المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فصل: إنكار العلماء لبدعة تقديس المشاهد - عيون الرسائل والأجوبة على المسائل - جـ ٢

[عبد اللطيف آل الشيخ]

فهرس الكتاب

- ‌(تابع) تحقيق النص

- ‌(تابع) الرسائل الخاصة بعقيدة التوحيد والإتباع وما ينافيها من الشرك والإبتداع

- ‌الرسالة التاسعة والعشرون: إلى عبد الله بن عمير

- ‌جامع الرسائل

- ‌فصل: أموال السلطان وجوائز الأمراء

- ‌فصل: فيما جاء في رؤيا طفيل

- ‌فصل: الإقتداء بإهل الخير والبر في العمل الصالح

- ‌الرسالة الثلاثون: إلى محمد بن عون

- ‌تقديم جامع الرسائل

- ‌من عبد اللطيف بن عبد الرحمن الى محمد بن عون

- ‌فصل: قال الجهمي: وإذا قررت لله مكانا معينا، فما معنى قوله تعالى: {فأينما تولوا فثم وجه اللَّه}

- ‌الرسالة الحادية والثلاثون: منظومة فيما جرى من مفاسد الساكر

- ‌منظومة فيما جرى من مفاسد العساكر والبوادي

- ‌الرسالة الثانية والثلاثون: إلى عبد الرحمن بن محمد بن جربوع

- ‌الرسالة الثالثة والثلاثون: إلى علما الحرمين

- ‌الرسالة الرابعة والثلاثون:: إلى الشيخ أبي بكر بن محمد آل الملا

- ‌الرسالة الخامسة والثلاثون: إلى بعض الولاة توسم فيه محبة الخير

- ‌الرسالة السادسة والثلاثون: إلى عبد الله بن جريس

- ‌الرسالة السابعة والثلاثون: إلى منيف بن نشاط وقج أشتكى غربة الإسلام

- ‌الرسالة الثامنة والثلاثون: إلى منيف بن نشاط

- ‌الرسالة التاسعة والثلاثون: في توحيد الأسماء والصفات

- ‌الرسالة الأربعون: إلى أهل الحوطة

- ‌الرسالة الحادية والأربعون: إلى حمد بن عتيق

- ‌الرسالة الثانية والأربعون: إلى عبد العزيز بن إبراهيم بن عبد اللطيف

- ‌الرسالة الثالثة والأربعون: إلى عثمان بن منصور

- ‌الرسالة الرابعة والأربعون: جواب سؤال ورد عليه من عمان

- ‌الرسالة الخامسة والأربعون: في ترجمة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وما قام به ودعى إليه

- ‌مدخل

- ‌فصل: نسب الشيخ محمد بن عبد الوهاب ونشأته

- ‌فصل: حال البلاد في عصره

- ‌فصل: إنكار العلماء لبدعة تقديس المشاهد

- ‌فصل: الغلو في تعظيم الصالحين ذريعة إلى الشرك

- ‌فصل: تقسيم ابن القيم الشرك إلى نوعين

- ‌فصل: تعريف الحنفية للكفر

- ‌الرسالة السادس والأربعون: إلى زيد بن محمد آل سليمان

- ‌الرسالة السابعة والأربعون: إلى زيد بن محمد

- ‌الرسالة الثامنة والأربعون: إلى زيد بن محمد آل سليمان

- ‌الرسالة التاسعة والأربعون: إلىإلى زيد بن محمد آل سليمان

- ‌الرسالة الخمسون: إلى محمد بن عمير

- ‌الرسالة الحادية والخمسون: إلى خالد آل قطنان ومحمد بن عيسى

- ‌الرسالة الثانية والخمسون: في الكلام على فضل طلب العلم

- ‌الرسالة الثالثة والخمسون: إلى راشد بن عيسى

- ‌الرسالة الرابعة والخمسون: إلى حمد بن عبد العزيز

- ‌الرسالة الخامسة والخمسون: إلى حمد بن عبد العزيز

- ‌الرسالة السادسة الخمسون: إلى حمد بن عبد العزيز

- ‌ثانيا: الرسائل الخاصة بالفتاوى في الفروع

- ‌الرسالة السابعة والخمسون: سؤال من الشيخ لوالده

- ‌الرسالة الثامنة والخمسون: إلى زيد بن محمد

- ‌الرسالة التاسعة والخمسون: إلى عيسى بن إبراهيم

- ‌الرسالة الستون: جواب عن مسائل فقهية سئل عنها

- ‌الرسالة الحادية والستون: في مسألة الرهن

- ‌الرسالة الثانية والستون: أجوبة على مسائل متعددة

- ‌الرسالة الثالثة والستون: إلى عبد الله بن محمد بن عتيق في السؤال عن نهائب الأعراب

- ‌الرسالة الرابعة والستون: إلى عبد الرحمن بن عدوان

- ‌الرسالة السادسة والستون: سؤال عن تركة الميت قسم ماله بين أولاده وأوصى لصغارهم

- ‌الرسالة السابعة والستون: إلى عبد العزيز بن حسن قاضي محمل

- ‌الرسالة الثامنة والستون: إلى الشيخ عبد العزيز بن حسن

- ‌الرسالة التاسعة والستون: إلى عبد العزيز بن حسن بن مزروع

- ‌الرسالة السبعون: إلى عبد الله بن علي بن جريس

- ‌الرسالة الحادية والسبعون: إلى جماعة من أهل الزلفي

- ‌الرسالة الثانية والسبعون: جواب رسالة لمحمد بن زومان

- ‌الرسالة الثالثة والسبعون: إلى عبد المحسن بن سلمان

- ‌الرسالة الرابعة والسبعون: إلى أهل عرقة

- ‌الرسالة الخامسة والسبعون: جواب سؤال ورد عليه من أهل المجمعة

- ‌الرسالة السادسة والسبعون: إلى الشيخ عبد العزيز بن حسن

- ‌الرسالة السابعة والسبعون: جواب على سؤال

- ‌الرسالة الثامنة والسبعون: جواب على سؤال

- ‌الرسالة التاسعة والسبعون: إلى عثمان بن حسين وجماعته أهل الحوطة

- ‌الرسالة الثمانون: إلى عبد العزيز بن حسن

- ‌الرسالة الحادية والثمانون: إلى صالح الشثري

- ‌الرسالة الثانية والثمانون: الكلام على البسملة

- ‌ثالثا: الرسائل الخاصة بالفتن

- ‌الرسالة الثالثة والثمانون: إلى عبد الرحمن بن إبراهيم

- ‌الرسالة الرابعة والثمانون: إلى زيد بن محمد وصالح بن محمد الشثري

- ‌الرسالة الخامسة والثمانون: إلى علي بن محمد وابنه في شأن الفتنة

- ‌الرسالة السادسة والثمانون: إلى الشيخ إبراهيم ورشيد بن عوين في شأن الفتنة

- ‌الرسالة السابعة والثمانون: إلى الأخوان من بني تميم يعزيهم في وفاتهالشيخ عبد الملك

- ‌الرسالة الثامنة والثمانون: منظومة في الفتنة التي وقعت بين المسلمين

- ‌الرسالة التاسعة والثمانون: إلى سالم بن سلطان

- ‌الرسالة التسعون: إلى الشيخ حمد بن عتيق في شأن الفتنة

- ‌الرسالة الحادية والتسعون: إلى الشيخ حمد بن عتيق يحضه على الغلظة في معاداة من والى المشركين

- ‌الرسالة الثانية والتسعون: إلى الشيخ حمد بن عتيق يحضه في الدعوة إلى الله وبث العلم

- ‌الرسالة الثالثة والتسعون: غلى الشيخ حمد بن عتيق

- ‌الرسالة الرابعة والتسعون: إلى محمد علي

- ‌الرسالة الخامسة والتسعون: إلى أهل الحوطة

- ‌الرسالة السادسة والتسعون: إلى زيد بن محمد آل سليمان

- ‌الرسالة السابعة والتسعون: إلى زيد بن محمد آل سليمان

- ‌رسالة ملحقة

- ‌رسالة الرد على الصحاف

- ‌جدول يبين أمراء آل سعود وفترة إماراتهم

- ‌ملحق (جدول يبين أمراء آل سعود وفترة إماراتهم)

الفصل: ‌فصل: إنكار العلماء لبدعة تقديس المشاهد

يعدونهم في مصر من فضلائهم

دعاؤهم فيما يرون مجاب

وفيها وفيها كل ما لا يعده

لسان ولا يدنو إليه خطاب

وفي كل مصر مثل مصر وإنما

لكل مسمى والجميع ذئاب

ترى الدين مثل الشاة قد وثبت له

ذئاب وما عنه لهن ذهاب

لقد مزقته بعد كل ممزق

فلم/يبق/1 منه جثة وإهاب

وليس اغتراب الدين إلا كما ترى

فهل بعد هذا الاغتراب إياب

فيا غربة عل ترتجى منك أوبه

فيجبر من هذا العود مصاب

إلى آخرها2.

= تركته وشركه" وقال من شروط القبول من العبد، فلا يقبل عمل خالف أحدها، وعليها يدل قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد".

الحديث الأول:

أخرجه مسلم في صحيحه بشرح النووي 18/326، الزهد، باب من أشرك في عمله غير الله. وابن ماجه في سننه 2/426 الزهد، باب الرياء والسمعة. والمنذري في الترغيب، 1/69. وأحمد في مسنده،2/301، مع اختلاف يسير في اللفظ.

وأخرج الحديث الثاني:

البخاري في صحيحه، 13/329، الاعتصام باب إذا اجتهد العامل، ومسلم في صحيحه بشرح النووي 12/258، الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور. وأبو داود في سننه، 5/12، السنة، باب في لزوم السنة. وابن ماجه في سننه، 1/6، المقدمة، باب في تعظيم حديث رسول الله من شروط القبول من العبد، فلا يقبل عمر خالف أحدها، وعليها يدل قول المصطفى صلى الله عليه وسلم.

1 في "د": يبقى. وهو خطأ.

2 القصيدة للإمام محمد بن إسماعيل بن الصلاح الصنعاني الأمير، وهي معروفة بالقصيدة البائية، ضمن كتاب: أربح البضاعة في معتقد أهل السنة والجماعة، علي بن سليمان آل يوسف، ط/2، 1379هـ ص 87-88.

ص: 674

‌فصل: إنكار العلماء لبدعة تقديس المشاهد

"فصل"

وهذه الحوادث المذكورة، والكوارث المشهورة، والبدع المزيورة، قد أنكرها أهل

ص: 674

العلم والإيمان، واشتد نكيرهم، حتى حكموا على فاعلها بخلع ربقة الإسلام والإيمان، ولكن لما كانت الغلبة للجهال الطغام، انتقضت عرى الدين، وانثلمت أركانه، وانطمست منه الأعلام، وساعدهم على ذلك من قل حظه ونصيبه، من الرؤساء والحكام، والمنتسبين من الجهال إلى معرفة الحلال والحرام، فاتبعتهم العامة والجمهور من الأنام، ولم يشعروا ما هم عليه من المخالفة والمباينة لدين الله الذي اصطفاه لخاصته وأوليائه وصفوته الكرام. ومع عدم العلم، والإعراض عن النظر في آيات الله والفهم، لا مندوحة للعامة من تقليد الرؤساء والسادة، ولا يمكن الانتقال عن المألوف والعادة، ولهذا كرر –سبحانه وتعالى التنبيه على هذه الحجة الداحضة، والعادة المطردة الفاضحة، قال تعالى:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} 1 وقوله: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ} الآية2، قد كرر هذا المعنى في القرآن لحاجة العباد وضرورتهم إلى معرفته والحذر منه وعدم الاغترار وأهله. وما أحسن ما قال عبد الله بن المبارك رحمه الله:

وهل أفسد الدين إلا الملو

ك وأحبار سوء ورهبانها 3

إذا عرفت هذا، فليس إنكار هذه الحوادث من خصائص هذا الشيخ، بل له سلف صالح من أئمة العلم والهدى، قاموا بالنكير والرد على من ضل وغوى، وصرف خالص العبادة إلى من تحت أطباق الثرى. /وسنورد/4 ذلك من كلامهم ما تقر به العين، وتثلج به الصدور، ويتلاشى معه ما أحدثه الجهال من البدع والإشراك والزور.

