الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الرسالة التاسعة والثلاثون: في توحيد الأسماء والصفات
…
"الرسالة التاسعة والثلاثون"1
قال مجمع الرسائل:
وله أيضا -/قدس الله روحه ونور ضريحه/-2 في توحيد الأسماء والصفات وتوحيد العبادة كلام، أبلغ فيه غاية البلاغة، وأفصح في ترصينه وترصيعه بأوضح عبارة. فحقيق لمن نصح نفسه، ولها عنده قدر، وأحب سعادتها، وسعى في نجاتها تخليصها، وأراد إفادتها؛ أن يتحقق بما اشتملت عليه من الحقائق والمعارف، ويسيم ثاقب فكره في مروج معانيه، وما احتوى عليه من العلوم النافعة واللطائف، لأن ما اشتمل عليه هو أهم الأشياء وأجل العلوم، وعليه المدار، وعنه السؤال يوم القيامة.
وأمر هذا شأنه، حقيق بأن تنثي عليه/ الخناصر/3 ويعض عليه بالنواجذ، ويقبض/فيه/4 على الجمر. فتدبره تجده قد أودعه من الكنوز ما لا تجده في المطولات. بأتم عبارة، وأوضح بيان، لأهل العقول المستنيرات،/ وأجلى/5 عن محاسن معانيها غياهب الشكوك والضلالات، وأوهام أرباب الشبه والجهالات، فصارت قرة عيون الموحدين، وقذى في عيون المشركين.
فيا حي يا قيوم يا من له الثنا
…
ويا من على العرش استوى فهو بائن
أنله الرضا والعفو فضلا ورحمة
…
فإن الفتى يجزى بما هو دائن
وقد بذل المجهود في نصرة الهدى
…
وإعلائه حتى علا لا يداهن
وأبدى كنوزاً للعبادة للورى
…
لكي يستبين الرشد من هو مائن
1 في المطبوع جاءت هذه الرسالة في ص 319-325، وهي الرسالة رقم "62".
2 بياض في "أ".
3 في "أ": بالخناصر.
4 في "د" والمطبوع: ويقبض عليه.
5 في "د": وجلى.
/أماط/1 القذى عنها وصفى/ معينها/2
…
/لواردها/3 الصادي وماهو شائن
فرد مبتهلا عذبا زلالا فإنه
…
يزيل الصدى والحق كالشمس بائن 4
وهذه نصه:
بسم الله الرحمن الرحيم
اعلم/ أرشدك الله/5 أن الله/ تعالى/6 خلق الخلق لعبادته 7 الجامعة لمعرفته ومحبته والخضوع له وتعظيمه، والإنابة إليه والتوكل عليه، وإسلام الوجه له. وهذا هو الإيمان المطلق، المأمور به في جميع الكتب السماوية، وسائر الرسالات النبوية.
ويدخل في باب معرفة الله/ تعالى/8 توحيد الأسماء والصفات. فيوصف سبحانه بما وصف به نفسه، من صفات الكمال ونعوت الجلال، وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم لا يتجاوز ذلك. ولا يوصف إلا بما ثبت في الكتاب والسنة.
وجميع ما في الكتاب والسنة، يجب الإيمان به، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل9، قال/ الله/10 تعالى:{اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} 11؛ فأسماؤه كلها حسنى، لأنها تدل على الكمال المطل، والجلال
1 كذا في المطبوع. وفي "أ" و "د": وماط.
2 في "أ": معانيها.
3 في "د": لواردتها.
4 الأبيات لجامع الرسائل، الشيخ سليمان بن سحمان.
5 في "د": رحمك الله.
6 ساقطة في "د".
7 وهذا مدلول قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56] .
8 زائدة في "د".
9 هذا مجمل معتقد أهل السنة في الصفات عامة، وقد تقدم في ص 543.
10 لفظ الجلالة ساقط في "د".
11 سورة طه الآية "8".
المطلق، والصفات الجميلة 1؛ فثبت ما /أثبته/2 الرب لنفسه و/ما/3 أثبته رسوله، لا نعطله ولا نلحد4 فيه، ولا نشبه صفات الخالق بصفات المخلوق؛ فإن تعطيل الصفات عما دلت عليه، كفر، والتشبيه فيها كذلك كفر.
