الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
"لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" 1، يحذر ما فعلوه وقال:"اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد"2.
ولهذا اتفق أئمة الإسلام على أنه لا يشرع بناء المساجد على القبور ولا الصلاة عندها، وذلك لأن من أكبر أسباب عبادة الأوثان، كان تعظيم القبور؛ ولهذا اتفق العلماء على أنه من سلم على النبي صلى الله عليه وسلم عند قبره، فلا يشبه ببيت المخلوق ببيت الخالق كل هذا لتحقيق التوحيد الذي هو أصل الدين، ورأسه الذي لا يقبل الله عملا إلا به. ويغفر لصاحبه ولا يغفر لمن تركه، كما قال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} 3 وقال تعالى: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً} 4. ولهذا كانت كلمة التوحيد أفضل الكلام، وأعظم آية في القرآن، آية الكرسي: 5 {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} 6 وقال صلى الله عليه وسلم: "من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة"7.
والإله هو الذي تأله القلوب عبادة له، واستعانة به، ورجاء له، وخشية وإجلالا 8. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
1 تقدم تخريجه في ص 666.
2 تقدم تخريجه في ص 712.
3 سورة النساء الآية "48".
4 سورة النساء الآية "48".
5 هذا ما جاء في حديث عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا المنذر، أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} فضرب في صدري وقال: والله ليهنك العلم أبا المنذر". صحيح مسلم بشرح النووي 5/341، صلاة المسافرين، باب سورة الكهف وآية الكرسي.
6 سورة البقرة: الآية "255".
7 تقدم تخريجه في ص 623.
8 إلى هنا نهاية كلام شيخ الإسلام في الرسالة. وقد ورد أيضا في تيسير العزيز الحميد، ص 228، ط/7، 1408هـ، المكتب الإسلامي.
فتأمل أو لكلامه وآخره، وتأمل كلامه فيمن دعا نبيا أو وليا مثل أن يقول: يا سيدي أغثني ونحوه، أنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل؛ تجده صريحا في تكفير أهل الشرك وقتلهم بعد الاستتابة، وإقامة الحجة عليهم، وأن من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعا من الإلهية، فقد اتخذه إلها مع الله، لأن الإله هو المألوه، الذي يألهه القلب، أي يصدقه بالعبادة والدعوة، والخشية والإجلال والتعظيم؛ وإن زعم أنه لا يريد إلا الشفاعة والتقرب عند الله، لنه بين أن هذا هو/ مطلوب/1 المشركين الأولين. فاستدل على ذلك بالآيات الصريحات القاطعات والله أعلم.
وقال –رحمه الله في الكلام على قوله تعالى: {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} 2: ظاهره أن/ما ذبح/3 لغير الله سواء، لفظ به أو لم يلفظ. وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه للحم وقال فيه: بسم المسيح ونحوه.
كما أن ما ذبحناه متقربين به إلى الله تعالى، كان أزكى مما ذبحناه للحم وقلنا عليه بسم الله، فإن عبادة الله بالصلاة والنسك له، أعظم من/الاستعانة/4 باسمه في فواتح الأمور. والعبادة لغير الله أعظم/كفرا/5 /من الاستعانة/6 بغير الله. فلو ذبح لغير الله متقربا إليه لحرم، وإن قال فيه: بسم الله؛ كما/قد/7 يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة. وإن كان هؤلاء لا تباح/ذبائحهم/8 بحال، لكن يجتمع في الذبيحة مانعان.
1 في "د": المطلوب.
2 سورة البقرة: الآية "173".
3 في "د": من ذبح.
4 في "د" والمطبوع: الاستغاثة.
5 في "د": كفر.
6 في "د" والمطبوع: الاستغاثة.
7 ساقط في "د".
8 في "أ" والمطبوع: ذبيحتهم.
ومن هذا ما يفعل بمكة 1 وغيرها من الذبح للجن. انتهى كلام الشيخ –رحمه الله تعالى.
فتأمل –رحمك الله تعالى- هذا الكلام، وتصريحه فيه بأن من ذبح لغير الله من هذه الأمة، فهو كافر مرتد، لا تباح ذبيحته، لأنه يجتمع فيه مانعان:
الأول 2: أنها ذبيحة مرتد، وذبيحة المرتد لا تباح بالإجماع3.
الثاني 4: أنها مما أهل/ به/5 لغير الله، وقد حرم الله ذلك في قوله تعالى:{قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} 6. وتأمل قوله: ومن هذا ما يفعل بمكة وغيرها من الذبح للجن. والله أعلم.
1 هذا ما كان في زمن المؤلف. أما لآن فقد شرف الله تلك البقعة من الأرض وطهرها من الشرك وشوائبه وانمحت آثاره، بفضل الله ثم بفضل القائمين على رعايتها من لدن الملك عبد العزيز –رحمه الله وأبنائه من بعده إلى يومنا هذا- حماها الله من شر كل كافر ومشرك، آمين.
2 بياض في "أ".
3 انظر: فتح القدير لابن الهمام، 9/488؛ بدائع الصنائع للكاساني، 5/45؛ بداية المجتهد، 1/552؛ المهذب للشيرازي، 1/251؛ المغني مع الشرح الكبير، 10/87، 11/32؛ كشاف القناع عن متن الإقناع، 6/205.
4 بياض في "أ".
5 ساقط في "د".
6 سورة الأنعام الآية "145".
فصل: تقسيم ابن القيم الشرك إلى نوعين
…
"فصل"7
قال ابن القيم في شرح المنازل في باب التوبة 8.
وأما الشرك فهو نوعان: أكبر وأصغر. فالأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة، وهو أن يتخذ
7 لفظ "فصل" بياض في "أ".
8 مدارج السالكين، 1/339.
من دون الله ندا، يحبه كما يحب الله. 1 بل أكثرهم يحبون آلهتهم أعظم من محبة الله، ويغضبون لها ولا يغضبون إذا/ انتقص/2 أحد رب العالمين.
وقد شاهدنا نحن وغيرنا منهم جهرة، وترى أحدهم قد اتخذ ذكر إلهه ومعبوده على لسانه إن قام وإن قعد، وإن عثر وإن استوحش، وهو لا يذكر/إلا/3 ذلك، ويزعم أنه باب حاجته إلى الله، وشفيعه عنده؛ وهكذا كان عباد الأصنام سواء.
وهذا القدر هو الذي قام بقلوبهم، وتوارثه المشركون بحسب آلهتهم، فأولئك كانوا ألهتهم من الحجر، وغيرهم اتخذها من البشر. قال تعالى حايكا عن أسلاف هؤلاء:{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} 4. فهذه حال من اتخذ من دون الله وليا، يزعم أنه يقربه إلى الله.
وما أعز من تخلص من هذا، بل ما أعز من لا يعادي من أنكره. والذي قام بقلوب هؤلاء المشركين وسلفهم، أن آلهتهم تشفع لهم عند الله، وهذا عين الشرك. وقد أنكر الله عليهم في كتابه وأبطله، وأخبر أن الشفاعة كلها لله، قال الله تعالى:{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ، وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} 5. والقرآن مملوء من أمثال هذه الآية. ولكن أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته، ويظنه في قوم قد خلوا ولم يعقبوا وارثا. وهذا الذي يحول بين المرء وبين
1 في المطبوع زيد من هنا كلام طويل. وهو من كلام ابن القيم من مدارج السالكين، والشيخ عبد اللطيف –رحمه الله قد نقل الكلام بتلخيص شديد، كما هو في جميع النسخ ولعله كانت هذه الزيادات في المطبوع وفقا للنسخة التي اعتمدها الطابع.
2 في "أ": استنقص.
3 ساقط في "أ".
4 سورة الزمر: الآية "3".
5 سورة سبأ: الآيتان "22، 23".
فهم القرآن، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:"إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية"1.
وهذا لأن من لا يعرف الشرك وما عابه القرآن وذمه، وقع فيه وأقره، وهو لا يعرف أنه الذي عليه أهل الجاهلية، فينتقض بذلك عرى الإسلام، ويعود المعروف منكرا والمنكر معروفا، والبدعة سنة والسنة بدعة، ويُكفر الرجل بمحض الإيمان وتجريده التوحيد، ويُبَدَّع بتجريده متابعة الرسول، ومفارقته الأهواء والبدع. ومن له بصيرة وقلب حي يرى ذلك عيانا والله المستعان.
ومن أنواعه طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم، لأن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، فضلا لمن استغاث به وسأله ان يشفع له إلى الله. وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عنده، فإن الله –سبحانه- لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه، والله –سبحانه- لم يجعل سؤال غيره سببا لإذنه، وإنما السبب لإذنه كمال التوحيد. فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن.
والميت محتاج إلى من يدعو له كما أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم إذا زرنا قبور المسلمين، أن نترحم عليهم ونسأل لهم العافية والمغفرة2، فعكس هذا
1 تقدم قول عمر هذا في ص 265.
2 ومما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك:
حديث عائشة –رضي الله عنها قالت: كيف اقول لهم يا رسول الله –تعني أهل القبور-. قال: "قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون". صحيح مسلم بشرح النووي، 7/48، الجنائز، باب ما يقول عند دخول القبور والدعاء لأهلها.
وعن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية". صحيح مسلم بشرح النووي، 7/49. الجنائز، باب ما يقول عند دخول المقابر. سنن النسائي، 4/94، الجنائز، باب الأمر بالاستغفار للمؤمنين، سنن ابن ماجه، 1/283، الجنائز، باب ما جاء فيما يقال إذا دخل المقابر.
المشركون، وزاروهم زيارة العبادة، وجعلوا قبورهم أوثانا تعبد، فجمعوا بين الشرك بالمعبود وتغيير دينه، ومعاداة أهل التوحيد، ونسبتهم إلى تنقيص الأموات، وهم قد تنقصوا الخالق بالشرك، وأولياءه الموحدين بذمهم ومعاداتهم، وتنقصوا به غاية التنقص إذ ظنوا أنهم راضون منهم بهذا، وأنهم أمروهم به.
وهؤلاء أعداء الرسل في كل زمان ومكان، وما أكثر المستحبين لهم، ولله در خليله إبراهيم/عليه السلام/1 حيث قال:{وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ، رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ} 2. وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر إلا من جرد توحيده لله وعادى المشركين في الله، وتقرب بمقتهم إلى الله3. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
فتأمل –رحمك الله- كلام هذا الإمام وتصريحه بأن من دعا الموتى، وتوجه إليهم، واستغاث بهم ليشفعوا له عند الله؛ فقد فعل الشرك الأكبر الذي بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بإنكاره، وتكفير من لم يتب منه وقتاله ومعاداته. وأن هذا قد وقع في زمانه، وأنهم غيروا دين الرسول صلى الله عليه وسلم وعادوا أهل التوحيد، والذين يأمرونهم بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له.
وتأمل قوله أيضا: وما أعز من تخلص من هذا، بل ما أعز من لا يعادي من أنكره، يتبين لك الأمر إن شاء الله تعالى.
ولكن تأمل –أرشدك الله- قوله: وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر إلا من عادى المشركين
…
إلى آخره يتبين لك أن الإسلام لا يستقيم إلا بمعاداة أهل هذا الشرك، فإن لم يعادهم، فهو منهم، وإن لم يفعله. والله أعلم.
1 ساقط في "د".
2 سورة إبراهيم: الآية "35، 36".
3 مدارج السالكين لابن القيم، 1/339-346، وقد نقل الشيخ عبد اللطيف هذا الكلام بتلخيص شديد.
وقال –رحمه الله في كتابه: زاد المعاد في هدي خير العباد1، في الكلام على غزوة الطائف2 وما فيها من الفقه قال فيها: "إنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت، بعد القدرة على هدمها وإبطالها يوما واحدا. فإنها/من/3 شعائر الكفر والشرك. وهي أعظم المنكرات فلا يجوز الإقرار عليها مع القدرة البتة.
وهذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور، التي اتخذت أوثانا وطواغيت تعبد من دون الله، والأحجار التي تقصد للتعظيم وللشرك والتقبيل4، لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالته. /وكثير/5 منها بمنزلة اللآت والعزى ومناة الثالثة الأخرى6، أو أعظم شركا عندها وبها، والله المستعان. ولم يكن أحد من إياب هذه الطواغيت، يعتقد أنها تخلق وترزق، وتحيي وتميت؛ وإنما كانوا يفعلون عندها وبها ما يفعله إخوانهم من المشركين اليوم عند طواغيتهم، فاتبع هؤلاء سنن من كان قبلهم7 حذو القذة بالقذة، وأخذوا مأخذهم شبرا بشبر وذراعا بذراع، وغلب الشرك على أكثر النفوس، لظهور الجهل وخفاء العلم؛ وصار المعروف منكرا والمنكر معروفا، والسنة بدعة والبدعة سنة، ونشأ في ذلك الصغير، وهرم عليه الكبير، وطمست الأعلام، واشتدت غربة الإسلام، وقل العلماء/وغلب/8 السفهاء، وتفاهم الأمر، واشتد البأس، وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس9،
1 ذكر كلامه هذا في الجزء الثالث، ابتداء بصفحة 506.
2 وكانت غزوة الطائف في سنة "8هـ" بعد غزوة حنين. يرجع فيها إلى مظانها: سيرة ابن هشام، 4/121؛ البداية والنهاية لابن كثير، 4/344، وغيرهما من كتب السير والتاريخ.
3 زيادة "من" هنا تصرف من المؤلف؛ إذ لا وجود له في أصل النص في الزاد.
4 في أصل النص في الزاد: "والنذر والتقبيل" وكلمة "النذر" ساقطة في جميع النسخ.
5 في "د": وكثيرا.
6 وهذه أسماء أصنام التي ورد ذكرها في قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى} [النجم: 19، 20] .
7 هنا أسقط الشيخ عبد اللطيف رحمه الله في النقل، قوله:"وسلكوا سبيلهم".
8 في "د" والمطبوع: وغلبت.
9 هنا اقتبس الإمام ابن القيم –رحمه الله من قوله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ} [الروم:41] .
ولكن لا تزال طائفة من/ الأمة/1 المحمدية/ بالحق/2 قائمين، ولأهل الشرك والبدع مجاهدين، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين"3.
وقال الشيخ تقي الدين –لما سئل عن قتال التتار 4 مع تمسكهم بالشهادتين، ولما زعموا من اتباع أصل الإسلام-: "كل طائفة ممتنعة عن التزام شرائع الإسلام، الظاهرة المتواترة، من مقاتلي/5 هؤلاء القوم وغيرهم، فإنه يجب قتلهم حتى يلتزموا شرائعه؛ كما قاتل أبو بكر والصحابة –رضي الله عنهم مانعي الزكاة، وعلى ذلك اتفق الفقهاء6 بعدهم، بعد سابقة مناظرة عمر لأبي بكر، رضي الله عنهما.
واتفق الصحابة على القتال على حقوق الإسلام، عملا بالكتاب والسنة. وكذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من عشرة أوجه7 الحديث عن الخوارج والأمر بقتالهم، وأخبر أنهم شر الخلق والخليفة، مع قوله:"تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم"8.
فعلم أن مرد الاعتصام بالإسلام مع عدم التزام شرائعه، ليس بمسقط للقتال،
1 في الأصل –زاد المعاد-: "العصابة". وهو تصرف من الشيخ عبد اللطيف –رحمه الله.
2 ساقط في جميع النسخ. والتكملة من أصل النص في الزاد.
3 زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم، 3/506-507.
4 انظر نص السؤال في مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية،28/501-502.
5 زيادة من المؤلف؛ إذ لا وجود له في نص شيخ الإسلام –رحمه الله في المجموع.
6 انظر: روضة الطالبين 2/149؛ والمغني مع الشرح الكبير، 2/435؛ وفقه الزكاة للدكتور يوسف القرضاوي، مؤسسة الرسالة بيروت، ط/1/ 1405هـ، 1985م، 1/78-79؛ والفقه الإسلامي وأدلته، د. وهبة الزحيلي، 2/735.
7 روى هذه الأوجه العشرة الإمام مسلم في صحيحه، 7/170-180، كتاب الزكاة باب ذكر الخوارج وصفاتهم، وباب التحريض على قتل الخوارج، من حديث رقم "147-160".
8 أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، 7/170-172، كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم. وقد تقدم تخريج حديث المخدج في ص 169.
فالقتال واجب حتى يكون الدين كله لله، وحتى لا تكون فتنة 1. فمتى كان الدين لغير الله فالقتال واجب. فأيما طائفة ممتنعة امتنعت عن الصلاة، أو الصيام أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء والأموال والخمر والزنا أو الميسر أو نكاح ذوات المحارم، أو عن التزام جهاد الكفار، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب، أو غير ذلك من التزام واجبات الدين ومحرماته التي لا عذر لأحد في جحودها أو تركها، الذي يكفر/ الجاحد لوجوبها/2، فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها، وإن كانت مقرة بها.
وهذا مما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء. وإنما اختلف الفقهاء في الطائفة الممتنعة إذا أصرت على ترك بعض السنن، كركعتي الفجر أو الأذان والإقامة –عند من لا يقول بوجوبهما-3 ونحو ذلك من الشعائر. فهل تقاتل الطائفة الممتنعة على تركها أم لا؟
فأما الواجبات أو المحرمات المذكورة ونحوها، فلا خلاف في القتال عليها.
وهؤلاء عند المحققين من العلماء، ليسوا بمنزلة البغاة الخارجين على الإمام.
والخارجين عن طاعته؛ كأهل الشام مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فإن أولئك خارجون عن طاعة إمام معين، أو خارجون عليه لإزالة ولايته. وأما المذكورون فهم خارجون عن الإسلام، بمنزلة مانعي الزكاة، أو بمنزلة الخوارج الذين قاتلهم علي رضي
1 هنا يشير شيخ الإسلام إلى لدليل على وجوب قتال هؤلاء وهو قوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال:39] .
2 كذا في مجموع الفتاوى، 29/503. وفي جميع النسخ:"الواجد بجحودها".
3 وهم الجمهور؛ الحنفية والمالكية والشافعية. فيقولون إنهما "أي الأذان والإقامة" سنة مؤكدة للرجال جماعة، للصلوات الخمس والجمعة، دون غيرها.
وعند الحنابلة: أنهما فرضا كفاية للصلوات الخمس والجمعة، دون غيرها. انظر: فتح القدير لابن الهمام، 1/240، بدائع الصنائع، 1/402.الشرح الصغير، 1/246، الشرح الكبير 1/191. المهذب في فقه الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه، لأبي إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزآبادي الشيرازي "ت476هـ"، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه بمصر، 1/55، مغني المحتاج، 1/133، روضة الطالبين، 1/195- المغني مع الشرح الكبير 1/438، كشاف القناع، 1/267، المبدع في شرح المقنع لابن مفلح، 1/312.
الله عنه ولهذا اقترفت/سيرته/1 رضي الله عنه في قتاله لأهل البصرة وأهل الشام، وفي قتاله لأهل النهروان، وإن كانت سيرته مع البصريون والشامي سيرة الأخ مع أخيه، ومع الخوارج بخلاف ذلك.
وثبتت النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم بما استقر عليه إجماع الصحابة، من قتال الصديق لمانعي الزكاة2، وقتال علي للخوارج3" انتهى كلامه رحمه الله تعالى4.
فتأمل –رحمك الله- تصريح هذا الإمام في هذه الفتوى، بأن من امتنع من شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة، كالصلوات الخمس أو الزكاة أو الحج، أو ترك المحرمات كالزنا، أو تحريم الدماء، والأموال، أو شرب الخمر أو المسكرات أو غير ذلك، أنه يجب قتال الطائفة الممتنعة عن ذلك، حتى يكون الدين كله لله، ويلتزموا شرائع الإسلام. وإن ذلك مما اتفق عليه الفقهاء من سائر الطوائف، من الصحابة فمن بعدهم، وأن ذلك
1 في الأصل-مجموع الفتاوى،28/504:"سير علي". وفي جميع النسخ إضمار الاسم وهو الأولى هنا، حيث تقدم قريبا إظهاره.
2 من ذلك: ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو بكر رضي الله عنه، وكفر من كفر من العرب، فقال عمر رضي الله عنه: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قالهما عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله". فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها. قال عمر رضي الله عنه: فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر رضي الله عنه، فعرفت أنه الحق.
صحيح البخاري مع الفتح 3/308، الزكاة، باب وجوب الزكاة صحيح مسلم بشرح النووي، 1/314-318، الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله؛ سنن أبي داود، 2/198-199، الوكاة، باب وجوب الزكاة. سنن الترمذي، 5/605، الإيمان، باب ما جاء أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله. سنن النسائي، 7/77، كتاب تحريم الدم. سنن ابن ماجه، 2/363، الفتن، باب الكف عمن قال لا إله إلا الله.
3 وقد تقدم في ذلك أحاديث. انظر ص 167.
4 مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية،28/502-504.
/عمل/1 بالكتاب والسنة.
فتبين لك أن مجرد الاعتصام بالإسلام مع عدم التزام شرائعه، ليس بمسقط للقتال، وأنهم يقاتلون قتال كفر وخروج عن الإسلام، كما صرح به في آخر الفتوى بقوله: وهؤلاء عند المحققين من العلماء/بمنزلة/2 مانعي الزكاة. انتهى والله أعلم.
وقال في الإقناع من كتب الحنابلة التي تعتمد عندهم في الفتوى: "وأجمعوا على وجوب قتل المرتد، فمن أشرك بالله –تعالى-./فقد/3 كفر بعد إسلامه، /لقوله/ 4 تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} 5، أو جحد ربوبيته أو وحدانيته/ كفر، لأن جاحد ذلك مشرك بالله –تعالى- إلى أن قال: قال الشيخ: أو كان مبغضا لرسوله/6 أو ما جاء به اتفاقا، أو جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم كفر إجماعا، لأن ذلك كفعل عابدي الأصنام قائلين:{مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} 7 8.
1 في "أ" و "د": عملا.
2 كذا في "د". وفي "أ" والمطبوع: "ليسوا بمنزلة". والصواب المثبت؛ لأن المذكورين من التتار، وتاركي الواجبات بمنزلة مانعي الزكاة.
3 ساقط في "أ" و "د". مثبت في المطبوع وفي الإقناع.
4 في جميع النسخ: "كقوله". وهو خطأ. والمثبت من الإقناع، وهو تعليل لما تقدم.
5 سورة النساء: الآية "48".
6 ساقط في "د".
7 سورة الزمر: الآية "3".
8 كشاف القناع على متن الإقناع، لمنصور البهوتي، 6/168-169.
فصل: تعريف الحنفية للكفر
…
"فصل"
وأما كلام الحنفية، فقال في كتاب: تبيين المحارم المذكورة في القرآن 9: باب الكفر:
9 هو كتاب للشيخ سنان الدين يوسف الأماسي الواعظ الحنفي، نزيل مكة متوفى في حدود سنة "1000هـ" وهو مرتب على ثمانية وتسعين بابا على ترتيب ما وقع في القرآن من الآيات التي تدل على حرمة الشيء. فرغ منه في سنة "980هـ". ذكره البغدادي في كشف الظنون، 1/342، ولم أقف عليه.
"وهو/1 / وجحود الحق وإنكاره، وهو أول ما ذكر في القرآن العظيم من المعاصي، قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ} الآية 2 وهو أكبر الكبائر على الإطلاق، فلا كبيرة فوق الكفر. إلى أن قال: واعلم أن ما يلزم به الكفر أنواع: نوع يتعلق بالله –سبحانه-، نوع يتعلق بالقرآن وسائر الكتب المنزلة، ونوع يتعلق بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء والملائكة والعلماء، ونوع يتعلق بالأحكام. فأما ما يتعلق به –سبحانه-، إذا وصف الله سبحانه بما لا يليق به، بأن شبه الله سبحانه بشيء من المخلوقات، أو نفي صفاته، أو قال بالحلول أو الاتحاد معه قديم غيره، أو معه مدبر مستقل غيره، أو اعتقد أنه –سبحانه- حسم، أو محدث، أو غير حي، أو اعتقد أنه لا يعلم الجزئيات، أو سخر باسم من أسمائه أو أمره أو وعده، أو أنكرمها أو سجد لغير الله تعالى، أن سب الله سبحانه، أو ادعى له ولدا وصاحبة، أو أنه متولد من شيء كائن عنه، أو أشرك بعبادته شيئا من خلقه، أو افترى على الله –سبحانه وتعالى الكذب بادعائه الإلهية والرسالة. إلى أن قال: وما أشبه ذلك مما لا يليق به –سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا –يكفر بهذه الوجوه لأجل/ سوء فعله عمدا/ 3 أو هزلا؛ يقتل إن أصر على ذلك. فإن تاب تاب الله عليه وسلم من القتل". انتهى كلامه –رحمه الله بحروفه 4.
وقال الشيخ قاسم في شرح الدر: النذر الذي يقع من أكثر العوام، بأن يأتي إلى قبر
2 سورة البقرة: الآية "6".