قال الإمام أبو بكر الطرطوشي5 في كتابه المشهور الذي سماه/ "كتاب الحوادث

1 سورة لقمان الآية "21".

2 سورة الزخرف: الآية "23". في "د" سقط في الآية لفظ "من" في قوله تعالى {مٍن قَبلِكَ} وسقط في "أ" والمطبوع كلمة {فيٍ قَريَةٍ} .

3 تقدم قول ابن المبارك هذا في ص 457.

4 في "د": وسنفرد. وفي المطبوع: وستسرد.

5 تقدمت ترجمته في ص 409.

ص: 675

والبدع/1:" روى البخاري2 عن أبي واقد الليثي3 قال/ خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حنين 4ونحن /حديثو/5 عهد بكفر، وللمشركين /سدرة/6 يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال له ذات أنواط، فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الله أكبر! هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} 7 لتركبن سنن من قبلكم" 8. فانظروا –رحمكم الله- أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس ويعظمون من شأنها، ويرجون البرء والشفاء من قبلها وينوطون بها المسامير والخرق، فهي ذات

1 في جميع النسخ والمطبوع: "الباعث على إنكار البدع والحوادث"، وهذه نسبة خطأ، إذ إن هذا الكتاب لأبي شامة، عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم "ت 665هـ" أما كتاب الطرطوشي فهو ما أثبته.

2 أخطأ الإمام الطرطوشي –رحمه الله في عزوه الحديث إلى البخاري، فإنه لم يرد عنده، وإنما ورد عند غيره كما سيأتي تخريجه في آخره.

3 هو الحارث بن عوف، أبو واقد الليثي صاحب النبي صلى الله عليه وسلم، شهد بدرا والفتح "ت 65هـ" الاستيعاب؛ 4/1774؛ أسد الغابة 6/325؛ سير الأعلام 2/574؛ تهذيب التهذيب 12/270.

4 عند الترمذي في سننه "خير". وعند أحمد وغيره "حنين".

5 في "د" حدثاء، وهي رواية ذكرها ابن إسحاق كما يأتي تخريجه. وفي المطبوع: حديث.

6 السدرة: شجرة النبق، وهو مفرد، جمعه "السدر" له ورقة عريضة مدورة.

النهاية في غريب الحديث والأثر، 1/353، لسان العرب 4/354. مادة "سدر".

7 سورة الأعراف الآية "138".

8 سنن الترمذي، 4/412-413، الفتن، باب ما جاء لتركبن سنن من كان قبلكم، وقال: شيبة 11/369. مشكاة المصابيح للتبريزي، 3/1488-1489، قال الألباني في تخريجه بنفس الصفحة: "إسناده صحيح"، وكذلك قال في تخريجه لكتاب السنة للضحاك بن مخلد، وزاد: ورجاله ثقات، رجال الشيخين غير يعقوب بن حميد، وهو ثقة فيه ضعف يسير وقد توبع".

ص: 676

أنواط، فاقطعوها 1 انتهى كلامه رحمه الله.

فانظر –رحمك الله- إلى تصريح هذا الإمام بأن كل شجرة يقصدها الناس ويعظمونها ويرجون الشفاء والعافية من قبلها، فهي ذات أنواط التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه –لما طلبوا منه أ، يجعل لهم شجرة كذات أنواط، فقال: الله أكبر هذا كقول بني إسرائيل اجعل لنا إلها، مع أ، هم لم يطلبوا إلا مجرد مشابهتهم في العكوف عندها، وتعليق الأسلحة للتبرك. فتبين لك بهذا أن من جعل قبرا أو شجرة أو شيئا حيا أو ميتا مقصودا له، ودعاه واستغاث به وتبرك به وعكف على قبره؛ فقد اتخذه إلها مع الله.

فإن كان رسول الله –صلوات الله وسلامه عليه- أنكر عليهم مجرد طلبهم منه مشابهة المشركين في العكوف، وتعليق الأسلحة للتبرك؛ لما ظنك بما هو أعظم من ذلك وأطم! الشرك الأكبر الذي حرمه الله ورسوله، وأخبر أن أصل الخلق لو يفعله لحبط عمله، وصار من الظالمين. فصلوات الله وسلامه عليه، كما بلغ البلاغ المبين، وعرفنا بالله، وأوضح لنا الصراط المستقيم. فحقيق بمن نصح نفسه وآمن بالله واليوم الآخر، أن لا يغتر بما عليه أهل الشرك، من عبادة القبور من هذه الأمة.

/ومن/2 ذلك، ما ذكره الإمام محدث الشام عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المعروف بأبي شامة 3، من فقهاء الشافعية، وقدمائهم في كتابه الذي سماه:

1 كتاب الحوادث والبدع للإمام أبي بكر محمد بن الوليد الطرطوشي ابن رندقة "520هـ"، تحقيق بشير محمد عيون، مكتبة المؤيد الطائف، ومكتبة دار البيان دمشق، ط2، 1412هـ 1991م، ص 18، 19.

2 بياض في "أ".

3 هو عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم، أبو شامة المقدسي، الشافعي المقرئ، صاحب التصانيف، سمي بأبي شامة لشامة كبيرة كاانت فوق حاجبه الأيسر. له: شرح الشاطبية، ونونية السخاوي، والباعث على إنكار البدع والحوادث وغيرها. "ت665هـ".

طبقات الشافعية الكبرى، 18/165. تذكرة الحفاظ 4/1460. الأعلام للزركلي، 3/299

ص: 677

"الباعث على إنكار البدع والحوادث" في فصل البدع المستقبحة، قال: "البدع المستقبحة تنقسم على قسمين، قسم تعرفه العامة والخاصة أنه بدعة محرمة، وإما مكروهة، وقسم يظنه معظمهم –إلا من عصم- عبادات وقربات وطاعات وسنن.

فأما القسم الأول فلا نطول بذكره إذ كفينا مؤنة الكلام فيه، لاعتراف فاعله أنه ليس من الدين. لكن/يتبين/1 من هذا القسم مما قد وقع فيه جماعة من جهال العوام، النابذين لشريعة الإسلام، التاركين للاقتداء بأئمة الدين من الفقهاء، وهو ما يفعله طوائف من المنتسبين للفقر، الذي حقيقته الافتقار عن الإيمان، من مؤاخاة النساء الأجانب والخلوة بهن واعتقادهم في مشائخ لهم ضالين مضلين، يأكلون في نهار رمضان من غير عذر، ويتركون الصلوات ويخامرون النجاسات غير مكترثين لذلك، فهم داخلون تحت قوله تعالى:{لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} 2؛ ولهذه الآية وأمثالها، كان مبادئ ظهور الكفر من عبادة الأصنام /وغيرها/3.

ومن هذا القسم أيضا، ما قد عم الابتلاء به من تزين الشيطان للعامة، تخليق الحيطان والعمد والسرج مواضع مخصوصة في كل بلد.

يحكي حاك أنه رأى في منامه بها أحدا ممن شهر بالصلاح والولاية، فيفعلون ذلك ويحافظون عليه، مع تضييعهم فراض الله تعالى وسننه، ويظنون أنه متقربون بذلك، ثم يتجاوزون هذا إلى أن يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم فيعظمونها، ويرجون الشفاء لمرضاهم وقضاء حوائجهم بالنذر لهم، وهي /ما/4 بين عيون وشجر وحائط وحجر.

1 في "د" والمطبوع: تبين.

2 سورة الشورى الآية "21".

3 في "د": وغيرهما.

4 في "ا" والمطبوع: من.

ص: 678

وفي مدينة دمشق –صانها الله من ذلك- مواضع متعددة كعوينة الحمى خارج باب توما، والعمود المخلق خارج الباب الصغير، والشجرة الملعونة اليابسة خارج باب النصر، في نفس قارعة الطريق –سهل الله قطعها واجتثاثها من أصلها- فما أشبهها بذات الأنواط الواردة في الحديث الذي رواه محمد بن إسحاق1 وسفيان بن عيينة2 عن الزهري3 عن سنان بن أبي سنان4 عن أبي واقد الليثي رضي الله عنه5 قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين، وكانت لقريش شجرة خضراء عظيمة يأتونها كل سنة، فيعلقون عليها سلاحهم، ويعكفون عندها ويذبحون لها. وفي رواية: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل حنين ونحن حديثو عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عليها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فتنادينا من /جانبتي/6 الطريق ونحن نسير إلى حنين، يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما له ذات أنواط. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الله أكبر، هذا كما قال قوم موسى:

1 هو محمد بن إسحاق بن يسار بن خيار المديني، مولى قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف، صاحب السيرة "ت152هـ". تاريخ بغداد 1/214، 233؛. سير الأعلام 7/33.

2 تقدمت ترجمته في ص 503.

3 محمد بن مسلم بن عبد الله بن عبد الله القرشي الزهري المدني "ت124هـ" سير الأعلام، 5/326، تهذيب التهذيب، 9/445.

4 في "أ" والمطبوع: "ابن سنان بن أبي سفيان". وفي "د""سنان بن سنان" والصواب المثبت كما في مسند الإمام أحمد، 5/218، وجامع الترمذي، 4/413، وسير الأعلام، 2/575. وهو سنان بن أبي سنان يزيد بن أبي أمية الدؤلي المدني، روى عن أبي هريرة والحسين بن علي وجابر، وأبي واقد الليثي؛ تابعي ثقة من الثالثة. "ت105هـ".

تهذيب التهذيب، 4/242، تقريب التهذيب 1/334.

5 تقدمت ترجمته في ص 676.

6 في "أ" و "د": جنيني.

ص: 679

{اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} 1 لتركبن سنن من كان قبلكم" 2. أخرجه الترمذي بلفظ آخر والمعنى واحد، وقال: "هذا حديث حسن صحيح"3.

قال الإمام أبو بكر الطرطوشي/الأندلسي/4 في كتابه المتقدم ذكره 5.

"فانظروا –رحمكم الله- أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس ويعظمون من شأنها، ويرجون البرء والشفاء من قبلها وينوطون بها المسامير والخرق، فهي ذات أنواط، فاقطعوها"6.

قلت 7: ولقد أعجبني ما فعله الشيخ أبو إسحاق/الجنياني/8 رحمه الله أحد

1 سورة الأعراف: الآية "138".

2 سيرة النبي صلى الله عليه وسلم لمحمد بن إسحاق، 4/893. وقد تقدم تخريجه في ص 676، بلفظ آخر.

3 سنن الترمذي 4/413، الفتن، باب ما جاء: لتركبن سنن من كان قبلكم.

4 ساقط في "أ" والمطبوع.

5 وهو كتاب البدع والحوادث، وقد تقدم ذكره في ص 676.

6 المرجع السابق ص 18، 19. وقد تقدم ذكر هذا الكلام في ص 676.

7 القائل هنا: هو الإمام أبو شامة –رحمه الله في كتابه: "الباعث على إنكار البدع والحوادث". وسيأتي ذكر رقم الصفحة التي فيها كلامه هذا، عند نهايته.

8 في "أ" والمطبوع: "الحسائي". وفي "د""الجنياني" وضبطه محقق كتاب "الحوادث والبدع" ب"الجنياني"، وهو كذلك عند أبي شامة في "الباعث على إنكار البدع والحوادث".

