الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الرسالة الخامسة والتسعون: إلى أهل الحوطة
…
الرسالة الخامسة والتسعون1
قال جامع الرسائل:
وله أيضا – رحمه الله تعالى وعفا عنه - رسالة إلى أهل الحوطة، وهذا نصها:
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الإخوان المكرمين من أهل الحوطة – سلمهم الله تعالى وهداهم - سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فأوصيكم بتقوى الله وطاعته والاعتصام بجبله، وترك التفرق والاختلاف، ولزوم جماعة المسلمين 2. فقد قامت الحجة بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعرفتم أنه لا إسلام إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمارة ولا إمارة إلا بطاعة.
وقد أناخ ساحتكم من الفتن والمحن ما لا نشكوه إلا إلى الله، فمن ذلك: الفتنة الكبرى والمصيبة العظمى؛ الفتنة بعساكر المشركين 3 أعداء الملة والدين، وقد اتسعت وأضرت، ولا ينجو المؤمن منها إلا بالاعتصام بحبل الله، وتجريد التوحيد، والتحيز إلى
1 في المطبوع جاءت هذه الرسالة في ص 336-338، وهي الرسالة رقم "67".
2 وهذه هي وصية الله لعباده المؤمنين في قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً} [آل عمران: 103] .
3 يشير إلى عساكر الدولة العثمانية من الأتراك، وما كانوا عليه من فساد اعتقاد، ومعاداة للدعوة، السلفية التي كانوا يسمونها وهابية.
أولياء الله وعباده المؤمنين، والبراءة كل البراءة ممن أشرك، وعدل به غيره، ولم ينزهه مما انتحله المشركون، وافتراه المكذبون.
وأفضل القرب إلى الله، مقت/أعدائه/1 المشركين، وبغضهم وعداوتهم وجهادهم، وبهذا ينجو العبد من توليهم من دون المؤمنين، وإن لم يفعل ذلك فله من ولايتهم بحسب ما أخل به وتركه من ذلك.
فالحذر الحذر مما يهدم الإسلام ويقلع أساسه، قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} 2 وانتفاء الشرط يدل على انتفاء الإيمان بحصول الموالاة. ونظائر هذه الآية في القرآن كثير.
وكذلك الفتنة بالبغاة والمحاربين، توجب من الاختلاف والتفرق والبغضاء، وسفك الدماء، ونهب الأموال، وترك أوامر الله ورسوله، والإفساد في الأرض ما لا يحصيه إلا الله، وذلك مما لا يستقيم معه إسلام، ولا يحصل بملابسته من الإيمان، ما ينجي العبد من غضب الله وسخطه.
وهذه الحالة وتلك الطريقة بها ذهاب الإسلام وأهله، وتسلط أعداء الله وتمكنهم من بلاد/المسلمين،3 وهدم مبانيه والإعلام. فكيف يسعى فيها من يؤمن بالله واليوم الآخر، ويؤمن بالجنة والنار، ويخاف سوء الحساب.
فاتقوا الله عباد الله، ولا تذهب بكم الدنيا والأهواء وشياطين الإنس والجن، إلى ما يوجب الهلاك الأبدي، والشقاء السرمدي، والطرد عن بابه، والخروج عن جملة أوليائه وأحبابه. قال تعالى: {قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ، لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ
1 في "د": "أعداء الله".
2 سورة المائدة الآية "57".
3 في "د": الإسلام.
اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ} 1.
فتدبروا هذه الآيات الكريمات، وسارعوا إلى ما يحبه الرب ويرضاه، من الجماعة والطاعات، وائتموا بالقرآن، وقفوا عند عجائبه، وما فيه من الحجة والبرهان، فإن الله تكفل لمن قرأ القرآن، وعمل بما فيه، أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة 2 وهو حبل الله المتين، ونور المبين، فيه نبأ من كان قبلكم، وفصل ما بينكم، لا يضل مُتَّبعه 3 ولا يطفأ نوره فيما هذه المشاقة؟ وما هذا الاختلاف والتفرق، وقد جاءتكم النصائح وتكررت إليكم المواعظ؟ قال تعالى:{وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً} 4/و/5 قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} 6،
1 سورة الزمر: الآية "15، 16".
