورة الزمر.

5 أي سورة غافر.

6 سورة الكافرون الآية "1".

7 كذا في المطبوع. وفي "أ": وسورة الإخلاص {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} .

8 سورة الإخلاص الآية "1".

9 سورة الناس الآيات "1-3".

10 في المطبوع: "أن ربهم

" وعليه يستشكل وجود خبر له.

ص: 647

ويهدي من يشاء، ويضل من يشاء، {لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} 1، وهو معبودهم الذي لا يستحق/ أن/2 يعبد سواه. فهذه إشارة إلى ما في القرآن.

وأما السنة، ففيها من أدلة التوحيد ما لا يمكن حصره، كقوله في حديث معاذ الذي في الصحيحين:"فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا" 3، وفي حديث ابن مسعود الصحيح:"من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار" 4، والحديث الذي في المعجم للطبراني 5:"إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله عز وجل"6.

ولما قال له رجل: ما شاء الله وشئت" قال: "أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده" 7. وأمثال هذا لا يحصى كما تقدم ذكره.

1 سورة الرعد الآية "41".

2 في المطبوع: لأن.

3 تقدم تخريجه في ص 618.

4 صحيح مسلم بشرح النووي 2/454، الإيمان، باب من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة. من حديث جابر بن عبد الله. صحيح البخاري مع الفتح 1/274، العلم، باب من خص بالعلم قوما دون قوم. "دون الجزء الثاني" سنن ابن ماجه 2/98، الديات، باب التغليظ في قتل مسلم ظلما، "دون الجزء الثاني" وبزيادة قوله:"ولم يتندَّ بدم حرام".

5 تقدمت ترجمته في ص 337.

6 أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 10/159، وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، غير ابن لهيعة، وهو حسن الحديث.

7 مسند الإمام أحمد 1/214، بلفظ: "أجعلتني والله عدلا

" من حديث ابن عباس. ومثله عند البيهقي في السنن الكبرى 3/217. المغني عن حمل الأسفار للعراقي 3/158، قال العراقي: رواه النسائي في الكبرى، وابن ماجه بإسناد حسن. عمل اليوم والليلة للحافظ أحمد بن محمد الدينوري ابن السني "364هـ"، بعناية بشير محمد عيون، مكتبة دار البيان، دمشق، ط/1، 1407هـ- 1987م. ص 314، رقم"667". تخريج أحاديث إحياء علوم الدين، للعراقي "806هـ" وابن السبكي 771هـ" والزبيدي "1205هـ"، استخراج أبي =

ص: 648

وأدلة التوحيد في الكتاب أبين من الشمس في نحر الظهيرة، لكن لمن له فهم ثاقب، وعقل كامل، وبصر ناقد؛ وأما الأعمى فلا يبصر للشمس ضياء، ولا للقمر نورا.

ثم إن شيخنا –رحمه الله كان يدعو الناس إلى الصلوات الخمس، والمحافظة عليها حيث ينادى لها. وهذا من سنن الهدى، ومعالم الدين، كما دل على ذلك الكتاب والسنة1. ويأمر بالزكاة والصيام والحج، ويأمر بالمعروف ويأتيه، ويأمر الناس أن يأتوه ويأمروا به، وينهي عن المنكر ويتركه، ويأمر الناس بتركه والنهي عنه.

وقد تتبع العلماء مصنفاته 2 –رحمه الله من أهل زمانه وغيرهم، فأعجزهم أن يجدوا فيها ما يعاب –وأقواله في أصول الدين مما اجمع عليه أهل السنة والجماعة

= عبد الله محمود بن محمد الحداد، دار العاصمة للنشر بالرياض، ط/1، 1408هـ. 1987م، 4/1784-1785 رقم "2828".

والحديث يفيد بأن التسوية بين الخالق والمخلوق في العطف بالواو، من الشرك الأصغر، ويجب تجنبه إلى ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم فيقال:"ما شاء الله ثم شئت". فمشيئة الله فوق كل مشيئة. ومشيئة العبد تابعة لمشيئة الله. {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير:29] .

وفيه أيضا رد على القدرية والمعتزلة نفاة القدر، الذين يثبتون للعبد مشيئة تخالف ما أراده الله سبحانه وتعالى من العبد.

1 الآيات في الأمر بالمحافظة على الصلوات كثيرة، منها:{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة:238] .

وما جاء في السنة مما يفيد كون الصلوات من سنن الهدى: قول عبد الله بن مسعود: من سره أن يلقى الله غدا مسلما، فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم صلى الله عليه وسلم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم

" الحديث.

صحيح مسلم بشرح النووي 5/162، المساجد، باب صلاة الجماعة من سنن الهدى. سنن أبي داود 1/373، الصلاة، باب في التشديد في ترك الجماعة. سنن النسائي، 2/108-109، الإمامة، باب المحافظة على الصلوات حيث ينادى بهن. سنن ابن ماجه 1/140، مساجد، باب المشي إلى الصلاة. مسند الإمام أحمد 1/382، 414-415، 455.

2 تقدم ذكر مصنفات شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في ص 291.