وهو: إبراهيم بن علي الجنياني البكري المالكي؛ أحد الأئمة الأعلام، كان من أعلم الناس باختلاف العلماء، عالما بعبارة الرؤيا، حسن القراءة للقرآن، يحسن تفسيره وإعرابه، وناسخه ومنسوحه. "ت 396هـ". ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك للقاضي عياض "544هـ" تحقيق د. أحمد بكر محمود، نشر دار مكتبة الحياة بيروت، ودار مكتبة الفكر، ليبيا، 4/497-517. الديباج المذهب لابن فرحون ص 86. طبقات المفسرين، للحافظ محمد بن علي بن أحمد الداودي "945هـ"، تحقيق على محمد عمر، نشر مكتبة وهبة، شارع الجمهورية، ط/1، 1392هـ-1972م، مطبعة الاستقلال الكبرى، 1/1-2.

ص: 680

الصالحين ببلاد إفريقية، حكى عنه صاحب الصالح أبو عبد الله محمد بن أبي العباس المؤدب1 أنه كان إلى جانبه عين تسمى عين العافية، كانت العامة قد افتتنوا بها، يأتون من الآفاق، من تعذر عليها نكاح أو ولد، قالت: امضوا بي إلى العافية، فتعرف بها الفتنة. قال أبو عبد الله: فأنا في السحر ذات ليلة، إذ سمعت أذان أبي إسحاق نحوها، فخرجت فوجدته قد هدمها، وأذن/المصبح/2 عليها. ثم قال: اللهم إني هدمتها لك فلا ترفع لها رأسا؛ قال: فما رفع لها رأس إلى الآن.

قلت3: وأدهى من ذلك وأمرّ، إقدامهم على قطع الطريق السابلة4، يجيزون5 في أحد الأبواب الثلاثة القديمة العادية، التي هي من بناء الجن في زمن نبي الله سليمان بن داود عليهما السلام،/أو من/6 بناء ذي القرنين7 وقيل فيها غير ذلك، مما يؤذن بالتقدم على ما نقلناه في كتاب "تاريخ مدينة دمشق" –حرسها الله تعالى- وهو الباب الشمالي، ذكر لهم بعض من لا يوثق به في شهور، سنة ست وثلاثين وستمائة "636هـ" /أنه/8 رأى مناما يقتضي أن ذلك المكان دفن فيه بعض أهل البيت، وقد

1 لم أقف على ترجمته.

2 هكذا في أصل النص عند أبي شامة في كتابه الباعث..، وفي جميع النسخ:"الصبح".

3 القول لأبي شامة رحمه الله.

4 السابلة: أبناء السبيل المختلفون على الطرقات في حوائجهم. والجمع: السوابل. والطريق السابلة: أي المسلوكة. لسان العرب، 11/320، مادة "سبل".

5 في "أ": يميزون.

6 هكذا في أصل النص عند أبي شامة. وفي جميع النسخ: ومن.

7 ذو القرنين: اسم يطلق على أشخاص عدة؛ المنذر الأكبر بن ماء السماء جد النعمان بن المنذر؛ أو تبع الأقران، أحد ملوك بلاد العرب الجنوبية. ويطلق على الإسكندر الأكبر، وهو أكثر الشخصيات التي تعرف بذي القرنين، وهو المراد هنا، والمذكور في القرآن الكريم في سورة الكهف، وقد اختلف فيه اختلافا كثيرا، وقال ابن كثير: والصحيح أنه كان ملكا من الملوك العادلين.

الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، 11/34. البداية والنهاية لابن كثير، 2/95. دائرة المعارف الإسلامية، 9/403-404.

8 في "د": وأنه.

ص: 681

أخبرني عنه يقة، أنه اعترف له أنه افتعل ذلك، فقطعوا طريق المارة فيه، وجعلوا الباب بكماله أصل مسجد مغصوب 1. وقد كان الطريق يضيق بسالكيه، فتضاعف /الضيق/2 والحرج على من دخل ومن خرج، ضاعف الله عذاب من تسبب في بنائه، وأجزل ثواب من أعان على هدمه وإزالة اعتدائه، اتباعا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم في هدم مسجد الضرار 3 المرصد لأعدائه من الكفار، فلم ينظر الشرع إلى كونه مسجدا؛ وهدمه لما قصد به السوء والردى. قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً} 4 نسأل الله الكريم معافاته من كل ما يخالف رضاه، وأن لا يجعلنا ممن أضله واتخذ إلهه هواه"5.

وهذا الشيخ/أبو شامة/6، من كبار أئمة الشافعين في أوائل القرن السابع/ وقال الإمام/7 أبو الوفاء بن عقيل الحنبلي 8 رحمه الله: لما صعبت

1 في المطبوع: مغصوبا.

2 كذا في الأصل عند أبي شامة. وفي "أ": الطريق. وهو تحريف من الناسخ.

3 هو المسجد الذي بناه المنافقون في قباء، يترصدون فيه أمور المسلمين. وقد هدمه النبي صلى الله عليه وسلم بعد مقدمه من تبوك عام تسعة من الهجرة، بعد ما نزل فيه قوله تعالى:{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادَاً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [التوبة:107] .

انظر: أسباب النزول للواحدي، ص 259. والجامع لأحكام القرآن للقرطبي، 8/161.

4 سورة التوبة الآية "108".

5 إلى هنا نهاية كلام أبي شامة في كتابه: الباعث على إنكار البدع والحوادث، لأبي القاسم عبد الرحمن بن إسماعيل، أبو شامة المقدسي "665هـ"، تحقيق بشير محمد عيون، نشر مكتبة المؤيد، الطائف، ومكتبة دار البيان؛ سوريا، ط/1/1412-1991م، 34-37.

وقد نقل كلامه هذا، محقق كتاب: الحوادث والبدع للطرطوشي في ص 19.

6 ساقط في "د".

7 بياض في "أ".

8 تقدمت ترجمته في ص 395.

ص: 682

التكاليف على/ الجهلة/1 والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع، إلى أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم؛ إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم. قال: وهم عندي كفار بهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور وإكرامها، وإلزامها/بما/2 نى عنه الشرع3 من إيقاد السرج4 وتقبيلها5 وتخليقها6 وخطاب الموتى بالحوائج، وكتب/الرقاع، فيها/7

1 في "د": الجهال.

2 كذا في أصل النص في إغاثة اللهفان. وفي جميع النسخ: لما.

3 في المطبوع: الشارع.

4 جاء في النهي عن إيقاد السرج على القبور: ما رواه ابن عباس رضي الله عنه قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج". سنن أبي داود، 3/558، الجنائز، باب في زيارة النساء القبور. سنن الترمذي 2/136، الصلاة، باب ما جاء في كراهية أن يتخذ على القبر مسجدا. قال الترمذي:"حديث ابن عباس حسن". سنن النسائي، 4/94-95، الجنائز، باب التغليظ في اتخاذ السرج على القبور. مسند الإمام أحمد، 1/229، 287، 324، 337. والحديث ضعفه الألباني في سلسلة الضعيفة رقم "325". وصحيح أحمد شاكر تحسين الترمذي للحديث، في تعليقه على سنن الترمذي، 2/137.

5 تقبيل القبر: أي رفعها عن الأرض، من القتل، وهو ما ارتفع من جبل أو رمل أو علو من الأرض. لسان العرب، 11/542، مادة "قبل".

ومما جاء في النهي عن رفع القبر: أخرج الإمام مسلم عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته". صحيح مسلم بشرح النووي، 7/40، الجنائز، باب الأمر بتسوية القبور. سنن أبي داود، 3/548، الجنائز، باب في تسوية القبر.

6 تخليق القبر: هو تجصيصه جعله أملسا مضمتا، على سبيل تزيينه. يقال: حجر أخلق: أي أملس مصمت لا يؤثر فيه شيء. النهاية لابن الأثير، 2/71، لسان العرب، 10/89، مادة "خلق". أو أن المراد: تضميخها بالخلوق، وهو نوع من الطيب، يتخذ من الزعفران وغيره من أنواع الطيب، ويغلب عليه الحمرة والصفرة. النهاية لابن الأثير، 2/71، لسان العرب، 10/91، مادة "خلق". وعلى هذا يكون المراد هنا الإشارة إلى النهي عن جنس الطيب، فلا يجوز تطييب القبر بشيء منه.

7 في المطبوع: الرقاع التي فيها.

ص: 683

يا مولاي، افعل بي كذا وكذا، وأخذ/ تربتها/1 تبركا بها،/وإفاضة/2 الطيب على القبور، وشد الرحال إليها، وإلقاء الخرق على الشجر، اقتداء بمن عبد اللات والعزى. والويل عندهم لمن لم يقبل مشهد/ الكفار/3 ولم يتمسح بآجر4 المدينة يوم الأربعاء، ولم /يقل الحمالون/5 على جنازته: الصديق أبو بكر/ أو محمد/6 وعلي، أو لم يعقد على قبر أبيه/ أزجا/7 بالجص والآجر، ولم يخرق ثيابه إلى الذيل، ولم يرق ماء الورد على القبر 8. انتهى.

فتأمل –رحمك الله- ما ذكر هذا الإمام، الذي هو أجل أئمة الحنابلة، بل من أجل أئمة الإسلام، وما كشفه من الأمور التي يفعلها الخواص من الأنام، فضلا عن النساء والغوغاء والعوام، مع كونه في سادس القرون، والناس إذ ذاك لما ذكره يفعلون، وجهابذة العلماء، والنقاد/9 لذلك يشهدون، وحطهم من النهي مرتبته الثانية، فهم بها قائمون؛ يتضح لك فساد ما زخرفه المبطلون، وموه به المتعصبون والملحدون.

قال الشيخ تقي الدين10 -رحمه الله تعالى- وأما سؤال الميت والغائب، نبيا كان أو غيره، فهو من المحرمات المنكرة باتفاق أئمة المسلمين؛ لم يأمر الله تعالى به ولا رسوله، ولا فعله أحد من الصحابة ولا التابعين لم بإحسان، ولا استحبه أحد من أئمة

1 بياض في المطبوع.

2 في المطبوع: وأما إفاضة.

3 في "د": "الكف" وهو كذلك في النص عند ابن القيم في الإغاثة.

4 الآجر: طبخ الطين. لسان العرب 4/11، مادة "أجر".

5 في المطبوع: ولم يقبل الجملون. وجاء على هامش "أ": "

لمن لم يحضر مشهد الكف، أو لم يعقد على قبره أو قبر أبيه بالآجر، ولم يقل الحمالون على جنازته أبو بكر وعمر". انتهى.

6 ساقط في المطبوع. وفي "أ" و "د": ومحمد.

7 هكذا في جميع النسخ. ولم أعرف معناه.

8 إلى هنا نهاية كلام ابن عقيل. ذكر نص كلامه الإمام ابن القيم في إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان، 1/305.

9 في "أ" والمطبوع: والنقدة.

10 هو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

ص: 684

المسلمين. وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام، فإن أحدا منهم ما كان يقول –إذا نزلت به/شدة/1 أو عرضت له حاجة –لميت: يا سيدي/ يا فلان/2 أنا في حسبك أو اقض حاجتي؛ كما يقوله بعض هؤلاء المشركين، لمن يدعونهم /من الموتى/3 والغائبين. ولا أحد من الصحابة استغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته، ولا بغيره من الأنبياء، لاعند قبورهم، ولا إذا بعدوا عنها، ولا كانوا يقصدون الدعاء عند قبور الأنبياء، ولا الصلاة عندها.

ولما قحط الناس في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استسقى بالعباس، وتوسل بدعائه، وقال:"اللهم إنا كنا نتوسل إليه/ بنبينا/4 إذا أجدبنا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا" كما ثبت ذلك في صحيح البخاري 5.

وكذلك معاوية رضي الله عنه لما استسقى بأهل الشام/توسل/6 بيزيد بن الأسود الجرشي7.

