الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الرسالة الأربعون: إلى أهل الحوطة
…
"الرسالة الأربعون"1
قال جامع الرسائل:
وله أيضا - /قدس الله روحه/ وعفا عنه/2 - رسالة إلى أهل الحوطة، يذكرهم ما من الله عليهم به من دعوة شيخ الإسلام، وعلم هداة الأعلام، الشيخ محمد بن عبد الوهاب، إلى ما دعت إليه الرسل من معرفة الله، وخشيته وعبادته، والقيام بأركان الإسلام وأصول الإيمان فقال رحمه الله تعالى:
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الإخوان من أهل الحوطة، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
اعلموا أن الله بعث محمدا بالهدى ودين الحق3. فالهدى هو العلم النافع ودين الحق هو العمل الصالح، ولا يكفى أحدهما عن الآخر في النجاة والسلامة من الوعيد الدنيوي والأخروي.
وقد من الله/تعالى/4 عليكم بدين الإسلام، واختصكم به دون كثير من الأنام، لما أتاح الله لكم شيخ الإسلام/ وعلم الهداة الأعلام، الشيخ/5 محمد بن عبد الوهاب رحمه الله – فدعا إلى ما دعت إليه الرسل من معرفة الله، وخشيته وعبادته وحده لا شريك له، والقيام بالأركان الإسلامية والأصول الإيمانية، فأعز الله بذلك من
1 في المطبوع جاءت هذه الرسالة في ص 326-328، وهي الرسالة رقم "63".
2 في "د": ونور ضريحه.
3 هذا ما أخبر به سبحانه وتعالى في قوله: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 33] .
4 ساقط في "د".
5 زيادة في "د".
قبله ونصره، ورفع قدرهم وشأنهم، وجعلهم ملوكا تهابهم الأمم، وينقاد لأمرهم جمهور العرب، باديتهم وحاضرتهم. ولم يزالوا كذلك قاهرين/ ظاهرين/1 حتى حدث ما حدث، ووقع ما وقع من الإعراض والقسوة والتمادي على معاصي الله، فسلط عليهم العدو، وافترقت الكلمة وانخرم النظام، وعثا الفجرة اللئام في دماء أهل الإسلام، وأموالهم، وكثر الخوض، ونُسي العلم، والتبس أمر التوحيد والإيمان على كثير من الخلق، وصارت فتنة عمياء صماء، لا يبصر صاحبها ولا يسمع، وما زال غمامها لم ينقشع، ودليلها يحلو لك ولا يدبر، وأبناؤها بساحتكم/ يحاولون/2 إطفاء نور الله.
فسارعوا وبادروا إلى التوبة والإقلاع والندم والاستغفار، وتعاونوا على البر والتقوي، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. قال تعالى:{وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ} 3.
فراجعوا دينكم قبل أن يحل من أمر الله ما لا تدفعون، وينزل من بأسه ما لا تردون؛ {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} 4.
ويجب على من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، أن يعينهم بحسب طاقته، بيده أو بلسانه، وهذا من أسباب بقاء التوحيد فيكم والإسلام، وحمايتكم دياركم من/ عبادة/5 الأوثان والأصنام، وحفظ ما خولكم الله من سوابغ الفضل والإنعام.
وكثير من الناس يحصل منهم أسباب /و/6.
1 زيادة في "د".
2 كذا في المطبوع. وفي "أ" و "د": تحاول.
3 سورة الأعراف الآية "170".
4 سورة آل عمران الآية "104".
5 في "أ": عباد.
6 الواو ساقط في "د".
وسائل وذرائع/تدعو/1 إلى زوال النعم، وحلول السخط والنقم، منها: التهاون بنعمة الإسلام والتوحيد، واختلاف القلوب، والعداوة الظاهرة، وترك نصرة الإسلام والتوجع لمصابه، والإقبال على الدنيا ونسيان الآخرة، والاستخفاف بالأركان الإسلامية، كإضاعة الصلاة ومنع الزكاة، وأخذها بغير حقها، وترك السمع والطاعة لولي الأمر من الأمراء والعلماء. فهذه أسباب وعلامات على نزول العقوبة، وحلول النقمة، وانتقال النعمة، قال تعالى:{وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً} 2.
/وديرتكم/3 ليست على الحال الأولى في مبدأ الإسلام وبعده. والعاقل يعرف ذلك في نفسه وأهل بلده. وقد ذم تعالى من قست قلوبهم، ولم يتضرعوا عند حلول بأسه وانتقامه،/فقال/4:{فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} 5.
وذم تعالى من ليس فيهم بقية ينهون عن الفساد في الأرض، ويأخذون على يد السفهاء، فقال/تعالى/6:{فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ} 7 يخبر تعالى أنهم اتبعوا الشهوات، وآثروا اللذات، فكانوا من جملة المجرمين8. وقال تعالى: {فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلا قَوْمَ
1 زيادة من ناسخ "أ" بالهامش، قال: لعله: "تدعو إلى زوال
…
"، وهو الصواب، لاقتضاء السباق له.
2 سورة الإسراء الآية "16".
3 في المطبوع: ودائرتكم.
4 في "أ" والمطبوع: قال.
5 سورة الأنعام الآية "43".
6 ساقط في "د".
7 سورة هود الآية "116".
8 انظر: جامع البيان للطبري 12/139، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي 9/75.
يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} 1.
/فدلت/2 هذه الآية على أن الإيمان والعمل الصالح يكشف العذاب عند نزوله، ويمنع به المؤمن حينا من الدهر، وقد أمدكم الله بنعمه، وعمر بلدكم ومساكنكم بالإسلام والسمع والطاعة؛ فاحذروا الرجوع على أعقابكم، وتبديل النعمة. قال تعالى:{وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} 3، وقال تعالى:{لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ، فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ، ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ} إلى قوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} 4 فتدبروا ما في هذه الآيات الكريمات، التي هي من أوضح الواضحات، وأبين الحجج والبينات، وتفطنوا فيما ذكر من الإعراض عن الشكر، وما اقتضاه من العقوبة والعذاب.
وفقنا الله وإياكم لتدبر القول، وحسن العمل والختام. وصلى الله على رسوله ونبيه محمد/وآله/5 وصحبه وسلم.
1 سورة يونس الآية: "98".
2 في "أ": فنزلت.
3 سورة البقرة الآية: "211".
4 سورة سبأ الآيات: "15-19".
5 ساقط في "د".