الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أجورهم بمتابعتهم على ما جاء به سيد المرسلين1. وأما دعوى المحبة والمودة مع المخالفة في السنة والطريقة، فهي دعوى مردودة غير مسلمة عند النظر والحقيقة2، ولم يزل على ذلك رحمه الله.
ثم رجع إلى وطنه، فوجد والده قد انتقل إلى بلدة حريملا3، فاستقر معه فيها يدعو إلى السنة المحمدية ويبديها، ويناصح من خرج عنها ويفشيها، حتى رفع الله شأنه، ورفع ذكره، ووضع له القبول، وشهد له بالفضل ذووه، من أهل العقول والمنقول. وصنف كتابه المشهور في التوحيد، وأعلن بالدعوة إلى صراط العزيز الحميد، وقرأ عليه هذا الكتاب المفيد، يسمعه كثير ممن لديه من طالب ومستفيد، وشاعت نسخة في البلاد، وطار ذكره في الغور الأنجاد؛ وفاز بصحبته واستفاد من جرد القصد وسلم من الأشر والبغي والفساد، وكثر –بحمد الله- محبوه وجنده؛ وصار معه عصابة من فحول الرجال، وأهل السمت الحسن والكمال، يسلكون معه الطريق، ويجاهدون كل فاسق وزنديق.
1 وهكذا كل محبة حقيقية لا تكون إلا بمتابعة وموافقة ما عليه المحب. وعليه دلالة قوله سبحانه وتعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران: 31] .
2 انظر مدارج السالكين، 3/22، 37-38.
3 حريملا: بضم الحاء، وفتح الراء، تصغير "حرملاء": وهو موضع تلقاء ملهم، حصن لبني غبر، تأخذ من وادي "قران" وتنصرف فيه سيلا وفلاة وحمى وتكون منفعة ملهم، وقران معجم اليمامة 1/317.
وقد انتقل الشيخ عبد الوهاب –والد الإمام محمد بن عبد الوهاب- إلى حريملاء سنة "1139هـ" انظر: معجم اليمامة لابن خميس، 1/318.
فصل: حال البلاد في عصره
…
"فصل"
كان أهل عصره ومصره في تلك الأزمان، قد اشتدت غربة الإسلام بينهم، وعفت آثار الدين لديهم، وانهدمت قواعد الملة الحنيفية، وغلب على الأكثرين ما كان عليه أهل الجاهلية، وانطمست أعلام الشريعة في ذلك الزمان، وغلب الجهل والتقليد
والإعراض عن السنة والقرآن، وشب الصغير وهو لا يعرف من الدين إلا ما كان عليه أهل تلك البلدان، وهرم الكبير على ما تلقاه عن الآباء والأجداد، وأعلام الشريعة مطموسة؛ ونصوص التنزيل وأصولا لسنة فيما بينهم مدروسة، وطريقة الآباء والأسلاف مرفوعة الأعلام، وأحاديث الكهان والطواغيت/معبورة/1 غير مردودة ولا مدفوعة، قد خلعوا ربقة التوحيد والدين؛ وجدوا واجتهدوا في الاستعانة التعلق على غير الله، من الأولياء والصالحين، والأوثان والأصنام والشياطين، وعلماؤهم ورؤساؤهم على ذلك مقبلون، ومن بحره الأجاج شاربون، وبه راضون؛ وإليه/مدى/2 الزمان داعون قد أعشتهم العوائد والمألوفات، وحبستهم الشهوات والإرادات، عن الارتفاع إلى طلب الهدى من النصوص المحكمات والآيات البينات، بحتجون بما رووه من الآثار الموضوعات، والحكايات المختلفة والمنامات، كما يفعله أهل الجاهلية وغير الفترات، وكثير منهم يعتقد النفع والشر في الأحجار والجمادات، ويتبركون بالآثار والقبور في جميع الأوقات {نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} 3 {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} 4، {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} 5.