1 في "أ" والمطبوع: ترة.

2 في "د": فلان.

3 في "أ" و "د": في الموتى.

4 في "د" والمطبوع: بنبيك

5 صحيح البخاري مع الفتح، 2/574، الاستسقاء، باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا، وفي 7/96، فضائل الصحابة، باب ذكر العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه.

6ساقطة في المطبوع.

7 هو يزيد بن الأسود الجرشي السكوني، من سادات التابعين بالشام، أسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم "ت71هـ". الاستيعاب، 4/2754، أسد الغابة، 5/103، سير الأعلام، 4/136، البداية والننهاية، 8/328.

وأما قصة استسقاء معاوية بيزيد –رضي الله عنهما.

فما رواه صفوان بن عمرو، عن سليم بن عامر قال: خرج معاوية يستسقي، فلما قعد على منبر قال: أين يزيد بن الأسود؟ فناداه الناس، فأقبل بتخطاهم، فأمره معاوية، فصعد المنبر، فقال معاوية: الله إنا نستشفع إليك بخيرنا وأفضلنا يزيد بن الأسود، يا يزيد ارفع يديك إلى الله. فرفع يديه ورفع الناس. فما كان بأوشك من أن ثارت سحابة كالترس وهبت الريح فسقينا حتى كاد الناس أن لا يبلغوا منازلهم. سير الأعلام 4/137

ص: 685

فهذا الذي ذكره عمر رضي الله الله، توسل/منهم/1 بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعته في حياته؛ ولهذا توسلوا بعده بدعاء العباس، وبدعاء يزيد بن الأسود. وهذا هو الذي ذكره الفقهاء في كتاب الاستسقاء فقالوا: يستحب أن يستسقى بالصالحين. وإذا كانوا من أقارب الرسول صلى الله عليه وسلم فأفضل2.

وقد كره العلماء كمالك وغيره، أن يقوم الرجل عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم يدعو لنفسه، وذكروا أن هذا من البدع التي لم يفعلها السلف.

قال أصحاب مالك 3: إنه/4 إذا دخل المسجد يدنو من القبر فيسلم على النبي صلى الله عليه وسلم /ويدعوا/ مستقبل القبلة يوليه ظهره5، وقيل: لا يوليه ظهره6. وإنما اختلفوا لما فيه من استدباره.

/فأما/7 إذا جعل الحجرة عن يساره فقد زال المحذور بلا خلاف.

ولعل هذا الذي ذكره الأئمة، أخذوه من كراهة الصلاة إلى القبر8، /فإذا كان

1 في المطبوع: "منه" وهو خطأ، إذ المقصود بما ذكره عمر، قوله:"اللهم إنا كنا".

2 مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية، 1/315.

3 منهم سلمة بن وردان قال: "رأيت أنس بن مالك رضي الله عنه يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يسند ظهره إلى جدار القبر، ثم يدعو". إغاثة اللهفان 1/314.

4 ساقط في "د" والمطبوع.

5 في "د": "يدعو" بإسقاط الواو.

6 مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية، 1/229-230.

7 في المطبوع: وأما.

8 وفي ذلك ورد حديث أبي مرثد الغنوي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها". صحيح مسلم بشرح النووي، 7/42-43، الجنائز، باب النهي عن الجلوس على القبر والصلاة عليه. سنن أبي داود، 3/554، الجنائز، باب في كراهية القعود على القبر. سنن الترمذي، 3/367 الجنائز، باب ما جاء في كراهية المشي على القبور والجلوس عليها والصلاة إليها. سنن النسائي، 2/67، القبلة، باب النهي عن الصلاة إلى القبر. مسند الإمام أحمد، 4/135. قال النووي:"فيه تصريح بالنهي عن الصلاة إلى القبر. قال الشافعي –رحمه الله: وأكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجدا، مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس". شرح صحيح مسلم للنووي، 7/43.

ص: 686

قد ثبت/1 النهي/ فيه/2 عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فلما نهى أن يتخذ القبر مسجدا أو قبلة 3 أمروا بأن لا /يُتحرى/4 الدعاء إليه، كما لا يصلى إليه.

وقال مالك في المبسوط5: "لا أرى أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم يدعو، ولكن يسلم/ ويصلي/6"7. ولهذا –والله أعلم- صُرفت الحجرة وثُلثت، لما بُنيت، فلم يجعل حائطها الشمالي على/سمت/8 القبلة، ولا جعل/ سطحا/9.

وذكر الإمام وغيره أنه يستقبل القبلة ويجعل الحجرة عن يساره لئلا يستدبره، وذلك بعد تحيته والصلاة والسلام عليه، ثم يدعو لنفسه10. وذكروا أنه إذا حياه وصلى يستقبل وجهه –بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم فإذا أراد الدعاء جعل الحجرة عن يساره، واستقبل القبلة ودعا. وهذا مراعاة منهم أن [لا] 11 يفعل الداعي أو الزائر ما نهى عنه، من تحري الدعاء عند القبر.

وقد كره مالك –رحمه الله تعالى- وغيره لأهل المدينة كلما دخل أحدهم المسجد

1 هكذا في جميع النسخ. وعليه لا يظهر في الكلام بعده جواب "إذا"، ولعل الصواب: "إذ قد ثبت

".

2 ساقط في المطبوع.

3 وقد تقدم الحديث في النهي عن اتخاذ القبور مساجد في ص 655.

4 في "د": أن لا يتحرو.

5 هذا القول ذكره القاضي عياض في المبسوط عن مالك رحمه الله. كما في مجموع الفتاوى لابن تيمية 1/230. ولم أقف على كتاب "المبسوط".

6 في مجموع الفتاوى لابن تيمية، 1/230: ويمضي.

7 المرجع السابق نفس الصفحة.

8 زيادة في "د".

9 في "د": مسطحا.

10 انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية، 27/166-167.

11 زيادة مني لأن سياق الكلام يقتضيها، ضرورة استقامة المعنى المراد.

ص: 687

أن يجيء فيسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه. قال وإنما يكون ذلك لأحدهم إذا قدم من السفر أو أراد سفرا1 ونحو ذلك. ورخص بعضهم في السلام عليه إذا دخل للصلاة ونحوها2. وأما قصده دائما للصلاة والسلام عليه، فما علمت أحدا رخص في ذلك، لأن ذلك نوع من اتخاذه عيدا 3، وأيضا فإن ذلك بدعة. فقد كان المهاجرون والأنصار في عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي –رضي الله عنهم/4/بما كان النبي صلى الله عليه وسلم يكرهه من ذلك، وما نهاهم عنه، ولأنهم كانوا يسلمون عليه حين دخول المسجد والخروج منه، وفي آخر الصلاة في التشهد، كما كانوا يسلمون عليه كذلك في حياته. والمأثور عن ابن عمر يدل على ذلك. قال أبو سعيد في سننه: حدثنا عبد الرحمن بن يزيد 5، حدثني أبي عن ابن عمر، إنه كان إذا قدم من سفر أتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فصلى وسلم عليه وقال: السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه. وعبد الرحمن بن يزيد وإن كان يضعف -لكن الحديث الصحيح عن نافع6 يدل على أن ابن عمر ما كان يفعل ذلك دائما ولا غالبا- وما أحسن ما قال مالك –رحمه الله لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما

1 هذا ما كان يفعله ابن عمر رضي الله عنه. انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، 1/230.

2 انظر المرجع السابق، 1/231.

3 وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ قبره عيدا، وتقدم الحديث في نهيه عن ذلك في هامش ص 229.

4 الظاهر أن هنا سقط، وتقديره:"لا يعفلونه لعلمهم".

5 هو عبد الرحمن بن يزيد بن تميم السلمي الدمشقي، صاحب مكحول، ضعفه جماعة، منهم: الإمام أحمد والبخاري، والنسائي وأبو زرعة والدارقطني. توفي سنة بضع وخمسين ومائة. ميزان الاعتدال، 2/598؛ وسير الأعلام/ 7/177؛ وتهذيب التهذيب، 6/295.

6 نافع بن مالك بن أبي عامر، الإمام الفقيه أبو سهيل الأصبحي المدني، حدث عن ابن عمر، وأنس بن مالك وغيرهما. وروى عنه مالك بن أنس وابن الشهاب وغيرهما، تأخر إلى قريب من "130هـ".

سير الأعلام، 5/283؛ تهذيب التهذيب، 10/409.

ص: 688

أصلح أولها1. ولكن كلما ضعف تمسك الأمم بعهود أنبيائهم، ونقضوا إيمانهم/عوضوا/2 عن ذلك بما أحدثوا من البدع والشرك وغيره3. ولهذا كرهت /الأئمة/4 استلام القبر وتقبيله، وبنوه بناء منعوا الناس أن يصلوا إليه 5 ومما يبين حكمة الشريعة، وأنها –كما قيل- سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق؛ أن/الذين/6 خرجوا عن المشروع، زين لهم الشيطان أعمالهم، حتى خرجوا إلى الشرك، فطائفة من هؤلاء يصلون للميت، ويستدبر أحدهم القبلة ويسجد للقبر، ويقول أحدهم: القبلة قبلة العامة، وقبر الشيخ فلان قبلة الخاصة7، وهذا يقوله من هو أكثر الناس عبادة وزهدا، وهو شيخ متبوع، ولعله أمثل أتباع شيخه يقول في شيخه. وآخر من أعيان الشيوخ المتبوعين، أصحاب الصدق والاجتهاد في العبادة والزهد، يأمر المريد أول ما يتوب أن يذهب إلى قبر الشيخ ويعكف عليه، عكوف أهل التماثيل عليها 8.

وجمهور هؤلاء المشركين بالقبور يجدون عند عبادة القبور من الرقة والخشوع والذل وحضور القلب ما لا يجده أحدهم في مساجد الله التي أذن الله أن ترفع

1 انظر: إغاثة اللهفان لابن القيم، 1/229. وقال حذيفة رضي الله عنه:"كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تتعبدوها، فإن الأول لم يدع للآخر مقالا". الحوادث والبدع للطرطوشي، ص 117.

2 في "د": عوضا.

3 إغاثة اللهفان لابن قيم الجوزية، 1/314.

4 في المطبوع: الأمة.

5 من هنا بداية نقل الشيخ من كتاب: تلخيص كتاب الاستغاثة، المعروف بالرد على البكري، للإمام شيخ الإسلام ابن تيمية "728هـ"، وبهامشه كتاب الرد على الأخنائي، نشر الدار العلمية للطباعة والنشر والتوزيع موري كيت –دلهي 110006، الهند، ص 293.

6 في "د" الذي.

7 وهذا فعل الخواص من الصوفية.

8 وهو ما يفعله جمهور القبوريين من المتصوفة والشيعة ومن نحا نحوهم.

ص: 689

ويذكر فيها اسمه. وآخرون يحجون القبور، وطائفة صنفوا كتبا وسموها "مناسك حج المشاهد"، كما صنف أبو عبد الله محمد بن النعمان1 الملقب بالمفيد، آحد شيوخ الإمامية كتابا في ذلك وذكر فيه من الحكايات المكذوبة على أهل البيت ما لا يخفى كذبه على من له معرفة بالنقل.

وآخرون يسافرون إلى قبور المشايخ وإن لم يسموا ذلك نُسكا وحجا فالمعنى واحد. وكثير من هؤلاء أعظم قصده من الحج قصد قبر النبي صلى الله عليه وسلم لا حج البيت، وبعض الشيوخ المشهورين بالدين والزهد والصلاح، صنف كتابا سماه:"الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة والمنام"، 2 وقد ذكر في مناقب هذا الشيخ أنه حج مرة، وكان قبر النبي صلى الله عليه وسلم منتهى قصده، ثم رجع ولم يذهب إلى الكعبة/3. وجُعل ذلك من مناقبه.

