المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الرسالة الرابعة والثلاثون:: إلى الشيخ أبي بكر بن محمد آل الملا - عيون الرسائل والأجوبة على المسائل - جـ ٢

[عبد اللطيف آل الشيخ]

فهرس الكتاب

- ‌(تابع) تحقيق النص

- ‌(تابع) الرسائل الخاصة بعقيدة التوحيد والإتباع وما ينافيها من الشرك والإبتداع

- ‌الرسالة التاسعة والعشرون: إلى عبد الله بن عمير

- ‌جامع الرسائل

- ‌فصل: أموال السلطان وجوائز الأمراء

- ‌فصل: فيما جاء في رؤيا طفيل

- ‌فصل: الإقتداء بإهل الخير والبر في العمل الصالح

- ‌الرسالة الثلاثون: إلى محمد بن عون

- ‌تقديم جامع الرسائل

- ‌من عبد اللطيف بن عبد الرحمن الى محمد بن عون

- ‌فصل: قال الجهمي: وإذا قررت لله مكانا معينا، فما معنى قوله تعالى: {فأينما تولوا فثم وجه اللَّه}

- ‌الرسالة الحادية والثلاثون: منظومة فيما جرى من مفاسد الساكر

- ‌منظومة فيما جرى من مفاسد العساكر والبوادي

- ‌الرسالة الثانية والثلاثون: إلى عبد الرحمن بن محمد بن جربوع

- ‌الرسالة الثالثة والثلاثون: إلى علما الحرمين

- ‌الرسالة الرابعة والثلاثون:: إلى الشيخ أبي بكر بن محمد آل الملا

- ‌الرسالة الخامسة والثلاثون: إلى بعض الولاة توسم فيه محبة الخير

- ‌الرسالة السادسة والثلاثون: إلى عبد الله بن جريس

- ‌الرسالة السابعة والثلاثون: إلى منيف بن نشاط وقج أشتكى غربة الإسلام

- ‌الرسالة الثامنة والثلاثون: إلى منيف بن نشاط

- ‌الرسالة التاسعة والثلاثون: في توحيد الأسماء والصفات

- ‌الرسالة الأربعون: إلى أهل الحوطة

- ‌الرسالة الحادية والأربعون: إلى حمد بن عتيق

- ‌الرسالة الثانية والأربعون: إلى عبد العزيز بن إبراهيم بن عبد اللطيف

- ‌الرسالة الثالثة والأربعون: إلى عثمان بن منصور

- ‌الرسالة الرابعة والأربعون: جواب سؤال ورد عليه من عمان

- ‌الرسالة الخامسة والأربعون: في ترجمة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وما قام به ودعى إليه