فأما بلاد نجد، فقد بالغ الشيطان في كيدهم وجدَّ، وكانوا ينتابون قبر زيد بن الخطاب6
1 في المطبوع: مقبولة. وفي "أ": معبور، ومعناه أي: معتبرة. من العبرة، يقال: لا يعبرها، أي لا يعتبر بها. لسان العرب 4/531، مادة "عبر".
2 في "أ": من.
3 سورة الحشر الآية "19".
4 سورة الأنعام الآية "1".
5 سورة الأعراف الآية "33".
6 زيد بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح، أبو عبد الرحمن القرشي الصحابي، أخو أمير المؤمنين عمر وكان أسن منه وأسلم قبله رضي الله عنهما كانت راية المسلمين عه يوم اليمامة فقتل، فوقعت الراية فأخذها سالم مولى أبي حذيفة.
استشهد سنة "12هـ". الاستعياب 4/58، أسد الغابة 2/285، سير الأعلام 1/297.
ويدعونه رغبا ورهبا بفصيح الخطاب1، ويزعمون أنه يقضي لهم الحوائج ويرونه أكبر الوسائل والولائج2، وكذلك عند قبر يزعمون أنه قبر ضرار ابن الأزور3، وذلك كذب ظاهر، وبهتان مزور. وكذلك عندهم نخل فحال ينتابه النساء والرجال، ويفعلون عند أقبح الفعال؛ والمرأة إذا تأخر عنها الزواج، ولم يرغب فيها الأزواج، تذهب إليه فتضمه بيدها وتدعوه برجاء وابتهال، وتقول: يا فحل الفحول، أريد زوجا قبل الحول. وشجرة عندهم تسمى/الطريقة/4 أغراهم الشيطان بها، وأوحى إليهم التعلق عليها، وأنها ترجى/منها/5 والبركة، ويعقلون/ عليها/6 الخرق لعل الولد يسلم من السوء.
وفي أسفل بلدة الدرعية مغارة في الجبل يزعمون أنها/ انفقلت/7 من الجبل، لامرأة تسمى بنت الأمير، أراد بعض الناس أن يظلمها ويضير، فانفلق/لها/8 الغار، ولم يكن له عليها اقتدار. كانوا يرسلون إلى هذا المكان من اللحم والخبز ما يقتات به جند الشيطان.
1 انظر عنوان المجد في تاريخ نجد 1/9-10.
2 وهذا حال القبوريين ومعتقدهم في الأضرحة التي ينتابونها، وذلك جهلا منهم أن هذا الميت في قبره لا حول له ولا قوة.
3 ضرار بن الأزور الأسدي، أحد الأبطال، له صحبة وحديث واحد. عده الذهبي في السير ضمن شهداء أجنادين واليرموك. وكانت أجنادين سنة "13هـ" وقيل: مات بالجزيرة بعد. سير الأعلام، 1/314-315.
4 في "أ": الطرفية.
5 في "د": فيها.
6 ساقطة في "د".
7 في "د": فلقت.
8 ساقطة في المطبوع.
وفي بلدتهم رجل يدعي الولاية يسمى تاجا، يتبركون به، ويرجون منه العون والإفراج، وكانوا يأتون إليه ويرغبون فيما عنده من المدد بزعمهم ولديه1، فتخافه الحكام والظلمة، ويزعمون أن له تصرفا وفتكا بمن عصاه وملحمة، مع أنهم/ يحكمون/2 عنه الحكايات القبيحة الشنيعة، التي تدل على انحلاله عن أحكام الملة والشريعة، وهكذا سائر بلاد نجد على ما وصفنا من الإعراض عن دين الله، والجحد لأحكام الشريعة والرد 3.
ومن العجب أن هذه الاعتقادات الباطلة، والمذاهب الضالة، والعوائد الجائرة،/والطرائق/4 الخاسرة، قد فشت وظهرت، وعمت وطمت، حتى بلاد الحرمين الشريفين.
