الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الرسالة الثامنة والخمسون: إلى زيد بن محمد
…
الرسالة الثامنة والخمسون
قال جامع الرسائل:
وله أيضا –رحمه الله وعفا عنه بمنه وكرمه - رسالة إلى زيد بن محمد 1، وقد سأله عن حديث زينب 2 رضي الله عنها وما وجه اختصاص النساء المهاجرات بدور المهاجرين؟
فأجاب –رحمه الله تعالى/وعفا عنه بمنه-/3:
بسم الله الرحمن الرحيم
/وبه نستعين/4
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، إلى الأخ زيد بن محمد زاده الله من العلم والإيمان، وألبسه ملابس التقوى والإحسان. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
وبعد، فإنا نحمد إليك الله الذي لا إله هو، وهو للحمد أهل.
والخط وصل وصلكم الله ما يرضيه وسرنا ما ذكرته، والحمد لله على التيسير
1 تقدمت ترجمته في ص 94.
2 هي زينب بنت جحش أم المؤمنين –رضي الله عنها "ت20هـ" انظر ترجمتها: الاستيعاب، 4/1849؛ وأسد الغابة، 7/125؛ وسير الأعلام، 2/211. وحديثها المشار إليه هنا هو: عن كلثوم قالت: كانت زينب تفلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعنده امرأة عثمان بن مظعون ونساء، من المهاجرات يشتكون منازلهن، وأنهن يخرجن منه ويضيق عليهن فيه. فتكلمت زينب وتركت رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إنك لست تُكلمين بعينيك، تكلمي واعملي عملك"، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ أن يورث من المهاجرين النساء. فمات عبد الله، فورثته امرأته دارا بالمدينة". أخرجه الإمام أحمد في مسنده، 6/363، واللفظ له، وأبو داود في سننه، 3/457، كتاب الخراج، باب في إحياء الموات.
3 في "ب": بما نصه. وهو ساقط في المطبوع.
4 ساقط في "ب" و "ج" و "د" والمطبوع.
والتسديد.
ومن جهة كتاب الطرق، فالوالد أعاره محمد بن فيصل 1 قبل وصول خطكم، وحين فراغه نبعث به إليك إن شاء الله.
وأما السؤال عن حديث زينب –رضي الله عنها؛ فاعلم أن الحديث قد دل بمنطوقه على أن امرأة عثمان بن/عفان/2 ونساء من المهاجرات اشتكين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ضيق المنازل وإخراجهن منها، فأمر صلى الله عليه وسلم أن تورث دور المهاجرين النساء المهاجرات و "تورث" بضم التاء وفتح الواو وتشديد الراء معناه: أن تجعل الدور لهن ميراثا. فمات عبد الله بن مسعود، فورثت امرأته داره في المدينة، أخذا بهذا الحديث. هذا معناه.
والناس مختلفون في وجه اختصاص النساء بذلك؛ فقال بعضهم 3: يشبه أن يكون ذلك على معنى القسمة بين الورثة، وإنما خصهن بالدور لأنهن بالمدينة غرائب لا عشيرة لهن فحاز لهن الدور، لما رأى من المصلحة 4. وهذا مختص/ بالمهاجرات/5 لاختصاصهن بعلة الحكم 6، هذا على وجه. وقد ألغز في ذلك بعض الأفاضل فقال:
سَلم على مفتي الأنام وقل له
…
هذا سؤال في الفرائض مبهم
قوم إذا ماتوا يحوز ديارهم
…
زوجاتهم ولغيرهم لا تقسم
وبقية المال الذي قد خلفوا
…
يجري على أهل التوارث منهم
وقيل هو أمر منه صلى الله عليه وسلم باختصاص الزوجات المهاجرات سكنى دور
1 تقدمت ترجمته في ص 45.
2 هكذا في جميع النسخ "عفان". وهو كذلك في رواية أبي داود. أما عند الإمام أحمد في مسنده: "مظعون" كما تقدم في نص روايته في الصفحة السابقة.
3 هذا قول الخطابي.
4 معالم السنن بحاشية سنن أبي داود، 3/458.
5 في "أ": بالمهاجرين. وهو خطأ.