- ‌مدخل

- ‌فصل: نسب الشيخ محمد بن عبد الوهاب ونشأته

- ‌فصل: حال البلاد في عصره

- ‌فصل: إنكار العلماء لبدعة تقديس المشاهد

- ‌فصل: الغلو في تعظيم الصالحين ذريعة إلى الشرك

- ‌فصل: تقسيم ابن القيم الشرك إلى نوعين

- ‌فصل: تعريف الحنفية للكفر

- ‌الرسالة السادس والأربعون: إلى زيد بن محمد آل سليمان

- ‌الرسالة السابعة والأربعون: إلى زيد بن محمد

- ‌الرسالة الثامنة والأربعون: إلى زيد بن محمد آل سليمان

- ‌الرسالة التاسعة والأربعون: إلىإلى زيد بن محمد آل سليمان

- ‌الرسالة الخمسون: إلى محمد بن عمير

- ‌الرسالة الحادية والخمسون: إلى خالد آل قطنان ومحمد بن عيسى

- ‌الرسالة الثانية والخمسون: في الكلام على فضل طلب العلم

- ‌الرسالة الثالثة والخمسون: إلى راشد بن عيسى

- ‌الرسالة الرابعة والخمسون: إلى حمد بن عبد العزيز

- ‌الرسالة الخامسة والخمسون: إلى حمد بن عبد العزيز

- ‌الرسالة السادسة الخمسون: إلى حمد بن عبد العزيز

- ‌ثانيا: الرسائل الخاصة بالفتاوى في الفروع

- ‌الرسالة السابعة والخمسون: سؤال من الشيخ لوالده

- ‌الرسالة الثامنة والخمسون: إلى زيد بن محمد

- ‌الرسالة التاسعة والخمسون: إلى عيسى بن إبراهيم

- ‌الرسالة الستون: جواب عن مسائل فقهية سئل عنها

- ‌الرسالة الحادية والستون: في مسألة الرهن

- ‌الرسالة الثانية والستون: أجوبة على مسائل متعددة

- ‌الرسالة الثالثة والستون: إلى عبد الله بن محمد بن عتيق في السؤال عن نهائب الأعراب

- ‌الرسالة الرابعة والستون: إلى عبد الرحمن بن عدوان

- ‌الرسالة السادسة والستون: سؤال عن تركة الميت قسم ماله بين أولاده وأوصى لصغارهم

- ‌الرسالة السابعة والستون: إلى عبد العزيز بن حسن قاضي محمل

- ‌الرسالة الثامنة والستون: إلى الشيخ عبد العزيز بن حسن

- ‌الرسالة التاسعة والستون: إلى عبد العزيز بن حسن بن مزروع

- ‌الرسالة السبعون: إلى عبد الله بن علي بن جريس

- ‌الرسالة الحادية والسبعون: إلى جماعة من أهل الزلفي

- ‌الرسالة الثانية والسبعون: جواب رسالة لمحمد بن زومان

- ‌الرسالة الثالثة والسبعون: إلى عبد المحسن بن سلمان

- ‌الرسالة الرابعة والسبعون: إلى أهل عرقة

- ‌الرسالة الخامسة والسبعون: جواب سؤال ورد عليه من أهل المجمعة

- ‌الرسالة السادسة والسبعون: إلى الشيخ عبد العزيز بن حسن

- ‌الرسالة السابعة والسبعون: جواب على سؤال

- ‌الرسالة الثامنة والسبعون: جواب على سؤال

- ‌الرسالة التاسعة والسبعون: إلى عثمان بن حسين وجماعته أهل الحوطة

- ‌الرسالة الثمانون: إلى عبد العزيز بن حسن

- ‌الرسالة الحادية والثمانون: إلى صالح الشثري

- ‌الرسالة الثانية والثمانون: الكلام على البسملة

- ‌ثالثا: الرسائل الخاصة بالفتن

- ‌الرسالة الثالثة والثمانون: إلى عبد الرحمن بن إبراهيم

- ‌الرسالة الرابعة والثمانون: إلى زيد بن محمد وصالح بن محمد الشثري

- ‌الرسالة الخامسة والثمانون: إلى علي بن محمد وابنه في شأن الفتنة

- ‌الرسالة السادسة والثمانون: إلى الشيخ إبراهيم ورشيد بن عوين في شأن الفتنة

- ‌الرسالة السابعة والثمانون: إلى الأخوان من بني تميم يعزيهم في وفاتهالشيخ عبد الملك

- ‌الرسالة الثامنة والثمانون: منظومة في الفتنة التي وقعت بين المسلمين

- ‌الرسالة التاسعة والثمانون: إلى سالم بن سلطان

- ‌الرسالة التسعون: إلى الشيخ حمد بن عتيق في شأن الفتنة

- ‌الرسالة الحادية والتسعون: إلى الشيخ حمد بن عتيق يحضه على الغلظة في معاداة من والى المشركين

- ‌الرسالة الثانية والتسعون: إلى الشيخ حمد بن عتيق يحضه في الدعوة إلى الله وبث العلم