فإن كان هذا مستحبا فينبغي لمن يجب عليه حج البيت –إن حج- أن يجعل المدينة منتهى قصده، ولا يذهب إلى مكة، فإنه زيادة كلفة ومشقة مع ترك الأفضل وهذا لا يقوله عاقل.

وبسبب الخروج عن الشريعة، صار بعض أكابر الشيوخ عند الناس ممن يقصده الملوك والقضاة، والعلماء والعامة، على طريقة أبي سبعين 4؛ قيل عنه إنه كان يقول:

1 هو محمد بن محمد بن النعمان بن عبد السلام العكبري أبو عبد الله الملقب بالمفيد، ويعرف بابن المعلم، صاحب التصانيف البدعية وهي مائتا مصنف، طعن فيها على السلف. انتهت إليه رئاسة الشيعة في وقته. "336-413هـ".

انظر ترجمته في: ميزان الاعتدال، 3/131، 4/30؛ سير أعلام النبلاء، 17/ 344؛ العلام للزركلي، 7/21؛ تاريخ بغداد، 3/231؛ النجوم الزاهرة، 4/258.

2 الكتاب لمحمد بن محمد النعمان المفيد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والشيخ محمد بن النعمان، كان له كتاب المستغيثين بالنبي صلى الله عليه وسلم" في اليقظة والمنام".

انظر الرد على البكري، ص 250.

3 كذا في الرد على البكري، ص 294. وفي بقية النسخ "ثم رجع إلى مكة" وهو خطأ.

4 تقدمت ترجمته في ص 280.

ص: 690

البيوت المحجوجة ثلاثة: مكة، وبيت المقدس، والبيت الذي للمشركين في الهند. وهذا لأنه كان يعتقد أن دين اليهود حق، ودين النصارى حق. وجاءه بعض إخواننا العارفين قبل أن يعرف حقيقته، فقال له: أريد أن أسلك/1 على يديك، فقال: على دين اليهود أو النصارى أو المسلمين فقال له: واليهود والنصارى أليسوا كفارا فقال: لا تشدد عليهم، ولكن الإسلام أفضل.

ومن الناس من يجعل مقبرة الشيخ بمنزلة عرفات، يسافرون إليها وقت الموسم فيعرفون بها، كما يعرف المسلمون بعرفات، كما يفعل هذا في المشرق والمغرب ومنهم من يحكي عن الشيخ الميت أنه قال: كل خطوة إلى قبري كحجة، ويوم القيامة لا أبيع 2/ بحجة/3 فأنكر عليه بعض الناس ذلك، فتمثل له الشيطان بصورة الشيخ، /وزجره/4 عن إنكار ذلك. وهؤلاء وأمثالهم وصلاتهم ونسكهم لغير الله رب العالمين، فليسوا على ملة إمام الحنفاء، وليسوا من عمار مساجد الله التي قال الله فيها:{إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَاّ اللَّهَ} 5. وعمار مشاهد المقابر يخشون غير الله، ويرجون غير الله، حتى إن طائفة من أرباب الكبائر، الذين لا يخشون الله فيما يفعلونه من القبائح، /إذا/6 رأى قبة الميت، أو الهلال الذي على رأس القبة/ يتحاشى/7 من فعل الفواحش، ويقول أحدهم لصاحبه: ويحك، هذا هلال القبة، فيخشون المدفون تحت الهلال، ولا يخشون الذي خلق السموات والأرض، وجعل أهلَّة السماء مواقيت

1 في "أ": أسلم.

2 كذا في النسخ، ولعل الصواب "أبيعها".

3 في "د": الحجة.

4 بياض في المطبوع.

5 سورة التوبة الآية "18".

6 في جميع النسخ: فإذا.

7 في "أ" والمطبوع: "فيخشى" وفي "د": "فيتحاشا".

ص: 691

للناس والحج 1، وهؤلاء إذا نوظروا خوفوا مناظرهم، كما صنع المشركون مع إبراهيم عليه الصلاة والسلام، قال تعالى:{وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ، وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} 2.

وآخرون قد جعلوا الميت بمنزلة الإله، والشيخ الحي المتعلق به كالنبي؛ فمن الميت/ تُطلب/3 قضاء الحاجات وكشف الكربات، وأما الحي فالحلال ما أحله/4 والحرام ما حرمه، وكأنهم في أنفسهم قد عزلوا الله أن يتخذوه إلها، وعزلوا محمدا صلى الله عليه وسلم أن يتخذوه رسولا.

وقد يجيء الحديث العهد بالإسلام، والتابع لهم، المحسن الظن بهم أو غيره، يطلب من الشيخ الميت إما دفع ظلم ملك يريد أن يظلمه أو غير ذلك، فيدخل ذلك السادن فيقول: قد قلت للشيخ، والشيخ يقول للنبي، والنبي يقول لله، والله قد بعث رسولا إلى السلطان فلان.

فهل هذا إلا محض دين المشركين والنصارى؟ وفيه من الكذب والجهل ما لا يستجيزه كل مشرك أو نصراني، ولا يروج عليه، ويأكلون من النذور مما يؤتى به إلى قبورهم، ما يدخلون به في معنى قوله تعالى:{إِنَّ كَثِيراً مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} 5، [فإنهم يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون

1 يشير إلى قوله تعالى: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة:189]

2 سورة الأنعام الآية: "80، 81، 82".

3 في المطبوع: طلب.

4 في "أ" والمطبوع: حلله.

5 سورة التوبة الآية "34".

ص: 692

عن سبيل الله] 1 ويعوضون بأنفسهم، ويمنعون غيرهم/ إذ/2 التابع لهم يعتقد أن هذا هو سبيل الله ودينه، فيمتنع بسبب ذلك من الدخول في دين الحق الذي بعث الله به/ رسله/3، وأنزل به كتبه. والله سبحانه/ وتعالى/4 لم يذكر في كتابه المشاهد، بل ذكر المساجد، وأنها خالصة لوجهه، قال تعالى:{وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} 5 وقال تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} 6، وقال تعالى:{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} 7 وقال تعالى: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً} 8. ولم يذكر بيوت الشرك؛ كبيوت النيران والأصنام والمشاهد، لأن الصوامع والبيع لأهل الكتاب، فالممدوح من ذلك ما كان/ مبنيا/9 قبل النسخ والتبديل، يؤمنون بالله واليوم الآخر ويعملون الصالحات. فبيوت الأوثان وبيوت النيران وبيوت الكواكب وبيوت المقابر، لم يمدح الله شيئا منها، ولم يذكر ذلك إلا في قصة من لعنهم النبي صلى الله عليه وسلم قال تعالى:{قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً} 10. فهؤلاء الذين اتخذوا مسجدا على أهل الكهف كانوا من النصارى الذين لعنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" /11 وفي

1 ما بين المعقوفتين ساقط في جميع النسخ، وهو في الرد على البكري ص 297.

2 في "د": إذا.

3 في "أ" و "د": رسوله.

4 زيادة في "د".

5 سورة الأعراف: الآية "29".

6 سورة التوبة: الآية "18".

7 سورة النور: الآية "36".

8 سورة الحج: الآية "40".

9 في "د": منا.

10 سورة الكهف: الآية "21".

11 تقدم تخريجه في ص 666.

ص: 693

رواية: "وصالحيهم"1، ودعاء المقبورين من أعظم الوسائل إلى ذلك"2.

"وقد قدم بعض شيوخ المشرق فتكلم معي في هذا، فبينت له فساد هذا، فقال: أليس قد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور" فقلت هذا كذب باتفاق أهل العلم، لم يروه عن النبي صلى الله عليه وسلم أحد من علماء الحديث3.

وبسبب هذا وأمثاله ظهر مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه؛ قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى قال: فمن؟ " 4"5. "وهؤلاء المشركون، إذا حصل لأحدهم مطلبه ولو من كافر، لم يُقبل على الرسول، بل يطلب حاجته من حيث تُقضى، فتارة يذهب إلى ما يظنه قبر رجل صالح، ويكون فيه/كافر/6 أو

1 هذه رواية عن جندب قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائه وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك".

صحيح مسلم بشرح النووي، 6/17، المساجد، باب النهي عن بناء المساجد على القبور، واتخاذ الصور فيها والنهي عن اتخاذ القبور مساجد. مشكاة المصابيح، 1/223 كتاب الصلاة، باب المساجد ومواضع الصلاة.

2 إلى هنا منقول من الرد على البكري، ص 297-298.

3 قال الدكتور محمد عفيفي في تحقيقه إغاثة اللهفان لابن القيم 1/323: "حديث موضوع".

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله بعد ذكره لهذا الحديث: "فهذا حديث كذب مفترى على رسول الله صلى الله عليه وسلم بإجماع العارفين بحديثه، لم يروه أحد من العلماء بذلك؛ ولا يوجد في شيء من كتب الحديث المعتمدة". مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 1/356، 11/293، قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة، لابن تيمية، ص 174.

4 تقدم لفظ الشيخين، وغيرهما في ص 288. وهذه رواية عبد الرزاق في مصنفه، 11/369.

5 من قوله "وقد تقدم

" إلى هنا منقول من الرد على البكري، ص 302.

6 في جميع النسخ وفي الرد على البكري: "قبر كافر" بزيادة كلمة "قبر" وهي غير صالحة هنا لأن المعنى المراد هو: أ، المشرك يذهب إلى ما يظنه قبر رجل صالح، ويكون حقيقة الأمر أن في ذلك القبر رجل "كافر". وليس "قبر كافر".

ص: 694

منافق؛ وتارة يعلم أنه كافر أو منافق، فيذهب إليه، كما يذهب قوم إلى الكنيسة أو إلى مواضع يقال لهم إنها تقبل النذور1. فهذا يقع فيه عامتهم. وأما الأول2 فيقع فيه خاصتهم "3. "والمقصود هنا أن كثيرا من الناس يعظم قبر من يكون في الباطن كافرا ومنافقا، ويكون هذا عنده والرسول من جنس واحد، لاعتقاده أن الميت يقضي حاجته إذا كان رجلا صالحا؛ وكلا هذين/عنده/4 من جنس واحد يستغيث به.

وكم من مشهد يعظمه الناس وهو كذب، بل يقال/ إنه/5 قبر كافر، كالمشهد الذي بسفح جبل لبنان الذي يقال إنه قبر نوح، فإن أهل المعرفة كانوا يقولون إنه قبر بعض العمالقة.

وكذلك مشهد الحسين الذي بالقاهرة، وقبر أبي بن كعب الذي بدمشق، اتفق العلماء على أنها كذب، ومنهم من قال إنهما/ قبرا/6 نصرانيين. وكثير من المشاهد تنازع/الناس/7 فيها، وعدنها شياطين تُضل/بسببها/8 من تضل، ومنهم من يرى في المنام شخصا يظن أنه المقبور، ويكون ذلك شيطانا، متصورا بصورته، كالشياطين الذين يكونون بالأصنام، وكالشياطين الذين يتمثلون لمن يستغيث بالأصنام والموتى والغائبين 9، وهذا كثير في زماننا وغيره، مثل أقوام يرصدون بعض التماثيل

1 في "د": النذر.

2 وهو الذهاب إلى ما يظنه قبر رجل صالح.

3 من قوله "وهؤلاء الغلاة المشركون" إلى هنا منقول من الرد على البكري، ص 308.

4 زيادة في "د".

5 ساقطة في "د".

6 في "د": قبران. وهو خطأ لتختم حذف النون للإضافة.

7 زيادة في المطبوع.

8 في المطبوع: بسبها.

9 ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الكلام، وضرب أمثلة على تمثل الشيطان ببعض الشخصيات.

انظر ذلك في مجموع فتاواه 1/359-360.