وقد قال مالك بن أنس –رحمه الله لما سأله رجل فقال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} 5 [كيف استوى] 6، فاشتد ذلك على مالك، حتى علته الرحضاء7، إجلالا لله وهيبة له من الخوض في ذلك، ثم قال –رحمه الله: الاستواء معلومن، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة 8 -يريد –رحمه الله السؤال عن الكيفية.
وهذا الجواب يقال في جميع الصفات، لأنه يجمع الإثبات والتنزيه. ويدخل في الإيمان بالله ومعرفته، الإيمان بربوبيته العامة، الشاملة لجميع الخلق والتكوين؛ وقيوميتة العامة الشاملة/ لجميع/9 التدبير والتيسير والتمكين.
فالمخلوقات بأسرها مفتقرة/ إلى الله في قيامها وبقائها، وحركاتها وسكناتها، وأرزاقها وأفعالها؛ كما هي مفتقرة/10 إليه في خلقها وإنشائها وأيداعها،
1 انظر: شرح الأسماء الحسنى في ضوء الكتاب والسنة، لسعيد بن علي القحطاني، ط/1، 1409هـ ص 30-31. وبدائع الفوائد 1/163.
2 في "د": ما أثبت.
3 في "د": وأما.
4 تقدم بيان معنى الإلحاد في أسماء الله تعالى في ص 524.
5 سورة طه الآية "5".
6 ما بين المعقوفتين زيادة مني، لاقتضاء السياق له، ولكون جميع الذين رووا القصة يذكرونه. فلعل سقوطه كان من قبل جامع الرسائل، فتناقله النساخ على ذلك.
7 الرحضاء: العرق، قيل: عرق يغسل الجلد لكثرته. لسان العرب 7/154 مادة "رحض".
8 تقدم تخريج قول الإمام مالك في ص 317.
9 كذا في المطبوع. وفي "أ" و "د": بجميع.
10 ساقطة في "أ" والمطبوع.
ويدخل في الإيمان، إيمان العبد بتوحيد الإلهية، الذي تضمنته شهادة الإخلاص، لا إله إلا الله؛ فقد تضمنت نفي استحقاق العبادة بجميع أنواعها، عما سواه تعالى، من مخلوق ومربوب؛ وأثبتت ذلك على وجه الكمال الواجب، والمستحب لله تعالى. فلا شريك له في فرد من أفراد العبادة، إذ هو الإله الحق، المستقل بالربوبية والملك والعز والغنى والبقاء، وما سواه فقير مربوب، معبد خاضع، لا يملك لنفسه نفعا ولا ضر.
فعبادة سواه تعالى، أظلم الظلم2 وأسفه السفه. والقرآن كله/راد/3 على من أشرك بالله في هذا التوحيد، مبطل لمذهب جميع أهل الشرك والتنديد، آمرا ومرغبا في إسلام الوجه لله، والإنابة إليه، والتوكل عليه، والتبتل في عبادته.
والعبادة في أصل اللغة مطلق الذل والخضوع4. ومنه طريق معبد إذا كان مذللا قد وطأته الأقدام، كما قال الشاعر:
تبارى عناقا ناجيات وأتبعت
…
وظيفا وظيفا فوق مور معبد5
واستعملها/ الشارع/6 في العبادة الجامعة لكمال المحبة، وكمال الذل والخضوع7.
وأوجب الإخلاص له فيها، كما قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ
1 سورة فاطر الآية "15، 16، 17".
2 وذلك أن الشرك بالله أعظم الظلم، وقد وعظ لقمان ابنه بترك الشرك، وأخبره بأنه ظلم عظيم، ذكر الله سبحانه عنه ذلك في قوله تعالى:{وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان:13] .
3 في "د" والمطبوع: رد.
4 تقدم تعريف العبادة اللغوي في ص 310، والاصطلاحي في ص 305.
5 البيت تقدم تخريجه في ص 311، وتقدم أيضا في ص 492.
6 ف] "أ": "الشاعر". وهو خطأ.
7 تقدم التعريف الاصطلاحي للعبادة في ص 305.
اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ، أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} 1.
وهذا هو التوحيد الذي جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب. والعبادة إذا خالطها الشرك، أفسدها وأبطلها، ولا تسمى عبادة إلا مع التوحيد. قال ابن عباس: ما جاء في القرآن من الأمر بعبادة الله، إنما يراد به التوحيد2. انتهى.