فمن ذلك ما يفعل عند قبر محجوب، وقبة أبي طالب 5، فيأتون قبره بالسماعات والعلامات للاستغاثة عند نزول المصائب، وحلول النواكب. وكانوا/له/6 في غاية التعظيم ولا ما يجب عند البيت الكريم؛ فلو دخل سارق أو غاصب أو ظالم قبر أحدهما، لم يتعرض له أحد، لما يرون له من وجوب التعظيم والاحترام والمكارم.
ومن ذلك ما يفعل عند قبر ميمونة أم المؤمنين –رضي الله عنها في سَرِف7؛
1 هكذا في جميع النسخ والمطبوع. ويظهر أنه يوجد حذف في الجملة.
2 في "د": يحكو.
3 هكذا كان حال أهل نجد في عهد المصنف، أما الآن فقد صاروا –بفضل الله- دعاة إلى عقيدة التوحيد، وانطمست تلك المعالم الشركية، وقام مقامها مساجد يرفع فيها اسم الله.
4 في "د""والطريقة" وفي المطبوع "والطوائف".
5 هو عبد المناف "أبو طالب" بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. البداية والنهاية 2/195.
6 في "د": "إليه".
7 سرف: موضع على ستة أميال من مكة، وقيل سبعة وتسعة واثنى عشر، تزوج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة بنت الحارث، وهناك بنى بها وهناك توفيت. معجم البلدان، 3/212.
وكذلك عند قبر خديجة1 رضي الله عنها، يفعل عند قبرها ما لا يسوغ السكوت عليه2 من مسلم يرجو الله/واليوم/3 الآخر، فضلا عن كونه من المكاسب الدنية/الفاجرة/4. وفيه من اختلاط النساء بالرجال وفعل الفواحش والمنكرات وسوء الأفعال، ما لا يقره/أهل الأديان/5 والكمال. وكذلك سائر القبور المعظمة المشرفة في بلد الله الحرام مكة المشرفة.
وفي الطائف قبر ابن عباس –رضي الله-، يفعل عنده من الأمور الشركية التي تشمئز منها نفوس الموحدين، وتنكرها قلوب عباد الله المخلصين، وتردها الآيات القرآنية، وما ثبت من النصوص عن سيد المرسلين؛ منها:
وقوف السائل عند القبر متضرعا مستغيثا، وإبداء الفاقة إلى معبودهم مستكينا مستعينا، وصرف خالص المحبة التي هي محبة العبودية، والنذر والذبح لمن تحت ذلك المشهد والبنية، وأكثر سوقتهم وعامتهم يلهجون: بالأسواق اليوم على الله وعليك بابن عباس فيستمدون منه الرزق والغوث وكشف الضر والبأس.
= توفيت أم المؤمنين ميمونة –رضي الله عنها في سرف، كما روى جرير بن حازم، عن أبي فزارة عن يزيد بن الأصم قال: دفنا ميمونة بسرف، في الظلة التي بنى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد كانت حلقت في الحج. نزلت في قبرها أنا وابن عباس.
أخرجه الحاكم في المستدرك 4/31، وصححه وأقره الذهبي. وأورده الذهبي أيضا في سير الأعلام 2/245، عند ترجمته لميمونة –رضي الله عنها وذكر عن خليفة أن وفاتها في عام "51هـ".
1 دفنت أم المؤمنين خديجة –رضي الله عنها بالحجون. وهو جبل بأعلى مكة، وعنده مدافن أهلها.
سير الأعلام 2/112، 117.
2 زائدة في "د" والمطبوع.
3 في "د": والدار.
4 في "د": الفاخرة. وهو تحريف.
5 في "د": أهل الإيمان.
وذكر/محمد بن حسين النعمي الزبيدي/1 رحمه الله: أن رجلا رأى ما يفعل أهل الطائف من الشعب الشركية والوظائف، فقال: أهل الطائف لا يعرفون الله، إنما يعرفون ابن عباس. فقال له بعض من يترشح للعلم: معرفتهم لابن عباس كافية، لأنه يعرف الله.
