الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الرسالة الثانية والثلاثون: إلى عبد الرحمن بن محمد بن جربوع
…
"الرسالة الثانية والثلاثون"1
قال جامع الرسائل:
وله أيضا – قدس الله روحه، ونور ضريحه - رسالة إلى عبد الرحمن بن محمد بن جربوع، وقد راسله عبد الرحمن وسأله عن تفصيل ما يجب على الإنسان من التوحيد وأنواعه، وما يجب فيه من المعاداة والموالاة، وعن كيفية طلب العلم للمبتدئ، وما يكون سببا لتحصيله.
فأجابه – رحمه الله على سؤاله على طريق الإيجاز والإجمال، إذ التفصيل يستدعي طولا. فبين له –رحمه الله تعالى- الأصول والقواعد، وأرشده إلى تلك المعارف والمقاصد التي تندرج فيها كل عبادة، وينال بها من رام أسباب نجاته ما أمله وأراده. وبين له حقيقة الموالاة والمعاداة، التي هي على العباد من أوجب الواجبات، مع أنها قد سفت2 عليها السوافي، فانمحت آثارها، وهجم/ عليها/3 ليل الأهواء بكلاكله4، لما أفلت أقمارها.
فيا له من جواب، ما أجزله على إيجازه واختصاره، وما أعظم فائدته لمن ألقى السمع وأصغى بقلبه وأفكاره. وهذا نص الرسالة:
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الأخ المكرم عبد الرحمن بن محمد بن
1 في المطبوع جاءت هذه الرسالة في ص 288-290، وهي الرسالة رقم "52". وجاءت في "ب" في ص 115-118.
2 أي "ذرت"، تقولك سفت الريح التراب تسفيه سفيا، أي ذرته. وقيل: حملته فهو سفي. جمعه السوافي، أي الرياح اللواتي يسفين التراب. لسان العرب 14/389، مادة "سفا".
3 ساقطة في "ب" و"ج" و"د" والمطبوع.
4 الكلاكل: بفتح الكاف الأول: الجماعات. لسان العرب 11/597، مادة "كلل".
جربوع – سلمه الله تعالى، وسلك بن السبيل المشروع- سلام عليكم ورحمة الله وبركاته/وبعد/1:
فالخط وصل، وصلك الله ما يرضيه. وتغتبط في خطك بنعمة الإسلام ومعرفة التوحيد في هذا الزمان، زادك الله اغتباطا، وأوزعك شكر هذه النعم التي أنعم بها علينا وعليكم، ووفقنا للعمل الصالح الذي يرضاه.
وتسأل عن تفصيل ما يجب على الإنسان من التوحيد وأنواعه، وما يجب فيه من المعاداة والموالاة، وكيفية طلب العلم للمبتدئ، وما يكون سببا لتحصيله.
فمعرفة التفاصيل تتوقف على معرفة الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية. فالدين كله توحيد، لأن التوحيد إفراد الله بالعبادة، وأن تعبده مخلصا له الدين. والعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة 2؛ فيدخل في ذلك قول القلب وعمله، وقول اللسان وعمل الجوارح. وترك المحظورات والمنهيات داخل في مسمى العبادة. ولذلك فسر قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} 3 بالتوحيد في العبادة؛ لأن الخصومة فيه. وهو تفسير ابن عباس رضي الله عنهما 4.
إذا عرفت هذا، عرفت أن على العبد أن يخلص أقواله وأعماله لله، وأن من صرف شيئا من ذلك لغيره، فقد أشرك في عبادة ربه، ونقص توحيده وإيمانه، وربما زال بالكلية إذا اقتضى شركه التسوية بربه والعدل/به/5 وتضمن مسبَّة، الله 6 فإن الشرك الأصغر يتضمنها؛ ولهذا ينزه الرب وتقدس نفسه عن ذلك الشرك في مواضع
1 ساقطة من "أ".
2 هذا هو تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله للعبادة. مجموع الفتاوى 10/149.
3 سورة البقرة الآية "21".
4 انظر: جامع البيان للطبري 1/160، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي 1/157.
5 في "أ": بربه.