- ‌الرسالة الثالثة والتسعون: غلى الشيخ حمد بن عتيق

- ‌الرسالة الرابعة والتسعون: إلى محمد علي

- ‌الرسالة الخامسة والتسعون: إلى أهل الحوطة

- ‌الرسالة السادسة والتسعون: إلى زيد بن محمد آل سليمان

- ‌الرسالة السابعة والتسعون: إلى زيد بن محمد آل سليمان

- ‌رسالة ملحقة

- ‌رسالة الرد على الصحاف

- ‌جدول يبين أمراء آل سعود وفترة إماراتهم

- ‌ملحق (جدول يبين أمراء آل سعود وفترة إماراتهم)

الفصل: ‌الرسالة الرابعة والثلاثون:: إلى الشيخ أبي بكر بن محمد آل الملا

‌الرسالة الرابعة والثلاثون:: إلى الشيخ أبي بكر بن محمد آل الملا

"الرسالة الرابعة والثلاثون"1

قال جامع الرسائل:

وله أيضا /رحمه الله/2 رسالة إلى الشيخ أبي بكر بن محمد3 آل الملا، المعروفين ببلد الإحساء، وكان أبو بكر هذا وأشياعه متهمين بطريقة الأشاعرة4 وكانوا في حال ظهور أهل الإسلام يخفون ذلك. فكتب هذا الشيخ 5 رسالة إلى بعض إخوانه/ بخطه/6. وكانت مشتملة على ما يمج سماعه من الزور والبهتان، والدفع لصريح السنة والقرآن، كقوله فيها: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه7، وأن آيات الصفات وأحاديثها من المتشابه.

فكتب عليها الشيخ المبجل والإمام الجليل المفضل، الشيخ عبد الرحمن بن حسن، جوابا بين فيه ما فيها من الزيغ والتعطيل، وأقام على ذلك البرهان والدليل؛ فزعم أنها ليست له، بل لبعض علماء الإحساء. وكان أشعري الاعتقاد، فحكم الشيخ بخط أبي بكر عليه، وأشار برد أباطيله إليه، لأن من اعتنى واشتغل بنسخ كتب الزندقة والتعطيل والتجهم، وأقره ما فيها من نفي إثبات الصفات المؤدي إلى التعطيل، وصمم بل زعم أنه لم يظهر له ما فهمه أهل الإثبات للصفات، على ما يليق بعظمة الله

1 في المطبوع جاءت هذه الرسالة في 2 294-301، وهي الرسالة رقم "54". وجاءت في "ب" في ص 125-130.

2 في "ج" و"د": قدس الله روحه، ونور ضريحه.

3 لم أعرفه.

4 في المطبوع: بطريق التأويل والتعطيل الكلامية.

5 أي الشيخ أبو بكر.

6 في "أ" والمطبوع: "يحضه"، وفي بقية النسخ ما أثبته، وهو الصواب، لما سيأتي من حكم الشيخ عبد الرحمن بالرسالة لصاحبها بخطه، عند إنكاره لها.

7 الكتاب والسنة يثبتان بأن الله سبحانه وتعالى مستوي على عرشه عال على خلقه. وذلك متواتر فيهما، وليس فيهما وصف له بما ذكره صاحب هذا القول.

انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 3/49.

ص: 585

وجلاله، ونعوت صفاته وكماله، ويدعي مع ذلك أنه لا يعتقد ما فيها، لكنه ما رد ولا أنكر ما اشتملت عليه من البدع والأهواء، ولم يسلك مناه أهل الحق والهدى؛ فدعواه دعوى باطلة جدلية، وسفسطة ظاهرة جلية. ثم إنه كتب يتظلم من تلك الرسالة، وأنها مخالفة لمعتقده 1 ومقاله. فكتب إليه الشيخ عبد اللطيف –قدس الله روحه- هذا الجواب، وأبان ما في كلامه من الزيغ والارتياب، وأن الأدلة والقرائن القوية تدل على استحسانه لتلك الاعتقادات الوبية. فنعوذ بالله من الخذلان ومخالفة السنة والقرآن.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي افترض تغيير المنكر باليد واللسان الجنان2وأخذ الميثاق على ورثة الرسل بالبلاغ والبيان، وأن لا يداهنوا في دين الله مغرورا بحبائل الشيطان3 وأن لا يركنوا إلى مفتون بزخارف الهذيان، وإن ظن أنه من أهل البصيرة والإيمان.