فانظر إلى هذا الشرك الوخيم والغلو الذميم المجانب للصراط المستقيم، ووازن بينه وبين قوله/تعالى/2:{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} الآية3، وقوله جل ذكره:{وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً} 4.
وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود والنصارى، باتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد يعبد الله فيها 5، فكيف بمن عبد الصالحين ودعاهم مع الله؟! والنصوص في ذلك لا تخفى على أهل العلم.
كذلك ما يفعل بالمدينة المشرفة –على ساكنها أفضل الصلاة والسلام- هو من هذا القبيل، بالبعد عن منهاج الشريعة والسبل.
وفي بندر جدة ما قد بلغ من الضلال حده، وهو القبر الذي يزعمون أنه قبر حواء، وصفه لهم بعض الشياطين، وأكثروا في شأنه من الإفك المبين، وجعلوا له السدنة والخدام، وبالغوا في مخالفة ما جاء به محمد –عليه أفضل الصلاة والسلام-، من النهي
1 كذا في "د" والمطبوع. وفي "أ": الحسن بن محمد النعمي.
2 ساقطة في "د" والمطبوع.
3 سورة البقرة الآية "186".
4 سورة الجن الآية "18".
5 ورد لعنه هذا في قوله عليه السلام: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" صحيح البخاري مع الفتح 3/300، الجنائز، باب ما جاء في قبر النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما. صحيح مسلم بشرح النووي، 5/15، المساجد، باب النهي عن بناء المساجد على القبور. سنن أبي داود 3/553، الجنائز، باب في البناء على القبر. سنن النسائي 4/96، الجنائز، باب اتخاذ القبور مساجد. مسند الإمام أحمد، 1/218.
عن تعظيم القبور، والفتنة بمن فيها من الصالحين والكرام.
وكذلك المشهد العلوي1، بالغوا في تعظيمه وتوقيره وخوفه ورجائه. وقد جرى لبعض التجار أنه انكسر بمال عظيم لأهل الهند وغيرهم وذلك في سنة عشر ومائتين وألف، فهرب إلى مشهد العلوي مستجيرا، ولائذا به مستغيثا، فتركه أرباب الأموال، ولم يتجاسر أحد من الرؤساء والحكام على هتك/ذاك/2 المشهد والمقام، واجتمع طائفة من المعروفين واتفقوا على تنجيمه في مدة سنين، فنعوذ بالله من تلاعب الفجرة الشياطين.
وأما بلاد مصر وصعيدها3 وفيومها4 وأعمالها، فقد جمعت من الأمور الشركية والعبادات الوثنية، والدعاوى الفرعونية ما لا يتسع له كتاب، ولا يدنو له خطاب، لا سيما عند مشهد أحمد البدوي5، وأمثالهم من المعتقدين المعبودين. فقد جاوزوا بهم ما ادعته الجاهلية لآلهتهم، وجمهورهم يرى/له/6 من تدبير الربوبية، والتصرف في الكون، بالمشيئة والقدرة العامة، ما لم ينقل مثله عن أحد بعد الفراعنة والنماردة، وبعضهم يقول: يتصرف في الكون سبعة؛ وبعضهم يقول: أربعة، وبعضهم
1 المشهد العلوي: يظهر أنه يقصد قبرا كان موجودا في جدة.
2 في المطبوع: ذلك.
3 الصعيد: منطقة بمصر، وهي واسعة كبيرة فيها عدة مدن عظام، فيها أسوان، وهي أوله ناحية الجنوب، ثم قوص، وقفط، وإخميم، والبهنسا، وغير ذلك.
انظر تفاصيل منطقتها في: معجم البلدان، 3/408.
4 فيوم: موضع بمصر، وهي الولاية الغربية.
انظر تفاصيل موقعها في: معجم البلدان 4/286.
5 هو أحمد بن علي بن إبراهيم الحسيني، البدوي "أبو الفتيان، شهاب الدين، أبو العباس" صوفي ولد بفاس "596هـ"، وطاف البلاد وأقام بمكة والمدينة ودخل مصر والشام والعراق وعظم شأنه في البلاد، وانتسب إلى طريقه جمهور كبير. "ت 675هـ". ودفن في طنطا.