ويدخل في العبادة الشرعية كل ما شرعه الله ورضيه، من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، كمحبة الله وتعظيمه وإجلاله وطاعته والتوكل والإنابة إليه ودعائه خوفا وطمعا، وسؤاله رغبا ورهبا، وصدق الحديث وأداء الأمانة والوفاء بالعهود، وصلة الأرحام والإحسان إلى الجار واليتيم والمملوك والمسكين وابن السبيل.
وكذا النحر والنذر، فإنهما من أجل العبادات، وأفضل الطاعات3. وكذا الطواف ببيته تعالى، وحلق الرأس تعظيما وعبودية؛ وكذا سائر الواجبات والمتسحبات.
فحق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا 4. والشرك في العبادة ينافي
1 سورة الزمر الآية "2، 3".
2 توير المقباس من تفسير ابن عباس، لأبي طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادي، صاحب القاموس "ت817هـ" نشر المكتبة الشعبية 5، 70.
وانظر: جامع البيان للطبري 1/160.
3 كل هذه الأمور ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله ضمن العبادة، عند تعريفه للعبادة الشرعية، في مجموع فتواه 10/149-150.
4 هذا ما جاء في أقوال المصطفى صلى الله عليه وسلم في حديثه لمعاذ رضي الله عنه قال: "يا معاذ هل تدري ما حق الله على عباده، وما حق العباد على الله قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإن حق الله على عباده، أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا، فقلت: يا رسول الله افلا ابشر الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا". صحيح البخاري مع الفتح 6/69، الجهاد، باب اسم الفرس والحمار. صحيح مسلم بشرح النووي، 1/345، 346، الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة. سنن الترمذي 5/27، الإيمان، باب ما جاء في افتراق هذه الأمة. سنن ابن ماجه 2/447، الزهد، باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة.
هذا التوحيد ويبطله، كما قال تعالى -لما ذكر خواص أوليائه ومقربي رسله-:{ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} 1.
والشرك قد عرفه النبي صلى الله عليه وسلم يتعريف جامع، كما في حديث ابن مسعود/ رضي الله عنه/2 أنه قال: يا رسول الله، أي الذنب أعظم قال:"أن تجعل لله ندا وهو خلقك"3. والند المثل والشبيه، فمن صرف شيئا من العبادات لغير الله، فقد أشرك به شركا يبطل التوحيد وينافيه؛ لأنه شيه المخلوق بالخالق، وجعله في مرتبته، ولهذا كان أكبر الكبائر على الإطلاق، ولما فيه من سوء الظن به تعالى. كما قال الخيل عليه السلام: {أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ، فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} 4.
قال الإمام ابن القيم –رحمه الله "فما ظنكم أن يجازيكم إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره5 وما ظنكم، بأسمائه وصفاته وربوبيته من النقص، حتى أحوجكم ذلك إلى عبودية غيره، فلو ظننتم به ما هو أهله من أنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قديرب، وأنه غني عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه، وأنه قائم بالقسط على خلقه، وأنه
1 سورة الأنعام الآية "88".
2 زائدة في "د".
3 صحيح البخاري مع الفتح 13/500 التوحيد، باب قوله تعالى:{فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً} و13/512. صحيح مسلم بشرح النووي 2/439-440، الإيمان، باب كون الشرك أقبح الذنوب. سنن أبي داود 2/732، الطلاق، باب في تعظيم الزنا. سنن الترمذي 5/314، التفسير، باب تفسير سورة الفرقان. سنن النسائي 7/89، تحريم الدم، باب ذكر أعظم الذنوب.
4 سورة الصافات الآية "86، 87".
5 هذا الجزء "من كلام ابن القيم رحمه الله" إلى هنا ورد في ص 25، من كتابه: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لابن القيم الجوزية "691-751هـ" دار الكتب العلمية، بيروت لبنان. ط/1407هـ 1987م. وذكر قريبا بهذا المعنى: القاسمي في تفسيره 14/46-50، والشوكاني في فتح القدير 4/401. وسيأتي تخريج هذا الجزء نفسه مع بقية كلامه عند نهايته.