ص: 695

التي بالبراري بديار مصر/بإخميم/1 وغيرها، /يرصدون/2 التمثال مدة لا يتطهرون طهر المسلمين، ولا يصلون صلاة المسلمين، ولا يقرءون، حتى يتعلق الشيطان تلك الصورة، فيراها تتحرك، فيطمع فيها أو غيرها، فيرى/ شيطانا/3 قد خرج له فيسجد لذلك الشيطان حتى يقضي/ بعض/4 حوائجه.

ومثل هؤلاء كثير في شيوخ الترك/ الكفار/5، يسمونه/البودي/6 وهو المخنث عندهم، إذا طلبوا منه بعض هذه الأمور، أرسلوا إليه من ينكحه،/ونصبوا/7 له حركات عالية في ليلة مظلمة، وقربوا له خبزا وميتة، وغنوا غناء يناسبه، بشرط أن لا يكون عنده من يذكر الله 8، ولا هنالك شيء فيه من ذكر الله، ثم يصعد ذلك الشيخ المفعول به في الهواء، ويرون الدف يطير في الهواء، وتضرب من مد يديه إلى الخبز، ويضرب الشيطان بآلات اللهو وهم يسمعون،/ويغني/9 لهم الأغاني التي

1 في "د": ببلاد خميم. والصواب المثبت. وإحميم: بلد بالصعيد في الإقليم الثاني "أي من إخميم إلى البهنسا" كما قسمه الياقوت في معجم البلدان، 3/408"، وهو بلد قيدم على شاطئ النيل بالصعيد.

انظر: معجم البلدان 1/123-124.

2 كذا في "أ" والمطبوع: يرصدون، وفي بقية النسخ "يقصدون".

3 في "د": شيطان.

4 ساقطة: في "د".

5 ساقطة في "د".

6 كذا في "أ" و "د": البودي. وفي بقية النسخ "البوشت".

7 في "أ" و "د": وينصبوا.

8 إنه من الملاحظ أن الشيطان وأحواله لا يصمد أمام ذكر الله تعالى، فإن يتحلى عمن يكون قد تلبس به، أو حمله في الجو أو تمثل له في صورة شيء ما بمجرد سماعه لذكر الله تعالى. ويروي شيخ الإسلام ابن تيمية حكاية الشيخ عبد القادر، حيث ظهر له عرش عظيم وعليه نور، فقال له: يا عبد القادر أنا ربك وقد حللت لك ما حرمت على غيرك، فقال له: أنت الله الذي اله الذي لا إله إلا هو؟ اخسأ يا عدو الله. قال: فتمزق ذلك النور وصار ظلمة.

انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية، 1/172.

9 كذا في المطبوع؛ وفي "أ" و "د": ويغنا.

ص: 696

كانت يغنيها آباؤهم الكفار. ثم قد يغيب. وكذلك الطعام، وقد/نقل/1 إلى بيت /البودي/2 وقد لا يغيب؛ /ويقربون/3 له ميتة، يحرقونها بالنار، /فيقضي/4 بعض حوائجهم"5.

ومثل هذا كثير للمشركين، فالذي يجري عند المشاهد من جنس ما يجري عند الأصنام، وقد تيقنت بطرق متعددة أن ما يشرك به من دون الله، من صنم وقبر وغير ذلك، يكون عنده شياطين، تُشل من أشرك به؛ وأن تلك الشياطين لا يقضون إلا بعض أغراضهم، وإنما يقضون بعض أغراضهم إذا حصل لهم من الشرك والمعاصي ما يحبه الشيطان.

/فمنهم من يأمر الداعي أن يسجد له، ومنهم من يأمره بالفواحش، وقد يفعلها الشيطان/6 وقد ينهاه عما أمر به من التوحيد والإخلاص والصلوات الخمس وقراءة القرآن ونحو ذلك7. والشياطين تُغوي الإنسان بحسب ما تطمع منه، فإن كان ضعيف الإيمان أمرته بالكفر البين، وإلا أمرته بما هو فسق أو معصية، وإن كان قليل العلم أمرته بما لا يعرف أنه مخالف للكتاب والسنة؛ وقد وقع في هذا النوع كثير من الشيوخ الذين لهم نصيب وافر من الدين والزهد والعبادة، لكن لعدم علمهم بحقيقة الدين الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم، طمعت فيهم الشياطين، حتى أوقعوهم فيما يخالف الكتاب والسنة. وقد جرى لغير واحد من /أصحابنا/8

1 في "د": ينقل.

2 كذا في "أ" و"د" والرد على البكري "البودي" وفي بقية النسخ "البوشت".

3 في "د": ويقربوا.

4 كذا في المطبوع، وفي "أ" و "د": يقضي.

5 من قوله "والمقصود هنا

" إلى هنا منقول من الرد على البكري، ص 310-311.

6 ساقطة في المطبوع.

7 انظر ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية مما يطلبه الشيطان من عابديه، مجموع فتاوى ابن تيمية، 1/362.

8 في "أ": أصحاب.

ص: 697

المشائخ، يستغيث بأحدهم بعض أصحابه فيرى الشيخ في اليقظة، حتى قضى ذلك المطلوب1. وإنما هي /شياطين/2 تتمثل للمشركين الذين يدعون غير الله.

والجن بحسب الإنس، فالكافر للكافر، والفاجر للفاجر، والجاهل للجاهل. وأما أهل العلم والإيمان فاتباع الجن لهم كاتباع الإنس، يتبعونه فيما أمر الله به /و/3 رسوله.

"وكان رجل يباشر التدريس وينتسب إلى الفتيا، كان يقول: النبي صلى الله عليه وسلم يعلم ما لا يعلمه الله4، ويقدر على ما لا يقدر الله عليه، وأن هذا السر انتقل بعده إلى الحسين 5، ثم انتقل في ذرية الحسن إلى الشيخ أبي الحسن الشاذلي6، 7.

وقالوا هذا مقام القطب الغوث8

1 هذا من جنس ما حدث لشيخ الإسلام ابن تيمية، فقد قال رحمه الله: "

وأعرف من ذلك وقائع كثيرة في أقوام استغاثوا بي وبغيري في حال غيبتنا عنهم فرأوني أو ذاك الآخر الذي استغاثوا به، قد جئنا في الهواء ودفعنا عنهم، ولما حدثوني بذلك، بينت لهم أن ذلك إنما هو شيطان تصور بصورتي وصورة غيري من الشيوخ الذين استغاثوا بهم

".

مجموع فتاوى شيخ الإسلام، 1/360.

2 كذا في المطبوع، وفي بقية النسخ "شيطان".

3 ساقط في "د" والمطبوع.

4 هذا –والعياذ بالله- كفر بالله العليم القدير، إذ إنه رد صريح لما أثبته في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فالآيات والأحاديث المثبتة لإحاطة علم الله لجميع الكائنات، كثيرة جدا، بل إنه سبحانه وتعالى نفى ذلك عن عباده قال تعالى: يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} [البقرة:255] .

5 أي الحسن بن علي بن أبي طالب، سبط الرسول صلى الله عليه وسلم.

6 هو علي بن محمد بن خلف المنوفي المصري الشاذلي، أبو الحسن، من فقهاء المالكية، ولد بالقاهرة عام "857هـ" وتوفي سنة "939هـ" بالقاهرة.

شجرة النور الزكية، ص 272؛ الأعلام للزركلي، 5/11.

7 هذا الكلام ذكره شيخ الإسلام في الرد على البكري، ص 218.

8 هذه بعض مصطلحات المتصوفة، التي هي مدار معتقدهم في الأولياء فلهم في الولاية تقسيمات عدة منها: الغوث: وهو الولي المتحكم في كل شيء في العالم. الأقطاب الأربعة: وهم الذين يمسكون الأركان الأربعة في العالم بأمر الغوث. الأبدال السبعة: الذين يتحكم =

ص: 698

/الفرد/1 الجامع. وكان شيخ آخر معظم عند أتباعه، يدَّعي هذه المنزلة، ويقول إنه المهدي الذي بشر به النبي صلى الله عليه وسلم وأنه يزوج عيسى ابنته، وأن تواصي الملوك بيده، والأولياء بيده، يولي من يشاء ويعزل من يشاء، وأن الرب يناجيه دائما، وأنه الذي يمد حملة العرش وحيتان البحر؛ وقد عزَّرته تعزيرا بليغا في يوم مشهود، في حضرة من أهل المسجد الجامع يوم الجمعة بالقاهرة، فعرفه الناس، وانكسر بسببه أشباهه من الدجاجلة.

ومن هؤلاء من يقول: قول الله سبحانه/ وتعالى/2 {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً، لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} 3 أن الرسول هو الذي يسبح بكرة وأصيلا.

ومنهم من يقول: إن الرسول يعلم مفاتيح الغيب الخمس، التي قال النبي صلى الله عليه وسلم فيها:"خمس لا يعلمهن إلا الله، إن الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث، ويعلم ما في الأرحام، وما تدري نفس ماذا تكسب غدا، وما تدري نفس بأي أرض تموت/إن الله عليم خبير/4"5. وقال إنه علمها بعد أن أخبر أنه لا يعلمها إلا الله.

= كل واحد منهم في قارة من القارات السبع بأمر الغوث. النجباء: كل واحد منهم يتصرف في ناحية تتحكم في مصائر الخلق. فأولئك هم الأولياء المتصرفون في عالم المتصوفة الخرافي. انظر: الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة، لعبد الرحمن عبد الخالق، ص 37. وانظر قول شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان بطلانها: مجموع الفتاوى، 11/433 وما بعدها.

1 ساقطة في "د".

2 كذا في "د". وفي "أ" والمطبوع: "وبحمده".

3 سورة الفتح: الآيتان "8، 9".

4 ساقط في "د" والمطبوع.

5 مسند الإمام أحمد 5/253، واللفظ له. صحيح البخاري مع الفتح، 8/141، التفسير، باب {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ} برواية: "مفاتح الغيب خمس، إن الله عنده علم الساعة

" الحديث. صحيح مسلم بشرح النووي، 1/277، 279، الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان

إلخ؛ بلفظ: "خمس من الغيب

". سنن النسائي 8/103، الإيمان، باب صفة الإيمان والإسلام.

ص: 699

ومنهم من يقول: أسقط الربوبية، وقل في الرسول ما شئت. ومنهم من يقول: نحن نعبد الله ورسوله. ومنهم من يأتي إلى قبر الميت فيقول: اغفر لي وارحمني ولا توقفني على زلة. إلى أمثال هذه الأمور التي يتخذ فيها المخلوق إلها1.

/أقول/2: وهذه سنة مأثورة وطريقة مسلوكة والله غير مهجورة، وضلالة واضحة مشهورة، وبدعة مشهورة غير منكورة، وأعلامها مرفوعة منشورة، وراياتها منصوبة غير مكسورة، وبراهينها غير محدودة ولا محصورة، ودلائلها في كثير من المصنفات والمناظيم مذكورة، كما قال ذلك في البردة، وبين في ذلك قصده:

دع ما ادعته النصارى في نبيهم

واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم3

فإن من جودك الدنيا وضرتها

ومن علومك علم اللوح والقلم4

ولو نطيل بنقل هذه الأخبار، لحررنا مها أسفارا، /فلنكف عنان القلم/5 اليراع6 في هذا؟ الميدان. فالحكم والله لا يخفى على ذي عيان، بل أجلى من ضياء الشمس

1 من قوله "وكان رجل يباشر

" إلى هنا نقله من الرد على البكري بتصرف، ص 218، 219.

2 بياض في "أ". وجاء على هامش "د" تعليق الناسخ بقوله: "هذا من كلام شيخنا عبد اللطيف".

3 بردة المديح المبارك، لأبي عبد الله محمد الوصيري، نشر مكتبة الحاج محمد وأولاده، ممباسا، كينيا، ص 11.