الأعلام للزركلي 1/175، معجم المؤلفين 1/314، تاريخ عجائب الآثار للجبرتي 3/60.
6 سافط في "د".
يقول: قطب يرجعون إليه، وكثير منهم يرى أن الأمر شورى بين عدد ينتسبون إليه.
فتعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلا كَذِباً} 1. وقد استباحوا عند تلك المشاهد، من المنكرات والفواحش والمفاسد، ما لا يمكن حصره، ولا يستطيع وصفه. واعتمدوا في ذلك من الحكايات والخرافات والجهالات ما لا يصدر عن من له أدنى مسكة وحظ من المعقولات فضلا عن النصوص والشرعيات.
كذلك ما يفعل في بلدان اليمن، جار على تلك الطريق والسنن، ففي صنعاء2 وبُرع3 والمخا وغيرها من تلك البلاد، ما يتنزه العاقل عن ذكره ووصفه، ولا يمكن الوقوف على غايته وكشفه،/ناهيك/4 بقوم استخفهم الشيطان، وعدلوا عن عبادة الرحمن إلى عبادة القبور والشياطين5. فسبحان من لا يعجل بالعقوبة على الجرائم، ولا يهمل الحقوق والمظالم. وفي حضرموت6 والشحر7، وعدن8
1 سورة الكهف الآية "5".
2 صنعاء: موضعان، أحدهما باليمن، وهي العظمي، وأخرى قرية بالغوطة من دمشق. والمراد هنا هو الأول. وهو عاصمة اليمن الحديث في شماله. بينه وبين عدن ثمانية وستون ميلا. معجم البلدان 3/426.
3 بُرَع: جبل بناحية زبيد باليمن، وهو قرب سهام، يسكنه الصنابر من حمير، وتفرق بينه وبين ضلع ريمة.
معجم البلدان 1/385.
4 في "د": وناهيك بزيادة واو.
5 في "د": والشيطان.
6 حضرموت: اسمان مركبان، وهي ناحية واسعة في شرقي عدن بقرب البحر، وحولها رمال كثيرة تعرف بالأحقاف، وبها قبر هود عليه السلام لها مدينتان: تريم وشيام باليمن.
معجم البلدان 2/269-271.
7 الشجر: هو صقع على ساحل بحر الهندي من ناحية اليمن، وهو بين عدن وعمان. معجم البلدان 3/327.
8 مدينة مشهورة على ساحل بحر الهند من ناحية اليمن، بينه وبين صنعاء ثمانية وستون فرسخا. معجم البلدان 4/89.
ويافع 1/ما تصتكُّ/2 عن ذكره المسامع. يقول قائلهم: شيء لله يا عيدروس3، شيء لله يا محيي النفوس4.
وفي أرض /نجران/5 من تلاعب الشيطان، وخلع ربقة الإيمان، ما لا يخفى على أهل العلم بهذا الشأن، بذلك/6 رئيسهم المسمى/ السيد/7 لقد أتوا من طاعته وتعظيمه وتقديمه وتصديره والغلو فيه، بما أفضى بهم إلى مفارقة الملة والإسلام، والانحياز إلى عبادة الأوثان والأصنام، {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا
1 يافع: موضع باليمن، ينسب إليه القاضي أبو بكر اليافعي، صاحب كتاب "المفتاح" في النحو. معجم البلدان 5/426.
2 في المطبوع: "تستك" ومعنى "تصتك" أي: تنطبق، من صك وصككته: أي أطبقته وأغلقته. لسان العرب 10/457، مادة "صكك".
3 هو عبد الرحمن بن مصطفى بن شيخ بن مصطفى بن زين العابدين بن عبد الله بن أبي بكر السكران بن عبد الرحمن السقاف، اليمني الحسيني الشافعي المشهور بالعيدروس، صوفي ولد عام "1135هـ" باليمن، جاب البلدان، كثر عليه الواردون من البلاد البعيدة وصاروا يتلقون عنه طرق الصوفية، وكان في أغلب أوقاته في مقام الغطوس "وهو إحدى مقامات الصوفية، يكون في المتصوف في حالة تشبه الغيبوبة"، توفي بمصر "1192هـ".