/المفرد/1 بتدبير خلقه،/لا يشرك/2 فيه غيره، والعالم بتفاصيل الأمور، فلا تخفى عليه خافية من خلقه، والكافي لهم وحده، لا يحتاج إلى معين، والرحمن بذاته، فلا يحتاج في رحمته على من يستعطفه، وهذا بخلاف الملوك وغيرهم من الرؤساء، فإنهم محتاجون إلى من يعرفهم أحوال الرعية وحوائجهم،/والذي/3 يعينهم على قضاء حوائجهم، وإلى من يسترحمهم ويستعطفهم بالشفاعة، فاحتاجوا إلى الوسائط، ضرورة لحاجتهم وعجزهم وضعفهم، وقصور علمهم، فأما القادر على كل شيء،/ الغني بذاته عن كل شيء، العالم4 بكل شيء، الرحمن الرحيم، الذي وسعت رحمته كل شيء/5 فإدخال الوسائط بينه وبين خلقه، تنقص بحق ربوبيته وإلهيته وتوحيده، وظن به ظن السوء. وهذا يستحيل أن يشرعه لعباده، ويمتنع في العقول والفطر، وقبحه مستقر في العقول السليمة فوق كل قبح، انتهى6.
وإذا عرفت هذا، فصلاح العبد وفلاحه، وسعادته ونجاته، وسروره ونعيمه، في إفراد الله بهذه العبادات والإنابة إليه بما شرعه لعباده منها. وأصلها كمال المحبة، وكمال الذل والخضوع كما تقدم.
هذا سر العبادات وروحها، ولا بد في عبادة الله من كمال الحب، وكمال الخضوع؛ فأحب خلق الله إليه، وأقربهم منزلة عنده، من قام بهذه المحبة 7 والعبودية، وأثنى عليه سبحانه بذكر أوصافه العلى. فمن أجل ذلك كان الشرك أبغض الأشياء
1 في "د" والمطبوع: "المتفرد".
2 كذا في الجواب الكافي. وفي "أ" و "د" والمطبوع: لا يشرك.
3 الواو زائد في المطبوع. وكلمة "الذي" كلها لا ودود لها في أصل "الجواب الكافي"
4 في "أ". "العالم له بكل
…
".
5 ساقط في "د".
6 الجواب الكافي لابن القيم ص 162-163، بتصرف بسيط في النص.
7 محبته سبحانه هو أصل دين الإسلام، الذي يدور عليه قطب رجاه، فكبمالها يكمل إسلام المرء وتوحيده، وبنقصها ينقص.
إليه، لأنه ينقص هذه المحبة1 والخضوع والإنابة والتعظيم، ويجعل ذلك بينه وبين من أشرك به، والله لا يغفر أن يشرك به، لأنه يتضمن التسوية بينه تعالى وبين غيره في المحبة والتعظيم. وغير ذلك من أنواع العبادة، قال تعالى:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ} 2 أخبر سبحانه وتعالى أن من أحب شيئا دون الله، كما يحب الله، فقد اتخذه ندا، وهذا معنى قول المشركين لمعبوديهم:{تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ، إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} 3 بهذه تسوية في المحبة والتأله4 لا في الذات والأفعال والصفات، فمن صرف ذلك لغير إلهه الحق، فقد أعرض عنه وأَبِقَ عن مالكه وسيده، فاستحق مقته وبغضه، وطرده عن دار كرامته ومنزل أحبابه.
والمحبة ثلاثة أنواع:
النوع الأول: محبة طبيعية كمحبة الجائع للطعام والظمآن للماء وغير ذلك؛ وهذا لا يستلزم التعظيم.
1 ذلك أن من جمع بين اثنين، وأشركهما في محبته، لا يكون كمن أخلص حبه لفرد واحد، وقد قال تعالى:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ} [البقرة:165] .
فنجد في الآية وصف المؤمنين بأنهم أشد حبا لله، م حب المشركين له سبحانه، وذلك أن المؤمنين أخلصوا حبهم لله وحده بينما المشركون شاركوا في حبهم بين الله وأندادهم فكان حبهم ناقصا في الجانبين.
وقيل المغنى: أن أصحاب الأنداد يحبونها كحب المؤمنين لله، غير أن المؤمنين أشد حبا لله، من أصحاب الأنداد لأندادهم. وذلك أن المؤمنين أخلصوا حبهم لربهم.
ورجع الطبري هذا الثاني، وصحح أبو إسحاق الأول، وهو الذي صوبه شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى 7/188. وانظر: جامع البيان للطبري 2/66، 67 والجامع لأحكام القرآن 2/137، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير 1/208، وفتح المجيد ص 346.
2 سورة البقرة الآية "165".
3 سورة الشعراء الآية "97، 98".
