الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الرسالة الثمانون: إلى عبد العزيز بن حسن
…
الرسالة الثمانون1
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المكرم عبد العزيز بن حسن، سلك الله بنا وبه أهدى السنن. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فأحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو على سوابغ نعمائه وجزيل فضله وعطائه –جعلنا الله وإياك ممن عرف نعمة الله عليه فاستعان بها على ما يقربه إليه. والخط وصل وصلك الله بالرضا. وما أشرت إليه، فصار لدينا معلوما.
أما الخطوط التي تذكر أنك أرسلتها إلينا قبل هذا الخط الأخير، فلم تصل، ولم يصل منك في هذا العام قبل هذا الخط.
وأما الجواب عن المسألتين، فلا يخفى أن أما بالتخفيف تأتي على وجهين:
أحدهما: أن تكون حرف استفتاح، كما في قوله:"أما أني لم أكن في صلاة" 2 ويقع أيضا قبل القسم، كما في قوله: "أما والذي أبكي وأضحك والذي أمات وأحيا والذي أمره الأمر، لقد تركتني أحمد الوحش أن أرى أليفين 3 منهالا
1 وردت هذه الرسالة في حاشية "أ" ص 66-68.
2 هذا قول حصين بن عبد الرحمن، وهو جزء من حديث طويل، عن حصين بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض بالبارحة؟ قلت: أ، ا، ثم قلت: أما أ، ي لم أكن في الصلاة، ولكني لُدغت. قال: وكيف فعلت؟ قلت استرقيت، قال: وما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي عن بريدة الأسلمي أنه قال: "لا رقية إلا من عين أو حمة" قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع. ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "عرضت عليّ الأمم، فرأيت النبي ومعه رهط، والنبي ومعه رجل أو رجلين، والنبي وليس معه أحد، إذ رُفع لي سواد عظيم فقلت هذه أمتي، فقيل: هذا موسى وقومه، ولكن انظر إلى الأفق فإذا سواد عظيم.... فقيل هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب.." الحديث. أخرجه الإمام أحمد في مسنده. 1/271.
3 كذا في الأصل "اليفين"، وفي اللسان: اليَفنُ: الشيخ الكبير
…
واستعاره بعض العرب للثيران المسن. وقيل: اليفن: الصغير أيضا، وهو من الأَضداد، لسان العرب، 13/457، مادة "يفن".
يروعهن الذعر 1.
وقول الأعصم:
أما والذي حجت له العيس وارتمى
…
لمرضاته شعث طويل ذميلها
للانْ نائبات الدهر يوما/أدلْنَ لي/2
…
على أم عمرو دولة لا أقيلها
وقول الآخر:
أما يستفيق القلب إن ما بدا له
…
توهم طيف من سعاد ومربع
وخادع عن أطلالها العين أنه
…
متى تعرف الأطلال عيني تدمع
عهدت بها وحشا عليها براقع
…
وهذي وحوش أصبحت لم تبرقع
وهذا إذا قصد تنبيه المخاطب لما بعدها، والإشارة إلى أن ما بعدها مما يهتم به وطيف إليه كما في قوله صلى الله عليه وسلم:"ألا لعنة الله على اليهود والنصارى"3 "ألا هل بلغت ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب4.
وكقول الشاعر:
ألا لا يجلهن أحد علينا 5
1 لم أقف على مصدره.
2 في "أ" أدلن لي.
3 أخرجه البخاري في صحيحه مع الفتح، 1/633-634، الصلاة، باب "55". صحيح مسلم بشرح النووي، 5/16، المساجد، باب باب النهي عن بناء المساجد على القبور؛ سنن النسائي، 2/40، المساجد، باب النهي عن اتخاذ القبور مساجد؛ وأحمد في مسنده، 6/275، وعندهم بدون لفظ "ألا".
4 صحيح البخاري مع الفتح، 10/6، الأضاحي، باب من قال: الأضحى يوم النحر. صحيح مسلم بشرح النووي، القسامة، 11/181-182، باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال.