3 في "د": سواء فعله عمدا.
4 في كتابه تبيين المحارم المذكورة في القرآن. ولم أجده مع كثرة بحثي عنه.
بعض الصلحاء قائلا: يا سيدي فلان، إن رد غائبي أو عوفي مريضي، أو قضيت حاجتي، فلك من الذهب أو الطعام أو الشمع كذا، /باطل/1 إجماعا لوجوه، منها: أن النذر للمخلوق لا يجوز.
ومنها: أن ذلك كفر. إلى أن قال: قد ابتلي الناس بذلك ولا سيما في مولد أحمد البدوي2. انتهى3. فصرح بأن هذا النذر كفر يكفر به المسلم. والله أعلم./وصلى الله على محمد وآله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا/4.
1 في "أ" و "د": باطلا.
2 تقدمت ترجمته في ص 345-667.
3 شرح الدر. ولم أقف عليه.
4 زيادة في "د".
الرسالة السادس والأربعون: إلى زيد بن محمد آل سليمان
…
"الرسالة السادس والأربعون"1
قال جامع الرسائل:
وله قدس الله روحه ونور ضريحه رسالة إلى زيد بن محمد آل سليمان، قال فيها:
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المكرم زيد بن محمد –سلمه الله تعالى-، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو على نعمه، جعلنا الله وإياك من الشاكرين الصابرين. ومن مدة ما جاءنا منكم خط. وعادة الإخوان يتفقد بعضهم بعضا، لا سيما أوقات الفتن التي تموج، وعند الحوادث التي هي على الأكثر تروج.
وأوصيك بتقوى الله –تعالى- والقوة في دينك ونشر العلم، خصوصا في كشف الشبهة التي راجت على من لا بصير له، ولم يفرق بين البغاة والمشركين، ولم يدر أن نصر من استنصر من الملة على أهل الشرك، واجب على أهل الإيمان والدين، قال –تعالى- فيمن ترك الهجرة واستنصر بالمسلمين:{وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ} 2.
ومن عقيدة أهل السنة: الجهاد في سبيل الله، وأنه ماض مع كل إمام بر أو فاجر إلى يوم القيامة.
واكتب لي جوابا يكون عونا على البر والتقوى، وردعا لأهل الجهل والهوى، وبلغ سلامنا الشيخ حسين، وحسن، ورشيد، وخواص الإخوان، ومن لدينا العيال بخير وينهون السلام، والسلام.
1 وردت هذه الرسالة في حاشية "أ" ص 49.
2 سورة الأنفال: الآية "72".
الرسالة السابعة والأربعون: إلى زيد بن محمد
…
"الرسالة السابعة والأربعون"1
قال جامع الرسائل:
وله رحمه الله رسالة إلى زيد بن محمد أيضا، وهي خطه بيده:
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ زيد بن محمد سلمه الله –تعالى-، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فأحمد إليك الله على إنعامه، والخط وصل، وسرنا سلامتك وعافيتك. وتعرف أن زمانك أشبه بزمن/الفترة/2، وقل من يعرف حقيقة الإسلام فضلا عمن يعمل به، ولله على مثلك عبودية، هي من أفرض الفرائض وأوجب الواجبات، فلا تغفل عن نفسك ومعرفة ما أنت مطالب به {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} 3.
وبلغ عمك وأولادك وأولاده السلام. كذلك إخواننا في الله. والولد والعيال بخير وينهون السلام، والسلام.
1 وردت هذه الرسالة في حاشية "أ" ص 49-50.
2 في الأصل: الفترات.
3 سورة الحجر الآية "92، 93".
الرسالة الثامنة والأربعون: إلى زيد بن محمد آل سليمان
…
"الرسالة الثامنة والأربعون"1
قال جامع الرسائل:
وله قدس الله روحه ونور ضريحه رسالة أيضا إلى زيد بن محمد آل سليمان، وهذا نصها:
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المكرم زيد بن محمد زاده الله علما وإيمانا وبصيرة وإيقانا سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، /وبعد/2:
فأحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو على نعمه. والخط وصل وصلك الله ما يرضيه، والله المسئول أن يمن علينا وعليكم بالثبات واليقين، والصبر على التزام ما يرضيه سبحانه، واختار لنا من الدين والقوة على جهاد المفتونين والمنقلبين.
ونخبرك أن الإمام عبد الله ومحمدا وتركيا وصلوا الرياض/ في الثامن والعشرين من شعبان/3، نسأل الله أن يجعلها هجرة إليه وإلى رسوله، بالتزام الإيمان والمتابعة والبراءة من عابدي الأصنام والصلبان.
وبلغ السلام العيال، والشيخ حسين، وحسين، ورشيد، ومن لديك من الإخوان، ومن لدينا العيال يسلمون عليك. والسلام.
1 وردت هذه الرسالة في حاشية "أ" ص 50-51.
2 بياض في الأصل.
3 في الأصل: ثامن عشرين شعبان.
الرسالة التاسعة والأربعون: إلىإلى زيد بن محمد آل سليمان
…
"الرسالة التاسعة والأربعون"1
قال جامع الرسائل:
وله قدس الله روحه ونور ضريحه رسالة أيضا إلى زيد بن محمد آل سليمان، وهذا نصها:
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المحب زيد بن محمد –زاده الله علما، ووهب له حكما- سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فأحمد إليك الذي لا إله إلا هو على سوابغ نعمه. والخط وصل، وبه الأنس حصل، حيث أفاد سلامة من نحب ونشفق عليه. وما ذكرت من عدم المكاتبة، فليس ذلك عن إهمال، وإنما كثرة الاشتغال، وتشتت البال، وعدم الشعور بأكثر القادمين إليكم. والسؤال عنكم كثير، والدعاء لكم غير قليل، أرجو أنه في ذات الله ولجلاله.
وما ذكرت من حال أكثر الناس، وأنهم دخلوا الفتنة ولا أحسنوا الخروج منها؛ فالأمر كما وصفت، ولكن ذكر الحافظ الذهبي أن "حسبنا"2 الصائغ قال للإمام أحمد: سألت أبا ثور عن اللفظية فقال: مبتدعة. فغضب أحمد وقال: اللفظية جهمية من أهل الكلام، ولا يفلح أهل الكلام. أو كما قال. فأنكر على أبي ثور التساهل في الإنكار، ورأى أن تعظيم الأمر والنهي يقتضي غير ذلك، من ذكر أوصافهم الخاصة الشنيعة، والغلظة في كل مقام بحسبه، وفتنة البغي فتحت باب الفتنة بالشرك والمكفرات، ووصل دخنها وشررها جمهور من خاض فيها من منتسب إلى العلم وغيره، والخلاص منها عزيز، إلا من تداركه الله ورده إلى الإسلام ومن عليه بالتوبة النصوح وعرف ذنبه.
1 وردت هذه الرسالة في حاشية "أ" ص 51-52.
2 كذا في الأصل، ولم أعرفه.
النصوح وعرف ذنبه.
وبلغ سلامنا الأولاد والإخوان، ومن لدينا عبد العزيز، وإخوانه، وإسماعيل وإخوانه، ينهون السلام، وأنت سالم والسلام.
الرسالة الخمسون: إلى محمد بن عمير
…
"الرسالة الخمسون"1
قال جامع الرسائل:
وله أيضا رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ محمد بن عمير –وفقه الله تعالى لفعل الإيمان والخير-، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
وصلتنا خطوطك ومنظومتك، والله –سبحانه وتعالى المسئول أن يمن علينا وعليك لمعرفة الحق بدليله، والدعوة إلى الله وإلى سبيله.
وتعرف أنا رأينا من أجناس المعاندين وأعيان المشركين خلقا كثيرا. ولم نر مثل هذا المفتون2 في جهله وضلالته وشناعة معتقده ومقالته. وقد رأيت كتابه الذي سماه "جلاء الغمة" ورأيت حشوه من مسبة دين الله والصد عن سبيله، والكذب على الله وعلى رسوله، وعلى أولي العلم من خلقه، وأئمة الهدى ما لم نر مثله للمويس وابن فيروز والقباني وأمثالهم ممن تجرد لعداوة الدين ومسبة مشايخ المسلمين. فابتدأ مصنفه بمسبة الشيخ، وأن الله ابتلى به أهل نجد وجزيرة العرب؛ وأنه كفر الأمة عامها وخاصها، وجعل من يبني المساجد ويرفع المنار مشركين أصليين، وأن قوله يتناقض، وأنه أخذ أموال المسلمين وجعلها فيا له ولعياله، وأن خطاب النبي صلى الله عليه وسلم وخطاب الموتى بطلب الشفاعة وغيرها من المطالب، ليس بشرك، ويستدل على ذلك بأحاديث موضوعة، وحكايات مكذوبة، ويزعم أن من له الشفاعة يوم القيامة، يجوز دعاؤه وطلبه في هذه الحياة الدنيا، ويسوغ التوجه إليه، وأن صاحب البردة قد أحسن
1 وردت هذه الرسالة في حاشية "أ" ص 61-63.
2 يريد عثمان بن منصور –صاحب كتاب: جلاء الغمة في تكفير هذه الأمة-، وقد تقدمت ترجمته في ص 59.
وأصاب ويستدل من جهله على ذلك بأنه رواها علن فلان وفلتان وهيان بن بيان وابن حج وأبي حيان، ونحو ذلك من طرائق الشيطان. ويرد بمثل هذه النصوص السنة والقرآن. نعوذ بالله من الجهل والحمق والخذلان.
وكان الرجل من رجال الجاهلية الأولى، لم يأنس بشيء مما جاءت به الأنبياء، ولم يدر ما كان عليه السلف الصالحون والأولياء المتقون، ويحتج على بطلان دعوة شيخنا، وبأن بلاده بلاد مسيلمة، ولم يدر أنه عاب بذلك أهل مصر والشام والعراق والحرمين وسائر البلدان التي سكنها من نازع الله في الربوبية والإلهية.
فيا ويحه إن لم تداركه توبة
…
لسوف يرى للمجرمين مرافقا
وله من ركة القول وفهامة1 الخطاب، وعدم المعرفة بقواعد الإعراب ما يوصل تشبيهه بسائمة الأنعام، وثور الدولاب معدا.
حررت إليك بهذه البطاقة لتقرأها على الخاصة والجماعة، وتنذر من سمع شيئا من مقالته أن يغتر بجهالته وضلالته. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. وسلام على إخواننا الصادقين، ورحمة الله وبركاته إلى يوم الدين آمين.
1 فهاهة: من فهِةَ، أي عيي، يقال: وفههت تَفَهُ وتَفِهُ فهاهة، أي عيت. والفهاهة: العي؛ وفه الرجل في خطبته وحجته، إذا لم يبالغ فيها ولم يشفها، وقد فههت في خطبتك فهاهة. لسان العرب، 13/525، مادة "فهه".
الرسالة الحادية والخمسون: إلى خالد آل قطنان ومحمد بن عيسى
…
"الرسالة الحادية والخمسون"1
قال جامع الرسائل:
وله –قدس الله روحه ونور ضريحه- رسالة إلى خالد آل قطنان ومحمد بن عيسى:
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المكرم خالد بن إبراهيم آل قطنان ومحمد بن عيسى –سلمهما الله- تولاهما- سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فنحمد إليكما الله الذي لا إله إلا هو على سوابغ نعمه، جعلنا الله وإياكم من عباده الشاكرين.
والخطوط وصلت وصلكم الله ما يرضيه، وأنا حريص على جوابها، لكن ما تيسر لي طارش2 قبل حامل هذا الخط. ومن جهة الفائدة، فأجل الفوائد وأشرفها ما دل عليه الكتاب العزيز، من معرفة الله بصفات كماله ونعت جلاله، وآياته ومخلوقاته، ومعرفة ما يترتب على ذلك من عبادته وطاعته، وتعظيم أمره ونهيه، وأدلة ذلك مبسوطة في كتاب الله.
وأكثر الناس ضل عن هذين الأصلين مع أنهما زبدة الرسالة ومقصود النبوة، ومدار الأحكام عليها. والعجب كل العجب، أن حفظة القرآن وجملة الأحاديث والآثار ضلوا عما هو محفوظ في صدورهم، متلو بألسنتهم وطلبوا العلم من غيره، فضلوا وأضلوا. فعليكم بطلب العلم النافع لا سيما ما يسأل عنه العبد في قبره: من ربك وما
1 وردت هذه الرسالة في حاشية "أ" ص 64-65.
2 طارش: كلمة تستعملها العامة، وهي بمعنى المسافر. والمعنى: أنه لم يتيسر له مسافر يحمله جوابه.
دينك ومن نبيك اعرفوا تفاصيل هذا، ومعنى الرب في هذا المحل،
وتفقهوا في هذه الأصول قبل أن تزل قدم وتزول.
وأما الفرق بين المداراة والمداهنة:
فالمداهنة: ترك ما يجب لله، من الغيرة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتغافل عن ذلك لغرض دنيوي وهوى نفساني؛ كما في حديث:"إن من كان قبلكم كانوا إذا فعلت فيهم الخطيئة أنكروها ظاهرا، ثم أصبحوا من الغد يجالسون أهلها، ويواكلونهم ويشاربونهم، كأن لم يفعلوا شيئا بالأمس"1، فالسكوت والمعاشرة مع القدرة على الإنكار، هي عين المداهنة.
وثمود لو لم يدهنوا في ربهم
…
لم تدم ناقتهم بسيف قدار 2
وأما المداراة: فهي درأ الشيء المفسد بالقول اللين، وترك الغلظة والإعراض عنه إذا خيف شره أو حصل منه أكبر مما هو ملابس. وفي الحديث:"شركم من اتقاه الناس خشية فحشه"3 وعن عائشة –رضي الله عنها: "أنه استأذن على النبي صلى الله
1 المعجم الكبير للطبراني، 10/180. وأخرجه الهيثمي بلفظ: صلى الله عليه وسلم: "إن من كان قبلكم من بني إسرائيل إذا عمل فيهم العامل الخطيئة فنهاه الناهي تعذيرا، فإذا كان من الغد جالسه وواكله وشاربه، كأن لم يره على خطيئة بالأمس. فلما رأى الله –تعالى- ذلك منهم، ضرب قلوب بعضهم على بعض على لسان داود وعيسى بن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر ولتأخذن على أيدي المسيء، ولتأطرنه على الحق أطرا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ويلعنكم كما لعنهم".
قال الهيثمي: "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح". مجمع الزوائد، 7/269.
2 لم أقف على مصدر هذا البيت فيما اطلعت عليه.
3 أخرجه مسلم في صحيحه، 16/381، البر والصلة، باب من يتقى شره، بلفظ:"إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من ودعه أو تركه الناس اتقاء فحشه. وعند الإمام أحمد في مسنده 2/378 رواية: "شركم من لا يرجى خيره ولا يؤمن شره".
وعند الهيثمي في المجمع 8/183: "
…
شراركم من يتقى شره ولا يرجى خيره
…
" قال: رواه أبو يعلى وفيه مبارك بن سحيم وهو متروك.
عليه وسلم رجل فقال: بئس أخ العشيرة هو، فلما دخل على النبي صلى الله عليه وسلم ألان له الكلام؛ فقالت عائشة: قلت فيه يا رسول الله ما قلت. فقال: "إن الله يبغض الفحش والتف حش"1. والمسالة تحتاج لبسط إذا جاء منيف نملي عليه إن شاء الله ما تيسر. وبلغوا سلامنا إخوانكم، وعيالكم، ومنيف، وابن عجيم. ولدينا الإمام وعيالنا طيبين ويبلغون السلام وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
1 أخرجه البخاري في صحيحه، 10/ الأدب، باب لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا. ومسلم في صحيحه، 16/380-381، البر والصلة باب مداراة من يتقى فحشه. وأبو داود في سننه، 5/145، الأدب، باب في حسن العشرة.
الرسالة الثانية والخمسون: في الكلام على فضل طلب العلم
…
"الرسالة الثانية والخمسون"1
قال جامع الرسائل:
بسم الله الرحمن الرحيم
كتب أخ لأخيه وهو في الرياض يطلب العلم: يكفيك يا أخي لطلب العلم سورة العصر، فإنها كما قال الشافعي: لو فكر الناس فيها لكفتهم 2. فوقع الخط في يد الشيخ الفاضل العلم الكامل عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمهم الله تعالى وعفا/عنهم/3 آمين. فكتب على ظهر الخط:
اعلم أن قول الشافعي رحمه الله تعالى فيه دلالة ظاهرة على وجوب طلب العلم مع القدرة، في أي مكان. ومن استدل به على ترك الرحلة، والاكتفاء بمجرد التفكر في هذه السورة، فهو خلي الذهن من الفهم والعلم والفكرة إن كان في قلبه أدنى حياة ونهمة للخير، لأن الله افتتحها بالإقسام بالعصر الذي هو زمن تحصيل الأرباح للمؤمنين، وزمن الشقاء والخسران للمعرضين الضالين.
وطل بالعلم ومعرفة ما قصد به العبد من الخطاب الشرعي، أفضل الأرباح وعنوان الفلاح، والإعراض عن ذلك علامة الإفلاس والإبلاس4. فلا ينبغي للعاقل العارف أن يضيع أوقات عمره، وساعات دهره إلا في طلب العلم النافع، والميراث المحمدي، كما قيل في المعنى: شعرا:
أليس من الخسران أن لياليا
…
تمر بلا نفع وتحسب من عمري
1 وردت هذه الرسالة في حاشية "أ" ص 72 -76.
2 تقدم له هذا الكلام في ص 278.
3 في الأصل: عنهما.
4 الإبلاس: الحيرة، وهو القنوط وقطع الرجاء من رحمة الله. لسان العرب، 6/29، 30، مادة "بلس".
وفي قوله: {إِنَّ الإنسَانَ} 1 تنبيه على أن الجنس كله كذلك، إلا من استثنى الله، وهذا يوجب الهرب والفرار إلى الله بمعرفته وتوحيده والإنابة إليه. ومتى يحصل هذا للجاهل؟!.
وفي قوله تعالى: {لَفِي خُسْرٍ} 2 تنبيه على اختصاص خسره بنوع دون نوع، بل هو قد توجه إليه الخسران بحذافيره من جميع جهاته إلا من استثنى، وهذا لا يدخل في المستثنى من زهد في طلب العلم وآثر طنه وأهله على الميراث النبوي، وتجرع كأس الجهل طول حياته، حتى آل من أمره أن يستدل على ترك الطلب بالدليل على وجوب الطلب.
وفي قوله تعالى: {إلا الَّذِينَءَامَنُوا} 3 ما يوجب الجد والاجتهاد في معرفة الإيمان والتزامه لينجو من الخسارة، ويلتحق بالأبرار والأخيار.
وقد اختلف الناس في الإيمان ومسماه، ولا سبيل إلى معرفة مراد الله به وما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في ذلك إلا بطلب العلم، ومعرفة ما عليه سلف الأمة وأئمتها. ثم له شعب وحقائق وأصول وفروع لا تعرف إلا بطلب العلم، وبذلك الجد والتشمير عن ساق الاجتهاد، ومن آثر الوطن والرفاهية، فإنه كثير من ذلك أو أكثر، بل ربما فاته كله. ولذلك تجد من يرغب عن طلب العلم، عمدته في هذه المباحث تقليد المشائخ والآباء وما كان عليه أهل محلته. وهذا لا يكفي في باب الإيمان ومعرفته. ولو كنت تدري قدر ما قلت لم تبد 4.
وفي قوله – تعالى-: {وَعَمٍلُوا الَصَّالحََاتِ} 5، حث وحظ على العلم وطلبه؛
1 سورة العصر: الآية "2".
2 سورة العصر: الآية "2".
3 سورة العصر: الآية "3".
4 صدر بيت لم أعرف قائله. واكتفى المؤلف به؛ لم يأت بالعجز.
5 سورة العصر: الآية "3".
لأن العامل بغير علم وبصيرة، ليس من عمله على طائل، بل ربما جاءه هلاك، والآفة من جهة عمله، كالحاطب في ظلماء، والسالك في عمياء، ولا سبيل إلى العمل إلا بالعلم. ومعرفة صلاح العمل وفساده لا بد منه. ولا يدرك إلا بنور العلم وبصيرته.
وقوله –تعالى-: {وَتَوَاصَوْا بِالحَقِ} 1، /يحتاج/2 مريده وفاعله إلى العلم، حاجة وضرورة ظاهرة، لأن الحكم على الشيء بكونه حقا، يتوقف على الدليل والبرهان، وإن كانت "أل" في الحق للاستغراق، فالأمر اعمّ وأجل وأشمل.
وأما الصبر، فمعرفة حده وتعريفه، ومعرفة حكمه وجوبا واستحبابا، ومعرة أنواعه وأقسامه ومحله من الإيمان، من أهم ما يجب على العبد ويلزمه. وما أحسن ما قيل:
إن العلا حدثتني وهي صادقة
…
فيما تحدث أن العز في النقل 3
فظهر أ، معنى قول الشافعي رحمه الله تعالى كفتهم في طلبه لا في تركه.
وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "الناس إلى العلم أحوج منهم إلى الطعام والشراب؛ لأن الرجل يحتاج إلى الطعام والشراب في اليوم مرة أو مرتين، وحاجته إلى العلم بعدد أنفاسه. وروينا عن الشافعي رحمه الله أنه قال: طلب العلم أفضل من صلاة النافلة. ونص على ذلك أبو حنيفة رحمه الله. ومن فارق الدليل ضل السبيل، ولا دليل إلى الله والجنة سوى الكتاب والسنة. وكل دليل لم يصحبه دليل القرآن والسنة فهو من طريق الجحيم والشيطان. فالعلم ما قام عليه الدليل النافع، منه ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم".
وقال أبو الفضل البامجي من مشايخ القوم الكبار رحمه الله تعالى: "ذهاب الإسلام من أربعة أصناف: صنف لا يعلمون بما يعملون، وصنف يمنعون الناس من
1 سورة العصر: الآية "3".
2 في الأصل: محتاج.
3 البيت لأبي إسماعيل الحسن بن علي الطغرائي في ديوانه، ص 306، ضمن قصيدة تسمى: لامية العجم.
التعلم والتعليم". وقال عمرو بن عثمان المكي1: "العلم قائد والخوف سائق، والنفس حرون2 بين ذلك جموح خدعة رواغة فاحذرها وراعها بسياسة العلم، وسقها بتهديد الخوف يتم لك ما تريد"3.
وقال أبو الوزير رحمه الله تعالى: "عملت في المجاهدة ثلاثين سنة، فما وجدت شيئا عليّ أشدد من العلم ومتابعته، ولولا اختلاف العلماء لبقيت".
وقال الجنيد 4: "الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا من اقتفى آثار الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث، لا يتقدى به في هذا الأمر؛ لأن علمنا مقيد بالكتاب والسنة"5. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
قاله وكتبه عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، رحمهم الله تعالى، آمين.
1 عمرو بن عثمان بن كرب بن غصص، أبو عبد الله المكي الزاهد شيخ الصوفية، سمع من يونس بن عبد الأعلى، والربيع المرادي، وسليمان بن سيف الحراني. وكان ينكر على الحلاج ويذمه. توفي 297هـ. انظر: حلية الأولياء، 10/291-296؛ بغداد، 12/223-225؛ سير الأعلام، 14/57-58.
2 حرون: من حرن، تقول: حرنت الدابة تحرن حرانا، فهي حرون: وهي التي إذا استدر جريها وقفت. لسان العرب، 13/110، مادة "حرن".
3 ذكر الذهبي في السير جزءا من كلامه هذا، إلى قوله "
…
والنس بينهما حرون خداعة".
4 الجنيد بن محمد بن الجنيد النهاوندي ثم البغدادي، شيخ الصوفية، سمع من الحسن بن عرفة، وصحب الحارث المحاسبي وغيرهما، لم يري في زمانه مثله في عفة وعزوف عن الدنيا. "ت 298هـ". انظر: حلية الأولياء، 10/255-287؛ تاريخ بغداد 7/214-249؛ سير الأعلام، 14/66-70.
5 ذكر الذهبي جزءا من كلامه هذا، في سير الأعلام، 14/67.
الرسالة الثالثة والخمسون: إلى راشد بن عيسى
…
"الرسالة الثالثة والخمسون"1
قال جامع الرسائل:
وله أيضا قدس الله روحه رسالة إلى راشد بن عيسى صاحب البحرين على لسان فيصل:
بسم الله الرحمن الرحيم
من فيصل بن تركي، إلى الأخ الشيخ راشد بن عيسى سلمه الله وهداه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فالموجب لتحريره ما بلغنا من ظهور البدع في البحرين؛ بدعة الرافضة وبدعة الجهمية، وذلك بسبب تقديم حسن دعبوش الرافضي ونصبه قاضيا في البحرين. ومثلك ما كان يذخر النصح والتبيين لعيال خليفة وغيرهم. وتعرف الحديث الصحيح:"أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية، ومطلب دم امرئ مسلم بغير حق ليهريق دمه" رواه ابن عباس 2.