عجائب الآثار في التراجم والأخبار، للعلامة عبد الرحمن الجبرتي، تحقيق وشرح الأستاذ/ حسن محمد جوهر، عمر الدسوقي، السيد إبراهيم سالم، ط/1، عام 1964م، نشر لجنة البيان العربي بمصر، 3/175-190، معجم المؤلفين، 5/195.
4 هذا القول من صريح الشرك الأكبر الذي لا يغفر الله لصاحبه إلا بالتوبة النصوح. فإحياء الموتى من الأمور التي اختص الله بها سبحانه، وهو مما لا يقدر عليه ابن آدم. يعرف ذلك من له أدنى بصيرة وفهم من الأطفال، فضلا عن ذوي العقول من العباد والعلماء. ومثل هذا لا يخرج إلا ممن عميت بصائره، وطبع على قلبه من عباد القبور. نعوذ بالله من فساد العقيدة، ومن الضلال بعد الهدى.
5 مدينة في جنوب المملكة العربية السعودية.
6 في المطبوع: كذلك.
7 كذا في "د" والمطبوع، وفي "أ" السَّيه.
إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} 1. وكذلك حلب2 ودمشق وسائر بلاد الشام، فيه من تلك المشاهد والنصب والأعلام3 ما لا يجامع عليه أهل الإيمان والإسلام من أتباع سيد الأنام، وهي تقارب ما ذكرنا من الكفريات المصرية، /والتلطخ/4 /بتلك/5 /الأوحال/6 الوثنية الشركية.
وكذلك الموصل7 وبلاد الأكراد8، ظهر فيها من أصناف الشرك والفجور والفساد. وفي العراق من ذلك بحره المحيط بسائر الخلجان. وعند المشهد الحسيني قد اتخذه الرافضة9 وثنا؛ بل ربا مدبرا وخالقا ميسرا، وأعادوا به المجوسية، وأحيوا به
1 سورة التوبة الآية "31": {وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} ساقط في "أ" و"د". وفي "د" أيضا زيادة كلمة "تعالى" بعد قوله: {سُبْحَانَهُ} وهو خطأ.
2 حلب: مدينة واسعة كثيرة الخيرات، في الشام بسوريا الآن. معجم البلدان 2/284.
3 ومن تلك المشاهد والنصب ما ذكره ياقوت الحموي. عند ترجمته لمدينة حلب قال: وقلعة حلب مقام إبراهيم الخليل، وفيه صندوق به قطعة من رأس يحيى بن زكريا عليه السلام ظهرت سنة "435هـ"، وعند باب الجنان مشهد علي بن أبي طالب رؤي فيه في المنام وداخل باب العراق مسجد غوث فيه حجر عليه كتابة زعموا أنه خط علي بن أبي طالب؛ وفي غربي البلد في سفح جبل جوشن قبر الحسن بن الحسين، وبالقرب منه مشهد مليح العمارة، يزعمون أنهم رأوا عليا في المنام في ذلك المكان؛ وبظاهر باب اليهود حجر على الطريق، ينذر له ويصب عليه ماء الورد والطيب، يشترك المسلمون واليهود والنصارى في زياته، يقال إن تحته قبر بعض الأنبياء معجم البلدان 2/284.
4 في "د" والمطبوع: والتلطف.
5 ساقطة في المطبوع.
6 في المطبوع: الأحوال. وهو خطأ.
7 الموصل: المدينة المشهورة العظيمة، منها يقصد إلى جميع البلدان فهي باب العراق ومفتاح خراسان ومنها يقصد إلى أذربيجان. قالوا: وسميت الموصل لأنها وصلت بين الجزيرة والعراق، وقيل فيها غير ذلك. وفي وسطها قبر جرجس النبي. ومن أعمال الموصل: الطبرهان، والسن، والمرج، وجهينة، ونينوى وغيرها. معجم البلدان، 5/223.