5 هذا صدر لبيت من قصيدة عمرو بن كلثوم التغلبي. وعجزه. فنجهل فوق جهل الجاهلينا.
انظر ديوانه بتحقيق. د. أميل بديع يعقوب، نشر دار الكتاب العربي، بيروت، ط/1، 1411هـ/1991م، ص 78.
وكما في قوله:
ألا ليت حظي من عطاياك أنني
…
علمت وراء الرمل ما أنت صانع
والثاني: بمعنى حقا أو أحقا. وزعم بعض الناس أنها تكون حرف عرض بمعنى لولا، فيختص بالفعل، كما في قولك: أما يقوم، أما يقعد ونحوه.
أما نحو: أما كان فيهم من يفهم، فالهمزة للاستفهام، وما حرف نفي، وليست مما نحن فيه فتنبه.
أما المسألة الثانية: وهي قولك: ما وجه نصب عدد خلقه، ورضى نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته 1؟.
فاعلم أن نصب هذه المصادر، على أنها نعت لسبحان؛ لأنه اسم محذوف العامل وجوبا، لكونه بدلا من اللفظ بفعل مهمل، كقول الشاعر:
ثم 2 قالوا: تحبها؟ قلت بهرا
…
عدد /الرمل/3 والحصا والتراب 4
فبهر هنا منصوب على المفعولية المطلقة، لكونها هنا بمعنى عجبا، لكن فعله مهمل غير مستعمل، فلذلك حذف وجوبا، وعدد الرمل في البيت، نعت له، ويحتمل أن
1 يشير هنا لحديث ابن عباس عن جويرية: "أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة فقال: "ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟ " قالت: نعم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات، لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتها، سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضى نفسه، وزنة عرضه، ومداد كلماته". صحيح مسلم بشرح النووي، 17/48، الذكر والدعاء، باب التسبيح أول النهار وعند النوم. سنن أبي داود، 2/171، الوتر، باب التسبيح بالحصي؛ سنن الترمذي 5/519-520، الدعوات، باب 104، سنن النسائي، 3/77 للسهو، باب نوع آخر من عدد التسبيح.
2 كذا في الديوان، وهو ساقط في المخطوط.
3 كذا في المخطوط، وفي الديوان "النجم".
4 ديوان أبي ربيعة، دار صادر للطباعة والنشر، بيروت، 1385هـ /1966م ص 424. وانظر أمالي المرتضى، 2/289.
عدد وما عطف عليه، نصب على المفعولية المطلقة والعامل يقدر: سبحته ونزهته، فهو كقوله:{فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةَ} 1 لأن "سبحانه" على أنه معنى التنزيه والبراءة، أو على لفظه، فلا يعمل في المفعول. ويمكن أن يقال: لا حاجة إلى هذا التقدير؛ لأن الاسم قد يعمل لما فيه من رائحة الفعل، ويكون النصب لسبحان؛ ويقويه قول ابن مالك:
بمثله أو فعله وصف نصب
…
وكونه أصلا لهذين انتخب 2
وأما زنته: فمعناه الموازن، والثقل بخلاف ما إذا كان بعده الفعل مستعملا، كقوله:
أفلا إذا شب العدى نار حربهم
…
وزهوا إذا ما يجنحون إلى السلم 3
وقول الآخر:
خمولا وإهمالا وغيرك مولع
…
بتثبيت أسباب السيادة والمجد 4
1 سورة النور: الآية "4".
2 ألفية ابن مالك في النحو والصرف، لمحمد بن عبد الله بن مالك الأندلسي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط/1/1405هـ-1985م، باب المفعول المطلق.
3 البيت لعمرو بن كلثوم التغلبي. انظر ديوانه ص 78. والقصيدة من ضمن المعلقات.
4 البيت لم أقف على قائله، لم أعرف مصدره.