وقد علمت أنه –تعالى- أكرم نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وخصه بصحبة خير خلقه وخلاصة بريته. وقد أثنى الله على أصحاب نبيه في كتابه. ومدحهم بما حجة ظاهرة على إبطال مذهب من عابهم أو نال منهم وسبهم، كما هو مذهب الرافضة. وقال تعالى:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} الآية3، وقال تعالى:{لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ} الآية 4، وقال تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ
1 وردت هذه الرسالة في حاشية "أ" ص 76- 78.
2 صحيح البخاري مع الفتح، 12/219، الديات، باب من طلب دم امرئ بغير حق. السنن الكبرى للبيهقي، 8/27. وذكره الألباني في السلسلة الصحيحة، 2/422 "778".
3 سورة آل عمران: الآية "110".
4 سورة التوبة: الآية "117".
اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} الآية1، وكانوا ألفا وأربعمائة، أولهم وأسبقهم إلى هذه البيعة أبو بكر وعمر، وعثمان بايع النبي صلى الله عليه وسلم مع غيبته، وهذا يدل على فضله وثبات إيمانه ويقينه، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم علم ذلك واستقر عنده، ولذلك بايع له فضرب بيمينه على شماله وقال:"هذه عن عثمان" 2 وقال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رضي الله عنهم} الآية3، وهذا نص على أن الله رضي عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار. وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وبلال، من أسبق الناس إلى الإيمان بالله ورسوله. وقال:{وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ، أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} 4، وقال تعالى:{مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} الآية 5. وقد استدل بهذه الآية بعض أهل العلم على كفر من اغتاض وحنق على أصحاب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم كالرافضة.
وقد نص الله تعالى على إيمان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ} الآية6، وقوله –تعالى-:{لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ} الآية7، وقال –تعالى-:{وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً} 8،وإنما عني به أصحاب رسول الله صلى
1 سورة الفتح: الآية "18".
2 أخرجه البخاري في صحيحه مع الفتح، 7/66، 68، فضائل الصحابة، باب مناقب عثمان بن عفان رضي الله عنه. قال: "
…
وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى: هذه يد عثمان. فضرب بها على يده فقال: هذه لعثمان.." وأخرجه الإمام أحمد في مسنده، 2/101، 120.
3 سورة التوبة: الآية "100".
4 سورة الواقعة: الآيتان "10، 11".
5 سورة الفتح: الآية "29".
6 سورة آل عمران: الآية "124".
7 سورة آل عمران: الآية "164".
8 سورة التوبة: الآية "122".
الله عليه وسلم 1 ففيه مدحهم وتزكيتهم وفضلهم، لأن اسم الإيمان وإطلاقه في كتاب الله يدل على ذلك. وقال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} 2 في خطابهم، وذلك في مواضع من كتابه والأحاديث الدالة على فضلهم وسابقتهم أكثر من أن تحصى عموما وخصوصا، كقوله صح عنه صلى الله عليه وسلم:"هل أنتم تاركوا لي أصحابي؛ فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أُحدٍ ذهبا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه"3. وقوله: "افترقت بني إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة. قالوا: من هم يا رسول الله. قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي" 4 وقال: "آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار" 5 وقوله صلى الله عليه وسلم: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذي يلونهم" 6.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "أكرموا أصحابي فإنهم خياركم"7. وقوله: "يأتي على الناس زمان، فغزو فئام من الناس فيقال لهم أفيكم من صاحب رسول الله صلى
1 انظر: جامع البيان للطبري، 11/66-67.
2 سورة البقرة: الآية "104".
3 الحديث تقدم تخريجه بلفظ آخر في ص 440.
4 تقدم تخريجه بلفظ: "افترقت اليهود
…
" في ص 508. ولفظ "بني إسرائيل" أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، 8/328، والآجري في الشريعة، ص 17، والهندي في الكنز، "1052"، و"1055".
5 أخرجه بهذا اللفظ: البخاري في صحيحه مع الفتح، 1/80، الإيمان، باب علامة الإيمان حب الأنصار.
وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه بشرح النووي، 2/423، الإيمان، باب الدليل على أن حب الأنصار وعلي –رضي الله عنه من الإيمان وعلاماته. وبغضهم من علامات النفاق. بلفظ:"حب الأنصار آية الإيمان، وبغضهم آية النفاق". وأخرجه النسائي في سننه، 8/116، كتاب الإيمان وشرائعه " باب علامة الإيمان بلفظ مسلم.
6 تقدم تخريجه في ص 318.
7 أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، برقم "20710"؛ والتبريزي في مشكاة المصابيح، "6003".
الله عليه وسلم، فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان، فيغزو فئام من الناس فيقال لهم أفيكم من صاحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولون نعم، فيفتح لهم: كاد بعضهم: حتى يأتي على الناس زمان، فيغزو فئام من الناس فيقال هل فيكم من صاحب أصحاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
…
" 1 2.
1 صحيح البخاري مع الفتح، 6/104، الجهاد، باب من استعان بالضعفاء والصالحين في الحرب. صحيح مسلم بشرح النووي، 16/317، فضائل الصحابة، "208". وأخرجه الحميدي في مسنده، 2/328 "743".
2 إلى هنا انتهى الناسخ، لم يكمل هذه الرسالة.
الرسالة الرابعة والخمسون: إلى حمد بن عبد العزيز
…
"الرسالة الرابعة والخمسون"1
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المكرم حمد بن عبد العزيز2 -سلمه الله تعالى- سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فأحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو على نعمه. والخط وصل، وما ذكرت من غربة الدين فالأمر أجل وأكبر من الغربة، أكثر أصوله وشعبه معدومة في الخواص، فكيف بالسوقة ومن لا نهمة لهم في معرفة ما جاءت به الرسل؛ كالغيرة لله ولحرماته، وتعظيم أوامره، ومجاهدة أعداء دينه، والبراءة من موالاة المشركين وأعداء رب العالمين، والتحيز إلى أهل الإيمان وموالاتهم ونصرهم ولزوم جماعة المسلمين وغير ذلك من حقائق الدين، وشعب الإيمان؟ وهذه معدومة نسأل الله لنا ولكم الثبات على دينه والتمسك به عند فساد الزمان.
وما ذكرت من مسألة الولي، فالمشهور الذي عليه الأكثر، تقديم المكلف الرشيد في تزويج وليته، على من هو أقرب منه ممن لم يبلغ التكليف، ولم يعرف مصالح النكاح.
وأما مسألة الله بحق نبيه أو وليه؛ فلا تصدر إلا من جاهل لأحكام الشريعة وما يستحب وما يكره. والأولى تنبيه هذا الخطيب على أن هذا قد منعه أئمة الإسلام، وأهل الحل والعقد في الأحكام.
تمت.
1 وردت هذه الرسالة في حاشية "أ" ص 79-80.
2 تقدم في ص 92.
الرسالة الخامسة والخمسون: إلى حمد بن عبد العزيز
…
"الرسالة الخامسة والخمسون"1
قال جامع الرسائل:
وله قدس الله روحه رسالة إلى حمد بن عبد العزيز أيضا، راعي ثادق.
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الأخ المكرم المحب حمد بن عبد العزيز –سلمه الله تعالى- وتولاه سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
موجب الخط إبلاغ السلام والتحية، والسؤال عن أخلاقك المرضية سلك الله بها منهج الطريقة المحمدية. ولا يخفاك أيها الأخ حال أهل الزمان وغربة الإسلام، وندرة الإيمان بينهم، وقد ابتلوا بما رأيت من الفتن والمحن والتقاطع والتدابر والبغضاء، وصاروا أشتاتا بعد أن كانوا مجتمعين، وشيعا بعد أن كانوا عليه من الإسلام متعصبين، ونسي العلم والتوحيد، واقفرت الديار من الناصح الرشيد، وهدم الإسلام، وخلت الديار من ذوي العلم والأفهام، ولا شيء أقرب إلى الله وسيلة وأرجى من الخيرات فضيلة من الدعوة إلى سبيله وإرشاد عبيده، وردهم إلى الله، وتعليم دينه. وقد أهَّلك الله وله الحمد والمنة لذلك، ووضع لك القبول فيما هنالك، وقد اجتمع الرأي والمشورة على إلزامك بالدعوة إلى الله، والتذكير بدينه، وتنبيه عبيده على أصل دينهم وما يجب فيه، وعلى ما يضاده وينافيه، من المكفرات والشركيات، وتعطيل الشرائع والنبوات. فاغتنم أخي ذلك المشهد، وسارع إليه؛ فإن الجزاء خطير والثواب كبير شهير. وهذا خط الإمام عبد الرحمن، وأوصلك، فلا تجاوب بلا ولن، فإنهما داعية الهم والحزن، ولولا أني أخشى على نفسي من كثير من أهل نجد لتحشمت القيام بذلك ولوجدتني حول المياه وبين المسالك، وإلى الله المشتكى من عدم المعين والنصير، وغلبت الجهل والكثير.
1 وردت هذه الرسالة في حاشية "أ" ص 80-81.
ونسأل الله المعونة على مرضاته وذكره وشكره، وأن يجعلنا من الدعاة إلى سبيله. قال بعضهم على تفسير قوله تعالى عن المسيح عليه السلام:{وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ} 1 أي مذكرا بالله داعيا إلى سبيله 2.
وبلغ سلامنا من يجالسك ويرغب في الخير من جماعتكم، ومن لدينا الإمام عبد/3 /والعيال ينهون السلام. وكاتبه أحمد بن عبيد يبلغ السلام.
حرر في 11ج. ونسخَهُ من كتب أحمد حرفا بحرف، سعد بن حمد بن عبد العزيز. وكتبه من خط من سمى نفسه، حرفا بحرف، عبد الله بن إبراهيم الربيعي، وذلك في 3 من جمادى الأول سنة 1346هـ.
1 سورة مريم: الآية "31".
2 انظر: جامع البيان، 16/80؛ والجامع لأحكام القرآن، 11/70.
3 بياض في الأصل. ولعله "عبد الله".
الرسالة السادسة الخمسون: إلى حمد بن عبد العزيز
…
"الرسالة السادسة الخمسون"1
قال جامع الرسائل:
وله رحمه الله تعالى رسالة أيضا إلى حمد المذكور:
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المحب حمد بن عبد العزيز سلمه الله تعالى، وأسبغ عليه سحائب فضله ووالى سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فأحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو على نعمه. والخط وصل وصلك الله ما يرضيه. وسرنا ما ذكرت من سلامتكم وعافيتكم جعلنا الله وإياكم من أهل العافية في الدين والآخرة.
والذي أوصيك به القيام لله في هذه الفتنة الشركية، التي أشربتها قلوب أكثر الناس. واذكر قول ابن القيم رحمه الله تعالى في إغاثته: لا ينجو من شرك هذا الشرك إلا من عادى المشركين في الله، وتقرب بمقتهم إلى الله
…
إلى آخره 2.
والمرء قد يكره الشرك ويحب التوحيد، ولكن يأتيه الخلل من جهة عدم البراءة من أهل الشرك، وترك موالاة أهل التوحيد ونصرتهم، فيكون متبعا لهواه داخلا من الشرك في شعب تهدم دينه وما بناه، تاركا من التوحيد أصولا وشعبا، لا يستقيم معها إيمانه الذي ارتضاه مولاه، ولا يحب ولا يبغض لله، ولا يعادي ولا يوالي لجلال من أنشأه وسواه. وكل هذا يؤخذ من شهادة أن لا إله إلا الله. فلا تذخر المذاكرة بهذا في كل مجلس وكل مجمع. وإن اجتمعت بعبد العزيز بن حسن، فدارجه بالنصيحة عسى أن ينتفع ويقوم لله، ويبلغ عن رسول الله، فيكون لك عونا في ناحيتك.
1 وردت هذه الرسالة في حاشية "أ" ص 81-83.
2 تقدم كلامه هذا في 645. وهوة من كتابه: مدارج السالكين 1/346.
وأخبار سعود ووروده الخرج، بلغتكم، ولا حصل شيء، والظاهر أنه أجنب. وتفصيل الأخبار من رؤوس القادمين إليكم أبلغ.
وبلغ سلامنا العيال والخواص والجماعة، ومن لدينا تركي والعيال ينهون إليك السلام، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ونسخه من أصلها حرفا بحرف سعد بن حمد بن عبد العزيز سلم على من نظر فيها، وصلى الله على محمد وآله وصحبه ونقله من قلم من سمى نفسه حرفا بحرف عبد الله بن إبراهيم الربيعي، يسلم على من نظر فيها. ونقله من أصله بغير تاريخ. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. 1
1 إلى هنا نهاية ما جاء في حواشي نسخة "أ" من رسائل الشيخ. ويأتي بعدها رسالة واحدة في الحواشي أيضا هي الأخيرة. وهي لحمد بن عتيق إلى ابن الإمام سعود.
ثانيا: الرسائل الخاصة بالفتاوى في الفروع
الرسالة السابعة والخمسون: سؤال من الشيخ لوالده
…
الرسالة السابعة والخمسون
قال جامع الرسائل:
وله أيضا قدس الله روحه ونور ضريحه سؤال سأل/عنه/1 والده الشيخ الإمام المبجل الفاضل النبيل الشيخ عبد الرحمن بن حسن، ثم ذيل عليه الشيخ عبد اللطيف ذيلا. وهذا نصه:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد: فإني قد سألت والدي قدس الله روحه، ونور ضريحه عما يفعله بعض الأمراء بنجد، من أخذ ابن العم بجريرة ابن عمه أو غير ابن العم من الأصول والفروع؛ هل له مستند شرعي أو لا مستند له؟.
فأجاب –رحمه الله تعالى - بقوله: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيد المرسلين، وإمام المتقين، محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا، أما بعد: فقد سألني من لا تسعني مخالفته، أن أكتب فيما يفعله الأئمة من أخذ ابن العم وحبسه فيما يأخذه ابن عمه من مال وغيره بغير حق؛ هل له مسوغ في الشرع أم لا؟
فالجواب: اعلم وفقك الله أن أهل نجد قبل ظهور هذه الدعوة الإسلامية فيهم، بأسوأ حال. أما الأعراب فلا يلتفت أحد منهم لشريعة الإسلام، لا في العبادات ولا في غيرها من الأحكام، في الدماء ولا في الأموال ولا في النكاح والطلاق والمواريث وغير ذلك. وكانوا في شر عظيم فيما بينهم من الحروب، كل طائفة تقاتل الأخرى، وتستحل دماءها وأموالها. والحضر عندهم في غاية الذل، يأخذون المال منهم كرها. فلما منَّ الله بهذه الدعوة، وأقام الجهاد، أجلبوا كلهم على محاربة من دعاهم إلى
1 زيادة مني لضرورة استقامة المعنى.
الإسلام، والتزام شرائعه وأحكامه، فحصل التأييد من الله لمن قام بدينه، فجاهدوا الأعراب وغيرهم على طاعة ربهم، والتزام ما شرعه؛ فبقوا على جهاد الأعراب، كلما أسلمت قبيلة جاهدوا بها الأخرى، فما زالوا يجاهدونهم على أن يسلموا ويُصَلُّوا ويزكُّوا، وأكثرهم ألقى السلم لأهل الإسلام، لكن بقي من البغي والظلم والعدوان على من قدروا عليه واستضعفوه، ممن قد دخل فيما قد دخلوا فيه من الإسلام 1. فكل من نهب أو قطع طريقا أو قتل، استند إلى قبيلة، فلا يقدر أحد من ولاة الأمر أن يأخذ الحق منهم والحالة هذه؛ فلو تركوا رأسا ولم ينظر إلى جنايتهم، ونظر إلى جناية المباشر فقط، لفهم يفهمه بعض القاصرين من حديث: "لا يجني جان إلا على نفسه"2، لضاعت حقوق الناس ودماؤهم وأموالهم، وعطلت القاعدة الشرعية، وقصر بالحديث عما يتناوله ويدل عليه عند إمعان النظر.
فعلى قدر ما أحدثوا من البغي والظلم والعدوان، والتعاون على ذلك؛ ساغ للأئمة أن يحبسوا ابن عمه، ليقوم بأداء ما وجب عليه من الحق، والطاعة في المعروف، من نصرة المظلوم، وإغاثة الملهوف، والبراءة من المحاربين وقطع السبيل.
ومثل هذه القبائل لما تركوا ما وجب من أمر الشارع، مع القدرة على القيام، ورضوا بمحاربة الله ورسوله، ساغ للأئمة ما ذكر؛ و"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"3. وأيضا فلو خلوا بين أهل الإسلام، وبين هذا الجاني من أبناء عمهم، لتمكن المظلوم من أخذ حقه، ورد مظلمته؛ فهم قد آووا محدثا، وفي الحديث: "لعن الله من آوى محدثا"4.
1 في "أ" و "ج": الاستسلام.
2 سنن الترمذي، 4/401، الفتن، باب ما جاء "دماؤكم وأموالكم عليكم حرام". سنن ابن ماجه، 2/188، المناسك، باب الخطبة يوم النحر. قال الترمذي:"حديث حسن صحيح".
3 قاعدة أصولية. الإحكام في أصول الأحكام، لعلي بن أبي علي بن محمد الآمدي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1400هـ-1980م، 1/157.
4 هذا جزء من حديث واثلة، كنت عند علي بن أبي طالب، فأتاه رجل فقال: ما كان =
وفي الحقيقة هذا إحسان إلى القبيلة، وسبب لتخليصهم من ارتكاب ما حرم الله؛ وهذا الذي أخذ في ابن عمه، لم يقصد ماله، بل حبس لأخذ ما بيد مولاه، الذي هو ابن عمه.
وبالجملة فهذا من أسباب صلاح الناس وصيانتهم. وهذا الذي ذكرنا، هو الذي تأوله الأئمة، وظهرت مصلحته، وقلت مفسدته. والذي أخذ النبي صلى الله عليه وسلم ناقته العضباء، قال له: لم تأخذ سابقة الحاج؟ قال: "أخذتها بجريرة حلفائك من ثقيف: "أو كما قال صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا 1. وعلى أله وأصحابه والتابعين.
قلت 2: فظهر من هذا البيان الذي أفاده شيخنا رحمه الله أن الحكم خاص بأهل القوة والنصرة، بخلاف المستضعف الذي لا /قدرة/3 له ولا جناية، ولا مصلحة في حبسه، ولا يُؤْبَه له عند قبيلته؛ فعلى الحاكم إمعان النظر في جلب المصالح ودفع المفاسد.
قال جامع الرسائل:
أملاه شيخنا عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، قدس الله روحه ونور ضريحه. ثم ذيل على ذلك ذيلا، فقال رحمه الله:
ما قاله شيخنا ووالدنا حفظه الله في أسر ابن العم للمصلحة، فهو الحكم العدل،
= النبي صلى الله عليه وسلم يسر إليك فغضب عليّ وقال: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يسر إليّ شيئا يكتمه عن الناس، غير أنه قد حدثني بكلمات أربع فقال: ما هن يا أمير المؤمنين قال: قال: "لعن الله من لعن والده، لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من آوى محدثا، ولعن الله من غير منار الأرض". صحيح مسلم بشرح النووي، 13/150، الأضاحي، باب تحريم الذبح لغير الله. سنن النسائي، 7/232، الأضاحي، باب من ذبح لغير الله –عز وجل.
1 وسيأتي الحديث بلفظه عند المصنف قريبا.
2 الكلام هنا للشيخ عبد اللطيف.
3 في "د": قوة.
وهو الذي عليه أكثر السلف. فإن الرجل إذا قطع السبيل وأخافه، وامتنع بنفسه، وتُرك من يؤويه وينصره، صار قوة له، وإعانة له على ظلمه. فإن أُخِذَ بجريرته وأسر فيه، حصل له ردع وامتناع. وهذا يعلم بالاضطرار.
قال الخطابي1 في شرح سنن أبي داود، في باب النذر فيما لا يملك ابن آدم: حدثنا سليمان بن حرب2 ومحمد بن عيسى3، قالا: حدثنا حماد4، عن أيوب5، عن أبي قلابة6، عن أبي المهلب7، عن عمران بن حصين8 قال:
1 هو حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب، أبو سليمان الخطابي البستي، إمام في الفقه والحديث واللغة، صاحب معالم السنن وأعلام الحديث "شرح صحيح البخاري"، وغريب الحديث وغيرها. "ت388هـ".
انظر: وفيات الأعيان، 2/214؛ سير الأعلام، 17/23؛ طبقات السبكي، 3/282.
2 هو سليمان بن حرب بن بجيل، أبو أيوب الواشخي، الأزدي البصري، الإمام الثقة الحافظ، قاضي مكة. "ت224هـ".
انظر: تاريخ بغداد، 9/33، وفيات الأعيان، 2/418؛ سير الأعلام، 10/330.
3 هو محمد بن عيسى بن نجيح، أبو جعفر بن الطباع، الحافظ الكبير الثقة، البغدادي، علق له البخاري. "ت224هـ".
انظر: تاريخ بغداد، 2/395؛ وسير الأعلام، 10/386؛ وتهذيب التهذيب، 9/392.
4 هو حماد بن زيد بن درهم، أبو إسماعيل الأزدي، الحافظ الثبت، محدث الوقت. قال الذهبي: روى عنه سليمان بن حرب ومحمد بن عيسى وغيرهما "ت179هـ".
انظر: سير الأعلام، 7/456-461؛ وتهذيب التهذيب، 9/392.
5 هو أيوب بن كيسان "أبي تميمة" أبو بكر العنزي البصري السختياني، الإمام الحافظ، سيد العلماء، عداده في صغار التابعين، ولد عام "68هـ" وتوفي "131هـ".
انظر: سير الأعلام، 6/15؛ تهذيب التهذيب، 1/397؛ وشذرات الذهب، 1/181.
6 هو عبد الله بن زيد بن عمرو بن نائل بن مالك، أبو قلابة الجرمي البصري، حدث عن ثابت بن الضحاك وأنس ومالك بن الحويرث في الكتب الستة. "ت107هـ".
انظر: سير الأعلام، 4/468؛ تهذيب التهذيب، 5/224؛ والنجوم الزاهرة، 1/254.
7 هو عبد الرحمن بن عمرو، أبو المهلب الجرمي عم أبي قلابة، ثقة، روى عن ابن عمر، وعمران بن حصين. انظر: الكنى والأسماء، للإمام مسلم بن الحجاج، تحقيق عبد الرحيم محمد أحمد القشقري، طبعة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ط/1، 1404هـ 1984م، 2/804.
8 صحابي معروف. كان ممن اعتزل الفتنة "ت52هـ". انظر الاستيعاب، 3/1208؛ وأسد الغابة، 4/281.
كانت العضباء لرجل من عقيل، وكانت من سوابق الحاج 1، قال: فأسر، فأُتي به النبي صلى الله عليه وسلم وهو في وثاق، والنبي صلى الله عليه وسلم على حمار عليه قطيفة، فقال: يا محمد علام تأخذني وتأخذ سابقة الحاج؟ قال: "نأخذك/2 بجريرة حلفائك/ ثقيف/3 " وكان ثقيف قد أسروا رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
…
"4.
قال الشيخ 5: "قوله: "آخذك بجريرة حلفائك من ثقيف" اختلفوا في تأويله: فقال بعضهم: هذا يدل على/ أنهم كانوا عاقدوا بني عقيل /6 أن لا يتعرضوا للمسلمين، ولا أحد من حلفائهم، فنقض حلفاؤهم العهد، ولم ينكره بنو عقيل؛ /فأُخِذَ/7 بجريرتهم.
وقال آخرون: هذا الرجل كافر لا عهد له، وقد يجوز أخذه وأسره وقتله؛ فإن جاز أن يؤخذ بجريرة نفسه وهي كفره، جاز أن يؤخذ بجريرة غيره، ممن كان على مثل حاله من حليف وغيره. ويحكى معنى هذا عن الشافعي.
وفيه وجه ثالث، وهو: أن يكون في الكلام إضمار؛ يريد: إنك إنما أُخذت ليدفع بك جريرة حلفائك، ويفدوا بك الأسيرين الذين أسرتهما ثقيف. ألا تراه يقول: فقدي
1 سوابق الحاج: أي من النوق التي تسبق الحاج. عون المعبود، 9/144.
2 كذا في الأصل عند أبي داود، وفي جميع النسخ "آخذك".
3 كذا في الأصل عند أبي داود وفي جميع النسخ "من ثقيف".
4 الحديث بهذا اللفظ في سنن أبي داود، 3/609-611، الأيمان، باب في النذر فيما لا يملك.
وهو في صحيح مسلم بشرح النووي، 11/108-109، النذر، باب لا وفاء لنذر في معصية الله.
5 المراد بالشيخ هنا: الخطابي في معالم السنن، بحاشية سنن أبي داود، 3/610.
6 هكذا في أصل النص. وفي جميع النسخ: "أنهم كانوا بني عقيل عاهدوا".
7 كذا في المطبوع؛ وفي جميع النسخ: "فأخذوا".