6 إلى هنا نهاية الكلام في لوحة "88/5" وبعده بياض بقدر لوحة كاملة تقريبا وهذا البياض يكمله لوحة "74، 75/ د" المتقدمة، وبها تكمل هذه الرسالة.
من كتابه، كقوله/تعالى/1 {سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} 2 {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ} 3، {وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} 4. ومحل تفاصيلها الكتب المصنفة في بيان الأحكام الشرعية وواجباتها ومستحباتها، سواء كانت في معرفة القلوب وعلمها، وعملها وسيرها.
فالأول/علم/5 العقائد وهو التوحيد العلمي. وقد صنف أهل السنة فيها مصنفات؛ من أحسنها كتب شيخ الإسلام ابن تيمية.
وأما الثاني: وهو علم أعمال القلوب وسيرها، المسمى علم السلوك./فقد/6 بسط القول فيه ابن القيم –رحمه الله تعالى- في شرح المنازل7، وفي سفر الهجرتين8.
وأما أعمال الجوارح الظاهرة: فالمصنفات فيها أكثر من أن تحصر. وبالجملة فمعرفة جميع تفاصيل العبادة تتعذر، إذ ما من/عالم/9 إلا وفوقه من هو أعلم منه، حتى ينتهي العلم إلى الله.
وأما الموالاة والمعاداة: فهي من أوجب الواجبات، وفي الحديث:"أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله"10. وأصل الموالاة الحب، وأصل المعاداة
= يكمله لوحة "74، 75/ د" المتقدمة، وبها تكمل هذه الرسالة.
1 ساقطة في "ج" و"د". وفي المطبوع: "كقوله سبحانه".
2 سورة القصص الآية "68".
3 سورة الصافات الآية "180".
4 سورة يوسف الآية "108".
5 ساقط في "أ" والمطبوع.
6 في "د": وقد.
7 يشير إلى كتاب: مدارج السالكين بين منازل {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} لابن القيم "751هـ".
8 وهو كتاب: طريق الهجرتين. لابن القيم.
9 في "ج" و "د": ذي علم.
10 مصنف ابن أبي شيبة 11/48، 13/229، من حديث البراء بن عازب؛ مسند الإمام أحمد 4/286. وأخرجه الحاكم في المستدرك 2/480، بزيادة: "الموالاة في الله والمعاداة في الله والحب.." وقال: صحيح الإسناد. ولم يوافقه الذهبي، بل رده بقوله: "قلت: ليس بصحيح، فإن الصعق وإن كان موثقا، فإن شيخه منكر الحديث، قاله البخاري".
البغض1،/ وينشأ/2 عنهما من أعمال القلوب والجوارح ما يدخل في حقيقة الموالاة والمعاداة، كالنصرة والأنس والمعاونة، وكالجهاد والهجرة ونحو ذلك من الأعمال. والولي ضد العدو.
وأما كيفية طلب العلم: ففي حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث معاذا3 إلى اليمن فقال: "إنك تأتي قوما من أهل الكتاب
…
" الحديث4.
1 انظر: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص 9.
ومجموع الفتاوى 11/160-161.
2 في "د" ونشأ.
3 هو معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الخزرجي، صحابي معروف بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن سنة عشر، ولم يزل باليمن إلى أن قدم في عهد أبي بكر، ثم توجه إلى الشام فمات بها "17، وقيل 18هـ". أسد الغابة 5/194.
4 وتمامه: "
…
فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فغن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة، تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب".
صحيح البخاري مع الفتح 3/307، الزكاة، باب وجوب الزكاة. صحيح مسلم بشرح النووي 1/310، الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين، واللفظ له. سنن أبي داود 2/242، 243، الزكاة باب في زكاة السائمة. سنن الترمذي 3/21، الزكاة، باب ما جاء في كراهية أخذ خيار المال في الصدقة. سنن النسائي 15/302، الزكاة، باب وجوب الزكاة. سنن ابن ماجه 1/327، الزكاة، باب فرض الزكاة.