6 كونهن اللائي كن يخرجن من دورهن.
أزواجهم، مدة حياتهن على سبيل الإرفاق بالسكنى دون الملك، كما كانت دور النبي صلى الله عليه وسلم وحجره في أيدي نسائه بعده، لا على سبيل الميراث؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:"نحن لا نورث؛ ما تركناه صدقة"1.
لكن يحكى عن سفيان بن عيينة2 أنه قال: نساء النبي صلى الله عليه وسلم في معنى المعتدات، لأنهن لاينكحن بعده، وللمعتدات السكنى، فجعل لهن سكنى البيوت ما عشن، لا تملكا3.
ويشبه أن يكون أمره بذلك قبل نزول آية الفرائض4. فقد كانت الوصية للوالدين والأقربين مفروضة5. وقد كان المهاجرون والأنصار يتوارثون بالمؤاخاة بينهم، فنسخ بآية الفريضة، وبقوله تعالى:{وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} 6 وعمل الناس يدل على هذا ويرجحه.
وأما استدلال أبي داود في باب إحياء الموات 7 فتأوله على وجهين:
1 صحيح البخاري، 12/8، الفرائض، قول النبي صلى الله عليه وسلم:"لا نورث وما تركناه صدقة"، صحيح مسلم بشرح النووي، 12/320؛ الجهاد، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:"لا نورث ما تركناه صدقة".
2 تقدمت ترجمته في ص 203.
3 معالم السنن بحاشية سنن أبي داود، 3/458.
4 وهي قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} الآية [النساء: 11-12] .
5 فقد كان ذلك قبل نزول الفرائض والمواريث، وذلك قوله تعالى:{كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 180] .
وهذه الآية عامة، قد خصصتها آية الفرائض في النساء، وقوله صلى الله عليه وسلم:"لا وصية لوارث" فخرج من الوصية كل وارث؛ وبقيت الوصية للوالدين للذين لا يرثان، والأقرباء الذين لا يرثون. انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، 2/176.
6 سورة الأنفال الآية "75".
7 يعني بالاستدلال، الحديث الذي تقدم ذكره برواية أحمد: "كانت زينب تفلي رسول الله صلى الله عليه وسلم
…
" في ص 767، فهو هنا عند أبي داود في سننه، 3/457، كتاب الخراج والإمارة والفيئ، باب إحياء الموات.
أحدهما: أنه إنما أقطعهم العرصة ليبنوا فيها الدور، وعليه يصح ملكهم في البناء الذي أحدثوه في العرصة. وهذا الذي يظهر من /صنيع/1 أبي داود.
والوجه الثاني: إنهم إنما أقطعوا الدور عارية 2. ولهذا ذهب أبو إسحاق المروزي 3؛ /ويرشح/4 ذلك أن أقطاع الإرفاق وقع في المقاعد في الأسواق، والمنازل في الأسفار، وهي يُرتَفق بها ولا تُمَلك. ومن هنا يحصل احتمال رابع في معنى اختصاص النساء بالدور دون سائر الورثة، وتقريره على هذا الوجه أن يقال: الدور لم تملك بالإقطاع، بل هي عارية في يد أربابها، وبعد هلاكهم يكون أمرها إلى الإمام، يُسكنها من شاء بحسب المصلحة؛ فلذلك أمر صلى الله عليه وسلم باختصاص المهاجرات بها دون سائر الورثة.
وقول بعضهم إن الميراث لا يجري إلا فيما كان/ المورث/5 مالكا /له/6، فيه نظر ظاهر، والله أعلم.
1 في المطبوع: صنع.
2 هذان الوجهان اللذان ذكرهما المصنف من كلام الخطابي في معالم السنن، بحاشية سنن أبي داود، 3/458.
3 هو إبراهيم بن أحمد، أبو إسحاق المروزي، الإمام الكبير، شيخ الشافعية، فقيه بغداد، صاحب أبي العباس بن سريج، له تصانيف "ت340هـ" بمصرز تاريخ بغداد، 6/11؛ سير الأعلام، 15/ 439؛ شذرات الذهب، 2/355-356.
4 في "د": ويوضح.
5 في "د": الموروث.
6 ساقط في "ج".