4 انظر: تفسير ابن كثير 3/352، وفتح المجيد ص 246.
والنوع الثاني: محبة رحمة وإشفاق، كمحبة الوالد لولده الطفل ونحوها. وهذا أيضا لا يستلزم التعظيم.
والنوع الثالث: محبة أنس و/ألفة/1 وهي محبة المشتركين في صناعة أو علم أو مرافقة، أو تجارة أو سفر لبعضهم بعضا. /و/2 كمحبة الإخوة بعضهم بعضهم بعضا3.
فهذه المحبة التي تصلح للخلق بعضهم من بعض، /و/4 وجودها فيهم لا يكون شركا في محبة الله سبحانه. ولهذا "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلوى والعسل"5. وكان أحب الشراب إليه الحلو البارد6، وكان أحب اللحم إليه الذراع 7، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب نساءه، وكانت عائشة
1 كذا في المطبوع. وفي "أ" و "د": الف.
2 الواو ساقط في "د".
3 انظر في أنواع المحبة هذه: تيسير العزيز الحميد ص 411، وفتح المجيد ص 352.
4 الواو ساقط في "د".
5 الحديث أخرجه البخاري في صحيح 9/468، الأطعمة، باب الحلوى والعسل. صحيح مسلم بشرح النووي 10/330، الطلاق، باب وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينوي الطلاق، سنن أبي داود 4/107، الأشربة، باب في شراب العسل.
6 جاء هذا في حديث عائشة رضي الله عنها، قالت:"كان أحب الشراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحلو البارد".
وعن الزهري: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شئل عن أي الشراب أطيب قال: الحلو البارد".
قال الترمذي: "هكذا روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا، وهذا أصح من حديث ابن عيينة –رحمه الله". "يعني الحديث الأول". سنن الترمذي 4/272، الأشربة، باب ما جاء أي الشراب كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. والحديث صححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، نشر مكتبة التربية العربي، لدول الخليج ط/1، 1408هـ-1988م، المكتب الإسلامي؛ بيروت 2/174.
7 كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في دعوة، فرفعت إليه الذراع، وكانت تعجبه"، صحيح البخاري مع الفتح 6/428، الأنبياء، باب قول الله عز وجل:{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ} .
/رضي الله عنها/1 أحبهن إليه2 وكان يحب أصحابه، وأحبهم إليه الصديق.
وأما المحبة الخاصة -/التي/3، لا تصلح إلا لله وحده، ومتى أحب العبد بها غيره كان شركا لا يغفره الله- فهي محبة العبودية، وإيثاره على غيره، فهذه المحبة لا يجوز تعلقها بغير الله أصلا، وهي التي سوى المشركون بين آلهتهم وبين الله فيها، وهي أول دعوة الرسل. وآخر كلام العبد المؤمن، الذي إذا مات عليه دخل الجنة 4؛ واعترافه وإقراره بهذه المحبة، وإفراد الرب بها، فهي أول ما يدخل في الإسلام، وآخر ما
يخرج به من الدنيا إلى الله، وجميع الأعمال كالأدوات والآلات لها، وجميع المقامات وسائل إليها، وأسباب لتحصيلها وتكميلها وتحصينها من الشوائب والعلل فهي قطب رحى السعادة، وروح الإيمان، وساق شجرة الإسلام.
ولأجلها أنزل الله الكتاب والحديد، فالكتاب هاديا ودالا عليها، ومفصلا لها، والحديد لمن خرج عنها، وأشرك مع الله غيره فيها؛ ولأجلها خلقت الجنة والنار5،
1 ساقط في "أ" والمطبوع.
2 كما جاء في حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه على جيش ذات السلاسل، فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك قال: عائشة
…
" صحيح البخاري مع الفتح 7/22 فضائل الصحابة، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لو كنت متخذا خليلا". صحيح مسلم بشرح النووي 16/322 فضائل الصحابة، باب فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
3 في "د": الذي.
4 يشير إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم "من كان آخركلامه لا إله إلا الله دخل الجنة". سنن أبي داود 3/486، الجنائز، باب في التلقين. مسند الإمام أحمد 5/233، 247 بلفظ: "
…
وجبت له الجنة". المستدرك للحاكم 1/351، و500، وصححه، ووافقه الذهبي. إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، لمحمد بن ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ط/2، 1405هـ-1985م، 3/150.