4 المصدر السابق، ص 35. في البيت ترى كيف أضاف إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما استأثر الله بعلمه، من علم اللوح والقلم، وهذا ادعاء منه ونسبة لمعرفة الغيب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو الأمر الذي نفاه عن نفسه عليه السلام كم في قوله: {قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ} [الأنعام:50] .

5 كذا في "د". وفي "أ" والمطبوع: فلنكفف عن قلم.

6 اليراع: له معان، منها: القصب، وواحدة براعة. ومنها: الجبان الذي لا عقل له ولا رأي. ومنها الضعاف من الغنم وغيرها. وله معان أخرى.

والأصل في اليراع القصب، ثم سمي به الجبان الضعيف. والقصب هو المقصود هنا حيث إن منه كان يتخذ القلم. لسان العرب، 8/413، مادة:"يرع".

ص: 700

في البيان. فلما استقر هذا في نفوس عامتهم، تجد أحدهم إذا سئل عمن ينهاهم، ما يقول هذا؟ فيقول: فلان ما ثم عنده إلا الله، لما استقر في نفوسهم أن يجعلوا مع الله إلها آخر، وهذا كله وأمثاله وقع ونحن بمصر، وهؤلاء الصالحون مستخفون بتوحيد الله، ويعظمون دعاء غير الله من الأموات، فإذا أمروا بالتوحيد ونهوا عن الشرك استخفوا الله، كما أخبر الله تعالى عن المشركين بقوله:{وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً} 1. فاستهزؤا بالرسول صلى الله عليه وسلم لما نهاهم عن الشرك. وقال تعالى عن المشركين: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ، وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ، بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ} 2. وقال تعالى: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ، أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} 3.

وما زال المشركون يُسَفِّهون الأنبياء ويصفونهم بالجنون والضلال والسفاهة، كما قال قوم نوح لنوح، وعاد لهو عليهما السلام، {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} 4. فأعظم ما سفهوه لأجله، وأنكروه هو التوحيد.

وهكذا تجد من فيه شبه من هؤلاء من بعض الوجوه، إذا رأى من/يدعو/5 إلى توحيد الله، وإخلاص الدين له، وأن لا يعبد الإنسان إلا الله، ولا يتوكل إلا عليه، استهزأ بذلك لما عنده من الشرك.

1 سورة الفرقان الآية "41". والجزء الأخير من الآية، قوله:{أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً} لا يوجد في "أ" و "د"، وكملت به الآية لكونه محل الشاهد.

وفي المطبوع ذكر بدل هذه الآية، آية أخرى هي قوله تعالى:{وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ} [الأنبياء:36] .

2 سورة الصافات: الآيات "35-37".

3 سورة ص: الآيتان "4، 5".

4 سورة الأعراف: الآية "70".

5 في "د": يدعي.

ص: 701

"1 وكثير من هؤلاء يخربون المساجد ويعمرون المشاهد، فتجد المسجد الذي /بُني للصلوات/2 الخمس معطلا مخربا ليس له كسوة إلا من الناس، وكأنه خان من الخانات، والمشهد الذي/ بُني/3 على الميت /عليه/4 الستور وزينة الذهب والفضة والرخام، والنذور تغدو إليه وتروح، فهل هذا إلا من استخفافهم بالله وآياته ورسوله، وتعظيمهم للشرك، فإنهم يعتقدون أن دعاءهم للميت الذي بني له المشهد، والاستغاثة به، أنفع لهم من دعاء الله والاستغاثة به، في البيت الذي بُني لله عز وجل، ففضلوا البيت الذي بني لدعاء المخلوق، على البيت الذي بني لدعاء الخالق.

وإذا كان لهذا وقف، ولهذا وقف، كان وقف الشرك أعظم عندهم، مضاهاة لمشركي العرب/ الذين/5 ذكر الله حالهم في قوله:{وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً} الآية6 /كانوا/7 يجعلون له زرعا وماشية، ولآلهتهم زرعا وماشية. فإذا أصيب نصيب آلهتهم أخذوا من نصيب الله، فوضعوه فيه، وقالوا: الله غني وآلهتنا فقيرة 8 فيفضلون ما يجعل لغير الله على ما يجعل لله، وهكذا/ حال الوقوف/9 والنذور التي تبذل عندهم للمشاهد، أعظم مما يبذل عندهم للمساجد /ولعمارة/10 المساجد والجهاد في سبيل الله.

1 من هنا منقول من الرد على البكري، ص 349.

2 كذا في الرد على البكري. وفي النسخ "يبنى للصلاة".

3 كذا في الرد على البكري. وفي النسخ "يبنى".

4 كذا في الرد على البكري. وفي النسخ "فعليه".

5 في "د": الذي.

6 سورة الأنعام: الآية "136".

7 في الرد على البكري "كما".

8 انظر جامع البيان للطبري، 8/40-41؛ الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، 7/59؛ تفسير ابن كثير، 2/186.

9 كذا في الرد على البكري، وفي بقية النسخ "حال أهل الوقوف".

10 كذا في الرد على البكري، وفي بقية النسخ "ولعمار".

ص: 702

وهؤلاء إذا قصد أحدهم القبر الذي يعظمه، بكى عنده وخضع، ويدعو ويتضرع، ويحصل له من الرقة والتواضع والعبودية وحضور القلب، ما لا يحصل له مثله في الصلوات الخمس والجمع، وقيام الليل، وقراءة القرآن؛ فهل هذا الأمر إلا من حال المشركين المبتدعين لا الموحدين المخلصين المتبعين لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومثل هذا إذا سمع الآيات، يحصل له من الحضور والخشوع والبكاء، ما لا يحصل له مثله عند سماع آيات الله؛ فيخشع عند سماع المبتدعين المشركين، ولا يخشع عند سماع المتقين المخلصين، بل إذا سمعوا آيات الله استثقلوها وكرهوها واستهزؤا بها، فيجعل لهم أعظم/ نصيب/1 من قوله:{أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} 2. وإذا سمعوا القرآن سمعوه بقلوب لاهية، وألسنة لاغية، كأنهم صم عمي، وإذا سمعوا الأبيات حضرت قلوبهم، وسكتت ألسنتهم، وسكنت حركاتهم، حتى لا يشرب العطشان/منهم ماء/3.

"ومن هؤلاء/من/4 إذا كانوا في سماعهم، فأذن المؤذن قالوا: نحن في شيء أفضل مما دعانا إليه. ومنهم من يقول: كنا في الحضرة، فإذا قمنا إلى الصلاة صرنا إلى الباب. وقد سألني بعضهم عمن قال ذلك من هؤلاء الشيوخ الضلال، فقلت/صَدَقَ، كان في حضرة/5 الشيطان، فصار على باب الله، فإن البدع والضلال، فيها من حضور الشيطان، ما قد فُصِّل في غير هذا الموضع"6.

والذين جعلوا دعاء الموتى من الأنبياء والأئمة والشيوخ، أفضل من دعاء الله أنواع متعددة منهم: من تقدم؛ ومنهم من يحي أنواعا من الحكايات [مثل حكاية أن بعض

1 في "أ": نصيبا.

2 سورة التوبة: الآية "65".

3 كذا في الرد على البكري، وفي بقية النسخ سقط كلمة "ماء".

4 ساقطة في "د".

5 كذا في "أ". وفي "د": "كذب في حضرة

". وفي المطبوع: سقط كلمة "صدق".

6 من قوله "ومن هؤلاء

" إلى هنا منقول من الرد على البكري، ص 350.

ص: 703

المريدين استغاث بالله فلم بغتة، فاستغاث بشيخه فأغاثه. وحكاية أن بعض المأسورين في بلاد العدو دعا الله 1] /فلم يخرجه/2 فدعا بعض المشايخ الموتى /فجاءه/3 فأخرجه إلى بلاد الإسلام.

وحكاية أن بعض المشايخ قال لمريده: إذا كانت لك إلى الله حاجة فتعال إلى قبري، وآخر قال: فتوسل إلى الله بي، وآخر قال: قبر فلان هو الترياق المجرب.

فهؤلاء وأشباههم يرجحون هذه الأدعية، على أدعية المخلصين لله، مضاهاة للمشركين. وهؤلاء يتمثل لكثير منهم صورة شيخه الذي يدعوه، فيظنه إياه، أو ملكا على صورته، وإنما هو شيطان أغواه.

ومن هؤلاء من إذا/نزلت/4 به شدة، لا يدعو إلا شيخه، ولا يذكر إلا اسمه، قد لهج به كما يلهج الصبي بذكر أمه،/فيتعسر/5 أحدهم فيقول: يا فلان6. وقد قال الله للمؤمنين: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً} 7. ومن هؤلاء من يحلف بالله فيكذب8 ويحلف بشيخه وإمامه فيصدق، فيكون شيخه عنده في 9 صدره أعظم10

1 ما بين المعقوفتين ساقط في جميع النسخ والتكملة من الرد على البكري، ص 351.

2 في "د": نخرجه.

3 ساقطة في جميع النسخ. والتكملة من الرد على البكري.

4 في "د": نزل.

5 كذا في "د" والرد على البكري، وفي بقية النسخ "فيتعس".

6 وهذا يحدث كثيرا في زمننا هذا. وقد أفردت له فصلا في رسالتي الماجستير، "مظاهر الانحراف في توحيد العبادة لدى بعض مسلمي أوغندا معالجتها على ضوء الإسلام".

7 سورة البقرة: الآية "200".

8 وهذا يعرف بيمين الصبر، التي يكون الرجل فيها متعمدا الكذب، وهو كبيرة من الكبائر.

انظر: التعريفات للجرجاني، ص 333.

9 في جميع النسخ: وفي بزيادة واو، وهو غير موجود في الرد على البكري.

10 وهذا ضلال وبعد عن الله، ومخالفة لما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم =

ص: 704

/من الله/1. 2

فإذا كان دعاء الموتى مثل الأنبياء والصالحين يتضمن هذا الاستهزاء بالله وآياته ورسوله، فأي الفريقين أحق بالاستهزاء بالله وآياته ورسوله من كان يأمر بدعاء الموتى والاستغاثة بهم، مع ما يترتب على ذلك من الاستهزاء بالله وآياته ورسوله، أو من كان يأمر بدعاء الله وحده لا شريك له، كما أمرت رسله ويوجب طاعة الرسول ومتابعته في كل ما جاء به، وأيضا فإن هؤلاء الموحدين من أعظم الناس لجانب الرسول صلى الله عليه وسلم تصديقا له فيما أخبر، وطاعة له فيما أمر، واعتناء بما بعث به.

ولتمييز ما روي عنه من الصحيح والضعيف والصدق والكذب، واتباع ذلك دون ما خالفه، عملا بقوله تعالى:{اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ} 3.

وأما/أولئك/4 الضلال أشباه المشركين النصارى، فعمدتهم إما أحاديث ضعيفة أو موضوعة، أو منقولات ممن لا يحتج/بقوله/5،/وإما/6 أن تكون كذبا عليه، وإما أن يكون/غلطا/7 منه، إذ هي نقل غير مصدق من قائل غير معصوم؛ وإن

= وصحابته الكرام رضوان الله عليهم أجمعين. وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحلف بغير الله، فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك". والحديث تقدم تخريجه في ص 198.

وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه قوله: "لأن أحلف بالله كاذبا، أحب إليّ من أحلف بغيره صادقا". حلية الأولياء، 7/267.

1 ساقطة في "د" والمطبوع.

2 إلى هنا نهاية النقل من الرد على البكري، ص 351.

3 سورة الأعراف: الآية "3".

4 في "د": هؤلاء.

5 في "د": هؤلاء.

6 في "د": والمطبوع: إما.

7 في "أ": غلط.