الرَّجُل بعد بالرجلين، انتهى1. فتأمل هذا، فإنه يُدلك على صواب الحكم.
والآية، وهي قوله تعالى:{وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} 2، ليس فيها ما يدفع هذا، ولا يرده، والله الموفق للصواب والله أعلم بمواقع الخطاب. وصلى الله على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
قال الناسخ: أملاه شيخنا الشيخ عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمهم الله – تعالى - وعفا عنهم.
1 معالم السنن بحاشية سنن أبي داود، 3/610.
2 سورة فاطر: الآية "18".
الرسالة الثامنة والخمسون: إلى زيد بن محمد
…
الرسالة الثامنة والخمسون
قال جامع الرسائل:
وله أيضا –رحمه الله وعفا عنه بمنه وكرمه - رسالة إلى زيد بن محمد 1، وقد سأله عن حديث زينب 2 رضي الله عنها وما وجه اختصاص النساء المهاجرات بدور المهاجرين؟
فأجاب –رحمه الله تعالى/وعفا عنه بمنه-/3:
بسم الله الرحمن الرحيم
/وبه نستعين/4
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، إلى الأخ زيد بن محمد زاده الله من العلم والإيمان، وألبسه ملابس التقوى والإحسان. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
وبعد، فإنا نحمد إليك الله الذي لا إله هو، وهو للحمد أهل.
والخط وصل وصلكم الله ما يرضيه وسرنا ما ذكرته، والحمد لله على التيسير
1 تقدمت ترجمته في ص 94.
2 هي زينب بنت جحش أم المؤمنين –رضي الله عنها "ت20هـ" انظر ترجمتها: الاستيعاب، 4/1849؛ وأسد الغابة، 7/125؛ وسير الأعلام، 2/211. وحديثها المشار إليه هنا هو: عن كلثوم قالت: كانت زينب تفلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعنده امرأة عثمان بن مظعون ونساء، من المهاجرات يشتكون منازلهن، وأنهن يخرجن منه ويضيق عليهن فيه. فتكلمت زينب وتركت رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إنك لست تُكلمين بعينيك، تكلمي واعملي عملك"، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ أن يورث من المهاجرين النساء. فمات عبد الله، فورثته امرأته دارا بالمدينة". أخرجه الإمام أحمد في مسنده، 6/363، واللفظ له، وأبو داود في سننه، 3/457، كتاب الخراج، باب في إحياء الموات.
3 في "ب": بما نصه. وهو ساقط في المطبوع.
4 ساقط في "ب" و "ج" و "د" والمطبوع.
والتسديد.
ومن جهة كتاب الطرق، فالوالد أعاره محمد بن فيصل 1 قبل وصول خطكم، وحين فراغه نبعث به إليك إن شاء الله.
وأما السؤال عن حديث زينب –رضي الله عنها؛ فاعلم أن الحديث قد دل بمنطوقه على أن امرأة عثمان بن/عفان/2 ونساء من المهاجرات اشتكين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ضيق المنازل وإخراجهن منها، فأمر صلى الله عليه وسلم أن تورث دور المهاجرين النساء المهاجرات و "تورث" بضم التاء وفتح الواو وتشديد الراء معناه: أن تجعل الدور لهن ميراثا. فمات عبد الله بن مسعود، فورثت امرأته داره في المدينة، أخذا بهذا الحديث. هذا معناه.
والناس مختلفون في وجه اختصاص النساء بذلك؛ فقال بعضهم 3: يشبه أن يكون ذلك على معنى القسمة بين الورثة، وإنما خصهن بالدور لأنهن بالمدينة غرائب لا عشيرة لهن فحاز لهن الدور، لما رأى من المصلحة 4. وهذا مختص/ بالمهاجرات/5 لاختصاصهن بعلة الحكم 6، هذا على وجه. وقد ألغز في ذلك بعض الأفاضل فقال:
سَلم على مفتي الأنام وقل له
…
هذا سؤال في الفرائض مبهم
قوم إذا ماتوا يحوز ديارهم
…
زوجاتهم ولغيرهم لا تقسم
وبقية المال الذي قد خلفوا
…
يجري على أهل التوارث منهم
وقيل هو أمر منه صلى الله عليه وسلم باختصاص الزوجات المهاجرات سكنى دور
1 تقدمت ترجمته في ص 45.
2 هكذا في جميع النسخ "عفان". وهو كذلك في رواية أبي داود. أما عند الإمام أحمد في مسنده: "مظعون" كما تقدم في نص روايته في الصفحة السابقة.
3 هذا قول الخطابي.
4 معالم السنن بحاشية سنن أبي داود، 3/458.
5 في "أ": بالمهاجرين. وهو خطأ.
6 كونهن اللائي كن يخرجن من دورهن.
أزواجهم، مدة حياتهن على سبيل الإرفاق بالسكنى دون الملك، كما كانت دور النبي صلى الله عليه وسلم وحجره في أيدي نسائه بعده، لا على سبيل الميراث؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:"نحن لا نورث؛ ما تركناه صدقة"1.
لكن يحكى عن سفيان بن عيينة2 أنه قال: نساء النبي صلى الله عليه وسلم في معنى المعتدات، لأنهن لاينكحن بعده، وللمعتدات السكنى، فجعل لهن سكنى البيوت ما عشن، لا تملكا3.
ويشبه أن يكون أمره بذلك قبل نزول آية الفرائض4. فقد كانت الوصية للوالدين والأقربين مفروضة5. وقد كان المهاجرون والأنصار يتوارثون بالمؤاخاة بينهم، فنسخ بآية الفريضة، وبقوله تعالى:{وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} 6 وعمل الناس يدل على هذا ويرجحه.
وأما استدلال أبي داود في باب إحياء الموات 7 فتأوله على وجهين:
1 صحيح البخاري، 12/8، الفرائض، قول النبي صلى الله عليه وسلم:"لا نورث وما تركناه صدقة"، صحيح مسلم بشرح النووي، 12/320؛ الجهاد، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:"لا نورث ما تركناه صدقة".
2 تقدمت ترجمته في ص 203.
3 معالم السنن بحاشية سنن أبي داود، 3/458.
4 وهي قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} الآية [النساء: 11-12] .
5 فقد كان ذلك قبل نزول الفرائض والمواريث، وذلك قوله تعالى:{كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 180] .
وهذه الآية عامة، قد خصصتها آية الفرائض في النساء، وقوله صلى الله عليه وسلم:"لا وصية لوارث" فخرج من الوصية كل وارث؛ وبقيت الوصية للوالدين للذين لا يرثان، والأقرباء الذين لا يرثون. انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، 2/176.
6 سورة الأنفال الآية "75".
7 يعني بالاستدلال، الحديث الذي تقدم ذكره برواية أحمد: "كانت زينب تفلي رسول الله صلى الله عليه وسلم
…
" في ص 767، فهو هنا عند أبي داود في سننه، 3/457، كتاب الخراج والإمارة والفيئ، باب إحياء الموات.
أحدهما: أنه إنما أقطعهم العرصة ليبنوا فيها الدور، وعليه يصح ملكهم في البناء الذي أحدثوه في العرصة. وهذا الذي يظهر من /صنيع/1 أبي داود.
والوجه الثاني: إنهم إنما أقطعوا الدور عارية 2. ولهذا ذهب أبو إسحاق المروزي 3؛ /ويرشح/4 ذلك أن أقطاع الإرفاق وقع في المقاعد في الأسواق، والمنازل في الأسفار، وهي يُرتَفق بها ولا تُمَلك. ومن هنا يحصل احتمال رابع في معنى اختصاص النساء بالدور دون سائر الورثة، وتقريره على هذا الوجه أن يقال: الدور لم تملك بالإقطاع، بل هي عارية في يد أربابها، وبعد هلاكهم يكون أمرها إلى الإمام، يُسكنها من شاء بحسب المصلحة؛ فلذلك أمر صلى الله عليه وسلم باختصاص المهاجرات بها دون سائر الورثة.
وقول بعضهم إن الميراث لا يجري إلا فيما كان/ المورث/5 مالكا /له/6، فيه نظر ظاهر، والله أعلم.
1 في المطبوع: صنع.
2 هذان الوجهان اللذان ذكرهما المصنف من كلام الخطابي في معالم السنن، بحاشية سنن أبي داود، 3/458.
3 هو إبراهيم بن أحمد، أبو إسحاق المروزي، الإمام الكبير، شيخ الشافعية، فقيه بغداد، صاحب أبي العباس بن سريج، له تصانيف "ت340هـ" بمصرز تاريخ بغداد، 6/11؛ سير الأعلام، 15/ 439؛ شذرات الذهب، 2/355-356.
4 في "د": ويوضح.
5 في "د": الموروث.
6 ساقط في "ج".
الرسالة التاسعة والخمسون: إلى عيسى بن إبراهيم
…
الرسالة التاسعة والخمسون1
قال جامع الرسائل:
وله أيضا قدس الله روحه، ونور ضريحه رسالة إلى عيسى بن إبراهيم، جواب لأربع مسائل:
الأولى: عن قوله تعالى: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ} الآية 2.
الثانية: الفرق بين المرفوع والمسند والمتصل، وأيهما أصح.
الثالثة: عن قول شارح الزاد 3: "غير تراب ونحوه"4.
الرابعة: عن قول شارح الزاد أيضا –نقلا عن النظم: "وتحرم القراءة في الحش 5 وسطحه 6، وهو متوجه على حاجته".
ثم إن الشيخ استشعر منه أنه يشير إلى رسم فائدة زائدة. فأجاب بما يشفي العليل، ويروي الغليل، ويهدي إلى أقوم منهج وسبيل، بأوضح عبارة، وأبين دليل، فرحمه الله من إمام؛ بالسنة ما أعلمه، ويعلم التفسير ما أفهمه، وبالفقه وغيره من العلوم ما أحكمه، فلقد فاق بذلك على أقرانه، وكان وحيد عصره وفريد زمانه، وهذا نص الرسالة:
1 جاءت هذه الرسالة في المطبوع في ص 1890-194، وهي الرسالة رقم "33". وجاءت في "ب" في ص 233-237، وهي آخر رسالة في "ب".
2 سورة الممتحنة: الآية "8".
3 أي شارح زاد المستقنع.
4 ورد هذا الكلام في زاد المستقنع، لموسى بن أحمد المقدسي "968هـ"، مطبعة المدني، القاهرة، ص 5.
5 الحش: البستان. ويطلق أيضا على المتوضإ، سمي به لأنهم كانوا يذهبون عند قضاء الحاجة إلى البستان. لسان العرب، 6/286؛ مادة "حشش". فيكنى به عن كل ما يتغوط فيه.
6 غير واضحة في "ج".
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المحب عيسى بن إبراهيم –سلك الله بي وبه صراطه المستقيم. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته: وبعد:
فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو على نعمه. والخط وصل، فسرني إنباؤه عن سلامة تلك الأحوال، والذوات لا زالت سالمة من الآفات، وما أشرت إليه قد علم.
وجواب/ مسائلك/1 هذا هو قد رُسم، نسأل الله التوفيق والإصابة، وحسن القصد والإنابة.
المسألة الأولى
فأما قوله تعالى: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ} الآية 2 فالذي يظهر: مشروعية بر الكافر أن هذا إخبار من الله جل ذكره لعباده المؤمنين بأنه لم ينههم عن البر والعدل والإنصاف في معاملة أي كافر كان من أهل الملل، إذا كان لم يقاتلهم في الدين، ولم يخرجهم من ديارهم 3. إذ العدل والإحسان والإنصاف مطلوب محبوب شرعا، ولهذا علل هذا الحكم بقوله: {إنَّ اللَّه يُحِبُ المُقسِطينَ} 4.
وأما قوله: {أَن تَبَرُوهُم} ، فقد قال بعض المعربين: إنه بدل من الموصول /بدل/5 اشتمال، و"أن" وما دخلت عليه في تأويل مصدر، والتقدير: لا ينهاكم الله عن بر من لم يقاتل في الدين 6. ولو قال هذا البعض أنه بدل بداءٍ، لكان أظهر؛ إذ لا يظهر
1 في "ب" و "د" والمطبوع: سألتك.
2 سورة الممتحنة: الآية "8".
3 وبهذا فسر الطبري الآية في جامع البيان، 28/66. وانظر تفسير القاسمي، 16/5769.
4 سورة الممتخنة: الآية "8".
5 في "د": يد.
6 انظر هذا المعنى: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، 18/40؛ والكشاف للزمخشري، 4/91؛ وفتح القدير للشوكاني، 5/213؛ والتفسير الكبير للرازي، 29/304.
الاشتمال بأنواعه السبعة هنا. والأظهر عندي، أن لا بدل مطلقا، وأن الموصول معمول للمصدر المتأخر المأخوذ من "أن" وما دخلت عليه 1.
فالموصول إذاً في محل نصب بالمصدر المسبوك، وتأخر العامل لا يضر. وأما على البداية فهو في محل جر.
وقوله: {إنَّ اللَّه يُحبُ المُقسِطيِنَ} 2. أكد الجملة هنا لمناسبة مقتضى الحال؛ إذ المقام مظنة لغلط الأكثر، ولتوهم خلاف المراد، فاقتضى التأكيد والتوفية بالأداة، كما يعلم من فن المعاني.
وقوله: {فيِ الدَيِنِ} 3 الفاء سببية، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: "دخلت النار امرأة في هرة
…
" الحديث 4.
وسبب النزول: ما رواه الإمام أحمد في مسنده حدثنا أبو معاوية 5، حدثنا هشام بن عروة 6
1 فيكون التقدير حينئذ: لا ينهاكم الله عن أن تبروا الذين
…
فهو معمول الفعل على الاشتغال.
2 سورة الممتحنة: الآية "8".
3 سورة الممتحنة: الآية "8".
4 هذا جزء من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " دخلت امرأة النار في هرة، ربطتها، فلا أطعمتها، ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت". أخرجه البخاري في صحيحه، 6/409، بدء الخلق، باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه. صحيح مسلم بشرح النووي، 17/79، التوبة باب في سعة رحمة الله؛ سنن ابن ماجه، 2/439، الزهد، باب ذكر التوبة. كلهم بتقديم "المرأة" على "الدار" خلافا لما عند المصنف.
5 هو محمد بن خازم، مولى بني سعد ابن زيد مناة بن تميم، الإمام الحافظ، أبو معاوية السعدي الكوفي الضرير، ولد سنة 113هـ، حدث عن هشام بن عروة، والأعمش، ومالك الأشجعي، وغيرهم، "ت194هـ".
سير الأعلام، 9/73؛ تهذيب التهذيب 9/137.
6 هو هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، أبو المنذر القرشي الأسدي، ولد سنة "61هـ"، وتوفي سنة "146هـ". تاريخ بغداد، 14/37؛ سير الأعلام، 2/34.
عن فاطمة بنت المنذر1.
عن أسماء2 بنت أبي بكر –رضي الله عنهما قالت: قدمت/ عليَّ/3 أمي وهي مشركة، في عهد قريش إذ عاهدوا، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، إن أمي قدمت وهي راغبة، أفأصلها، قال:"نعم صلي أمك"4. وهذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم5. وفي بعض الطرق أنها جاءت لابنتها بهدية، ضباب6 وأقط7 وسمن، فأبت أسماء أن تقبل منها، وتدخل البيت حتى سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله هذه الآية8.
وأما قول ابن زيد9
1 هي فاطمة بن المنذر بن الزبير بن العوام، زوجة هشام بن عروة، ثقة، من الثالثة.
تقريب التهذيب/ 2/609؛تاريخ بغداد، 1/222؛ سير الأعلام، 3/381.
2 هي أسماء بنت أبي بكر. أم عبد الله، القرشية التميمية، المكية ثم المدنية، ذات النطاقين "ت73هـ".
الاستيعاب، 4/ 1781؛ سير الأعلام، 2/287؛ تهذيب التهذيب، 12/398.
3 كذا في "أ"، وساقط في بقية النسخ. وهو كذلك في رواية أحمد 6/347. أما الرواية بدنه، فهي أيضا واردة في مسند أحمد، 6/344.
4 مسند الإمام أحمد، 6/344-347.
5 صحيح البخاري مع الفتح، 5/275، الهبة، باب الهدية للمشركين. صحيح مسلم بشرح النووي، 7/93؛ الزكاة، باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين.
وأخرجه أيضا: أبو داود في سننه، 2/307-308، الزكاة، باب الصدقة على أهل الذمة.
6 ضباب: جمع الضب، وهو دويبة تشبه الورل. ابن منظور/ لسان العرب، مادة "ضبب"، 1/538.
7 الأَقِط والأِقْط والأَقْط والأُقْط" شيء يتخذ من اللبن المخيض، يطبخ ثم يترك حتى يمصُل. والقطعة منه أقطة. ابن مظور /لسان العرب، مادة "أقط"، 7/257.
8 هذه الرواية أخرجها الطبري في تفسيره، 28/66، والواحدي في أسباب النزول، ص 424، وابن كثير في تفسيره، 4/373.
9 هو جابر بن زيد أبو الشعثاء الأزدي اليحمدي، مولاهم البصري، من كبار تلامذة ابن عباس، حدث عنه عمرو بن دينار، وقتادة وآخرون. "ت93هـ". سير الأعلام، 4/481؛ تهذيب التهذيب، 2/38. النجوم الزاهرة، 1/252.
وقتادة1 أنها منسوخة، فلا يظهر؛ لوجوه:
منها: أن الجمع بينها وبين آية القتال2، ممكن غير متعذر، ودعوى النسخ يصار إليها عند التعذر وعدم إمكان الجمع إن دل عليه دليل.
ومنها: أن السنة متظاهرة بطلب الإحسان والعدل مطلقا، ولا قائل بالنسخ؛ لكن قد يجاب عن ابن زيد وقتادة بأن النسخ في/كلاميهما/3 بمعنى التخصيص، وهو متجه على اصطلاح بعض السلف.
ولا شك أن القتال بالسيف، وتوابعه من العقوبات والغلظة في محلها، مخصوص من هذا العموم4.
ووجه مناسبة الآية لما قبلها من الآي5: أنه لما ذكر –تعالى - نهيه عبادة المؤمنين عن اتخاذ عدوه وعدوهم أولياء، يلقون إليهم بالمودة؛ ثم ذكر حال خليله من آمن معه،
1 هو قتادة بن دعامة بن قتادة بن عزيز، حافظ العصر، وقدوة المفسرين والمحدثين، أبو الخطاب السدوسي البصري، روى عن أنس بن مالك وجابر بن زيد والنضر بن أنس. "ت118هـ".
سير الأعلام، 5/269؛ تهذيب التهذيب، 8/351.
2 أي الجمع بين قوله تعالى: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8] وقوله تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة:5] .
فالجمع بينهما: أن آية الممتحنة رخصة في البر والقسط، لكل من لم يناصب المسلمين العداء، ولم يظهر سوءا إليهم، فالبر والقسط والعدل والإحسان ممن بينه وبينهم قرابة نسب أو غير ذلك غير محرم، ولا منهي عنه.
وأما الأمر بالقتال في التوبة، فلا يمنع الإحسان؛ إذ إنه يكون عن من قاتل المسلمين، وأظهر لهم العداء.
انظر: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، لمحمد أمين بن محمد المختار الشنقيطي، عالم الكتب، بيروت، 8/151-152. وجامع البيان للطبري، 28/66؛ وزاد المسير،8/237.
3 في المطبوع: كلامهما.
4 أي العموم الوارد في آية الممتحنة؛ عموم البر والقسط للذين لم يقاتلوا.
5 وهو من بداية سورة الممتحنة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} إلى الآية السابعة.
في قولهم وبراءتهم من قومهم المشركين حتى يؤمنوا، وذكر أن لعباده المؤمنين أسوة حسنة، خيف أن يتوهم أحد أو يظن أن البر والعدل داخلان ضمن ما نهى عنه من الموالاة، وأمر به/ من البراءة، فناسب/1 أن يدفع هذا بقوله:{لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ} الآية 2.
وأما المسألة الثانية: في الفرق بين المرفوع والمسند والمتصل:
فاعلم أن المرفوع ما أضيف 3 إلى النبي صلى الله عليه وسلم قولا أو فعلا أو حكما 4. واشترط الخطيب البغدادي 5 كون المضيف صحابيا 6، والجمهور على خلافه. بيان الفرق بين الحديث المرفوع والمسند والمتصل والمسند: هو المرفوع 7، فهو مرادف له. وقد يكون متصلا، كمالك عن نافع 8 عن ابن عمر عن النبي صلى الله
1 ساقط في المطبوع.
2 انظر في وجه المناسبة، بين هذه الآية لما قبلها فتح القدير للشوكاني، 5/213. وقال القاسمي: إن هذه الآية {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ} في معنى التخصيص لقوله –تعالى- قبلها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي} الآية. تفسير القاسمي، 16/5768.
3 أي: سواء كان إضافة صحابي أو تابعي أو من بعدهما. التقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من مقدمة ابن الصلاحة، للحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي، "ت806هـ"، مطبوع مع علوم الحديث لابن الصلاح، مؤسسة الكتب الثقافية، 50.
4 علوم الحديث لابن الصلاح، ص 41. والباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث، لابن كثير "774هـ"، تأليف أحمد محمد شاكر، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/1، 3، 1403هـ-1983م، ص 43. وأصول الحديث، علومه ومصطلحاته، للدكتور محمد عجا الخطيب ص 355.
5 تقدمت ترجمته في ص 347.
6 الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي، ص 21.
7 هذا عند بعضهم، كما ذكره ابن الصلاح في علوم الحديث، ص 41. أما عند الخطيب الذي يُعرف المسند بأنه:"ما اتصل إلى منتهاه"، فلا يجوز أن يرادف المرفوع. إذ يدخل في تعريفه: الموقوف على الصحابي، إذا رُوي بسند، وكذلك ما روي عن التابعي بسند.
انظر: الباعث الحثيث، ص 42.
8 تقدمت ترجمته في ص 688.
عليه وسلم. وقد يكون منقطعا، كمالك عن الزهري 1 عن ابن عباس 2 عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ الزهري لم يسمع من ابن عباس، فهو مسند منقطع. وقد صرح ابن عبد البر 3 رحمه الله بترادفهما 4، والانقطاع يدخل عليهما جميعا.
وقيل إن المسند: ما وصل إسناده ولو موقوفا عليه 5. فالمسند والمتصل سواء؛ إذ هو بعينه هو تعريف المتصل 6. فعلى هذا، يفارق المرفوع بقولنا: ولو موقوفا؛ فبينه 7 وبين المرفوع على هذا القول عموم وخصوص وجهي، ويجتمعان فيما اتصل سنده ورفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وينفرد المرفوع في المنقطع المرفوع، وينفرد المسند في الموقوف، والأكثر على التعريف الأول 8.
والعموم والخصوص الوجهي، كذلك يجري أيضا بين المتصل والمرفوع،
1 تقدمت ترجمته في ص 679.
2 تقدمت ترجمته في ص 343. وهذان المثالان ذكرهما ابن الصلاح في علوم الحديث، ص 39.
3 هو يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر تقدمت ترجمته في ص 520.
4 أي ترادف المسند والمرفوع. حيث إن ابن عبد البر يُعرف "المسند" بأنه: ما رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم خاصة. التمهيد لابن عبد البر، 1/21. ومعنى "خاصة" أي: سواء كان قولا أو فعلا أو تقريرا. وسواء كان متصلا أو منقطعا. وعليه يدخل الاتصال والانقطاع، على المسند والمرفوع على سواء، فيترادفان. وانظر أيضا: الباعث الحثيث، ص 42. وعلوم الحديث لابن الصلاح، ص 39.
5 هذا تعريف الخطيب البغدادي في: الكفاية في علم الرواية له، 21.
وانظر: علوم الحديث لابن الصلاح، ص 39؛ والباعث الحثيث، ص 42.
6 أي المتصل: هو الذي اتصل إسناده. علوم الحديث لابن الصلاح، ص 40. وهذا الصنف ينفي الإرسال والانقطاع.
7 الضمير هنا يعود إلى "المسند".
8 أي التعريف الأول الذي تقدم في المرفوع، وهو: ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم قولا أو فعلا أو حكما.
كما يُعلم مما تقدم 1.
وأما قولك: أيهما أصح؟
فاعلم أن الصحة غير راجعة لهذه الأوصاف باعتبار حقيقتها، وإنما الصحة والحسن والضعف، أوصاف تدخل على كل من المرفوع والمسند والمتصل؛ فمتى وُجدت حُكم بمقتضاها لموصوفها، لكن المرفوع أولى من المتصل إذا لم يرفع، ومن المسند على القول الثاني 2، إذا لم يرفع أيضا، لا من حيث الصحة 3، بل من حيث رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وأما الصحة، فقد ينفرد بها بعض هذه الأقسام، لا من حيث ذاته. والمرفوع إذا لم يبلغ درجته الصحة، احتُج به في الشواهد والمتابعات كما عليه جمع.