من الفقير إلى الله سبحانه عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، إلى الشيخ أبي بكر بن محمد، جمعنا الله وإياه على الطاعة، وجنبنا سبل الفتنة والشناعة.

سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد:

فقد وصلت إليَّ رسالتك إلى شيخنا الوالد –حفظه الله- ومتعنا والمسلمين بحياته. وقد أحسنت فيها بذكر المعتقد وبيانه، وأنك اقتديت/ فيها/4، بكلام أئمة

1 كذا في المطبوع، وفي جميع النسخ:"معتقد" بإسقاط اللام.

2 هذه إشارة إلى حديث: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده.." الحديث وقد تقدم تخريجه في 241.

3 وفي ذلك قوله تعالى: {فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ، وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} [القلم:8-9] .

4 في جميع النسخ: فيه.

ص: 586

الدين، كالإمام أبي حنيفة وغيره من السلف الماضين. وهذا القصد منكم.

وقد أشرت به إليك وقت اجتماعنا، إذ/ بذكرك/1 معتقدك وتقريره، والتبري من أهل البدع كالجهمية2 والمعتزلة3 والأشعرية4 والكرامية5 والماتريدية6 يحصل لنا نحن وإياك اتفاق الكلمة، وصلاح الطوية. نسأل الله أن يمن بذلك.

لكنك أسأت بذكر أمور، يحصل منها تفور واشمئزاز، وهذه معاكسة ظاهرة لما أشرت به إليك شفاها، ومتابعة لغرض نفسي شيطاني، لا لقصد شرعي إيماني.

من ذلك: أنك لما ذكرت أن الرسالة ليست لك، بل لبعض أسلافك من علماء الإحساء، وأنه كان أشعري الاعتقاد؛ اعترفت وصرحت بأنك نقلتها لبعض الإخوان بخطك، وهذا فيه ما لا يخفى من التهمة القوية، حيث أثبتها بخطك، وأشعتها في قومك ورهطك، غير ملتفت لرد ما فيها من الزور والبهتان، /والدفع لصريح السنة والقرآن، كقولك فيها: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه/7 وأن آيات الصفات وأحاديثها من المتشابه، وغير ذلك مما ساق من خرافاته، وما نمق من غلطاته ووهلاته.

وأنت مع ذلك لم تتحاش من نقلها وإهدائها إلى الإخوان. وكذلك سميت هذا الرجل وعددته –مع ما ارتكبه- من علماء المسلمين. وما هكذا المعروف من هدي أهل العلم والإيمان، فإنهم لا يكتبون الضلال والباطل والزور، إلا لرده ودفعه في نفس ذلك المزبور، وأنت قد خالفت هديهم، وخرجت عن طريقتهم، ومن سلك مسالك التهم فلا يلومنَّ من أساء به الظن.

1 في "ب" و"ج" و "د": بذكر.

2 تقدم التعريف بهم في ص 299.

3 تقدم التعريف بهم في ص 225.

4 تقدم التعريف بهم في ص 57.

5 تقدم التعريف بهم في ص 364.

6 تقدم التعريف بهم في ص 57.

7 ساقط في "أ" والمطبوع.

ص: 587

ثم إن خط الرجل حجة عليه، ودعواه أنه ناقل، دعوى تفتقر إلى إثبات ودليل؛ فلا غرو أن حكم شيخنا الوالد بخطك عليك، وأشار برد أباطيله إليك.