5 هذا القول يشير إلى ما قرره أهل السنة والجماعة في معتقدهم عن الجنة والنار، وهو أنهم اتفقوا على أن الجنة والنار مخلوقتان، لا تفنيان ولا تبيدان أبدا، وأنهما موجودتان الآن، =
فالجنة دار أهلها الذين أخلصوها لله وحده، وأخلصهم لها، والنار دار من أشرك فيها مع الله غيره، وسوى بينه وبين الله فيها، فالقيام بها علما وعملا وحالا، وتصحيحها هو تصحيح شهادة أن لا إله إلا الله.
فحقيق لمن نصح نفسه، وأحب سعادتها ونجاتها، أن يتيقن لهذه المسألة، وتكون أهم الأشياء عنده، وأجل علومه وأعماله؛ فإن الشأن كله فيها، والمدار عليها، والسؤال عنها يوم القيامة، كما قال تعالى:{فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} 1.
= وقد أنكرت ذلك المعتزلة والقدرية، وقالوا: إن الله ينشئهما يوم القيامة، وذلك بناء على أصلهم الفاسد، بأن الله ينبغي أن يفعل كذا، ولا ينبغي أن يفعل كذا وقاسوه سبحانه وتعالى على خلقه في أفعالهم. وقالوا: إن خلق الجنة قبل الجزاء عبث لأنها تصير معطلة مددا متطاولة.
وكتاب الله تعالى صريح في الرد على أولئك الضلال، ومليء بالآيات المبينة لكون الجنة والنار مخلوقتان منها:
قوله تعالى: {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران:133] .
وقوله تعالى: {فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة:24] . كما تواترت في ذلك الأحاديث النبوية الصحيحة الصريحة، بما لا يدع مجالا للشك في ذلك، كقوله عليه الصلاة والسلام في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما:"إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده باالغداة والعشي، فإن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كن من أهل النار، فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة". رواه البخاري في صحيحه 3/286، كتاب الجنائز، باب الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي.
انظر المسألة في: مقالات الإسلاميين 2/168. لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية، لشرح الدرة المضيئة في عقيدة الفرقة المرضية، لمحمد بن أحمد السفاريني الأثري، مطابع دار الأصفهاني وشركاه بجدة، 1380هـ 2/225-227. وشرح العقيدة الطحاوية ص 614-622.والتنبيهات السنية ص 258. وحادي الأرواح إلى بلاد الأفراح أو "صفة الجنة" لابن القيم "ت751هـ"، تحقيق وتعليق على الشربجي وقاسم النوري، نشر مكتبة العلم، جدة، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط/1، 1412هـ-1992م ص 35-26.
1 سورة الحجر الآية "92، 93".
قال غير واحد من السلف عن قول لا إله إلا الله: وهذا حق، فإن السؤال كله عنها، وعن أحكامها وحقوقها.
قال أبو العالية 1: "كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون، ماذا كنتم تعبدون وماذا أجبتم المرسلين 2 فالسؤال/عمَّاذا/3 كانوا يعبدون، /سؤال/4، عنها نفسها؛ والسؤال عماذا أجابوا المرسلين، سؤال عن الوسيلة، والطريق المؤدية؛ هل سلكوها وأجابوا الرسل لما دعوهم إليها فعاد الأمر كله إليها"5.
وأمر هذا شأنه، حقيق بأن تثنى عليه الخناصر، ويعض عليه بالنواجد، ويقبض فيه على الجمر، ولا يؤخذ بأطراف الأنامل، ولا يطلب على فضله 6 بل يجعل هو المطلب الأعظم، وما سواه إنما/ يطلب على الفضلة/7.
والله المسئول أن يمن علينا بتحقيق ذلك علما وعملا وحالا – ونعوذ/به/8 أن يكون حظنا من ذلك مجرد حكايته. وصلى الله على محمد عبده ورسوله النبي الأمي وعلى آله وصحبه تسليما كثيراً.
1 تقدمت ترجمته في ص 551.
2 وقد دل على هذين السؤالين قوله تعالى: {وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ} [الشعراء: 92] . {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ} [القصص: 65] .
3 في المطبوع: عما.
4 في "د": السؤال.
5 لم أجد مصدر كلام أبي العالية هذا.
6 في "د": الفضلة.
7 في المطبوع: يطلب فضلة.
8 في "د" والمطبوع: بالله.