المسألة الثالثة:
وأما الجواب عن قول شارح الزاد 4: "غير تراب ونحوه" 5: في اصطلاحات فقهية فاعلم أن نحو التراب هنا: كل ما كان من الأجزاء الأرضية؛ كالرمل والنورة، أو من المائعات الطاهرة، وكذا كل ما لا يدفع النجاسة عن نفسه، فإنه لو أضيف أحد هذه الأشياء إلى الماء الكثير المتنجس، لم يطهر بإضافته إليه، /لكون/6 المضاف لا
1 أي أن "المتصل والمرفوع" يجتمعان فيما اتصل سنده، ورفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وينفرد المرفوع في "المنقطع المرفوع"، وينفرد المتصل في "المتصل الموقوف".
2 يقصد: تعريف المسند الذي أورده بأسلوب التضعيف: وقيل إن المسند ما وصل إسناده ولو موقوفا.
3 لأن المسند الموقوف على الصحابي، قد يكون أصح من المرفوع المنقطع. أما إذا كان المرفوع متصلا، فيكون حينئذ أولى من المسند الذي لم يرفع، من حيث الصحة والاعتبار.
4 وهي المسألة الثالثة.
5 أصله من كلام صاحب الفروع، شمس الدين محمد بن مفلح "ت 763هـ"، ومعه تصحيح الفروع للمرداي، "ت885هـ"، ط/2/ 1379هـ 1960م، دار مصر للطباعة، 1/88، وورد في زاد المستقنع، ص 5.
6 في "أ": "لكن". وهو خطأ.
يدفع عن نفسه، فعن غيره أولى، ولو زال به التغير على أظهر الوجهين 1.
وأما نحو التراب في باب التيمم، فهو كل ما كان له غبار يعلق باليد 2. وفي باب إزالة النجاسة، هو كل جامد منق كالأشنان والصابون والسدر؛ فيفسر النحو في كل مقام بما يناسبه.
أما المسألة الرابعة: في قول شارح الزاد نقلا عن النظم 3: "وتحرم القراءة في الحش وسطحه، وهو متوجه على حاجته"4.
فاعلم أن قوله: "وهو متجه": من كلام صاحب الفروع، ومعناه: أن التحريم يتوجه إذا كان المتخلي جالسا على حاجته، بهذا القيد 5. فافهم ذلك وتفطن. والكلام في التحريم والكراهة وبيان المختار يستدعي طولا، لا يليق باختصار هذه الأسطار.
ثم إنك تشير إلى رسم فائدة زائدة وقد وقع نظري عند إملائي هذا، على عبارة ابن الجوزي، في السر المصون 6، ونصها: نصيحة في إثار الآخرة والعلم والعمل" من علم أن الدنيا دار سباق وتحصيل للفضائل، وأنه كلما علت مرتبة في علم وعمل، زادت المرتبة في دار الجزاء. انتهب الزمان ولم يضيع لحظة، ولم يترك فضيلة تمكنه إلا حصلها. ومن وُفق لهذا فليبتكر زمانه بالعلم، وليصابر كل محنة وفقر، إلى أن يحصل
1 قول المصنف هنا: "كل ما كان من الأجزاء الأرضية.." إلى قوله: "على أظهر الوجهين"، منقول في حاشية الروض المربع، شرح زاد المستقنع، لعبد الرحمن بن محمد بن القاسم العاصمي النجدي، "1391هـ"، ط/4، 1410هـ 1/91.
2 انظر: الفروع لابن مفلح، 1/224.
3 صاحب النظم هو: محمد بن عبد القوي بن بدران المقدسي الحنبلي. له النظم المشهور نحو ستة آلاف بيت. "ت699هـ". هدية العارفين، 2/139.
4 الفروع لابن مفلح، 1/114. وورد في الروض المربع مع حاشيته، 1/131.
5 حاشية الروض المربع، 1/131.
6 لم أطلق عليه.
له ما يريد، وليكن مخلصا في طلب العلم، عاملا به حافظا له. فأما أن يفوته الإخلاص، فذلك تضييع زمان، وخسران الجزاء، / وأما أن يفوته/1 العمل به، فذاك يقوي الحجة عليه، والعقاب له. وأما جمعه من غير حفظن، فإن العلم ما كان في الصدور لا في القمطر 2. ومتى أخلص في طلبه دله على الله عز وجل، فليبعد عن مخالطة الخلق مهما أمكن، خصوصا العوام، وليصن نفسه عن المشي في الأسواق، فربما وقع البصر على فتنة، وليجتهد في مكان لا يسمع فيه أصوات الناس. ومن علم أنه مار إلى الله عز وجل، وإلى العيش معه وعنده، وأن الدنيا أيام سفر؛ صبر على تفث السفر ووسخه، وأن الراحة لا تنال بالراحة 3، فمن زرع حصد ومن جد وجد.
خاضوا في أمر الهوى في فنون
…
فزادهم في اسم هواهم حرف نون
أحسن الله لي ولك العواقب، ونفعنا لنيل أرفع الدرجات والمراتب.
هذا ومن لدينا الوالد حفظه الله./والشيخ علي، وبقية الحمولة، والطلبة والإخوان بخير، وينهون السلام. وبلغ سلامنا الشيخ عبد الملك، وحسين وصالح والأخ سليمان ورشيد وفرحان، وبقية الإخوان لا سيما عبد العزيز بن /حسن/4 والشيخ حمد بن علي بن عتيق، ومن عز عليك من الإخوان. وكاتبه من في ممليه إبراهيم بن حسن
1 ساقط في "د".
2 القمطر: بكسر القاف، وفتح الميم، وسكون الطاء: هو ما يصان فيه الكتب. ويُذَكَّر ويُؤنَّث: قمطر وقمطرة. والجمع: قماطر. قال ابن السكيت:
ليس بعلم ما يعي القمطر
…
ما العلم إلا ما وعاه الصدر
الصحاح للجوهري، 2/797، مادة "قمطر".
3 الراحة الأولى: أي الحصول على الراحة الكبرى في الجنة، والراحة الثانية: ضد التعب في الدنيا.
أي أن الراحة في الجنة لا تنال بالراحة في الدنيا، بل بالتعب.
4 في "أ": حسين. "وعبد العزيز بن حسن" تقدمت ترجمته ضمن تلاميذ الشيخ ص 92 وهو التلميذ رقم "28".
الضبيب يبلغ الجميع السلام/1./ وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم/2.
1 ساقط في المطبوع.
2 زائد في "ب". وهو نهاية هذه النسخة "ب". وهذه آخر رسالة فيها. قال الناسخ بعدها: "تمت هذه الرسائل بعون مولى الفضل والفضائل سبحانه جل عن ند وعن مماثل. فرحم الله مؤلفها وكاتبها والمطالع فيها آمين ثم آمين. 28 شوال، 1335هـ".
الرسالة الستون: جواب عن مسائل فقهية سئل عنها
…
الرسالة الستون1
قال جامع الرسائل:
وله أيضا/ قدس الله روحه ونور ضريحه./2 جواب مسائل سئل عنها، وهذا نصها:
المسألة الأولى:
رجل أعطى رجلا دراهم مضاربة، يسلمها في الثمرة، فأسلمها في طعام إلى الحصاد، وبعد ذلك احتاج صاحب الدراهم، وقال لصاحبه: رد علي الدراهم، ويصير لك الطعام المؤجل.
الحمد لله، إن هذا بيع لدين السلم قبل قبضه. وفي الحديث الذي رواه الجماعة:"من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه"3.
المسألة الثانية:
في الجنب إذا أصابه المطر، حتى غسل بدنه وأنقاه، هل يرفع حدثه؟
الجواب: الحمد لله، نعم يرتفع إذا نوى رفع الحدث عند إصابة المطر، لحديث:" إنما الأعمال بالنيات"4.
1 جاءت هذه الرسالة في المطبوع في ص 207-212. وهي الرسالة رقم "36". وجاءت في "ب" في ص 49-52.
2 ساقط في "ج" و "د" والمطبوع. وسقط في "ب" كلمة: "ونور ضريحه".
3 صحيح البخاري مع الفتح، 4/409، البيوع، باب بيع الطعام قبل أن يقبض. صحيح مسلم بشرح النووي، 10/424، البيوع، باب بطلان بيع المبيع قبل أن يقبض. سنن الترمذي 3/586، البيوع، باب في كراهية بيع الطعام حتى يستوفيه، سنن النسائي، 7/285، البيوع، باب بيع الطعام قبل أن يستوفى. سنن ابن ماجه، 2/20، البيوع، باب النهي عن بيع الطعام قبل أن يقبض.
4 هذا جزء من حدي عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وتمامه: قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كنت هجرته =
المسألة الثالثة
فيما ذبح إلى غير القبلة عمدا وسهوا؟
فالجواب: إن استقبال القبلة عند الذبح ليس بشرط ولا واجب، وإنما استحبه بعضهم، ومن تركه فلا حرج عليه.
المسألة الرابعة
فيمن يقول: إذا أأكَلَته يد، أو شهق، أنه يأكل كذا وكذا، وإذا أكله عقب قدمه قال: إنه يُحكى فيها؛ هل هذا مشرك /أم/1 لا؟
الجواب: الاستدلال يأكل اليد والشهيق، أو أكله العقب على ما ذكر، جهل وضلال من أوضاع الجهلة الضالين.
وبعض الرافضة 2 يزعم أن اختلاج الأعضاء يدل على بعض الحوادث، وينسبونه إلى أبي جعفر الباقر 3. وقد ذكر أهل اعلم أنه كذب على جعفر، وأنه من أوضاع الرافضة
= إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه". صحيح البخاري مع الفتح، 1/15، بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي، و 1/164، الإيمان، باب ما جاء أن الأعمال بالنية. صحيح مسلم بشرح النووي، 13/57-58، الإمارة، باب قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات". سنن أبي داود، 2/651-652، الطلاق، باب فيما عني به الطلاق والنيات. سنن الترمذي، 4/154، فضائل الجهاد، باب ما جاء فيمن يقاتل رياء وللدنيا. سنن ابن ماجه، 3/431، الزهر، باب النية.
1 في "أ" و "ج": أو.
2 تقدم التعريف بهم في ص 57.
3 هو محمد بن علي بن الحسين بن علي، أبو جعفر الباقر، ولد زين العابدين، وُلِد سنة "56هـ" في حياة عائشة. رضي الله عنها، وأبي هريرة "وهو أحد الأئمة الاثني عشر الذين تبجلهم الشيعة الإمامية، وتقول بعصمتهم "ت114هـ" بالمدينة.
سير الأعلام 4/1401؛ وتهذيب التهذيب، 9/350؛ شذرات الذهب 1/149.
المشركين الغالين في أهل البيت. سلام على أهل بيت/ رسول/1 الله أجمعين/2.
المسألة الخامسة
رجل أبقى عند صاحبه سلعة، فقال: بعها بعشرة، /فباعها/ 3 بزيادة على العشرة، هل يحل للبائع أخذ الزيادة؟
فالجواب: لا يحل له ذلك، والزيادة لصاحب السلعة، والمودع أمين ليست من ضمانه، /و/4 لا يستحق شيئا من الزيادة.
المسألة السادسة
رجل له مائة صاع دين سلم، وارتهن نخلا وأرضا وغير ذلك، فلما مضى/أكثر/5 الأجل اتفق الطالب والمطلوب على تقويم ذلك الرهن بثمن حاضر، وحسبوا الطعام المؤجل بسعر وقته بدراهم على صاحب الرهن؟
الجواب: هذا لا يجوز، لأنه اعتاض6 دراهم زائدة على رأس ماله، فهذا عين الربا، وليس له إلا ما/أسلم/7 فيه؛ أو رأس ماله، إن اتفقا على فسخ العقد. وأما الربح والتقويم بسعر الوقت، فهذا لا يصح.
المسألة السابعة: قول: يا سيدي ومولاي؟
فالجواب: هذه الألفاظ تستعملها العرب على معاني: كسادة الرئاسة والشرف،
1 في "ب" و "ج" و "د" والمطبوع: رسوله.
2 ساقط في "ب" و "ج" و "د" والمطبوع.
3 في "د": فباع.
4 زيادة في "د" والمطبوع.
5 كذا في المطبوع وفي بقية النسخ/ كثير.
6 اعتاض: أي أخذ العوض. لسان العرب 7/192، مادة "عوض".
7 في "د": سلم.
والمولى يطلق على السيد 1 /والحليف/2 والمعتق 3 والموالي بالنصرة 4 والمحبة والعشق؛ وأطلق على الزوج؛ كما قال تعالى: {وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ} 5. فإطلاق هذه الألفاظ على هذا الوجه معروف لا ينكر. وفي السنة من ذلك كثير 6.
وأما إطلاق ذلك في المعاني المحدثة، كمن يدعي أن السيد هو الذي يُدعى ويعُظم، والولي هو الذي يُبغى منه النصر والشفاعة 7، ونحو ذلك من المقاصد الخبيثة. فهذا لا يجوز، بل هو من أقسام الشرك.
المسألة الثامنة
قول الرجل لولده أو غيره: طعامك أو شرابك أو مالك عليّ حرام؟
فالجواب: أن تحريم ما أحل الله لا يُحرم بنص القرآن، كما في سورة التحريم 8.
واختلفوا هل عليه كفارة يمين، أو لا؟ وكثير من أهل العلم يرى أن عليه كفارة
1 كما في حديث: "من كنت مولاه فعليّ مولاه"، تقدم تخريجه في ص 399.
2 كذا في المطبوع، وفي جميع النسخ، والحلف. وقد جاء "المولى" بمعنى الحليف في حديث:" مولى القوم من أنفسهم". البخاري مع الفتح، 12/49، الفرائض، باب مولى "القوم من أنفسهم".
3 ويأتي بمعنى المعتق كما في حديث: "أن مولى للنبي صلى الله عليه وسلم وقع من نخلة فمات". سنن ابن ماجه، 2/122، الفرائض، باب ميراث الولاء.
4 كما في حديث "الله مولانا ولا مولى لكم". البخاري مع الفتح، 6/188، الجهاد، باب ما يكره من التنازع.
5 سورة يوسف: الآية "25".
6 وقد تقدم ذكر بعضها هنا في هذه الصفحة.
7 هذا كما هو حال الصوفية واعتقادهم في الأولياء، وفي الأضرحة والمشاهد، ممن يطلقون عليهم لفظ: سيدي فلان، وفلان، ونحو ذلك.
8 وهو قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التحريم: 1] . فالآية تدل على أن من حرم على نفسه شيئا، لم تحرم عليه، وتلزمه كفارة يمين. تفسير القاسمي، 16/5855.
يمين 1.
المسألة التاسعة: قبلة اليد الرجل، هل هي جائزة أولا؟
فالجواب: أن بعض أهل العلم منعها وشدد فيها 2. وبعضهم أجازها لمثل الوالد، وإمام العدل على سبيل التكرمة 3، ولا يتخذ ذلك
1 يرى ذلك ابن مسعود والثوري وأبي حنيفة وأحمد. أما عند الإمام مالك والشافعي فلا يلزمه بذلك كفارة، إلا في تحريم الأمة خاصة عند الشافعي.
انظر: المغني مع الشرح الكبير، 11/250؛ والجامع لأحكام القرآن للقرطبي، 18/119؛ ومجموع فتاوى ابن تيمية، 33/58؛ وزاد المعاد، 3/565؛ وتفسير القاسمي، 16/5862.
2 وممن أنكر تقبيل اليد والرجل: الإمام مالك وسليمان بن حرب، ويوسف بن عبد البر وغيرهم. قال سليمان بن حرب:"تقبيل يد الرجل، السجدة الصغرى". الرخصة في تقبيل اليد، الحافظ أبي بكر محمد بن إبراهيم بن القمري الأصبهاني "ت381هـ"، تخريج وتقديم محمود بن محمد الحداد، دار العاصمة، الرياض، النشرة الأولى، 1408هـ، ص 18. الآداب الشرعية والمنح المرعية، للإمام شمس الدين عبد الله محمد بن مفلح المقدسي، مكتبة الرياض الحديثة، لبعض علماء نجد، دار العاصمة الرياض، ط/3، 1412هـ، 2/123.
وفي عون المعبود: "قال الأبهري: إنما كرهها مالك وإذا كان على وجه التكثير والتعظيم لمن فعل ذلك به؛ أما إذا قبل إنسان يد إنسان أو وجهه لدينه أو لعلمه أو شرفه فإن ذلك جائز. عون المعبود، 14/133.
وهناك من أنكر ذلك إذا كان لسبب عارض، كأن يكون للدنيا أو تقبيل الظالم والمبتدع، أو على التبرك، أو كان عادة. ومن أولئك: سفيان الثوري، ووكيع، وأحمد بن حنبل.
انظر: الرخصة في تقبيل اليد، ص 20، 21، 23، 24. والآداب الشرعية لابن مفلح، 2/270.
3 وممن أجاز ذلك: علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، وسفيان الثوري، والحسن البصري، والإمام أحمد بن حنبل، والحافظ أبو بكر المقري، وابن مفلح، والبغوي، وأجازه من المتأخرين الشيخ الألباني بشروط.
رُوي عن الإمام علي بن أبي طالب. رضي الله عنه، قوله: قبلة الوالد عبادة، وقبلة الولد رحمة. [الآداب الشرعية، 2/271] .
وقال الحسن البصري: قبلة يد الإمام العادل طاعة. [الآداب الشرعية، 2/271] . وقال سفيان الثوري: تقبيل يد الإمام العادل سنة. [الرخصة في تقبيل اليد، ص 21، وانظر: محموعة الرسائل والمسائل النجدية، 2/123] . وقال ابن مفلح في الآداب =
/ديدناً/1 دائما، بل في بعض الأحوال على ما ورد.
المسألة العاشرة
الرقية بالقرآن، إذا كان الراقي يبصق بريقه.
الجواب: هذا جائز لا بأس به، وريق الراقي على هذه الصفة، لا بأس به، بل يستحب الاستشفاء به، كما في حديث الرقية بالفاتحة 2.
= الشرعية، 2/270:"وتباح المعانقة وتقبيل اليد والرأس تدينا وإكراما واحتراما، مع أمن الشهوة. وظاهر هذا عدم إباحته لأمر الدنيا. واخاره بعض الشافعية، والكراهة أولى، وكذا عند الشافعية في تقبيل رجله. وقال البغوي في شرح السنة، 12/293: "ومن قبل فلا يقبل الفم ولكن اليد والرأس والجبهة، وإنما كره ذلك في الحضر فيما يُرى لأنه يكثر، ولا يستوجبه أحد". وقال الألباني في السلسلة الصحيحة، 1/252-253: "وأما تقبيل اليد ففي الباب أحاديث وآثار كثيرة، يدل مجموعها على ثبوت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنرى جواز تقبيل يد العالم إذا توفرت الشروط:
1-
أن لا يتخذه عادة بحيث يتطبع العالم على مد يده إلى تلامذته، ويتطبع هؤلاء على التبرك بذلك.
2-
أن لا يدعو ذلك إلى تكبر العالم على غيره، ورؤيته لنفسه.
3-
أن لا يؤدي إلى تعطيل سنة معلومة، كسنة المصافحة".
ومن الأحاديث التي أشار إليها الألباني:
حديث ابن عمر: "فدنونا يعني من النبي صلى الله عليه وسلم فقبلنا يده". [سنن أبي داود 5/293، الآدب، باب في قبلة اليد، سنن ابن ماجه، 316، الآداب، باب الرجل يقبل يد الرجل] .
ومنها حديث زارع وكان في وفد عبد القيس قال: "لما قدمنا المدينة، فجعلنا نتبادر من رواحلنا، فنقبل يد النبي صلى الله عليه وسلم ورجله"[سنن أبي داود، 5/395، الآدب، باب قبلة الرجل] .
1 هكذا في "ب" والمطبوع، وفي بقية النسخ:"ديدانا". والكلمتان 0ديدنا دائما" من باب الترادف.
2 وهو حديث أبي سعيد الخدري –رضي الله عنه أن أناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أتوا على حي من أحياء العرب، فلم يقروهم، فبينما هم كذلك، إذ لدغ سيد أولئك، فقالوا: هل معكم من دواء أو راقٍ فقالوا: إنكم لم تقرونا، ولا نفعل حتى تجعلوا لنا =
وأما ما يفعله بعض الناس مع من يقدم من المدينة من الاستشفاء بريقهم على الجراح، فهذا لا أصل له، ولم يجيء فيمن أتى من المدينة خصوصية توجب هذا؛ والحاج أفضل منه 1.
ولا يعرف أن أحدا من أهل العلم فعل هذا مع الحاج 2، وإنما الوارد الاستشفاء بريق المسلم مع تربة الأرض، إذا سمى الله في ذلك، كما في حديث:"بسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا يشفى سقيمنا بإذن ربنا"3. فهذه الرقية من المسلم الموحد على هذا الوجه، قد جاءت بها الأحاديث 4.
= جعلا، فجعلوا لهم قطيعا من شاة، فجعل يقرأ بأم القرآن، ويجمع بزاقه ويتفل، فبرأ، فأتوا بالشاة فقالوا: لا نأخذه حتى نسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فسألوه، فضحك وقال:"وما أدراك أنها رقية، خذوها واضربوا لي بسهم". صحيح البخاري مع الفتح، 4/529، الإجارة، باب ما يعطى في الرقية. صحيح مسلم بشرح النووي، 14/438، السلام، باب جواز أخذ الأجر على الرقية بالقرآن والأذكار. سنن أبي داود، 3/703-705، البيوع، باب في كسب الأطباء. مسند الإمام أحمد 3/2.
1 أفضلية الحاج هنا على من يقدم من المدينة كونه طاهرا من الذنوب كما في نص الحديث: "من حج لله فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه" بينما القادم من المدينة لم يرد فيه أية خصوصية. صحيح البخاري مع الفتح، 3/446، الحج، باب فضل الحج المبرور. صحيح مسلم بشرح النووي، 9/127، الحج، باب فضل الحج والعمرة. سنن الترمذي، 3/176، الحج، ما جاء في ثواب الحج، بلفظ:"من حج.. غفر له ما تقدم من ذنبه". سنن النسائي، 5/114، الحج، باب فضل الحج، باختلاف يسير عن اللفظ الأول. سنن ابن ماجه، 2/154، مناسك، باب الحج والعمرة.
2 إذ إنه لم يرد خصوصية بريقه أيضا، رغم تفضيله على القادم من المدينة.
3 صحيح البخاري، 7/249، الطب، باب رقية النبي صلى الله عليه وسلم؛ صحيح مسلم بشرح النووي، 14/434، السلام باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمى.
4 وقد تقدم بعضها، كالذي في الرقية بفاتحة الكتاب، ومنها أيضا: حديث عائشة –رضي الله عنها: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات، وينفث، فلما اشتد وجعه، كنت أقرأ عليه، وأمسح عنه بيده، رجاء بركتها". صحيح مسلم بشرح النووي، 14/432، السلام، باب رقية المريض بالمعوذات والنفث. وانظر بقية الأحاديث في نفس الباب.
وأما مسألة: المرأة التي حملت، وصار الحمل سقطا يرتفع وينزل، وأخذ /ثلاث/1 عشرة سنة
…
إلى آخر السؤال:
فاعلم أنه لا حمل بعد أربع سنين على المشهور عند العلماء 2 وهذه الحركة عرضت بعد الموت.
وإذا مات الحمل في بطنها فم يثبت لها أحكام الحمل. فتعتد عدة المتوفى عنها 3، ولا يُلتفت لهذا الحمل؛ فإنه لا حكم له 4.
وأما/مسألة/5 الكاهن: إذا سأله عن دواء مباح، والسائل والمريض مسلمان؟
ت
_________
1 في "ج" و "د": ثلاثة.
2 هذا هو أكثر مدة الحمل عند الشافعية والحنابلة، أربع سنين.
والاعتماد في ذلك على استقراء وتتبع أحوال النساء. والشافعية والحنابلة تقول: قد وُجد أربع سنين فيما رواه الدارقطني، عن الوليد بن مسلم قال: قلت لمالك بن أنس عن حديث عائشة قالت: "لا تزيد المرأة في حملها على سنتين. فقال: سبحان الله! من يقول هذا؟ هذه جارتنا امرأة محمد بن عجلان، امرأة صدق، وزوجها رجل صدق، حملت ثلاثة أبطن في اثني عشر سنة". الأثر أخرجه الذهبي في سير الأعلام، 6/318-319؛ عند ترجمة محمد بن عجلان. وذكره ابن مفلح في المبدع، 8/111.
قال الشافعي: بقي محمد بن عجلان في بطن أمه أربع سنين. وقال أحمد: نساء بني عجلان تحمل أربع سنين. روضة الطالبين، 8/377-378. حواشي الشرواني على تحفة المحتاج بشرح المنهاج، دار صادر، 8/239. المغني مع الشرح الكبير، 9/116-117. المبدع، لابن مفلح، 8/111. أما عند الحنفية: فأكثر مدة الحمل سنتان. حاشية رد المختار، 3/512.