وقد ذكرت أنك كنت متأسيا حال النقل بما في الفقه الأكبر لأبي حنيفة، في العقيدة السليمة الحميدة، وعسى الله أن يحقق ذلك. وعلى تسليمه، كيف ساغ لك أن تكتب ضدها ولا تبين ما فيه ولو أخذت بواجب أمر الفرقان، وتخلقت بخلق أهل الإيمان المذكور في قوله تعالى:{وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً} 1 لما وجه الوالد ولا غيره إليك ردا ولا ملاما، ولكن: عرضت نفسك للبلاء فاستهدف.

ومن ذلك قولك: قد تمادى بنا الكلام حتى خرجنا عن المقام، تنبيها لأولي الأفهام ودفعا لكثير من الأوهام.

وهذا تصريح منك بأن أخذك بخطك من باب الوهم، ومن المعلوم أنه لم يكن مما يفيد اليقين والثبوت، فأقل أحواله تنزيلا، أن يكون من باب الفراسة، والحكم بالقرائن القوية. ومن زعم أن الحكم بها من باب الأوهام،/فسفسطته وجدله/2 مما لا يحتاج برهانه وتقريره لبسط كلام. ولا يشك من له أدنى مسكة من عقل، أن من اعتنى بنسخ كتب الزندقة والتعطيل والتجهم، مع دعواه أنه لا يعتقدها، فهو مخبول العقل، ليس عنده من وازع الدين ما يقتضي تركها.

هذا لو سلمنا له هذه الدعوى، وتركنا الأدلة والقرائن على استحسانها واعتقادها، وأدهى من هذا وأمر وأوضح/ عند/3 من نظر في خطك واعتبر أنك تقول أنه لم يظهر لك في حال نقلك لتلك الرسالة، من نفي إثبات الصفات، المؤدي إلى التعطيل، ما فهمه شيخنا الوالد حفظه الله، فإن كنت لا تفهم من قول هذا الرجل في ربه: أنه

1 سورة الفرقان الآية "72".

2 في "أ" و "ب": فسفسطة وجدلة.

3 في "أ" والمطبوع: منه.

ص: 588

لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه، وأن ما دل عليه حقائق صفات الله سبحانه، ونعوت جلاله، من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، معدود عند السلف من المتشابه، ونحو هذا من كلامه؛ فإن كنت لا تفهم من هذا نفيا ولا تعطيلا، فلتبك عقلك النوائح. أين أولو البصائر والأفهام أين المناضلون عن ملة الإسلام ما هذه إلا مكابرة جلية، وسفسطة جدلية، فإن صبيان المكاتب –فضلا عن أولي العلوم والمراتب يعلمون أن هذه العبارة صريحة في التعطيل، غير محتملة للتصحيح والتأويل.

وقد كنت أظن بك دوهن هذه المكابرة، وأحسب أنك ترعوي عند المحاقة والمخابرة، لا سيما بعد إطلاعك على هذا الرد النفيس، وما تضمنه من براهين الإثبات والتقديس، فخلت أن همتك ترتفع به إلى فوق، وإنك لا ترضى سبل الميل والعوق، وأن أفراخ اليونان لا تعوقك عن الوصول، وأن أسلاف القوم لا يصدفنك عن سنن الرسول، لكن كما قيل:

خفافيش أعشاها النهار بضوئه

ووافقها قطع من الليل مظلم

جوابه: إن الاتفاق والاختلاف، إنما يقع عند ذوي البصائر والعقول والإفهام السليمة في غير صرائح العبارات ومنطوقها، وفي غير الدلالة المطابقية. ولا يمتري عاقل –فضلا عن العالم- الذي خالف فهمك فهم شيخنا فيه، صريحه ومنطوقه، يرد زعمك وينافيه.

ثم إنك ادعيت أولا أنك سليم العقيدة موافق لما في الفقه الأكبر لأبي حنيفة، ولما عليه الأئمة الذين حكيت أقوالهم. وهذا حسن جيد، لكن يعكر عليه ويناقضه قولك بعد: لكني وقفت بعد ذلك على كلام لبعض العلماء، ينافي بعض ما فيها، فملت إليه، وعولَّتُ لكونه أقرب للسلامة، وأشبه بهدي أهل الاستقامة.