2 هذا ما أخبر به الله –سبحانه وتعالى في قوله تعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى} [طه: 123] .
3 يشير الشيخ هنا إلى مثل ما ورد في حديث الحارث قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ألا إنها ستكون فتنة"، فقلت: ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: "كتاب الله، فيه نبأ ما كان قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل؛ من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا يزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه
…
" الحديث.
أخرجه الترمذي في سننه، 5/158-159، فضائل القرآن، باب ما جاء في فضل القرآن. قال الترمذي:"هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه وإسناده مجهول، وفي الحارث مقال". والدارمي في سننه، 2/526، 527، فضائل القرآن، باب فضل من قرأ القرآن. وأحمد في مسنده، 1/91.
4 سورة النساء: الآية "115".
5 زيادة في "د" والمطبوع.
6 سورة النساء: الآية "59".
وقد خرج الإمام أحمد من حديث الحارث الأشعري 1 بعد أن ذكر ما أمر به يحيى بن زكريا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "
…
وآمركم بخمس الله أمرني بهن: الجماعة، والسمع، والطاعة، والهجرة، والجهاد 2 في سبيل الله؛ فإنه من خرج /من/3 الجماعة قيد شبر، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، إلا أن/يرجع/4؛ ومن/دعا بدعوى/5 الجاهلية فهو /جُثاء/6 جهنم قالوا:" يا رسول الله، وإن صام /وإن صلى/ 7 قال: "وإن صلى، وص ام، وزعم أنه مسلم، فادعوا المسلمين بأسمائهم/بما/8 سماهم الله – عز وجل/9 المسلمين المؤمنين عباد الله" 10، وهذه الخمس المذكورة في الحديث ألحقها بالأركان الإسلامية، التي لا يستقيم /بناؤه/11 ولا يستقر إلا بها، خلافا لما كانت عليه الجاهلية من ترك الجماعة والسمع والطاعة. نسأل الله لنا ولكم الثبات على دينه، والاعتصام بحبله، والامتثال لأمره، واتقاء غضبه وسخطه.
1 هو الحارث بن الحارث الأشعري الشامي، صحابي، يكنى أبا مالك، تفرد بالرواية عنه أبو سلام. تقريب التهذيب، 1/139.
2 وردت هذه الخمسة عند الترمذي بتقديم وتأخير، بلفظ: "السمع، والطاعة، والجهاد، والهجرة، والجماعة، فإنه من فارق الجماعة
…
" والحديث تقدم تخريجه في ص 517.
3 في "د": عن.
4 كذا عند أحمد في المسند، والترمذي في سننه. وفي جميع النسخ والمطبوع:"يراجع".
5 عند الترمذي: "ومن ادعى دعوى
…
".
6 في جميع النسخ والمطبوع: "من حثي" وعند أحمد والترمذي "جثا" وهو جمع جُثوة، بضم الجيم، وهو الشيء المجموع. النهاية لابن الأثير، 1/239. والمعنى: أنه من الجماعة المحكوم عليهم بالنار.
7 في "د" والمطبوع: "وإن صلى وصام" وهو لفظ الترمذي.
8 في جميع النسخ والمطبوع: "على ما
…
".
9 في جميع النسخ: "سماهم الله به –عز وجل" بزيادة لفظ "به".
10 تقدم جزء من هذا الحديث وتخريجه في ص 517.
11 في "د" والمطبوع: "بناء".
فاحذروا الاختلاف {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} 1 {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} 2 {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} 3.
وصلى الله على/عبده ورسوله محمد/4 النبي الأمي العربي الهاشمي وآله وصحبه وسلم.
1 سورة الأنفال: الآية "1".
2 سورة النور: الآية "31".
3 سورة النحل: الآية "91".
4 ساقط في "د".