وعند المالكية في المشهور، خمس سنين. شرح الزرقاني على مختصر سيدي خليل. دار الفكر بيروت، 4/205.
3 وهي أربعة أشهر وعشرة أيام، كما جاء ذلك في محكم التنزيل:{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} [البقرة: 234] .
4 أما إن استمر الحمل حيا في تلك المدة –كما ذكر بعض العلماء- فعدتها الوضع، كما قال تعالى:{وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق:4] .
5 في "د": المسألة.
فالجواب: إن كان خبر الكاهن بالدواء ومنافعه، من طريق الكهانة، فلا يحل تصديقه، وهو داخل في الوعيد 1، وإن كان من جهة الطب، ومعرفة منافع الأدوية، فلا يدخل في مسألة الكاهن.
وأما من قال لصاحب السلعة: إن خليت عني من قيمة ما/يشتري/2 به رفاقتي، أو حصل منك ثمن قهوة، جبرتهم على الشراء منك.
فهذا لا يحل، وجبرهم لا يجوز؛ ولا يستحق هذا شيئا، إلا أن يكون سمسارا يمشي بينهما على العادة المعروفة فيستحق ما جرت به العادة للدلال.
وأما مسألة من يقول في الرياح: /هذه/3 هبوب الثريا 4/وهذه/5 هبوب التُّوَيبع 6 وهذه هبوب الجوزاء 7: فهذا لا يجوز؛ شدد في المنع منه مالك وغيره 8. ولا يجوز إضافة هذه الأشياء إلى النجوم.
1 يقصد بالوعيد: قوله صلى الله عليه وسلم: "من أتى كاهنا فصدقه أو امرأة في دبرها، فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم" الحديث تقدم تخريجه في ص190.
2 كذا في المطبوع: وفي جميع النسخ: يشترون.
3 في "أ": هذا.
4 الثريا: من الكواكب، سميت بذلك لغزارة نوئها، وقيل لكثرة كواكبها مع صغر مرآتها. لسان العرب، 14/12، مادة "ثرا".
5 في "أ": هذا.
6 التويبع: هو "الدبران"، وهو نجم بين الثريا والجوزاء، يقال له: التابع والتويبع. وسمي تبعا لإتباعه الثريا: قال الأزهري: سمعت بعض العرب يسمي الدبران: التابع والتويبع. لسان العرب، 4/271، مادة "دبر"، و8/30، مادة "تبع".
7 الجوزاء: نجم يقال إنه يعترض في جوز السماء. لسان العرب، 5/329، مادة "جوز".
8 انظر المتبقي، شرح موطأ الإمام مالك، للإمام الباجي، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، طبعة مصورة عن الطبعة الأولى، 1332هـ، 1/334؛ والأم للإمام الشافعي، 1/419؛ والجامع لأحكام القرآن للقرطبي، 17/148.
إن قائل ذلك لا يخلو من حالتين:
الأولى: أن يكون معتقداً أن لهذه النجوم صنعا في ذلك، وأنها المخترعة لهذه الهبوب، فهذا يكفر كفر شرك، لإضافته الخلق إلى المخلوق.
والثانية: أن يجعل النجوم علامة على حدوث الهبوب من قبيل التجربة والعادة، فليس هذا بشرك، ولا يكفر صاحبه. انظر: الأم للشافعي، 1/419. وفتح الباري، 2/608.
قال قتادة 1: "خلق الله هذه النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها غير ذلك فقد أخطأ وأضاع نصيبه، وتكلف بما لا علم له به"2.
وأما من صلى وعلى رأسه عمامة حرير:
فالمشهور من مذهب الحنابلة، صحة الصلاة 3، بخلاف ما إذا ستر عورته بحرير، فإنها لا تصح 4؛ وقال بعض أهل العلم بعدم الصحة.
وأما أهل البدع:
فمنهم الخوارج 5 الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ذكر أنواع من أهل البدع وقاتلوه، واستباحوا دماء المسلمين وأموالهم، متأولين ذلك ذلك.
أشهر أقوالهم: تكفيرهم بما دون الشرك من الذنوب، فهم يكفرون أهل الكبائر
1 هو قتادة بن النعمان الصحابي.
2 صحيح البخاري مع الفتح، 6/341، بدء الخلق، باب في النجوم، تعليقا. قال ابن حجر في الفتح:"وصله عبد بن حميد من طريق شيبان عنه".
3 روضة الناظر: 1/132.
4 المبدع في شرح المقنع لابن مفلح، 1/367؛ المغني مع الشرح الكبير، 1/626؛ الروض المربع، 1/519.
وتصح صلاة الرجل في ثوب حرير في حالة عذر، كمن لم يجد غير سترة حرير. المبدع لابن مفلح، 1/368؛ والروض المربع، 1/522. ويصح الستر مع الحرمة عند المالكية والشافعية، فتصح الصلاة، مع إثم استعماله لسترة الحرير. المهذب للشيرازي، 1/66؛ شرح الزرقاني على مختصر خليل سيدي خليلي، 1/174. وعند الحنفية: تنعقد الصلاة مع الكراهة التحريمية. ويأثم بلا عذر. حاشية رد المختار، 1/410.
5 تقدم التعريف بهم في ص 167.
والمذنبين من هذه الأمة 1.
وقد قاتلهم علي بن أبي طالب ومن معه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وصحت/ فيهم/2 الأحاديث، روى مسلم منها عشرة أحاديث 3. وفيها الأمر بقتالهم، وأنهم شر قتلى تحت أديم السماء، وخير القتلى من قتلوه، وأنهم يقاتلون.
أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان. وفي الأحاديث: "يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم/ أجرا/4 لمن قتلهم عند الله"5.
ومن أهل البدع:
الرافضة 6 الذين يتبرءون من أبي بكر وعمر 7!! ويدعون موالاة أهل البيت، وهم من أكذب الخلق وأضلهم وأبعدهم عن موالاة أهل البيت وعباد الله الصالحين، وزادوا
1 تقدم ذكر أهم آرائهم الاعتقادية في ص 167-168.
2 في "ب" و "د": "منهم" وهو خطأ؛ لأن المراد: الأحاديث الصحيحة التي تحدثت عنهم، وليست الأحاديث الصحيحة التي رووها بعضهم.
3 انظر تلك الأحاديث: في صحيح مسلم بشرح النووي، 7/165-179، كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم، وباب التحريض على قتل الخوارج. "والبابان متتاليان". وقد تقدم من تلك الأحاديث: حديث المخدح بطوله في ص 169-170.
4 في "د": أجر.
5 الحديث أخرجه مسلم في صحيحه بلفظ: "سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث أسنان، سفهاء أحلام، يقولون من خير قول البرية، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم عند الله يوم القيامة". صحيح مسلم بشرح النووي، 7/175، الزكاة، باب التحريض على قتل الخوارج.
6 تقدم التعريف بهم في ص 57.
7 بل إن من ترهاتهم: المبالغة في سبهما، والتقرب إلى الله بذلك في زعمهم، ويرون أن الابتداء بلعن أبي بكر وعمر بدل التسمية في كل أمر ذي بال، أحب وأولى، وأن كل طعام لُعن عليه الشيخان سبعين مرة كان فيه زيادة البركة. انظر: مختصر التحفة الاثني عشرية، ص 287.
في رفضهم حتى سبوا أم المؤمنين /عائشة/1 رضي الله عنها وأكرمها - واستباحوا شتم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا نفرا يسيرا 2. وأضافوا إلى هذا المذهب، مذهب الغالية، الذين عبدوا المشايخ والأئمة وعظموهم بعبادتهم، وصرفوا لهم ما يستحقه سبحانه، ويختص به، من التأله والتعظيم والإنابة، والخوف والرجاء والتوكل، والرغبة والرهبة، وغير ذلك من أنواع العبادات 3.
وغلاتهم يرون أن عليا ينزل في آخر الزمان 4. ومنهم من يقول: غلط الأمين وكانت النبوة لعلي رضي الله عنه 5.
وهم جهمية في باب صفات الله 6
1 ساقط في "ب" و "ج" و "د" والمطبوع.
2 من الصحابة القلة الذين سلموا من شتائم الرافضة: المقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، وعمار ين ياسر.
انظر: مختصر التحفة الإثني عشرية، ص 6؛ الشيعة وأهل البيت، ص 45.
3 كما فعلوا بأئمتهم ونواب أئمتهم كما يزعم الشيعة الموجودين في عصرنا هذا.
انظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام، 12/293.
4 وهم السبئية الذين يزعمون المهدية في علي "،ولما استشهد "زعم ابن سبأ أنه لم يمت، وأن ابن ملجم إنما قتل شيطانا تصور بصورة علي، وأنه مختف في السحاب، وأن الرعد صوته والبرق سوطه، وأنه ينزل إلى الأرض بعد هذا، ويملؤها عدلا وينتقم من أعدائه.
انظر: مختصر التحفة، ص 10.
5 وهؤلاء هم الغرابية، من فرق الروافض الغلاة. قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان أشبه بعلي من الغراب بالغراب، ومن الذباب بالذباب، ويقولون بلعن صاحب الريش.
الفرق بين الفرق للبغدادي، ص 237؛ الخطط للمقريزي، 2/353.
6 تقول الجهمية: إنه لا يجوز وصف الباري –تعالى- بصفة يوصف به خلقه. ينكرون الصفات ويسمون ذلك تنزيها. فمراد المصنف أن الرافضة على عقيدة المعتزلة "نفاة الصفاة"، لا على عقيدة الجهمية أتباع جهم
وكذلك الرافضة يقولون: ليس لله صفات أصلا، ولكن تطلق على ذاته –تعالى- الأسماء المشتقة من تلك الصفات، فيجوز أن يقال: إن الله حي، سميع، بصير، قدير؛ ويمتنع أن يقال: له حياة وعلم وقدرة وسمع وبصر ونحوها، وأن الله لم يكن عالما في الأزل ولا سميعا ولا =
زنادقة منافقون في باب أمره وشرعه 1.
ومن أهل البدع:
القدرية؛ الذين يكذبون بالقدر وبما سبق في أم الكتاب، وجرى به القلم. ومنهم القدرية المجبرة 2، الذين يقولون: إن العبد مجبور، لا فعل له ولا اختيار 3.
ومن أهل البدع:
المرجئة 4؛ الذين يقولون: إن الإيمان هو التصديق 5، وإنه شيء واحد لا يتفاضل 6.
= بصيرا، حتى خلق لنفسه علما وسمعا وبصرا كما خلقها لبعض المخلوقات، فصار عالما وسميعا وبصيرا.
وهذه العقيدة مخالفة لكتاب الله تعالى، فقد وقع في كثير من مواضعه قوله تعالى:{وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} {سَمِيعاً عَلِيما} .
انظر: مقالات الإسلاميين، 1/238؛ والفرق بين الفرق، ص 211، والتحفة الإثني عشرية، ص 80-81.
1 الزنادقة إذا أمروا ونهوا، احتجوا بالقدر، أن الله قدر لهم ذلك الكفر والمعاصي ونحوها. وقد احتج سارق على عمر "بالقدر، فقال له عمر: وأنا أقطع يدك بقضاء الله وقدره". شرح العقيدة الطحاوية، ص135.
2 تقدم التعريف بهم في ص 485.
3 انظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام، 8/460. وقد تقدم بيان معتقدهم في ص 485.
4 تقدم التعريف بهم في ص 174.
5 انظر: مقالات الإسلاميين، 1/223؛ وكتاب الإيمان لابن تيمية، ص 109، 178.
6 كتاب الإيمان لابن تيمية، ص 338، 368.
قول المرجئة هذا، يقولون به فرارا من القول بكون الإيمان ذا عدد اثنين أو ثلاثة؛ لأنه إذا كان كذلك، أمكن ذهاب بعضه وبقاء بعضه؛ وهذا مما لا يقولونه، وعليه يحرمون الاستثناء في الإيمان. فعندهم يجب أن يوجد هذا الشيء الواحد؛ فهو الإيمان أو لا يوجد.
وقولهم هذا في غاية الفساد، إذ يلزم منه كون المنافقين مؤمنين كاملي الإيمان؛ إذ ما في قلوبهم يكون تاما بدون شيء من الأعمال.
والحق أن التصديق التام القائم بالقلب، مستلزم لما وجب من أعمال القلب والجوارح، فهي =
ومن أهل البدع وأكفرهم:
الجهمية 1 الذين ينكرون صفات الله التي جاء بها القرآن والسنة، ويؤولون ذلك؛ كالاستواء 2، والكلام 3، والمجيء والنزول 4،
والغضب 5، والرضى 6، والحب 7، والكراهة وغير ذلك من الصفات الذاتية 8
= من لوازم الإيمان التام. وانتفاء اللازم دليل على انتفاء الملزوم.
انظر: كتاب الإيمان لابن تيمية، ص 110.
1 تقدم التعريف بهم في ص 299.
2 الاستواء يؤولونها بالاستيلاء. وقد تقدم ذلك في ص 372.
3 يؤولون الكلام بأن الله يكون شيئا يعبر عنه، ويخلق صوتا ويسمعه من يشاء. وقد رد عليهم الإمام أحمد –رحمة الله عليه- هل يجوز للمكون أو غير الله أن يقول:"يا موسى، إني أنا ربك؟ ".
انظر: الرد على الجهمية والزنادقة للإمام أحمد، ص 130.
4 المجيء والنزول: يؤولهما الجهمية بالحركة والانتقال، ومجيء أمره؛ وذلك لأن حقيقة الرب عندهم: أنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباين ولا محايث، ويقولون تارة: هو بذاته في كل مكان. ويرمون بكل هذه إلى نفي كون الرب فوق خلقه وعليه فلا يتصور عندهم نزول ولا مجيء للرب تبارك وتعالى.
انظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، 5/166، 187.
5 والغضب: يؤوله الجهمية بإرادة العقاب والانتقام؛ لأن الغضب غليان دم القلب.
6 الرضى: يؤوله الجهمية، بإرادة الإحسان؛ لأن الرضى الميل والشهوة.
7 الحب: يؤوله الجهمية بإرادة الثواب. انظر هذه التأويلات: شرح العقيدة الطحاوية، ص 685؛ ومجموع فتاوى شيخ الإسلام، 5/353، 401، 402، 6/119، ومختصر الصواعق المرسلة، 2/106-108.
وبطلان كل هذه التأويلات، واضح، لا يحتاج إلى بيان. فإن هذه الصفات ثابتة لله –سبحانه وتعالى ثبوتا لا ريبة فيه، كما أخبر به الكتاب والسنة؛ كما أنها لا تستحيل على الله –تعالى- إلا في نظر أولئك المؤولة وعقولهم؛ لقصرها وضعفها. فهذه كلها صفات كمال لله عز وجل، تقع منه متى شاء، وعلى الكيفية التي يعلمها هو، ويريدها وتليق بجلاله –سبحانه وتعالى؛ ولسنا مكلفين بمعرفتها. فكما نثبت- نحن مع الجهمية لله ذاتا لا تشبه الذوات، فكذلك تكون صفاته –تعالى-.
8 كتأويلهم "اليد" بالقدرة، وبالنعمة. الإبانة للأشعري، ص 34،38؛ =
والفعلية.
ومن أهل البدع الضالين:
أصحاب الطرائق المحدثة؛ كالرفاعية 1، والقادرية 2، والبيومية 3، وأمثالهم كالنقشبندية 4، وكل من أحدث بدعة لا أصل لها في الكتاب والسنة. ومن فاتته الجمعة: وقد صلاها الإمام قبل الزوال 5، فيصليها ظهرا بعد
= وفتح الباري، 13/405.
1 الرفاعية: طريقة من طرق الصوفية، تنتسب إلى شيخ الطريقة أحمد بن علي أبو العباس الرفاعي "ت578هـ"، وهي متنشرة في العراق وبلاد الشام وغيرها. الطبقات الكبرى للشعراني، 1/139- دراسات في التصوف، لإحسان إلهي ظهير، نشر إدارة ترجمان السنة، لاهور، باكستان، ط/1، 1409هـ 1988م، ص 215.دائرة المعارف الإسلامية، 10/147.
2 القادرية: طريقة من طرق الصوفية، منصوبة إلى عبد القادر الجيلاني "ت561هـ". دراسات في التصوف، لإحسان إلهي ظهير، ص 249. الصلة بين التصوف والتشيع ص 443-444.
3 البيومية: طريقة دينية، صاحبها سيدي علي الحجازي بن محمد، المولود في البيوم من أعمال مصر عام "1108هـ". وكان من أتباع الطريقة القادرية. ويتلخص ذكر أصحاب هذه الطريقة في قولهم:"يالله" مع إحناء رؤوسهم وضم أيديهم على صدورهم، وهم يتبعون ذلك برفع رؤوسهم والتصفيق بأيديهم. دائرة المعارف الإسلامية، 4/434-435.
4 النقشبندية: طريقة من طرق الصوفية، وقد تقدم التعريف بهذه الطريقة في ص 514.
5 هذا عند الحنابلة؛ فهم يُجوزون أداء الجمعة قبل الزوال. وأول وقتها عندهم، أول وقت صلاة العيد. ويستدلون على ذلك بقول عبد الله بن سيدان السلمي:"شهدت الجمعة مع أبي بكر، فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار. ثم شهدتها مع عمر، فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: انتصف النهار. ثم شهدتها مع عثمان، فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول زال النهار. فما رأيت أحدا عاب على ذلك ولا أنكره". رواه الدارقطني، علي بن عمر الدارقطني، "ت306هـ". نشر عبد الله هاشم يماني، 1386هـ 1966م، المدينة المنورة،2/17.
قال ابن مفلح –رحمه الله بعد ذكره للأثر: "رواه الدارقطني وأحمد واحتج به، قال: وكذلك روي عن ابن مسعود، وجابر، وسعيد ومعاوية، أنهم صلوا قبل الزوال، ولم ينكر، فكان كالإجماع". المبدع لابن مفلح، 2/148. وانظر مذهب الحنابلة في تجويز الجمعة قبل الزوال: المغني مع الشرح الكبير 2/210-211.
قال الحافظ ابن حجر –رحمة الله عليه- بعذ ذكره للحديث-: "رحاله ثقات إلا عبد الله بن =
الزوال 1.
وأما صلاة الفذ ركعة خلف الصف: فمقتضى كلام الفقهاء، أنه يستأنف الصلاة ولا يبني 2. ويدخل في ذلك تكبيرة الإحرام. والله –سبحانه وتعالى أعلم.
= سيدان، فإنه تابعي كبير، إلا أنه غير معروف العدالة، قال ابن عدي شبه المجهول، وقال البخاري: لا يتابع على حديثه؛ بل عارضه ما هو أقوى منه، فروى ابن أبي شيبة من طريق سويد بن غفلة، أنه صلى مع أبي بكر وعمر حين زالت الشمس، إسناده قوي" ثم ذكر من عمل أبي بكر وعمر وعلي على خلاف حديث ابن سيدان، بأسانيد صحيحة. فتح الباري، 2/450.
وعند الجمهور: ولا تصح الجمعة قبل الزوال. انظر: فتح القدير لابن الهمام، 2/55-56؛ الشرح الصغير للدرديري، 1/499؛ الأم للشافعي، 1/332، روضة الطالبين، 2/3.
بدليل مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على صلاته بعد الزوال. قال أنس رضي الله عنه: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة حين تميل الشمس". صحيح البخاري مع الفتح، 2/449، الجمعة، باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس. سنن أبي داود، 1/654، الصلاة، باب في وقت الجمعة.
1 المغني مع الشرح الكبير، 2/198.
2 هذا بناء على مذهب الحنابلة في أن صلاة المنفرد، إذا صلى ركعة كاملة خلف الصف وحده، لم تصح، وهي غير مجزئة. وعليه فيستأنف الصلاة. [المغني مع الشرح الكبير، 2/41؛ المبدع لابن مفلح، 2/88-89] .
أما عند الجمهور فتجزئه تلك الركعة.
الرسالة الحادية والستون: في مسألة الرهن
…
الرسالة الحادية والستون1
قال جامع الرسائل:
وله –قدس الله روحه، ونور ضريحه - في مسألة الرهن 2 ما نصه:
حاصل ما ذكره العلماء في صحة الرهن وفساده ولزومه وعدمه.
اتفقوا على أن من شرطه: أن يكون إقراره في يد المرتهن من قبل الراهن 3. وذهب مالك إلى أنه يجوز أن يؤخذ الرهن في جميع الأثمان الواقعة في جميع /البيعات/4 إلا الصرف 5 ورأس مال السَّلم 6 المتعلق
1 جاءت هذه الرسالة في المطبوع في ص 213-315. وهي الرسالة رقم "37". وجاءت في "ب" في ص 52-54.
2 الرهن في اللغة: مطلق الحبس. والاحتباس ما وضع عندك لينوب مناب ما أُخذ منك. ورهنه الشيء وأرهنه: جعله رهنا. لسان العرب، 13/188، وترتيب القاموس المحيط، 3/403-404، مادة "رهن".
وفي الشرع: توثيق دين بعين يمكن استيفاؤه منها، أو من ثمنها.
وجميع تعريفات الفقهاء متقاربة، كلها قريبة من هذا التعريف في ألفاظها ومعانيها. انظر: الاختيار، لابن المودود، 2/63. الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، 3/263. المهذب في فقه مذهب الإمام الشافعي، لأبي إسحاق إبراهيم بن علي للشيرازي، مطبعة الحلبي، بمصر، للشيرازي، 1/305. المغني مع الشرح الكبير، 4/366. حاشية الروض المربع، 5/51.
وقد عرفه الجرجاني بأنه: حبس الشيء بحق يمكن أخذه منه؛ كالدين. قال: ويطلق على المرهون، تسمية للمفعول باسم المصدر. التعريفات للجرجاني، ص 150.
3 انظر: حاشية رد المختار، 6/479؛ بداية المجتهد، 2/230؛ الأم للشافعي، 3/167؛ مغني المحتاج، 2/133؛ المغني مع الشرح الكبير، 3/467.
4 في "أ" البياعات.
5 ذلك لأن الصرف من شرطه التقابض، فلا يجوز فيه عقدة الرهن. بداية المجتهد ونهاية المقتصد، لمحمد بن أحمد بن رشد "الحفيد""ت595هـ" بمراجعة عبد الحليم محمد عبد الحليم، وعبد الرحمن، تقديم سيد سابق، دار الكتب الحديثة، 2/330.
6 السَّلم في اللغة: السلف. يقال: أسلم في الشيء وسلم، إذا أسلف، وهو أن تعطي مالا في سلعة معلومة إلى أمد معلوم. لسان العرب، 12/295. مادة "سلم".
في الشرع: اسم لعقد يوجب الملك للبائع في الثمن عاجلا، وللمشتري في المثمن آجلا. التعريفات للجرجاني، ص 160. والقاموس الفقهي لغة واصطلاحا، ص 182.
بالذمة 1، وعنده يجوز الرهن في السلم وفي القرض 2 وفي الغصب وفي قيم المتلفات، وأرش الجنايات في الأموال وفي الجراح التي لا قود فيها. ولا يجوز في الحدود ولا في القصاص ولا في الكتابة 3.
/واشترط/4 الشافعية في/المرهون فيه/5 ثلاثة شروط:
أحدها: /أن يكون دينا/6، [فإنه لا يرهن في عين] 7
1 انظر: كتاب الكافي في فقه أهل المدينة، لابن عبد البر القرطبي، تحقيق: د محمد محمد ولد ماديك، ط/1، 1398هـ-1978م، 2/812.
وعند الحنفية يصح الرهن برأس مال السلم وبدل الصرف. انظر: الاختيار لتعليل المختار، لعبد الله بن محمود بن مودود الموصلي الحنفي، دار المعرفة، بيروت، لبنان، 1395هـ-1975م، 2/67. وحاشية رد المختار لابن عابدين، 6/494.
2 القرض: في اللغة ما تعطيه غيرك من مالي على أن يرده إليك.
وفي الشرع: عقد مخصوص، يرد على دفع مال مثلي لآخر، ليرد مثله. القاموس الفقهي لغة واصطلاحا ص 300.
3 الكافي لابن عبد البر، 2/813؛ بداية المجتهد لابن رشد، 2/330-331.
4 في "د": واشتراط.
5 كذا في جميع النسخ. وفي "أ": "الرهن"، وهو من باب تسمية المفعول باسم المصدر. كما أشار إليه الجرجاني في التعريفات، ص 150. عند تعريفه للرهن. ويدل على أن ذلك هو مراده أمور:
أن كتب الشافعية أوردت تلك الشروط الثلاثة، تحت "المرهون فيه" المثبت.
أنه سيذكر شروط الرهن، بعد شروط المرهون فيه هذه.
أن شروط "الرهن" عند الشافعية: 1- أن يكون عينا 2- صلاحية ثبوت يد المرتهن عليه. 3- كون العين قابلة للبيع. روضة الطالبين، 4/38-40.