وهذا تصريح منك بالميل إلى خلافها، والتعويل على سواها بعد اعتقادها، وهو مخالف ومناقض لكلامك الأول، حيث زعمت أنك كنت في حال نقلك متأسيا بما

ص: 589

في الفقه الأكبر، ثم يا هذا، قد استدللت على رجوعك بقضية عمر في/ المشرَّكة/1 وبما صح من رجوع كثير من أئمة الاجتهاد عن أقوال ظهر لهم الحق في خلافها، والرجوع إلى الحق أولى وأحق، ولكن لا يخفي أن رجوعهم من اجتهاد إلى اجتهاد، بخلاف من رجع/عن/2 ذنب يأثم به ولا يؤجر، بل غايته بعد التوبة أن يغفر، ولذلك قالوا بصحة الاجتهاد الأول، /إذا قضى به أو حكم به، لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد 3. كما ذهب إليه عمر ومن تبعه من النقاد؛ بخلاف قضيتك

1 في المطبوع: "المشتركة" وهي أيضا تسمية صحيحة لهذه المسألة؛ وتسمى أيضا بالحمارية وبالحجرية وباليميَّة.

والمشركة: مسألة فرضية، ضابطها: أن يوجد في المسألة:

1-

زوج. 2- وذات السدس من أم أو جدة.

3-

وإخوة لأم اثنان فأكثر. 4- وأخ شقيق فأكثر، سواء كانوا ذكورا أم إناثا.

ولا بد لهذه المسألة من هذه الأركان الأربعة: فإن اختل واحد منها لم تكن مشرَّكة.

أما قضية عمر رضي الله عنه في المشركة: أنه رضي الله عنه عُرضت عليه هذه المسألة مرتين، فكان رايه فيهما رأيين، أخذ بكل واحد منهما طائفة من العلماء:

الأول: أنه رضي الله عنه قضى فيها أولا بسقوط الشقيق، جريا على الأصل، وهو سقوط العاصب، إذا استغرق الفروض التركة. وهذا مروي أيضا عن علي وابن عباس وابن مسعود وأبي بن كعب وغيرهم، وهو مذهب الإمام أبي حنيفة وأحمد.

الثاني: أنه في المرة الثانية قضى بالتشريك بين الإخوة من الأم والإخوة الأشقاء في الثلث. ووافقه على هذا جماعة من الصحابة، منهم عثمان، وإحدى الروايتين عن زيد وابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم، وهو قول شريح وابن المسيب وعمر بن عبد العزيز وابن سيرين ومسروق وطاووس والثوري ومالك والشافعي رحمهم الله.

العذب الفائض شرح عمدة الفارض، للشيخ إبراهيم بن عبد الله الفرضي، دار الفكر، ط/2، 1394هـ 1974م، 1/101-102. التحقيقات المرضية في المباحث الفرضية، للشيخ صالح بن فوزان بن عبد الله بن فوزان، ط/3، 1407هـ، ص 127-129. حاشية ابن عابدين 5/501، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 4/415، الأم للشافعي 4/117، المغني مع الشرح الكبير 7/21-22.

2 في "أ" والمطبوع: من.

3 هذا بالإجماع. انظر: الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 105؛ وشرح القواعد الفقهية لأحمد الزرقا ص 155، القاعدة رقم "15".

ص: 590

فإن الأخير مبطل للأول/1. فإن قلت: الشبه ليس من كل الوجوه، بل من حيث الرجوع إلى الحق؛ قلت: لأي شيء عدلت عن قوله: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً} 2 والعدول عن الدليل الصريح المطابق من كل الوجوه، يقدح في فهم الرجل وتأليفه.

ثم إنك تقول: اعلم أني –بحمد الله- غير مستنكف عن قبول الحق، ولا متسكبر ولا مستحقر.

وأقول: أي كبر أعظم وأدهى من أنفة الرجل أن يدعي إلى الله ظاهرا، ويرد قوله الذي/قد/3 شاع، ونسخ جهارا، ويعد هو خطاياه وذنوبه، من باب الاجتهاد، وقد اعرضنا عن غير ذلك من علامات بطر الحق.

وأما كون شيخنا الوالد صرح باسمك في الرياض، فهو منه/اهتمام/4 بالواجب الشرعي، فإن الرجل إذا خيف أن يفتتن به الجهال، ومن لا تمييز عندهم في نقد أقاويل الرجال، فحينئذ يتعين الإعلان بالإنكار، والدعوة إلى الله في السر والجهار، ليعرف الباطل فيحتنب، وتهجر مواقع التهم والريب. ولو طالعت كتب الجرح والتعديل، وما قاله أئمة التحقيق والتأصيل، فيمن التهم بشيء يقدح فيه، أو يحط من رتبة ما يحدث به ويرويه، لرأيت من ذلك عجبا، ولعرفت أن سعي الشيخ/محمود/5 قولا وسببا.

ثم إنك تذكر أن الرد صار للعوام والطغام سلما للوقيعة في أعراض علماء الإسلام. وفي هذا من تزكية نفسك والتنويه بذكرها ما لا يخفى، وما أظن عالما يقول أنا عالم. وقد قال عمر رضي الله عنه: من قال: أنا عالم، فهو جاهل؛ ومن قال: أنا مؤمن،

1 ساقط في المطبوع.

2 سورة الزمر الآية "53".

3 ساقطة في "ب" و"ج""د".

4 كذا في المطبوع. وفي بقية النسخ: اهتماما.

5 في "ج" و "د": "محمودا" وهو خطأ لأن خبر أن.

ص: 591

فهو كافر؛ ومن قال: أنا في الجنة، فهو في النار، انتهى1.

والعالم من يخشى اله، وهذا مأخوذ من قوله:{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} 2 فإن الآية تقتضي حصر العلماء في أهل الخشية، كما تقتضي حصر الخشية في العلماء؛ وحقيقة العلم هو ما جاءت به الرسل من معرفة الله سبحانه بصفات الكمال ونعوت الجلال، وإثباتا لا تعطيلا، وتنزيها لا تمثيلا، وذلك يقتضي من إسلام الوجه له، والتبتل إليه وحده لا شريك له، حبا وإجلالا وتعظيما وذلا وإخلاصا وانقيادا؛ وهو محسن في ذلك بعدم الانحراف عما جاءت به الرسل، طاعة لهم وتكريما، وهذا أيضا يقتضي العلم بالأوامر الشرعية، لأن الجاهل لا يحسن السير.

ولا بد في العلم بهذا من النفوذ إلى ما جاءت به الرسل، فيعرف الحكم3 من دليله. وأما غير ذلك من أنواع العلوم التي أحدثت بعد خير القرون، في العقائد والعبادة بما لم يشرعن كما عليه كثير ممن يدعي العلم في باب معرفة الله سبحانه/وتعالى/4 فإنهم أخذوا العقيدة في هذا الباب عن أهل القوانين الكلامية كالجهمية وغيرهم ممن خرج عن العقائد السلفية. وكما عليه كثير من أهل الطريق والتصوف، فإنهم أحدثوا من التعبد بالذوق والعقول، ما لم ترد به هذه الشريعة، وكذلك من اقتصر على تقليد المتأخرين في الأحكام، ولم يلتفت إلى أخذ الحكم من هدي سيد الأنام؛ فهذا ونحوه-وإن جاز لهم التقليد- فليسوا من أهل العلم بالإجماع، كما حكاه الحافظ ابن عبد البر5 رحمه الله.

وبالجملة، لو عرفت حقيقة العلم، لأحجمت عن عد نفسك من أهله، ولأيقنت أن

1 لم أقف على مصدره.