8 الأكراد: جمع كرد، لاسم قبيلة. وكرد: اسم قرية من قرى البيضاء، ويمثل حاليا منطقة شمال العراق. معجم البلدان 4/450.
9 تقدم التعريف بهم في ص 57.
معابد اللات والعزى وما كان عليه أهل الجاهلية.
وكذلك مشهد العباس1 ومشهد علي ومشهد أبي حنيفة2 ومعروف الكرخي3 والشيخ.
عبد القادر4؛ فإنهم قد افتتنوا بهذه المشاهد، رافضتهم وسنتهم، وعدلوا عن أسنى المطالب والمقاصد، ولم يعرفوا ما وجب عليهم من حق الله، الفرد الصمد الواحد. وبالجملة فهم شر تلك الأمصار وأعظمهم نفورا عن الحق واستكبارا.
والرافضة يُصلون لتلك المشاهد، ويركعون ويسجدون لمن في تلك المعاهد، وقد صرفوا من الأموال والنذور لسكان تلك الأحداث والقبور، ما لا يحصل عشر معشاره للملك العلي الغفور، ويزعمون أن زيارتهم لعلي وأمثاله، أفضل من سبعين حجة5،
1 إن كان المصنف يعني قبر العباس -عم الرسول صلى الله عليه وسلم الذي بالبقيع فقد كان ذلك في وقته، أما اليوم فلم يعد يزار، وليس عليه علامات ولا شعارات، بل هو كغيره من القبور. وقد أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى 27/483.
2 وهو في بغداد، حيث دفن في مقبرة الخيزران. وقبره هناك ظاهر معروف، ينتابه الزوار. انظر: تاريخ بغداد 13/324.
3 هو معروف بن فيروز الكرخي أبو محفوظ، أحد الأعلام الزهاد والمتصوفين، كان من موالي الإمام علي الرضي بن موسى الكاظم. ولد في كرخ بغداد ونشأ فيها، واشتهر بالصلاح، وقصده الناس للتبرك به. توفي ببغداد سنة "200هـ". طبقات الصوفية، 83-90، وفيات الأعيان، 2/104، صفة الصفوة 2/179، تاريخ بغداد 13/199.
4 تقدمت ترجمته في ص 505. ومشهده ببغداد حيث توفي.
انظر: سير الأعلام، 20/441 والأعلام للزركلي، 4/47. وأغلب هذه المشاهد مكذوبة، كلما وضح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله في مجموع الفتاوى، 27/482-489. ثم إنه لو صح نسبة قبر لصاحبه، فليس في شريعتنا الاستغاثة بالقبور ودعاء أصحابها فإن ذلك من أفعال المبتدعة الضلال. فالبناء على القبور ليس من دين المسلمين، بل هو منهي عنه بالنصوص الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وليس لأحد قصد الصلاة عند قبر أحد، لا نبي ولا غيره. انظر: زيادة توضيح مجموع الفتاوى، 27/488-489.
5 ومما يدل على ذلك الواقع المشاهد الذي نراهم عليه أثناء حجهم زيارتهم للمدينة النبوية، من عكوفهم عند البقيع، وشده اهتمامهم بقبر فاطمة الزهراء خاصة، فإن ما يفعلونه عندها من بكاء وويلات ودعاء ونحوها. إن هي إلا محض عبادة، وكأن ذلك أحد أركان حجهم. والبعض يعتكف عند قبرها أكثر مما يقضيه من أوقات في مسجد رسول الله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
/تعالى الله/1 وتقدس في مجده وجلاله. ولآلهتهم من التعظيم والتوقير والخشية والاحترام، ما ليس معه من تعظيم الله، وتوقيره وخشيته، وخوفه للإله الحق، والملك العلام؛ ولم/ يبق/2 مما عليه النصارى، سوى دعوة الولد به 3 / أن بعضهم/4 يرى الحلول لأشخاص 5 بعض البرية، {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ} 6.