ص: 649

وأما في الفروع والأحكام، فهو حنبلي المذهب، لا يوجد له قول مخالف لما ذهب إليه الأئمة الأربعة، بل ولا خرج عن أقوال أئمة مذهبه.

على أن الحق لم يكن محصورا في المذاهب الأربعة كما تقدم، ولو كان محصورا فيهم لما كان لذكر المصنفين في الخلاف، وأقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم، مما خرج عن أقوال الأربعة فائدة.

والحاصل أن هذا المعترض المجادل، مع جهله، انعكس عليه أمره، فقبل قلبه ما كان منكرا، ورد ما كان معروفا، فأعداء الحق وأهله من زمن قوم نوح إلى أن تقوم الساعة، هذه حالهم وطريقتهم، فمن حكمة الرب أنه ابتلى عباده المؤمنين، الذين يدعون الناس إلى ما دعا إليه النبي صلى الله عليه وسلم من الدين، بثلاثة أصناف من الناس، وكل صنف له أتباع.

الصنف الأول: من عرف الحق فعاداه حسدا وبغيا، كاليهود، فإنهم أعداء الرسل والمؤمنين، كما قال تعالى:{بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ} 1 {وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} 2.

الصنف الثاني: الرؤساء أهل الأموال، الذين فتنتهم دنياهم وشهواتهم، لأنهم يعلمون أن الحق يمنعهم من كثير مما أحبوه وألفوه من شهوات الغني، فلم يعبئوا بداعي الحق، ولم يقبلوا منه.

الصنف الثالث: الذين نشئوا في باطل، وجدوا عليه أسلافهم، يظنون أنهم على حق، وهم على باطل، فهؤلاء لم يعرفوا إلا ما نشئوا عليه، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.

1 سورة البقرة: الآية "90".

2 سورة البقرة: الآية "146".

ص: 650

وكل هذه الأصناف الثلاثة وأبتاعهم، هم أعداء الحق من لدن زمان نوح إلى أن تقوم الساعة.

فأما الصنف الأول: فقد عرفت ما قال الله فيهم 1.

وأما الصنف الثاني: فقد قال/الله/2 فيهم: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} 3.

وقال عن الصنف الثالث: 4 {بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} 5 {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ} 6 وقال: {إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ، فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ} 7.

وهؤلاء هم الأكثرون كما قال تعالى: {وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ} 8.

وقال تعالى في سورة الشعراء عقب كل قصة: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} 9 وقال تعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} 10، وقال تعالى في قصة نوح عليه السلام: وَمَا آمَنَ مَعَهُ

1 انظر ص 650.

2 لفظ الجلالة ساقط في المطبوع.

3 سورة القصص: الآية "50".

4 في "أ" وفي المطبوع بدأت الآية بقوله: "إنا وجدنا" وهو خطأ.

5 سورة الشعراء: الآية "74".

6 سورة الزخرف: الآية "22".

7 سورة الصافات: الآية "69، 70".

8 سورة الصافات: الآية "71".

9 سورة الشعراء الآيات: "8، 9، 67، 68، 103، 104، 131، 122، 139، 140، 158، 159، 174، 175، 190، 191.

10 سورة يوسف الآية "103".

ص: 651

إِلا قَلِيلٌ} 1، وقال:/تعالى/2: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ} 3.

فيا من نصح نفسه، ما ذكر الله في كتابه من ضلال الأكثرين لئلا تغتر بالكثرة من المنحرفين عن صراط المستقيم، الذي هو سبيل المؤمنين؛ وتدبر ما ذكر الله من أحوال أعداء المرسلين، وما فعل الله بهم، قال تعالى:{مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ، كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} الآية4، وقال تعالى:{فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون} 5. والآيات في هذا المعنى كثيرة تبين أن أهل الحق أتباع الرسل هم الأقلون عددا، الأعظمون عند الله قدرا، وأن أعداء الحق هم الأكثرون في كل مكان وزمان،/حكمة بالغة/6.

وفي الأحاديث الصحيحة ما يرشد إلى ذلك، كما في الصحيح: أن ورقة بن نوف قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا ليتني كنت فيها جذعا، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك، قال:"أو مخرجي هم" قال: نعم، لم يأت/رجل/7 قط بمثل ما جئت به إلا عودي"8.

1 سورة هود الآية "40".

2 ساقطة في المطبوع.

3 سورة الأنعام الآية "116".

4 سورة غافر الآية "4، 5".

5 سورة غافر الآية "83".

6 ساقطة في المطبوع.

7 كذا عند البخاري ومسلم وأحمد. وفي "أ" والمطبوع: أحد.

8 هذا جزء من حديث طويل لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، في قصة بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، صحيح البخاري مع الفتح 1/30-31، بدء الوحي، باب "3". صحيح مسلم بشرح النووي 2/556-559، الإيمان، باب بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسند الإمام أحمد 6/233، السنن الكبرى للبيهقي 7/51.