2 سورة فاطر الآية "28".

3 من هنا "أي من كلمة: من دليله" إلى نهاية هذه الرسالة، بياض في:"أ" و "ج" و"د". وهو مثبت في "أ" والمطبوع. وهو بقدر صفحتين في المطبوع.

4 زائدة في المطبوع.

5 تقدمت ترجمته في ص 520.

ص: 592

من ابتغى معرفة الله سبحانه/ وتعالى/1 مما نصبه مشايخ اليونان والفلاسفة، من الأدلة العقلية، والموازين الكلامية وأخذ عن تلامذتهم الذين نشأوا على ملتهم، ودانوا ببدعتهم، ولم يلتفت إلى ما/ جاء به الوحي/2 من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، زاعما/منه/3 بأنها ظواهر لفظية، ومجازات لغوية، وأن قانون المنطق هو القواطع العقلية والبراهين الجلية، وأن ما جاءت به الكتب، وأخبرت به الرسل من صفات الله، معدود من متشابه الكلام، مصروف عن حقيقة عند ذوي البصائر والأفهام، فنفى لذلك صفات الكمال، وأغرب في سلب نعوت الجلال، وأصاف إلى ذلك تقليد مشايخه في الأحكام والفروع، فلم يأخذ من هدي الرسل العلم المتبوع.

فهذا ونحوه من أضل الناس وأبعدهم عن هدي المرسلين، فضلا عن أن يكون من علماء المسلمين، وإن انضم إلى ذلك الضلال عن معرفة توحيد العباد، الذي هو فعل العبد وعمله وكسبه، فاتخذ الآلهة من دون الله/أربابا/4 فأحبهم كحب الله، وذل وخضع واستغاث واستعان، وذبح لغير الله القربان، وحلف تعظيما وتفخيما، وجراء أن يكون الند له شفيعا وعونا.

فهناك تشتد الرزية وتعظم البلية، ويعلم أن هؤلاء الضرب من الناس بينهم وبين الإسلام أبعد بون، وأن الأمر كما قيل:

نزلوا بمكة من قبائل هاشم

ونزلت بالبيداء أبعد منزل5

والمقام يستدعي أكثر من هذا، ولكن العاقل يسير فينظر. والسلف قد أنكروا على من سماهم علماء، فما بالك بمن سمى نفسه عالما، وتشبع بما لمي يعط! نعوذ بالله من الخذلان.

1 زائد في المطبوع.

2 كذا في المطبوع. وفي "أ": جاءت به الوحيان.

3 ساقطة في المطبوع.

4 في "أ": ربه.

5 لم أعرف قائله.

ص: 593

هذا، وفي رسالتك شيء من الهمز والتصنع والمداهنة، والغش والحقد وعدم التثبت. وأن الأولى الإسرار إليك وترك ما كتبته. وكذلك في تسمية من خاض في هذا –أعوام 1 أهل لغو- بالفضول ما لا يخفى على أرباب العقول، ولو شئت أن أبين لك من الأولى بذلك كله، فأقيم لك البراهين على انك متصف به لفعلت، وسجلت وقررت وحققت، ولكن سأترك ذلك ليوم تبدو فيه السرائر، ويظهر الله مكنون الضمائر. ولو صرحت بما في نفسك من الرد، وسجلت وناضلت، لكان أليق بك، فإن من أظهر ما في نفسه، حري بالرجوع إلى الحق، بخلاف من كتم وداهن، كما قيل:

فلست أرى إلا عدوا محاربا

/و/2 آخر خيرا منه عندي المحارب3

وكان قصدي منك أيها الشيخ أن تكتب ما تعتقده، وتدع التزكية والعتاب، وتطرح كل شك وارتياب، فغن ذلك أجمع للقلوب وأقرب للاتفاق، {وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ} 4. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

1 في المطبوع: عواما.

2 في المطبوع: أو.

3 لم أقف على مصدره.

4 سورة الأحزاب الآية "4".

ص: 594