6 في "أ" و "ج" والمطبوع: "أن لا يكون دينا".
7 ما بين المعقوفتين، أصله في جميع النسخ هكذا:"فإن الدين لا يرهن بعين"، وهو تصرف خاطئ من قبل النساخ في عبارة "ابن رشد" –رحمه الله في بداية المجتهد، حيث نقل هذا الكلام بالنص. والمثبت هي عبارة ابن رشد.
الثاني: أن يكون واجبا، فلا يرهن قبل الوجوب 1؛ مثل أن يسترهنه فيما استقرضه 2. ويجوز عند مالك 3.
الثالث: أن لا يكون لزومه متوقعا 4.
وأما/ شروط/5 الرهن: فالمنطوق بها في الشرع ضربان:
شروط الصحة، وشروط الفساد:
وأما شروط الصحة: فشرطان: أحدهما متفق عليه في الجملة، [ومختلف في الجهة التي هو شرط وهو القبض] 6، والثاني مختلف في اشتراطه 7.
أما القبض 8: فاتفقوا في الجملة على أنه شرط في الرهن 9؛ لقوله تعالى: {فَرِهَانٌ
1 أي أن الرهن لا يقدم قبل ثبوت الدين وهو المذهب عند الحنابلة أيضا. المغاني مع الشرح الكبير، 4/368. حاشية روض المربع، 5/56.
2 أي أن يطلب منه رهنا على ما أعطاه من الدين "بعد ثبوت الدين"، أما لو قاله له:"خذ هذا رهنا بكل ما ستقرضني مستقبلا" فهذا لا يصح عند الشافعية.
3 الكافي لابن عبد البر، 2/812؛ بداية المجتهد، 2/331.
4 انظر شروط الشافعية الثلاثة: المهذب في فقه مذهب الإمام الشافعي، 1/305. مغني المحتاج، 2/126. روضة الطالبين، 4/53، 54.
وهذه الشروط نقلها المؤلف بهذا النص من بداية المجتهد لابن رشد، 2/331.
5 في "د" شرط.
6 ما بين المعقوفتين جملة أسقطها المصنف في نقله من بداية المجتهد، وهي ضرورية في استقامة ما بعدها.
7 وهو استدامة القبض، كما سيأتي في ص 805.
8 هذا هو شرط صحة الرهن الأول، والذي كان المؤلف قد أسقطه ضمن الجملة التي زدته بين المعقوفتين آنفاً.
9 انظر: الاختيار لابن مودود، 2/63؛ حاشية رد المختار، 6/479؛ بداية المجتهد، 2/331؛ الكافي لابن عبد البر، 2/812؛ الأم للشافعي، 3/163؛ المهذب للشيرازي، 1/307؛ المغني مع الشرح الكبير، 4/368.
مَقْبُوضةٌ} 1.
واختلفوا، هل هو شرط للتمام أو شرط للصحة؟ وفائدة/ الفرق/2: أن من قال: شرط للصحة، قال: ما لم يقع القبض لم يلزم الرهن 3.
وقال مالك: القبض شرط لتمام الرهن، قال: يلزم بالعقد 4، ويجبر الراهن الإقباض، إلا أن يتراخى المرتهن عن المطالبة.
وذهب الشافعي وأبو حنيفة وأهل الظاهر، إلى أنه من شروط الصحة 5.
وعمدتهم: قوله تعالى: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضةٌ} 6.
وعند مالك أن/من شروط/7 صحة الرهن استدامة القبض 8، وأنه متى عاد إلى يد الراهن بإذن المرتهن، بعارية أو وديعة أو غير ذلك فقد خرج من اللزوم 9.
1 سورة البقرة: الآية "283". وتمامها: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} .
2 في "د": الفرقان.
3 وهذا قول الإمام أبي حنيفة والشافعي وأحمد وأهل الظاهر. انظر: الاختيار لابن مودود 2/64؛ حاشية رد المختار، 6/479؛ الأم للشافعي، 3/174؛ المهذب للشيرازي، 1/305؛ 307؛ مغني المحتاج، 2/128؛ المغني مع الشرح الكبير، 4/368.
4 الكافي لابن عبد البر، 3/812؛ حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، 3/321.
وهي رواية لبعض الحنابلة فيما عدا المكيل والموزون. انظر: المغني مع الشرح الكبير، 4/368؛ وحاشية الروض المربع، 5/57.
5 تقدمت الإشارة إلى مذهبهم هذا في هامش "11" من الصفحة السابقة. وهو أيضا مذهب أحمد كما تقدم.
6 سورة البقرة: الآية "283". وتمامها: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} .
7 كذا في "أ"، وفي جميع النسخ: من شرط.
8 أما القبض نفسه، فهو عنده شرط للتمام، كما تقدم آنفا.
وهذا "استدامة القبض" هو الشرط الثاني المختلف فيها الذي أشار إليه في البداية.
9 الكافي لابن عبد البر، 2/813؛ حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، 3/23؛ بداية المجتهد، 2/332. وهذا هو مذهب الحنابلة. أعني "اشتراط الاستدامة لصحة الرهن".
وقال الشافعي: ليس استدامة القبض من شرط الصحة 1.
فمالك عمّ الشرط على/ ظاهر/2 ما لزم من قوله تعالى: {فَرِهَانٌ مَقْبوُضةٌ} 3، وشرط وجود القبض والاستدامة 4.
والشافعي يقول: إذا وُجد القبض، فقد صح الرهن والعقد، فلا يحل ذلك بإعارته ولا غير ذلك من التصرف 5.
وقد كان الأولى بمن يشترط القبض في صحة العقد، أن يشترط الاستدامة، ومن لم /يشترطه/6 في الصحة، أن لا يشترط الاستدامة 7.
وأما الشرط المحرم الممنوع بالنص فهو: أن يرهن الرجل رهنا، على أنه إن جاءه بحقه عند أجله، وإلا فالرهن له.
فاتفقوا على أن هذا الشرط يوجب الفسخ 8، وأنه معنى قوله صلى الله عليه وسلم:"لا يغلق الرهن"9.
1 مغني المحتاج، 2/133؛ المهذب للشيرازي، 1/312؛ روضة الطالبين، 4/79، 80.
2 في "د": الظاهر.
3 سورة البقرة: الآية "283". وتمامها: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} .
4 فظاهر قوله –تعالى-: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} . عند مالك: أي رهان مقبوضة على الدوام، لا يخرج عن القبض. لذلك اشترط القبض لتمام العقد، والاستدامة للصحة. انظر: الجامع لأحكام القرآن، 3/264.
5 المهذب للشيرازي، 1/307، مغني المحتاج، 2/128.
6 في "أ" ك يشترط.
7 بداية المجتهد، 2/332. حاشية الروض المربع، 5/63.
8 بداية المجتهد، 2/332؛ مغني المحتاج، 2/137؛ المغني مع الشرح الكبير، 4/420.
9 الحديث أخرجه الإمام مالك في الموطأ، 2/728، الأقضية، باب ما لا يجوز من غلق الرهن، مرسلا. وابن ماجه في سننه، 2/63، كتاب الأحكام، باب لا يغلق الرهن، بسنده عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"يغلق الرهن". =
ومن مسائل هذا الباب المشهورة: اختلافهم في المنفصل، مثل الثمرة في الشجر المرهون، ومثل الغلة، هل يدخل في الرهن أو لا؟ فذهب قوم إلى أن نماء الرهن المنفصل، لا يدخل شيء منه في الرهن –أعني الذي يحدث منه في يد المرتهن - وهذا قول الشافعي 1.
وذهب آخرون إلى أن جميع ذلك يدخل، وبه قال أبو حنيفة والثوري 2.
وأما مالك، ففرق فقال: ما كان –من نماء الرهن المنفصل - على خلقه المرهون وصورته، فإنه داخل في الرهن كولد الجارية. وأما ما لم يكن على خلقته، فإنه لا يدخل في الرهن، متولدا عنه كثمرة النخل، أو غير متولد ككراء الدار، وخراج الغلام 3، انتهى ما لخصته 4.
فتبين من هذا، أن ما اعتمده القاضي حسين 5 لنفسه من دعواه أنه 6 أحق بالثمرة
= وقد فسره الإمام مالك بقوله: "وتفسر ذلك: أن يرهن الرجل الرهن عند الرجل بالشيء، وفي الرهن فضل عما رهن به، فيقول الراهن للمرتهن: إن جئتك بحقك، إلى أجل يسميه له، وإلا فالرهن لك بما رهن فيه. قال: فهذا لا يصح ولا يحل. الموطأ، 2/729؛ وانظر في معناه أيضا: حاشية الروض المربع، 5/70.
1 الأم، 3/192؛ المهذب للشيرازي، 1/310، 311؛ روضة الطالبين، 4/59. وذكره ابن رشد في بداية المجتهد، 2/333.
2 هو سفيان الثوري. وقد تقدمت ترجمته في ص 503.
وانظر قوله مع أبي حنيفة: الاختيار لابن مودود، 2/65؛ وحاشية رد المختار، 6/521.
وهو قول الحنابلة. انظر: المغني مع الشرح الكبير، 4/434؛ 435؛ حاشية الروض المربع، 5/6970.
3 الكافي لابن عبد البر، 2/815؛ بداية المجتهد، 2/333-334.
4 يلاحظ أن هذه الرسالة من بدايتها إلى هنا، لخصها المصنف من بداية المجتهد لابن رشد، 2/330-334.
5 هو قاضي الحريق، وقد تقدم في ص 443. ولعل قول القاضي هذا الذي اعتمده، ورد في خطاب السائل الذي لم نتمكن من الوقوف عليه، وكانت قضية واقعة للقاضي، كما سيشير إليها قريبا.
6 أي المرتهن.
من سائر الغرماء، لكونها أو أصلها رهنا له، فلا يتمشى على قول أحد من العلماء.
فإن الشافعي يشترط لصحة الرهن ولزومه، القبض حال العقد، وفي واقعة القاضي المذكور لا قبض 1 فلا يصح الرهن ولا يلزم. وأما مالك فيصح الرهن بالعقد، لكن لا يتم ولا يلزم إلا بالقبض والاستدامة عنده2. وهذا هو الصحيح المعتمد في مذهب الإمام أحمد 3.
ومذهب مالك أن الثمرة الحادثة في يد المرتهن، لا تتبع 4، وفي هذه القضية التي وقعت من قاضي الحريق، إنما حدثت الثمرة فيما لم يقبض، فتكون الثمرة لا يصح رهنها على قول مالك، وعلى قوله وقول الجمهور، ليس صحيحا في الأصل ولا في الثمرة. وعلى كل حال، فهذا الرهن، إما صحيح غير لازم، فيكون أسوة الغرماء، أو يكون/ فاسدا/5، وعلى كلا الحالتين، فلا يختص بشيء من ثمرة/ المدين/6، أعاذه الله من التدحمل 7 والتدعثر 8.
آخرها. والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على/ عبده ورسوله/9 محمد وآله وصحبه وسلم.
1 أي أنه لم يحصل قبض لهذه النماء حال العقد.
2 كما تقدم ذلك في ص 801.
3 وقد تقدم ذكر مذهبه في ص 801.
4 تقدم ذكر مذهبه آنفاً.
5 في "د": فاسد.
6 في "د": الدين.
7 التدحمل: التدحرج على الأرض، يقال: دحمل القوم: إذا تركهم مسوين بالأرض مصرعين. معجم متن اللغة، موسوعة لغوية حديثة، للشيح أحمد رضا، دار مكتبة الحياة، بيروت، 1377هـ/1958م، 3/385، مادة "دحل".
8 التدعثر: التهدم والتكسير، يقال، دعثر الحوض: هدمه، ودعثر الشيء: كسره. ومنه سُمي الحوض المهدم: دعثور. معجم متن اللغة، 2/414، مادة "دعث".
9 ساقط في "ج" و "د" والمطبوع. وفي "ب" قال: "على نبينا".
الرسالة الثانية والستون: أجوبة على مسائل متعددة
…
الرسالة الثانية والستون1
قال جامع الرسائل:
وله –رحمه الله وعفا عنه - رسالة إلى إبراهيم بن عبد الله بن عمار، جوابا لسبع مسائل:
الأولى: عن رفع اليدين إذا قام من التشهد الأول.
الثانية: عن صوم يوم الثلاثين من شعبان، إذا حال دون منظره غيم أو قتر.
الثالثة: هل القبض والاستدامة شرط لزومه وصحته أو لا؟
الرابعة: عن الحكم في قطع يد السارق.
الخامسة: عن الطلاق في الحيض والطهر الذي جامعها فيه.
السادسة: عن الرفق على الضعيف.
السابعة: عن عاق والديه، هل عليه حد مقدر؟
فأجابه –رحمه الله عن مسائله، بأصح عبارة وأوجزها، وقرر في مسألة صيام /يوم/2 الشك، ما عليه المحققون، وما تضمنته الأحاديث الصحيحة، بخلاف ما اعتمده المقلدون، وأن من صامه من السلف، لم يوجبه، ولم يأمر به الناس، ولم يوقع بمن تركه العقوبات، كما فعله أهل الجهل والإفلاس، فإنهم في هذه الأزمان يوجبونه، ويأمرون الناس بالتزامه، ومنهم من ضرب وأجلى من نهى عن صيامه.
فيا ليت شعري أين وجدوا ذلك؟ وأي الكتب اعتمده أولئك؟ نعم، قد وجدوا في بعض الروايات الوجوب/ أو الاستحباب/3، فأين وجدوا الضرب والجلاء
1 جاءت هذه الرسالة في المطبوع في ص 216-218. وهي الرسالة رقم "38". وجاءت في "ب" في 54-56.
2 ساقط في "أ".
3 في "أ" و "ب" و "ج" والمطبوع: عن الأصحاب.
والسباب؟ وإذا قيل لأحدهم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: قال المذهب كذا وكذا، /وبه/1 قال الإمام المعظم 2.
فيا ليت شعري، كيف ساغ لهم تقليده في هذه وغيرها من المسائل؟ ولم يسغ لهم تقليده –رحمه الله في قوله: "عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته، يذهبون إلى رأي سفيان 3، والله –تعالى - يقول:{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} 4، أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا ردَّ بعض قوله، أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك 5.
= قال النووي: "
…
ويوم الشك داخل في النهي، وفيه مذاهب للسلف فيمن صامه تطوعا. وأوجب صومه عن رمضان أحمد وجماعة بشرط أن يكون هناك غيم".
شرح النووي على صحيح مسلم، 7/202.
فهذه رواية عنه بالوجوب، وقد رُوي عنه بالاستحباب في مسائل الإمام أحمد، عن عبد الله قال: قلت لأبي: إذا صام شعبان كله قال: "لا بأس أن يصوم اليوم الذي يشك فيه، إذا لم ينو أنه من رمضان". مسائل الإمام أحمد، رواية ابنه عبد الله بن أحمد، تحقيق: زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، ط/1، 1401هـ - 1981م، بيروت، لبنان. ص 180.
وورد عنه –رحمه الله تعالى- رواية عدم صحة صوم ذلك اليوم، قال ابن قدامة –رحمه الله:"وإن شك في أنه من رمضان، ولم يكن له أصل يبني عليه مثل أن يكون ليلة ثلاثين من شعبان، ولم يحل دون مطلع الهلال غيم ولا قتر، فعزم أن يصوم غدا من رمضان، لم تصح النية، ولا تجزئه صيام ذلك اليوم". المغني مع الشرح الكبير، 3/26.
ويوم الشك ذكره ابن مفلح فيما يكره صومه من الأيام. المبدع لابن مقلح. 3/55.
وبالجملة: فصوم يوم الشك مكروه عند الجمهور، حرام عند الشافعية. انظر: فتح القدير لابن الهمام، 1/367. الشرك الكبير للدردير، 1/513؛ مغني المحتاج، 1/433؛ وروضة الطالبين، 2/367. وقد تقدم مراجع الحنابلة في هذا التعليق نفسه.
1 زيادة في المطبوع.
2 يريد الإمام أحمد بن حنبل –رحمه الله، وذلك نظرا لما سيسوقه من كلامه الآتي.
3 تقدمت ترجمته في ص 503.
4 سورة النور: الآية "63".
5 كلام للإمام أحمد –رحمه الله رواه عنه الفضيل بن زياد. انظر: تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد للشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، ط/1، نشر المكتب =
وإذا عرفت هذا، فقد صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، كما رواه البخاري في صحيحه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غمَّ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما"1.
والمقصود من هذا الكلام، إيقاع بعضهم بمن نهى عن صيامه أنواع العقوبات، وردهم أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، لبعض هذه الروايات، وهذا نص الرسالة:
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المكرم إبراهيم بن عبد الله بن عمار، سلمه الله تعالى، وصرف عنا وعنه عذاب النار. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فوصل خط المسائل.
المسألة الأولى
/و/2 الجواب عن مسألة رفع اليدين إذا قام في التشهد الأول، فهو في هذا الموضع ثابت في الصحيح من حديث عبد الله بن عمر 3، وثابت أيضا من حديث علي
= الإسلامي دمشق، ص 483-484؛ فتح المجيد، ص 401، 403.
1 صحيح البخاري مع الفتح، 4/143، الصوم، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا رأيتم الهلال فصوموا"؛ صحيح مسلم بشرح النووي، 7/195، الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال؛ سنن الترمذي، 3/69، الصوم، باب ما جاء:"لا تقدموا الشهر بصوم"؛ سنن النسائي، 4/133، الصيام، باب إكمال شعبان ثلاثين؛ سنن ابن ماجه، 1/303، الصيام، باب ما جاء في "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته".
2 ساقط في "د".
3 حديث عبد الله بن عمر في رفع اليدين عند القيام من التشهد الأول: قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الركعتين، كبر ورفع يديه". سنن أبي داود، 1/475، الصلاة، باب من ذكر أنه يرفع يديه إذا قام من الثنتين؛ ومسند أحمد، 2/145.
ابن أبي طالب –رضي الله عنه 1. عند الإمام أحمد، خرجه في المسند، وكذلك هو في سنن أبي داود والنسائي 2 وابن ماجه 3، وهو أصح الروايتين عند أصحاب الإمام أحمد.
"المسألة الثانية"
وأما مسألة السنة لمن يصوم الثلاثين من شعبان، إذا حال ليلة الثلاثين دون الهلال غيم أو قتر، فالقائلون يصومه وجوبا أو استحبابا، يجزيه عندهم إذا نواه من 4. والصحيح الذي عليه المحققون، أنه لا يجب صومه، ولا يؤمر به 5، ومن صامه من السلف لم يوجبه؛ والحجة لمن منع صومه مطلقا، /لما/6 في صحيح البخاري، أنه قال صلى الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غمّ عليكم فأكملوا عدة
1 حديث علي بن أبي طالب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنه كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة، كبر، ورفع يديه حذوا منكبيه، ويصنع مثل ذلك إذا قضى قراءته وأراد أن يركع، ويصنعه إذا رفع من الركوع، ولا يرفع يديه في شيء من صلاته وهو قاعد، وإذا قام من السجدتين رفع يديه كذلك وكبر".
قال أبو داود: "في حديث أبي عبيد الساعدي، حين وصف صلاة النبي صلى الله عليه وسلم: إذا قام من الركعتين كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، كما كبر عند افتتاح الصلاة".
سنن أبي داود 1/476، الصلاة، باب من ذكر أنه يرفع يديه إذا قام من الثنتين؛ سنن النسائي، 2/231، الافتتاح، باب رفع اليدين عند الرفع من السجدة الأولى؛ سنن ابن ماجه، 1/154، إقامة الصلاة باب رفع اليدين إذا ركع.
2 تقدمت ترجمته في ص 310.
3 هو محمد بن يزيد، أبو عبد الله بن ماجه، القزويني، الحافظ المفسر، صاحب السنن والتفسير، "ت273هـ". سير الأعلام، 13/277؛ تهذيب التهذيب، 9/530؛ شذرات الذهب، 2/164.
4 وهي رواية عن الإمام أحمد وجماعة، بشرط وجود غيم. وقد تقدم في 6789.
5 وقد قدمنا القول في أن صيام ذلك اليوم مكروه عند الجمهور، حرام عند الشافعية.
انظر ص 806.
6 كذا في "د"، وفي بقية النسيخ "ما".
شعبان ثلاثين يوما" 1، انتهى.
وليس لأحد بلغَته سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصح عنده الحديث، أن يعدل إلى غيره، لرأي أحد من الناس كائنا من كان.
أقول 2: وله في هذه المسألة كلام مبسوط، رد على عثمان بن منصور 3، أوضح فيه كلام الأئمة، وجلي غياهب 4 الشبه/ فيه/5 عن الأمة، فأبصروا بنور الله حقائق التحقيق، ومدارك الأحكام، وانجلى عن بصائرهم ذلك القتر والقتام، وذكر فيه عن الإمام أحمد سبع روايات، أوردها بعض الأصحاب، والصحيح منها الاستحباب من غير شك ولا ارتياب. فراجعه إن كنت مشتاقا إلى ذلك التحقيق، واسم يهمَّتك إلى معالم ذلك المهيع والطريق.
"المسألة الثالثة" هل القبض والاستدامة شرط للزوم وصحته أولا؟
/ثمّ/6 قال –رحمه الله:
وأما مسألة الرهن، فاعلم أن القبض والاستدامة، شرط للزومه، لا لصحته، فيصح ولو لم يحصل قبض ولا استدامة 7. لكن لو تصرف الراهن أو ببيع أو هبة، صح ذلك، بخلاف المقبوض المستدام، فلا يتصرف فيه إلا بإذن المرتهن، ولمصلحة وفائه 8.
1 تقدم تخريجه في ص 807.
2 هذا كلام جامع الرسائل، الشيخ سليمان بن سحمان –رحمه الله.
3 تقدمت ترجمته في ص 59.
4 غياهب: جمع غيهب، وهو الظلمة، وشدة السواد، يقال: ليلة غيهب: أي مظلم. لسان العرب، 1/653، مادة "غهب".
5 ساقط في "د".
6 ساقط في "د".
7 وهذا مذهب الإمام مالك رحمه الله. وقد تقدم بيانه في ص 805.
8 إن تصرف الراهن في الرهن بإذن المرتهن، يصح عند من لا يقول باستدامة القبض، وهم الشافعية، إذ إن هذا التصرف قد يخرج بالرهن من يد المرتهن.
"المسألة الرابعة: عن الحكم في قطع يد السارق"
وأما السارق فلا تقطع يده إلا بإذن الإمام أو نائبه في الحكم.
"المسالة الخامسة: عن الطلاق في الحيض والطهر الذي جامعها فيه".
وأما مسألة الطلاق في الحيض، وفي الطهر الذي جامعها فيه، فمسألة معروفة مشهورة، وجمهور أهل العلم يوقعون الطلاق فيها 1، ويرون أنه طلاق بدعة، محرم فاعله مستهزئ بآيات الله.
"المسألة السادسة: الوقف على الضعيف"
وأما الوقف على الضعيف، فكثير من الناس يستعمل الضعيف بمعنى الفقير، والفقير عندهم من لا يجد كفاية سنة، ولا قدرة له على اكتساب ما يكفيه، والغني من يجد كفايته، ولو بالقدرة على الكسب 2. والفقراء متفاوتون، بعضهم أحوج من بعض، فيلزم الناظر أن يعطي كلا بحسبه.
"المسألة السابعة: عاق والديه هل عليه حد مقدر"
وأما عاق والديه فليس عليه حد مقدر لكن يعزر بقدر ما يردعه، ويردع أمثاله.
[وبلغ سلامنا الجماعة، والسلام/ عليكم ورحمة الله وبركاته]3. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم/4.
1 فتح القدير لابن الهمام، 3/468. بداية المجتهد، 2/74، 75؛ الأم الشافعي، 5/267؛ روضة الطالبين، 8/3؛ المغني مع الشرح الكبير، 8/237.
2 انظر أقوال الناس في معنى الفقير: لسان العرب، 5/6061، مادة "فقر"؛ والجامع لأحكام القرآن للقرطبي، 8/107، 108.
3 ما بين المعقوفتين ساقط في المطبوع.
4 ساقط في "أ".
الرسالة الثالثة والستون: إلى عبد الله بن محمد بن عتيق في السؤال عن نهائب الأعراب
…
الرسالة الثالثة والستون1
قال جامع الرسائل:
وله أيضا –قدس الله روحه ونور ضريحه - رسالة إلى عبد الله بن محمد بن عتيق، وقد سأله عن نهائب الأعراب. فأجابه –رحمه الله بما ستقف عليه. وذكر –رحمه الله أن من التزم الأحكام في التحليل والتحريم، وتحاشى من الاعتداء - إلا على من اعتدى عليه - أنه لا يعجبه أكل ما أخذ منهم على هذا الوجه؛ فإذا عدمت هذه الأمور في بادية من البوادي، قحطان أو غيرهم/ أو وجدت/2، فالحكم بحاله في جواز شرائه أو عدمه على استحباب. وهذا نص الرسالة.
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الأخ عبد الله بن محمد بن عتيق، سلمه الله تعالى؛ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فأحمد إليك الله على نعمه. والخط وصل، وما ذكرت من السؤال، فالذي جاءكم مع الخشل 3 هو مما نهبوا من مال قحطان، ولا يخفاكم أن كثيرا من قحطان يلتزم الأحكام في التحليل والتحريم، ويتحاشى من الاعتداء/إلا على من اعتدى عليه/4. ولا يعجبني أكل ما أخذ منهم على هذا الوجه. وأما نهائب الأعراب التي لا يعرف حل أهلها، فلبعض أهل العلم كلام في جواز شرائها وتملكها؛ وأما استحباب اجتناب ذلك كله، فهو طريقة جمهور أهل العلم. وأنت سالم والسلام.
1 في المطبوع: جاءت هذه الرسالة في ص 261-262، وهي فيه الرسالة رقم "42". وفي "ب" جاءت في ص 92-93. وفي "د" جاءت بعد الرسالة رقم "40".
2 ساقط في "ب" و "ج" و "د".
3 الخشل: رؤوس الحلي من الأسورة والخلاخل. ابن منظور/ لسان العرب، مادة "خشل". 11/205؛ الصحاح للجوهري، ص 265.
4 ساقط في المطبوع.
الرسالة الرابعة والستون: إلى عبد الرحمن بن عدوان
…
الرسالة الرابعة والستون1
قال جامع الرسائل:
وله أيضا –قدس الله روحه ونور ضريحه، /وعفا عنه/2 - رسالة إلى الشيخ عبد الرحمن بن عدوان 3، وقد سأله عن قول الرجل لزوجته: أنت عليّ كظهر أمي، إلا أن يشاء الله.
فأجاب –رحمه الله بما عليه أهل التحقيق في هذه المسألة، وبين له أن/الواجب/ 4 على المفتي والقاضي، أن يتبصر ويتعقل معاني الألفاظ /والتراكيب/5 قبل أن تزل قدم بعد ثبوتها. وهذا نص الرسالة:
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ عبد الرحمن بن عدوان؛ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فاعلم أن قول الرجل لزوجته: أنت عليّ كظهر أمي إلا أن يشاء الله، إن فعلت كذا وكذا، ظهار، لا يمنع وجوب الكفارة ما ذكر من الاستثناء، بغير خلاف 6.
وقول بعضهم: إنما فيه كفارة كاليمين بالله والظهار، لا يحنث إن استثنى فيه وقال: إن شاء الله، محله إذا رجع الاستثناء إلى الفعل أو الترك، لا على نفس اليمين 7.
1 في المطبوع: جاءت هذه الرسالة في ص 286-270، وهي فيه الرسالة رقم "44". وفي "ب" جاءت في ص 89-100.
2 ساقط في "ب" و "ج" و "د" والمطبوع.
3 تقدم ضمن تلاميذ الشيخ، في ص 93.
4 ساقط في "د".
5 في "د": والتركيب.
6 المغني مع الشرح الكبير، 8/571.
7 المرجع السابق، 8/571-572، والمبدع لابن مفلح، 8/40.
قال ابن مفلح 1 رحمه الله في هذا المبحث: وكلامهم يقتضي أن رده –أي الاستثناء - إلى يمينه لم ينفعه لوقوعها، ولتبين مشيئة الله - وبه احتج الموقع في: أنتِ طالق إن شاء الله 2.
وقال أبو يعلى الصغير 3 في اليمين بالله ومشيئة الله: تحقيق مذهبنا: أنها تقف على إيجاد فعل أو ترك، فالمشيئة معلقة على الفعل، فإذا وجد تبينا أن الله شاءه، وإلا فلا؛ وفي الطلاق:/المشيئة/4 انطبقت على اللفظ بحكمة الموضوع وهو الوقوع. انتهى 5.
وقال شيخ الإسلام: الاستثناء إذا رجع إلى فعل أو ترك محلوف عليه، إنما يفيد أن الفعل المعلق أو الترك، لا يتعين فعله لتعليقه؛ لأن الجزاء إذا وقع لا كفارة فيه.
وقال رحمه الله: الاستثناء/ لما عُلق/6 إنما يقع على ما علق به الفعل؛ فإن الأحكام التي هي الطلاق والعتاق ونحوها، لا تعلق على مشيئة الله بعد وجود أسبابها؛ فإنها واجبة بوجوب أسبابها، فإذا انعقدت أسبابها، فقد شاء الله تعالى، وإنما يُعلق على المشيئة، الحوادث التي قد/ يشاؤها/7 الله، وقد لا يشاؤها.
وقال في هذا المبحث أيضا: المشيئة تعود عند الإطلاق إلى الفعل المحلوف عليه. والمعنى: إني حالف على هذا الفعل إن شاء الله فعله، فإذا لم يفعله لم يكن قد شاءه، فلا يكون ملتزما له، وإلا فلو نوى عوده إلى الحلف بأن يقصد: إني حالف إن شاء الله
1 هو إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن مفلح الحنبلي، أبو إسحاق، الإمام الحافظ المجتهد، صاحب "المبدع في شرح المقنع""ت884هـ".
إيضاح المكنون 1/3، 2/548؛ هدية العارفين، 1/21؛ معجم المؤلفين، 1/100.
2 لم أجد مصدر كلام ابن مفلح.
3 تقدمت ترجمته في ص 495.
4 في "أ": المثبت.
5 لم أجد مصدر كلام أبي يعلى.
6 ساقط في "ج" و "د".
7 في "أ": يشاء.
أن أكون حالفا، كان معنى هذا، معنى الاستثناء في الاستثناءات؛ كالطلاق والعتاق، وعلى مذهب الجمهور لا ينفعه 1.
وأيضا فإنها بفعل المحلوف عليه يتبين إن شاء الله، فوقع ما علق عليه. ومن فقه هذا، عرف معنى كلام الفقهاء، وما المراد بالاستثناء المانع من الحنث.
والواجب على المفتي والقاضي أن يتبصر ويتعقل معاني الألفاظ والتراكيب قبل أن تزل قدم بعد ثبوتها، وما أحسن ما قيل:
والعلم ليس بنافع أربابه
…
ما لم يفد نظرا وحسن تبصر 2
وأيضا فإن المظاهر في مثل هذه الصورة لا يقبل منه دعوى الاستثناء، ولو كان راجعا إلى الفعل، إلا ببينة عادلة؛ لأن الظهار/ثبت/3، بشهادة الغير، فلا بد من شاهد على الاستثناء.
ثم لو سلمنا أنه ثبت بإقراره، أو من جهته، فدعواه الاستثناء لا تقبل أيضا؛ لأنها له، وإقراره بالظهار عليه. وفي الحديث: "لو يعطى الناس بدعواهم
…
" الحديث 4، وقال شيخ الإسلام: والتحقيق أن يقال: إن المخبر إن أخبر بما على نفسه /لغيره/5، فهو مقر، وإن أخبر بما لنفسه على غيره، فهو مدَّعٍ 6.
1 لم أجد كلام شيخ الإسلام.
2 تقدم البيت في ص 284.
3 في "أ": يثبت.
4 هذا جزء من حديث ابن عباس رضي الله عنه، وتمامه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه". صحيح البخاري مع الفتح، 8/61، التفسير، باب {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ} صحيح مسلم بشرح النووي، 12/243، الأقضية، باب اليمين على المدعى عليه. واللفظ له. سنن النسائي 8/248، آداب القضاء، باب عظة الحاكم على اليمين. سنن ابن ماجه، 2/40، الأحكام، باب البينة على المدعى، واليمين على المدعى عليه.
5 ساقط في المطبوع.
6 لم أقف على مصدر كلامه.
قال جامع الرسائل:
هذا آخر ما/وجدت/1 من هذه الرسالة. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
1 في "أ": وجد
الرسالة الخامسة والستون1
سؤال عن بيع عقار الميت لوفاء دينه
قال جامع الرسائل:
وله أيضا –قدس الله روحه/ونور ضريحه/2 - جواب سؤال عن بيع عقار الميت لوفاء دينه.
قال السائل: ما قولكم في بيع عقار الميت لوفاء دينه، إذا خيف عليه التلف؟ وهل للمسغبة 3 تأثير في البيع وتركه؟ وهي يجوز للحاكم مع الغرماء عن استيفاء الدين حتى تزول المسبغة وتعود الرغبة أم لا؟ أفتونا مأجورين أثابكم الله الجنة.
فأجاب –رحمه الله تعالى - فقال:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
بيع العقار إذا خيف عليه التلف، خير وأولى من تلف. والمسغبة لا تأثير لها في البيع وتركه، وعبارة بعضهم: إذا كسد العقار كسادا ينقصه عن مقاربة ثمن المثل، ويضر/بالمالك/4، فلا يباع حتى تعود الرغبة، وعلى القول به محله/ إذا أمن التلف/5 / ولم يرج/6 زوال الرغبة مع حياة المدين. وأما مع موته فلا حق للورثة، إلا فيما أبقته الديون 7 والوصايا؛ وليس للحاكم منعهم من استيفاء الدين.
1 في المطبوع: جاءت هذه الرسالة والتي بعدها أي "47" ذيلا للكتاب، فهما في الصفحات الثلاثة الأخيرة من 453-455. وجاءت في "ب" في ص 102، بعد الرسالة "47".
2 ساقط في "د".
3 المسغبة: المجاعة. يقال: سغب الرجل مسغبة: أي جاع. وقيل هو الجوع مع التعب. لسان العرب، 1/468، مادة "سغب".
4 في "أ": المالك.
5 في "أ": إذا أمن من التلف.
6 كذا في المطبوع: وفي "أ" و "د".
7 هذه المسألة الفقهية، لها علاقة كبرى هنا بأبواب العقائد؛ ففي تقديم ديون الميت على =
والحالة هذه، والله أعلم.
قاله كاتبه عبد اللطيف بن عبد الرحمن. وصل الله وسلم/ على عبده ورسوله/1 محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
= حقوق الورثة إشارة إلى أمر هام؛ ألا وهو "ثبوت عذاب القبر".
فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الدين من أسباب عذاب القبر، كما ورد ذلك في حديث جابر رضي الله عنه قال: توفي رجل فغسلناه وخنطناه وكفناه وأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عليه، فقلنا: تصلي عليه، فخطا خطى، ثم قال:"أعليه دين" قلنا ديناران. فانصرف، فتحملهما أبو قتادة، فأتيناه، فقال أبو قتادة: الديناران؟ عليّ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أحق الغريم وبرئ منهما الميت؟ " قال: نعم. فصلى عليه. ثم قال بعد ذلك بيوم: "ما فعل الديناران فقال: إنما مات أمس، قال: فعاد إليه من الغد فقال: قد قضيتهما. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الآن بردت عليه جلده". مسند الإمام أحمد، 3/330؛ وأخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد، 3/39، وقال: رواه أحمد والبزار وإسناده حسن.
1 ساقط في "ح" و "د".
الرسالة السادسة والستون: سؤال عن تركة الميت قسم ماله بين أولاده وأوصى لصغارهم
…
الرسالة السادسة والستون1
سؤال عن تركه الميت، فسّم ماله بين أولاده وأوصى لصغارهم
قال جامع الرسائل:
وله أيضا –قدس الله روحه ونور ضريحه - جواب سؤال عن قسمة الوالد بين ورثته قبل موته، هل هي قسمة شرعية أم لا؟ وكذلك ما أوصى به لأولاده الصغار القاصرين، على سبيل التعديل بينهم وبين المرشدين؛ قال السائل:
بسم الله الرحمن الرحيم. ما قول علماء الإسلام –أدام الله نفعهم للأنام - في رجل مات، وقبل/ مماته/2 حُرر له وصية، وعين له وصيا على ما خلف، وعلى القاصرين من أولاده؛ وأوصى أن الذي يخص القاصرين من أولاده، يبقى بيد فلان –رحل معين - على نظر الوصي؛ وسلم قبل مموته بعضا من إريل 3 بيد هذا الرجل المعين المذكور أعلاه؛ هذا الوكيل الذي هو الوصي، ليس بحاضر، فلما حضر أخذ في جمع المال، وقبض ما هنالك من المال، ودفع بيد الرجل المذكور أعلاه شطرا من المقبوض، وكتب الوصي عليه ورقة قبض ما استلمه من يده بنظره. وبعد ذلك اختلف الحال، ووقع على الوصي جبر من الحاكم، وأخذ المال من يده، ومن عند غيره، ولم/يبق/4 من المال –يعني من بعد المدفوع لذلك الرجل المذكور أعلاه - إلا شيء يسير لم يعلمه الحاكم، والمال الذي بيد الإنسان المعين؛ حيث إنه بعيد عنه، ولم يتمكن من /أخذ/ 5 المال منه؛ لكونه بعيدا عنه، وليس من أهل حكومته. ثم بعد مضي بضع من السنين مات الحاكم المجبر، ورجع الوصي على وكالته الأصلية، ومراد/ الموصى/6 الآن
1 هذه آخر رسالة في المطبوع في ص 454-455. وجاءت في "ب" في ص 100-102.
2 في "د": موته.
3 إريل: جمع "ريال". وهو من استعمالات أهل نجد.
4 في "د": يبقى.
5 زائد في "ب" و "ج" و "د".
6 في "أ": الوصي.
يعمل العمل الذي تخلص به ذمته، ولم يكن على أحد من الورثة حيف ولا ضرر، ويخرج الثلث الموصى به.
فهل يجمع ما تحصل من المال الموروث - قليلاً كان أو كثيراً - ويضيفه على المال الغائب عند الرجل المذكور أعلاه؟ وتقع المقاسمة حينئذ على الوجه المشروع، من إخراج الثلث، وما بعده على جملة الورثة/للمكلف/1 منهم والقاصر، قسمة مبتدأة، كأن الميت مات الآن بناء على أن التركة ما قُسمت /أبدا/2، ولأن الجبر الصادر من الحاكم قبل القسم؟ أ، أن التالف من نصيب المرشدين والثلث، وإن كان عليهم/أضرار ظاهر/3 وحيف من القسمة، والسالم هناك من نصيب القاصرين، كما أراد الموصي أولا، ظانا سلامة ماله كله، وأنه لا يقع/حيف/4 ولا جور، فهل له إفراز سهم القاصرين خاصة في حياته قبل مماته، ويعتبر ذلك بحيث لا مشاركة للورثة لهم، وإن تلف المال قبل المقاسمة كما وقع أولا؟ فأي الوجهين الموافق للحق ليعمل به الوصي وتبرأ ذمته؟ أفتونا مأجورين، فإن الحاجة داعية إليه، والوصي متحير، وكل ذي حق من الورثة يطالب/ بحقه/5، لا زلتم أهلا لكل فضيلة.
فأجاب –رحمه الله تعالى - بما نصه: الحمد لله وحده. قسمة الوالد/ماله قبل موته/6 بين ورثته، قسمة غير لازمة؛ لوقوعها قبل انتقال المال واستحقاقهم له إرثا، وقسمة الولي الشرعي، وتعيينه ما بيد الرجل المودع للصغار القاصرين قبل تلف ما بيده، قسمة شرعية، تثبت بالإفراز ولتعيين، فما تلف بعدها فهو مختص بمستحقه من القسمة الصادرة من الولي، وتعيين حصة الصغار فقط قسمة شرعية، وإن تلف الباقي
1 في "ب" و "ج" و "_د": المكلف.
2 في "د": أبد.
3 في "د": أضرارا ظاهرا.
4 في جميع النسخ: خلف. والتصحيح في هامش "أ" والمطبوع.
5 كذا في المطبوع. وفي جميع النسخ: في حقه.
6 بي "ب" و"ج" و "د" والمطبوع: قبل موته ماله.
قبل قسمته بين الثلث، والكبار المرشدين. والحيف والأضرار يعتبر حال القسمة، ويرجع إلى العدل والتسوية.
وأما النظر للتلف أو الكساد الحادث بعد القسمة، فلا حيف ولا ضرر في الإفراز والقسمة والحالة هذه.
أملاه الفقير إلى رحمة ربه، عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن.
الرسالة السابعة والستون1
قال جامع الرسائل:
وله أيضا –قدس الله روحه، ونور ضريحه - رسالة إلى عبد العزيز بن حسن 2 قاضي المحمل، وقد سأله عن حديث جابر بن عبد الله 3 لما توفي أبوه، وعليه ثلاثون وسقا لرجل من اليهود، وفي الحديث:"فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلم اليهودي ليأخذ تمر نخله بالذي له فأبى"4. قال السائل: وظاهر هذا: إباحة المجهول بالمعلوم في الجنس، وهو ممنوع شرعا.
فأجاب –رحمه الله وذكر تراجم الأئمة 5، وتعددها بحسب ما تضمن من الفقه، وأن قول السائل:"وهو ممنوع شرعا" عبارة لا ينبغي أن تورد على الأحاديث النبوية، وهو خطأ منه في التعبير وغفلة. وقد بين الشيخ/ رحمه الله/6 أيضا فسادها في نفسها، وهذا نص الرسالة:
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المكرم عبد العزيز بن حسن، سلمه الله /تعالى/7 وهداه. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، على نعمه. والخط وصل،/وصل/8
1 في المطبوع جاءت هذه الرسالة في ص 284، 285، وهي الرسالة رقم "50". وجاءت في "ب" في ص 112-114.
2 تقدمت ترجمته ضمن تلاميذ الشيخ في ص 92.
3 صحابي جليل. انظر ترجمته: أسد الغابة، 1/256؛ سير الأعلام، 3/189.
4 يأتي الحديث بتمامه عند المؤلف، وكذا تخريجه في ص 822-823.
5 أي: تراجم أئمة الحديث لحديث جابر.
6 ساقط في "د" والمطبوع.
7 ساقط في "ح" و "د".
8 في "د": وصلك.
الله حبلك، وأعلى مجدك، وما ذكرته قد علم، وحديث جابر/ حديث صحيح/1 مشهور، خرجه الجماعة، وتُرجم له تراجم متعددة، بحسب ما تضمن من الفقه.
فقال البخاري: باب إذا قاصه وجازفه في الدين تمرا بتمر وغيره؛ وغيره 2. وقال: باب إذا قضى دون حقه فهو جائز 3. وكذلك أهل السنن، وسياقهم متقارب 4.
وقال البخاري في باب المقاصة والمجازفة: قال وهب بن كيسان 5 إن جابر بن عبد الله أخبره أن أباه توفي وترك عليه ثلاثين وسقا لرجل من اليهود، فاستنظره جابر فأبى أن ينظره، فكلم جابر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشفع له، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم /فكلم/6 اليهودي ليأخذ تمر نخلة/ بالتي/7 له، فأبى، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم /النخل/8 فمشى/فيها/9، ثم قال لجابر:"جُدّ له فأوفِ له الذي له" فجده بعد ما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأوفاه
1 زيادة في جميع النسخ، لا توحد في "أ".
2 هذا في كتاب الاستقراض، صحيح البخاري مع الفتح، 5/73.
3 هذا أيضا قاله في كتاب الاستقراض. صحيح البخاري مع الفتح، 5/72.
4 ترجم له أبو داود في سننه، 3/303، كتاب الوصايا، قال: باب ما جاء في الرجل يموت وعليه دين، وله وفاء، يستنظر غرماؤه ويُرفق بالوارث. وترجم له النسائي في سننه، 6/425، 426 في كتاب الوصايا، قال: باب قضاء الدين قبل الميراث. وترجم له ابن ماجه في سننه، 2/61، كتاب الأحكام، قال: باب أداء الدين عن الميت.
5 هو وهب بن كيسان أبو نعيم الأسدي المدني الفقيه المؤدب، من موالي آل الزبير بن العوام. "ت127هـ". سير الأعلام، 5/226؛ تهذيب التهذيب، 11/166، شذرات الذهب، 1/173.
6 هكذا في أصل النص عند البخاري. وفي جميع النسخ: "وكلم" بالواو.
7 هكذا في أصل النص عند البخاري. وفي جميع النسخ: الذي.
8 ساقطة في "أ".
9 هكذا في أصل النص عند البخاري. وفي جميع النسخ: فيه.
وفي حديث كعب 1: "ضع الشطر"2، وأن تمنع هذه المسألة لما فيه ضرر أو غرر من البياعات 3 والمعاملات. هذا ما ظهر لي وهو المعروف من القواعد الشرعية فانتبه، لا زالت قريحتك وقادة ذكية 4.
/وبلغ سلامنا الأولاد والأخ، وعبد العزيز بن تركي 5. ولدينا الوالد المكرم والعيال بخير وينهون السلام، وأنت سالم.
والسلام/6. 7/وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم/8.
= قضاء. سنن النسائي، 7/318، البيوع، باب الترغيب في حسن القضاء. سنن الترمذي، 3/607، البيوع، باب ما جاء في استقراض البعير أو الشيء من الحيوانات أو السن. سنن ابن ماجه 2/59، الأحكام، باب حسن القضاء.
1 هو كعب بن مالك بن أبي كعب عمرو بن القين، الأنصاري الخزرجي، العقبي الأُحدي. شار رسول الله صلى الله عليه وسلم "ت50هـ".
انظر ترجمته: أسد الغابة، 4/487؛ سير الأعلام، 2/523؛ تهذيب التهذيب، 8/440.
2 هذا جزء من حديث عبد الله بن كعب، أن كعب بن مالك أخبره تقاضى ابن أبي حدرد دينا له عليه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم هو في بيته؛ فخرج إليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كشف سجف هجرته، ونادى:"يا كعب بن مالك، يا كعب". قال: لبيك يا رسول الله، فأشار بيده أن ضع الشطر من دينك. قال كعب قد فعلت يا رسول الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"قم فاقضه". صحيح البخاري مع الفتح، 1/669، الصلاة، باب رفع الصوت في المسجد. صحيح مسلم بشرح النووي، 10/479، المساقات، باب استحباب الوضع من الدين. سنن أبي داود، 4/20، الأقضية، باب في الصلح سنن النسائي، 8/239، القضاة، باب حكم الحاكم في داره. سنن ابن ماده، 2/60، الصدقات، باب الحبس في الدين والملازمة.
3 في "د": المبيعات.
4 في المطبوع: زكية. بالزاي.
5 في "ب" و "ج" و "د": تريكي.
6 ساقط في المطبوع.
7 في "أ": ذكر الناسخ هنا قوله: تمت في 2/ذي القعدة سنة 1321هـ
8 زيادة في المطبوع.
الرسالة السابعة والستون: إلى عبد العزيز بن حسن قاضي محمل
…
ثلاثين وسقا، وفضلت له سبعة عشر،/فجاء جابر رسول/1 الله صلى الله عليه وسلم ليخبره بالذي كان، فوجده يصلي العصر، فلما انصرف أخبره بالفضل، فقال:"أخبر بذلك ابن الخطاب". /فذهب/2 جابر إلى عمر/ فأخبره/3، فقال /له/4 عمر: فقد علمت حين مشى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليباركن فيها"5. وقبل هذا قال –رحمه الله: باب إذا قضى دون حقه أو حلله فهو جائز. وساق الحديث مختصرا من طريق آخر، لكن ذكر فيه شاهدا للترجمة، وهو قوله:"فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فسألهم أن يقبلوا تمر حائطي ويحللوا أبي"6.
إذا عرف هذا بطل قول السائل: "وظاهر هذا إباحة المجهول بالمعلوم في الجنس"، فلا جهالة والحالة هذه؛ لأن الحديث صريح في أن تمر الحديقة دون الثلاثين، وإنما بورك فيه لما مشى فيه صلى الله عليه وسلم.
وقول السائل: "وهو ممنوع شرعا"، عبارة لا ينبغي أن تورد على الأحاديث النبوية، وهل الشرع إلا ما جاء عن الله وعن رسوله؟
وأيضا فهي فاسدة في نفسها؛ فإن الاعتياض بالمجهول عن المعلوم في الجنس جائز في غير ربا الفضل، إذا حصل التراضي؛ لأن للمدين أن يزيد، و"خيركم أحسنكم قضاء"7؛ ولرب الدين أن يضع من دينه ما شاء.
1 هكذا في أصل النص عند البخاري. وفي جميع النسخ زيادة حرف إلى: "فجاء جابر إلى".
2 هكذا في أصل النص عند البخاري. وفي جميع النسخ: فجاء.
3 ساقط في جميع النسخ. مثبت في أصل النص.
4 ساقط في جميع النسخ. مثبت في أصل النص.
5 صحيح البخاري مع الفتح، 5/73، الاستقراض، باب إذا قاص أو جازف في الدين تمرا بتمر أو غيره.
6 صحيح البخاري مع الفتح، 5/72، كتاب الاستقراض، من طريق ابن كعب بن مالك، "أن جابر بن عبد الله أخبره
…
" في الباب المذكور.
7 صحيح البخاري مع الفتح، 5/72، الاستقراض، باب حسن القضاء. صحيح مسلم بشرح النووي، 11/42، المساقاة، باب: من استلف شيئا فقضى خيرا منه، وخيركم أحسنكم =