ص: 705

اعتصموا بشيء مما ثبت عن الرسول، حرفوا الكلم عن مواضعه، وتمسكوا بمتشابهه، وتركوا محكمه، كما فعله النصارى. وهذا ما علمته ينقل عن أحد من العلماء، لكنه موجود في كلام بعد الناس، مثل الشيخ يحيى الصرصري1، ففي شعره قطعة منه، والشيخ محمد بن النعمان2 وكتاب "المستغيثين بالنبي/ صلى الله عليه وسلم/3 في اليقظة والمنام"4. وهؤلاء لهم صلاح ودين، لكن ليسوا من أهل العلم، العالمين بمدارك الأحكام، الذي يؤخذ بقولهم في شرائع الإسلام، ومعرفة الحلال والحرام، وليس لهم دليل شرعي، ولا نقل عن عالم مرضي، بل عادة/ جروا/5 عليها كما جرت عادة كثير من الناس، بأنه يستغيث بشيخه في الشدائد ويدعوه، وكان بعض الشيوخ الذين أعرفهم، ولهم صلاح وعلم وزهد، إذا نزل به أمر، خطا إلى جهة الشيخ عبد القادر خطوات معدودة، واستغاث به. وهذا يفعله كثير من الناس 6 7. ولهذا

1 هو يحيى بن يوسف بن يحيى، أبو زكريا جمال الدين الصرصري، الأنصاري، شاعر، من أهل صرصر، على مقربة من بغداد، كان ضريرا. له ديوان شعر مخطوط، ومنظومات في الفقه وغيره. قتله التتار يوم دخلوا بغداد سنة "656هـ". البداية والنهاية، 13/224؛ النجوم الزاهرة 7/66؛ الأعلام للزركلي، 8/177.

2 تقدمت ترجمته في ص 690.

3 في "ا": عليه السلام.

4 وهو كتاب لمحمد بن النعمان الملقب بالمفيد.

5 في "د": جرى.

6 هنا تعليق في المطبوع هو: "قد ذكروا في بعض الكتب وما زالوا يتناقلون أن من أصابته شدة، فليصل ركعتين، ثم ليتوجه إلى الشرق –أي إلى بغداد- وينادي الشيخ، وينشد هذين البيتين في الاستغاثة والاستجارة به:

أيدركني ضيم وأنت ذخيرتي

وأظلم في الدنيا وأنت مجيري

وعار على راعي الحمى وهو في الحمى

إذا ضاع في الهيجا عقال بعير

ويقول سيدي عبد القادر، اقض حاجتي، ويذكرها. قالوا: فإنها تقضى وأن ذلك مجرب". انتهى كلامه. وهذا بلا ريب شرك أكبر، الذي لا يغفر الله صاحبه إلا بالتوبة النصوح، إذ إنه طلب عون وغوث من مخلوق ضعيف، وهي من الأمور التي استأثر الله بها سبحانه وتعالى.

7 من قوله: "وأما أولئك الضلال

" إلى هنا، منقول من الرد على البكري، ص 376.

ص: 706

لما نُبه/من نبه/1 من فضلائهم، تنبهوا، وعلموا أن ما كانوا عليه ليس من دين الإسلام/ في شيء/2، بل هو مشابهة لعباد الأصنام، ونحن نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرع لأمته أن يدعوا أحدا من الأموات، لا الأنبياء ولا غيرهم بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها، كما لم يشرع السجود لميت، ولا إلى ميت ونحو ذلك، بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور، وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، لكن لغلبة الجهل، وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يمكن تكفيرهم بذلك، حتى يبين لهم ما جاء به الرسول مما يخالفه3، ولهذا ما بينت المسألة قط لمن يعرف دين الإسلام إلا تفطن لهذا، وقال:/هذا هو أصل دين الإسلام/4.

وكان بعض أكابر الشيوخ العارفين من أصحابنا، يقول: هذا أعظم ما بينته لنا، لعلمه بأن هذا أصل الدين، وكان هذا وأمثاله في ناحية أخرى، يدعون الأموات ويسألونهم، ويستجيرون بهم ويتضرعون إليهم، وربما كان/ الذي/5 يفعلونه بالأموات أعظم، لأنهم إنما يقصدون الميت في ضرورة نزلت بهم،/ فيدعون/6 دعاء المضطر، راجين قضاء حاجاتهم بدعائه، أو الدعاء به أو الدعاء عند قبره، بخلاف عبادتهم/لله ودعائهم/7 إياه؛ فإنه يفعلونه في كثير من الأوقات على وجه العادة.

1 في المطبوع: من نبه له.

2 زيادة في "د".

3 هذه هي القاعدة السليمة التي قررها علماء السلف الصالح، والتي عليه أهل السنة. وهي عدم تكفير المرء بمعصية هو عليها -وإن كانت مكفرة- حتى يبين له الصواب، ويزال عنه الشبهات، ويعلم أن ما هو عليه مكفر لصاحبه. وهذا خلاف ما عليه بعض المتحمسين اليوم، من إطلاق الكفر على المرء بعينه، بأدنى شبهة يرونها منه.

4 في "أ" والمطبوع: هذا أصل الإسلام.

5 ساقط في "د".

6 في "د": فيدعوه.

7 كذا في الرد على البكري، ص 376، وفي النسخ "الذي دعاهم".

ص: 707

والتكلف، حتى أن العدو1 الخارج عن شريعة الإسلام، لما قدم دمشق، خرجوا يستغيثون بالموتى عند القبور التي يرجون عندها كشف ضرهم. قال بعضهم:

يا خائفين من التتر

لوذوا2 بقبر أبي عمر

ينجيكمو من الضرر

فقلت لهؤلاء الذين يستغيثون بهم: لو كانوا معكم في القتال لانهزموا كما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أحد، فإنه كان قد قضى أن العسكر ينكسر لأسباب اقتضت ذلك، ولحكمة كانت لله في ذلك.

ولهذا كان أهل المعرفة في الدين والمكاشفة لم يقاتلوا في تلك المرة، لعدم القتال الشرعي الذي أمر الله به ورسوله، فلما كان بعد ذلك جعلنا نأمر بإخلاص الدين لله، والاستغاثة به، وأنهم لا يستغيثون إلا إياه ولا يستغيثون /لا/3 بملك مقرب ولا نبي مرسل، فلما أصلح الناس أمورهم، وصدقوا بالاستغاثة بربهم، نصرهم على عدوهم نصرا عزيزا لم يتقدم نظيره، ولم يهزم التتار مثل هذه الهزيمة أصلا، لما صح من توحيد الله وطاعة رسوله، ما لم يكن قبل ذلك، فالله ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد 4، كما قال تعالى في يوم بدر:{إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ} 5. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول كل يوم: "يا حي يا يقوم برحمتك أستغيث" 6.

1 يقصد بالعدو، جيش التتار الذي غزى ديار الإسلام. وقد تقدم الحديث عنه في ص 230.

2 في الرد على البكري، ص 377: أو قال: عوذوا

3 زيادة في "د".

4 هذا اقتباس من قوله تعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ} [غافر:51] .

5 سورة الأنفال الآية "9".

6 سنن الترمذي 5/504، الدعوات، باب "92"، قال الترمذي:"هذا حديث غريب". مشكاة المصابيح، 1/753 "2454". الترغيب والترهيب، 1/457. وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، 3/172. وللحديث شاهد في المستدرك للحاكم، 1/509، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إذا نزل به هم أو غم قال: "يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث" قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

ص: 708

/و/1 في لفظ: "أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين، ولا إلى أحد من خلقك" 2 وهؤلاء يدعون الميت والغائب، فيقول أحدهم: بك أستغيث، بل أستجير، أغثنا أجرنا، ويقول: أنت تعلم ذنوبي، ومنهم من يقول للميت: اغفر لي وارحمني وتب عليّ ونحو ذلك3. ومن لم يقل هذا ن عقلائهم فإنه يقول: أشكو إليك ذنوبي، وأشكو إليك عدوي، وأشكو إليك جور الولاة، وظهور البدع، أو جدب الزمان، وغير ذلك، فيشكو إليه ما حصل من ضرر الدين والدنيا. ومقصوده في الشكوى أن يُشكيه4 فيزيل ذلك الضرر. وقد يقول –مع ذلك- للميت: أنت تعلم ما نزل بنا من الضرر، وأنت تعلم ما فعلته من الذنوب، فيجعل الميت والحي والغائب عالما بذنوب العباد،/ ومجرياتهم/5 التي يمتنع

1 زيادة في "د" والمطبوع.

2 المعجم الصغير للطبراني، أحمد بن أيوب اللخمي "ت360هـ" تصحيح عبد الرحمن محمد عثمان، المكتبة السلفية بالمدينة المنورة، دار النصر للطباعة القاهرة، 1388هـ -1968م، 1/159، ولفظه في آخره:"إلى أحد من الناس". وبه أجرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 10/180. وقال: رواه الطبراني في الصغير والأوسط من طريق سلمة بن حرب بن زياد الكلابي عن أبي مدرك عن أنس. وقد ذكر الذهبي سلمة في الميزان فقال: مجهول كشيخه أبي مدرك. وقد وثق ابن حبان سلمة، وذكر له هذا الحديث في ترجمته.

انظر قول الذهبي في ميزان الاعتدال 2/189.

3 هذا عين ما يفعله عباد الأضرحة والمشاهد من جهلة المسلمين وغيرهم، حتى اليوم. ومثله ما جاء في كلام البوصيري في "البردة" حيث طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أمورا لا تطلب إلا من الله تعالى، ولا يملكها إلا الله، من مغفرة لذنوبه، والاستنصار، والاستعانة به ونحو ذلك.

انظر: بردة المديح المباركة للوصيري، ص 32، 33، 34، وغيرها.

4 يشكيه: بضم الياء، من الإشكاء، وهو: إزالة ما يشكو منه من ضر.

لسان العرب، 14/440، مادة "شكا".

5 في "أ": "وجريانهم". وفي "د""وجرياتهم". وفي المطبوع: "وما جرياتهم". والتصحيح من عندي.

ص: 709

أن/يعلمها/1 بشر حي أو ميت.

وعقلاؤهم يقولون: مقصودنا أن يسأل الله لنا، /ويشفع لنا/2 ويظنون أنهم إذا سألوه بعد موته أن يسأل الله لهم، فإنه يسأل ويشفع كما كان3 يسأل ويشفع لما سأله الصحابة الاستسقاء وغيره، وكما يشفع يوم القيامة إذا سئل الشفاعة، ولا يعلمون أن سؤال الميت والغائب غير مشروع البتة، ولم يفعله أحد من الصحابة، بل عدلوا عن سؤاله وطلب الدعاء منه، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء والصالحين وغيرهم، لا يطلب من أحدهم بعد موته من الأمور ما كان يطلب منه في حياته. انتهى كلام الشيخ –رحمه الله تعالى مخلصا4.

فانظر –رحمك الله- إلى ما ذكره هذا الإمام من أنواع الشرك الأكبر، الذي قد وقع في زمانه، ممن يدعي العلم والمعرفة،/وينتصب/5 للفتيا والقضاء،، لكن لما نبههم الشيخ –رحمه الله تعالى- على ذلك، وبين لهم أن هذا من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، تنبه من تنبه منهم وتاب إلى الله، وعرف أن ما كان عليه شرك وضلال، وانقاذ للحق. وهذا مما يبين لك غربة الإسلام في ذلك الوقت عدد كثير من الأنام، وأن هذا مصداق ما تواترت به الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لتتبعن سنن من كان قبلكم" الحديث6 وقوله: "بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ"7.

1 في "د": يعملها.

2 ساقطة في المطبوع.

3 الظاهر أن هنا سقط لكلام فيه ذكر النبي صلى الله عليه وسلم كما يدل عليه الكلام بعده.

4 وهو كلام شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله الذي كانت بدايته في ص 676. وقد جاء هذا الملخص من كتاب: الرد على البكري.

5 في "د": وينتسب.

6 تقدم تخريجه في ص 288-430.

7 تقدم تخريجه في ص 254.

ص: 710