ففيه بيان: كيفية/1 والبداءة/ بأصول الدين، وما تضمنته الشهادتان من الأصول الدينية، وبعد ذلك يبدأ/2 بالأهم فالأهم من واجبات الإيمان وأركان الإسلام، وينتقل درجة درجة من الأعلى إلى ما دونه، ثم بعد/ ذلك/3 يتعلم ما يجب/لله/4 من الحقوق في الإسلام، بخلاف ما يفعله بعض الطلبة من الاشتغال بالفروع والذيول. وفي كلام شيخ الإسلام –قدس الله روحه-5: من ضيع الأصول حرم الوصول ومن ترك الدليل ضل السبيل 6.
وأما السبب في تحصيله:
فلا أعلم سببا أعظم وأنفع وأقرب في تحصيل المقصود من التقوى. قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً} 7 وفي الأثر: من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم8.
1 في "ب" و"ج" و"د": الكيفية.
2 ساقط في "أ".
3 ساقط في "د".
4 ساقط في "أ".
5 ساقط في "ج" و"د".
6 لم أقف على مصدر كلامه فيما اطلعت عليه.
7 سورة النساء الآية "66".
8 حلية الأولياء لأبي نعيم 10/15. قال أبو نعيم: "ذكر أحمد بن حنبل هذا الكلام عن بعض التابعون، عن عيسى بن مريم، فوهم بعض الرواة أنه ذكره عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد أشار العراقي في المغني عن جمل الأسفار بحاشية الإحياء 1/69، إلى تضعيف أبي نعيم للأثر. الأٍسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة لعلي بن محمد الملا القاري "ت1014هـ"، تحقيق محمد الصباغ، دار الأمانة بيروت، 1391هـ. 1971م، ص 325. كشف الخفاء ومزيل الإلباس للعجلوني، 2/365، وعزاه لأبي نعيم. تذكرة الموضعات لمحمد طاهر بن علي الفتني ص 20. وعزاه لأبي نعيم وضعفه. الدر المنثور للسوطي 1/372. الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة، لمحمد علي الشوكاني "ت250هـ" تحقيق: عبد الرحمن بن يحيى اليماني، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ص 286. قال الشوكاني: "رواه أبو نعيم وهو ضعيف".
قال الشافعي –رحمه الله تعالى-:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي
…
فأرشدني إلى ترك المعاصي
/وأخبرني/1 بأن العلم نور
…
ونور الله/ لا يهدى/2 لعاصي3
ومن الأسباب الموجبة لتحصيله: الحرص والاجتهاد، قال تعالى:{وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأسْمَعَهُمْ} 4. ومنها: إصلاح النية وإرادة وجه الله والدار الآخرة فإن النية عليها مدار الأعمال ولا يتم أمر ولا/ تحصل بركته/5 إلا بصلاح القصد والنية6.
وهناك أسباب أخرى تذكر في الكتب المؤلفة في آداب العلم والتعلم 7 ليس هذا محل بسطها.
/وبلغ سلامنا الأخوين المحمدين وسائر الطلبة. ولدينا الشيخ الوالد المكرم، والأخوان والولاد ومحمد آل عثمان بخيير، وينهون السلام، والسلام/8./وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم/9.
1 في جميع النسخ: وقال: اعلم. وفي ديوان الشافعي ما أثبته.
2 في جميع النسخ: لا يؤتاه. وفي الديوان ما أثبته. ولعله رواية أخرى للبيت.
3 ديوان الشافعي، تعليق الدكتور محمد زهدي يكن، دار يكن للنشر، ص 88.
4 سورة الأنفال الآية "23".
5 في "د" تحصيل بركة.
6 في "د": تقديم "النية" على "القصد".
وإلى هذا أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى
…
". وسيأتي تخرجه في ص 782.
7 وبعض ما كتب في ذلك: جامع بيان العلم وفضله، وما ينبغي في روايته وحمله، لابن عبد البر "ت63هـ" ترجم فيه: باب جامع في آداب العالم والمتعلم، 1/125-131. الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، لأحمد بن علي الخطيب البغدادي "ت463هـ". كتاب تذكرة السامع والمتكلم، في آداب العالم والمتعلم، لسعد الله بن جماعة الكناني "ت733هـ". وأدب الطلب ومنتهى الأرب، لمحمد بن علي الشوكاني "1250هـ". وغيرها من الكتب المؤلفة في ذلك.
8 زائد في "ب" و"ج" و "د".
9 ساقط في "ب" و"ج" و"د".