ص: 652

فإذا كان هذا حال أكثر الخلق مع المرسلين، مع قوة عقولهم وفهومهم وعلومهم، فلا تعجب مما جرى في هذه الأوقات، ممن هو مثلهم في عداوة الحق وأهله، والصد عن سبيل الله مع ما في أهل هذه الأزمان من الرعونات والجهل وفرط الغلو في الأموات، كما قال تعالى عن أسلافهم وأشباههم:{وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ، أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ، إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ} 1.

فاحتج سبحانه على بطلان دعوتهم غيره بأمور: منها: {أنهم لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ} 2. فالمخلوق لا يصلح أن يقصد بشيء من خصائص الإلهية، لا دعاء ولا غيره، "والدعاء مخ العبادة" 3.

الثاني: كون الذين يدعونهم من دون الله أمواتا، غير أحياء، والمبيت لا يقدر على شيء فلا يسمع الداعي، ولا يستجيب له، ففيها معنى قوله تعالى:{وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ، إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} 4، وفي هذه الآية أربعة أمور تبطل دعوة غير الله، وتبين ضلالة من دعا غير الله فتدبرها.

والأمر الثالث وفي هذه الآية قوله: {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} 5 ومن لا يدري متى يبعث، لا يصلح أن يُدعى من دون الله، لا دعاء عبادة، ولا دعاء مسألة.

ثم بين تعالى ما أوجبه على عباده من إخلاص العبادة لله، وأنه هو المألوه والمعبود

1 سورة النحل: الآية "20، 21، 22".

2 سورة النحل الآية "20".

3 تقدم تخريجه في ص 309.

4 سورة فاطر: الآية "13، 14".

5 سورة النحل الآية "21".

ص: 653

دون كل من سواه، فقال:{إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} 1، وهذا هو/ الدين/2 الذي بعث الله به رسله، وأنزله به كتبه، كما قال تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} 3.

ثم بين تعالى حال أكثر الناس مع قيام الحجة عليهم، وبطلان ما هم عليه من الشرك بالله، وبيان ما افترض عليهم من توحيده فقال:{فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ} 4. فذكر سببين حائلين بينهم وبين قبول الحق الذي دعوا إليه، فالأول: عدم الإيمان باليوم الآخر.

والثاني: التكبر، وهو حال الأكثرين، كما/قد/5 عرف من حال الأمم.

الذين بعث/ الله/6 إليهم رسوله، كقوم نوح وقوم هود وقوم صالح وغيرهم، وكيف جرى منهم وما حل بهم. وكحال كفار قريش والعرب وغيرهم، مع النبي صلى الله عليه وسلم، لما بعثه الله بالتوحيد والنهي عن الشرك والتنديد. فقد روى مسلم وغيره من حديث عمرو ابن عبسة 7، أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم لما قال له:" أنا نبي"، قال: وما نبي قال: "أرسلني الله"؛ قال: بأي شيء أرسلك قال: "بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله ولا يشرك به شيء" قال: فمن معك على هذا قال: "حر وعبد" ومعه يومئذ أبو بكر وبلال8.

1 سورة النحل الآية "22".

2 ساقطة في المطبوع.

3 سورة الأنبياء الآية "25".

4 سورة النحل الآية "22".

5 ساقطة في المطبوع.

6 لقظ الجلالة ساقطة في المطبوع.

7 هو عمرو بن عبسة بن خالد بن حذيفة، أو نجيح السلمي البجلي، الإمام الأمير، أحد السابقين، كان من أمراء الجيش يوم وقعة اليرموك. مات بعد الستين. انظر: الاستيعاب 3/1192، أسد الغابة 14/251، سير الأعلام 2/456، تهذيب التهذيب 8/69.

8 صحيح مسلم بشرح النووي 6/362-363، صلاة المسافرين، باب إسلام عمرو بن عبسة مسند الإمام أحمد 4/114.

ص: 654

وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء، الذين يصلحون إذا أفسد الناس"1. وفسر الغرباء بأنهم النزاع من القبائل 2 فلا يقبل الحق من القبيلة إلا نزيعة الواحد والاثنان، ولهذا قال بعض السلف: لا تستوحش من الحق لقلة السالكين، ولا تغتر بالباطل لكثرة الهالكين. وعن بعضهم: ليس العجب ممن هلك كيف هلك، إنما العجب ممن نجا كيف نجا 3. فإذا كان الأمر كذلك فلا تعجبوا من كثرة المنحرفين الناكبين عن الحق المبين، المجادلين في أمر الدين، كما قال تعالى: {الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّار} 4.

فأعظم منة على من رزقه الله معرفة الحق، الاعتصام بكتابه، والتمسك بتوحيده وشرعه، مع كثرة المخالف والمجادل بالباطل و {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً} 5.

وصلى الله على /محمد/6 سيد المرسلين وإمام المتقين وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليما كثيرا، والحمد لله رب العالمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

1 تقدم تخريجه في ص 254.

2 هكذا جاء في رواية ابن ماجه في سننه 2/376. وقد تقدم كلام ابن الأثير والزمخشري في معنى "النزاع" في ص 261.

3 تقدم هذا الكلام في ص 298.

4 سورة غافر الآية "35".

5 سورة الكهف الآية "17".

6 زيادة في المطبوع.

ص: 655