وكذلك جميع قرى الشط 7 والمجرة 8 على غاية من الجهل /والمغرة/9. وفي القطيف والبحرين من البدع الرافضية، والأحداث المجوسية، والمقامات الوثنية، ما يضاد ويصادم أصول الملة الحنفية. فمن اطلع على هذه الأفاعيل، وهو عارف بالإيمان والإسلام، وما فيهما من التفريع والتأصيل؛ تيقن أن القوم قد ضلوا عن سواء السبيل، وخرجوا من مقتضى القرآن والدليل، وتمسكوا بزخارف الشيطان، وأحوال الكهان، وما شابه هذا القبيل؛ فازداد بصيرة من دينه، وقوي بمشاهدة إيمانه ويقينه، وجد في طاعة مولاه، وشكره واجتهد في الإنابة إليه، وإدامة ذكره، وبادر إلى القيام بوظائف أمره، وخاف أشد الخوف على إيمانه، من طغيان الشيطان وكفره، فليس من العجيب
1 في "د": لله.
2 في "د": يبقى.
3 أي دعوى النصارى أن لله ولدا. تعالى الله عما يقوله الظالمون علوا كبيرا.
4 في "أ" والمطبوع: يرفع أن بعضهم.
5 كما تزعم السببئية من الشيعة، في علي رضي الله عنه.
6 سورة الصافات الآية "180".
7 الشط: قرية في حجر "اليمامة" قبلتها بين الوتر والعرض. كان منزل عبيد بن ثعلبة. معجم اليمامة. 2/50؛ معجم البلدان 3/344.
8 المجرة: موضع باليمامة معجم البلدان 5/58.
9 في المطبوع: والمعروف.
ممن هلك كيف هلك، إنما العجب ممن نجا كيف نجا 1. ولقد أحسن العلامة محمد بن إسماعيل الأمير، فيما أبداه من أهل وقته من التبديل والتغيير. ونص المنظومة 2:
أما آن عما أنت فيه متاب
…
وهل لك من بعد/البعاد/3 إياب
تقضت بك الأعمار في غير طاعة
…
سوى عمل ترضاه وهو سراب
إذا لم يكن لله فعلك خالصا
…
فكل بناء قد بنيت خراب
فللعمل الإخلاص/شرط/4 إذا أتى
…
وقد وافقته سنة وكتاب
وقد صين عن كل ابتداع وكيف ذا
…
وقد طبق الآفاق منه عباب 5
طغى الماء من كل ابتداع على الورى
…
فلم ينج منه مركب وركاب
وطوفان نوح كان في الفلك أهله
…
فنجا همو، والغارقون تباب
فأنى لنا فلك ينجي وليته
…
يطير بنا عما نراه غراب
وأين إلى أين المطار وكلما
…
على ظهرها يأتيك منه عجاب
نسائل من دار الأراضي سياحة
…
عسى بلدة فيها هدى وصواب
فيخبر كل عن قبائح ما رأى
…
وليس لأهليها يكون متاب
لأنهموا عدوا قبائح فعلهم
…
محاسن يرجى عندهن ثواب
كقوم عراة في ذى مصر ما على
…
عورة منهم هناك ثياب
يدورون فيها كاشفين لعورة
…
تواتر هذا لا يقال كذاب
1 تقدم هذا الكلام في 298.
2 لم ترد هذه المنظومة في "أ" ولا في المطبوع. وإنما في "د".
3 كذا في الأصل. ولعله "العناد".
4 في "د": شرطا.
5 في الأبيات الثلاثة المتقدمة، شروط للعمل الصالح، المرجو القبول عند الله تعالى، وهي:
أن يكون خالصا لله تبارك وتعالى/
أن يكون موافقا للكتاب والسنة.
أن يكون خاليا من شوائب البدع.
فهذه أهم شروط القبول من العبد، فلا يقبل عمل خالف أحدها، وعليها يدل قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: " أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري =