الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قُدْرَتِهِ عَلَى تَرْكِ ذَلِكَ وَعَنْهُ يَتْبَعُهَا وَيُنْكِرُهُ بِحَسَبِهِ وِفَاقًا لِأَبِي حَنِيفَةَ (فَإِنْ قَدِرَ) عَلَى إزَالَتِهِ (تَبِعَ) الْجِنَازَةَ.
(وَأَزَالَهُ) أَيْ: الْمُنْكَرَ (لُزُومًا) لِحُصُولِ الْمَقْصُودَيْنِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَيُعَايَى بِهَا (فَلَوْ ظَنَّ إنْ اتَّبَعَهَا أَزَالَ الْمُنْكَرَ؛ لَزِمَهُ) اتِّبَاعُهَا إجْرَاءً لِلظَّنِّ مَجْرَى الْعِلْمِ.
(وَضَرْبُ النِّسَاءِ بِالدُّفِّ مُنْكَرٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ اتِّفَاقًا قَالَهُ الشَّيْخُ) وَمَنْ دُعِيَ لِغُسْلِ مَيِّتٍ فَسَمِعَ طَبْلًا أَوْ نَوْحًا، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، نَقَل الْمَرْوَزِيُّ فِي طَبْلٍ: لَا وَنَقَلَ أَبُو الْحَارِثِ وَأَبُو دَاوُد فِي نَوْحٍ: يُغَسِّلُهُ وَيَنْهَاهُمْ قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: الصَّوَابُ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ زَوَالُ الطَّبْلِ وَالنَّوْحِ بِذَهَابِهِ؛ ذَهَبَ وَغَسَّلَهُ، وَإِلَّا فَلَا.
[فَصْلٌ فِي دَفْنِ الْمَيِّتِ]
وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَقَدْ أَرْشَدَ اللَّهُ قَابِيلَ إلَى دَفْنِ أَخِيهِ هَابِيلَ وَأَبَانَ ذَلِكَ بِبَعْثِ غُرَابٍ {يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ} [المائدة: 31] وَقَالَ تَعَالَى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا} [المرسلات: 25]{أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا} [المرسلات: 26] أَيْ: جَامِعَةً لِلْأَحْيَاءِ فِي ظَهْرِهَا بِالْمَسَاكِنِ، وَالْأَمْوَاتِ فِي بَطْنِهَا بِالْقُبُورِ، وَالْكَفْتُ الْجَمْعُ وَقَالَ تَعَالَى {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} [عبس: 21] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ " مَعْنَاهُ أَكْرَمَهُ بِدَفْنِهِ "(وَيُسَنُّ أَنْ يُدْخَلَ قَبْرَهُ مِنْ عِنْدَ رِجْلَيْهِ) أَيْ: رِجْلَيْ الْقَبْرِ (إنْ كَانَ أَسْهَلَ عَلَيْهِمْ)«لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم سُلَّ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ سَلًّا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ أَدْخَلَ الْحَارِثَ قَبْرَهُ مِنْ قِبَلِ رِجْلِ الْقَبْرِ وَقَالَ هَذَا مِنْ السُّنَّةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضِعِ تَوَجُّهٍ، بَلْ دُخُولٍ فَدُخُولُ الرَّأْسِ أَوْلَى كَعَادَةِ الْحَيِّ، لِكَوْنِهِ مَجْمَعُ الْأَعْضَاءِ الشَّرِيفَةِ.
(وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إدْخَالُهُ الْقَبْرَ مِنْ عِنْدَ رِجْلَيْهِ أَسْهَلَ أُدْخِلَ (مِنْ حَيْثُ يَسْهُلُ) دَفْعًا لِلضُّرِّ وَالْمَشَقَّةِ (ثُمَّ) إنْ سَهُلَ كُلٌّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ فَهُمَا (سَوَاءٌ) مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ.
(وَلَا تَوْقِيتَ فِي عَدَدِ مَنْ يُدْخِلُهُ) الْقَبْرَ (مِنْ شَفْعٍ أَوْ وَتْرٍ، بَلْ) يَكُونُ ذَلِكَ (بِحَسَبِ الْحَاجَةِ) كَسَائِرِ أُمُورِهِ (وَيُكْرَهُ أَنْ يُسَجَّى قَبْرُ رَجُلٍ)
لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ وَقَدْ دَفَنُوا مَيِّتًا وَبَسَطُوا عَلَى قَبْرِهِ الثَّوْبَ فَجَذَبَهُ وَقَالَ: إنَّمَا يُصْنَعُ هَذَا بِالنِّسَاءِ " وَلِأَنَّ كَشْفَهُ أَبْعَدُ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ، مَعَ مَا فِيهِ مِنْ اتِّبَاعِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم (إلَّا لِعُذْرِ مَطَرٍ أَوْ غَيْرِهِ) فَلَا يُكْرَهُ إذَنْ (وَيُسَنُّ) أَنْ يُسَجَّى (لِامْرَأَةٍ) لِأَنَّهَا عَوْرَةٌ وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَبْدُوَ مِنْهَا شَيْءٌ فَيَرَاهُ الْحَاضِرُونَ وَبِنَاءُ أَمْرِهَا عَلَى السَّتْرِ وَالْخُنْثَى كَالْأُنْثَى فِي ذَلِكَ احْتِيَاطًا.
(وَمَنْ مَاتَ فِي سَفِينَةٍ وَتَعَذَّرَ خُرُوجُهُ إلَى الْبَرِّ) لِبُعْدِهِمْ عَنْ السَّاحِلِ مَثَلًا (ثُقِّلَ بِشَيْءٍ، بَعْدَ غُسْلِهِ وَتَكْفِينِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ) لِيَسْتَقِرَّ فِي قَرَارِ الْبَحْرِ نَصَّ عَلَيْهِ (وَأُلْقِي فِي الْبَحْرِ سَلًّا كَإِدْخَالِهِ الْقَبْرَ وَإِنْ مَاتَ فِي بِئْرٍ أُخْرِجَ) .
وُجُوبًا لِيُغَسَّلَ وَيُكَفَّنَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْفَنَ وَإِنْ أَمْكَنَ مُعَالَجَةُ الْبِئْرِ بِالْأَكْسِيَةِ الْمَبْلُولَةِ تُدَارُ فِيهَا، حَتَّى تَجْتَذِبَ الْبُخَارَ، ثُمَّ يَنْزِلُ مَنْ يُطْلِعُهُ، أَوْ أَمْكَنَ إخْرَاجُهُ بِكَلَالِيبَ وَنَحْوِهَا مِنْ غَيْرِ مُثْلَةٍ وَجَبَ ذَلِكَ لِتَأْدِيَةِ فَرْضِ غُسْلِهِ وَيَمْتَحِنُ زَوَالَ الْبُخَارِ إذَا شَكَّ فِيهِ بِسِرَاجٍ وَنَحْوِهِ فَإِنْ انْطَفَأَ فَهُوَ بَاقٍ وَإِلَّا فَقَدْ زَالَ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ النَّارَ لَا تَبْقَى إلَّا فِيمَا يَعِيشُ فِيهِ الْحَيَوَانُ (فَإِنْ تَعَذَّرَ) إخْرَاجُهُ بِالْكُلِّيَّةِ أَوْ لَمْ يُمْكِنْ إلَّا مُتَقَطِّعًا وَنَحْوَهُ (طُمَّتْ) الْبِئْرُ (عَلَيْهِ) لَتَصِيرَ قَبْرًا لَهُ لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ إلَى إخْرَاجِهِ مُتَقَطِّعًا وَهَذَا حَيْثُ لَا حَاجَةَ إلَى الْبِئْرِ (وَمَعَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا يُخْرَجُ مُطْلَقًا) أَيْ: وَلَوْ مُتَقَطِّعًا لِأَنَّ مُثْلَةَ الْمَيِّتِ أَخَفُّ ضَرَرًا مِمَّا يَحْصُلُ بِطَمِّ الْبِئْرِ وَتَعْطِيلِهَا.
(وَأَوْلَى النَّاسِ بِتَكْفِينِ) مَيِّتٍ مُطْلَقًا (وَدَفْنِ) رَجُلٍ (أَوْلَاهُمْ بِغُسْلِ) الْمَيِّتِ وَذَكَرَ الْمَجْدُ وَابْنُ تَمِيمٍ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَوَلَّى دَفْنَ الْمَيِّتِ غَاسِلُهُ لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم " لَحَدَهُ الْعَبَّاسُ وَعَلِيٌّ وَأُسَامَةُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَكَانُوا هُمْ الَّذِينَ تَوَلَّوْا غُسْلَهُ وَلِأَنَّ الْمُقَدَّمَ بِغُسْلِهِ أَقْرَبُ إلَى سَتْرِ أَحْوَالِهِ، وَقِلَّةِ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ.
(وَالْأَوْلَى: لِلْأَحَقِّ أَنْ يَتَوَلَّاهُ بِنَفْسِهِ) لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي سَتْرِهِ، وَقِلَّةِ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ (ثُمَّ بِنَائِبِهِ) لِقِيَامِهِ، مُقَامَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ وَصِيًّا عَلَى قِيَاسِ مَا تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ (ثُمَّ) الْأَوْلَى (مِنْ بَعْدِهِمْ) أَيْ: بَعْدَ الْمَذْكُورِينَ فِي تَغْسِيلِ الرَّجُلِ الْأَوْلَى (بِدَفْنِ رَجُلٍ: الرِّجَالُ الْأَجَانِبُ) فَيُقَدَّمُونَ عَلَى أَقَارِبِهِ مِنْ النِّسَاءِ لِأَنَّهُنَّ يَضْعُفْنَ عَنْ إدْخَالِهِ الْقَبْرَ وَلِأَنَّ الْجِنَازَةَ يَحْضُرُهَا جُمُوعُ الرِّجَالِ غَالِبًا.
وَفِي نُزُولِ النِّسَاءِ الْقَبْرَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ تَعْرِيضٌ لَهُنَّ بِالْهَتْكِ وَالْكَشْفِ بِحَضْرَةِ الرِّجَالِ (ثُمَّ) الْأَوْلَى (مَحَارِمُهُ مِنْ النِّسَاءِ ثُمَّ الْأَجْنَبِيَّاتُ) لِلْحَاجَةِ إلَى دَفْنِهِ، وَعَدَمِ غَيْرِهِنَّ.
(وَ) الْأَوْلَى (بِدَفْنِ امْرَأَةٍ: مَحَارِمُهَا الرِّجَالُ) الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ لِأَنَّ امْرَأَةَ عُمَرَ لَمَّا تُوُفِّيَتْ قَالَ لِأَهْلِهَا " أَنْتُمْ أَحَقُّ بِهَا "
وَلِأَنَّهُمْ أَوْلَى النَّاسِ بِوِلَايَتِهَا حَالَ الْحَيَاةِ، فَكَذَا بَعْدَ الْمَوْتِ (ثُمَّ) إنْ عَدِمُوا فَالْأَوْلَى (زَوْجُهَا) لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِمَحْرَمِهَا مِنْ النَّسَبِ مِنْ الْأَجَانِبِ (ثُمَّ الرِّجَالُ الْأَجَانِبُ) لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حِينَ مَاتَتْ ابْنَتُهُ أَمَرَ أَبَا طَلْحَةَ فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا " وَهُوَ أَجْنَبِيٌّ وَمَعْلُومٌ: أَنَّ مَحَارِمَهَا كُنَّ هُنَاكَ كَأُخْتِهَا فَاطِمَةَ وَلِأَنَّ تَوَلِّي النِّسَاءِ لِذَلِكَ لَوْ كَانَ مَشْرُوعًا لَفُعِلَ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَعَصْرِ خُلَفَائِهِ وَلَمْ يُنْقَلْ (ثُمَّ مَحَارِمُهَا النِّسَاءُ) الْقُرْبَى فَالْقُرْبَى مِنْهُنَّ كَالرِّجَالِ.
(وَيُقَدَّمُ مِنْ الرِّجَالِ) بِدَفْنِ امْرَأَةٍ (خَصِيٌّ، ثُمَّ شَيْخٌ، ثُمَّ أَفْضَلُ دِينًا وَمَعْرِفَةً، وَمَنْ بَعُدَ عَهْدُهُ بِجِمَاعٍ: أَوْلَى مِمَّنْ قَرُبَ) عَهْدُهُ بِهِ قُلْتُ: وَالْخُنْثَى كَامْرَأَةٍ فِي ذَلِكَ، احْتِيَاطًا (وَلَا يُكْرَهُ لِلرِّجَالِ) الْأَجَانِبِ (دَفْنُ امْرَأَةٍ؛ وَثَمَّ مَحْرَمٌ) لَهَا نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا تَقَدَّمَ فِي قِصَّةِ أَبِي طَلْحَةَ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ بِحَمْلِهَا مِنْ الْمُغْتَسَلِ إلَى النَّعْشِ وَيُسَلِّمُهَا إلَى مَنْ فِي الْقَبْرِ، وَيَحُلُّ عُقَدَ الْكَفَنِ وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَبَعْضُ أَصْحَابِهِ.
(وَاللَّحْدُ) بِفَتْحِ اللَّامِ مَثَلًا وَالضَّمُّ لُغَةً (أَفْضَلُ) مِنْ الشَّقِّ؛ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ " أَلْحِدُوا لِي لَحْدًا وَانْصِبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ نَصْبًا كَمَا فُعِلَ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم "(وَهُوَ) أَيْ: اللَّحْدُ فِي الْأَصْلِ: الْمَيْلُ وَالْمُرَادُ هُنَا (أَنْ يَحْفِرَ فِي أَرْضِ الْقَبْرِ) أَيْ: فِي أَسْفَلِ حَائِطِ الْقَبْرِ (مَا يَلِي الْقِبْلَةَ مَكَانًا يُوضَعُ فِيهِ الْمَيِّتُ) وَلَا يُعَمِّقَ تَعْمِيقًا يَنْزِلُ فِيهِ جَسَدُ الْمَيِّتِ كَثِيرًا، بَلْ بِقَدْرِ مَا يَكُونُ الْجَسَدُ غَيْرَ مُلَاصِقٍ لِلَّبِنِ (وَيُكْرَهُ الشَّقُّ) قَالَ أَحْمَدُ: لَا أُحِبُّ الشَّقَّ لِقَوْلِهِ: صلى الله عليه وسلم «اللَّحْدُ لَنَا وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ.
(وَهُوَ أَنْ يَبْنِيَ جَانِبَا الْقَبْرِ بِلَبِنٍ أَوْ غَيْرِهِ) وَيُسَمُّونَهُ بِبِلَادِ مِصْرَ مَنَامَةً (أَوْ يَشُقَّ) أَيْ: يَحْفِرَ (وَسَطَهُ) أَيْ: الْقَبْرِ (فَيَصِيرُ) وَسَطُهُ (كَالْحَوْضِ، ثُمَّ يُوضَعُ الْمَيِّتُ فِيهِ) أَيْ: فِي شِبْهِ الْحَوْضِ.
(وَيُسْقَفُ عَلَيْهِ بِبَلَاطٍ أَوْ غَيْرِهِ) كَأَحْجَارٍ كَبِيرَةٍ (فَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ رِخْوَةً لَا يَثْبُتُ فِيهَا اللَّحْدُ، شَقَّ فِيهَا لِلْحَاجَةِ) .
وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَجْعَلَ فِيهَا اللَّحْدَ مِنْ الْجَنَادِلِ وَاللَّبِنِ وَالْحِجَارَةِ جَعَلْ نَصَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يَعْدِلْ إلَى الشَّقِّ لِمَا تَقَدَّمَ (وَيُسَنُّ تَعْمِيقُهُ) أَيْ: الْقَبْرِ بِلَا حَدٍّ (وَتَوْسِيعُهُ بِلَا حَدٍّ) لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم فِي قَتْلَى أُحُدٍ: «احْفِرُوا وَأَوْسِعُوا وَأَعْمِقُوا» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَلِأَنَّ تَعْمِيقَ الْقَبْرِ أَنْفَى لِظُهُورِ الرَّائِحَةِ الَّتِي تَسْتَضِرُّ بِهَا الْأَحْيَاءُ، وَأَبْعَدُ لِقُدْرَةِ الْوَحْشِ عَلَى نَبْشِهِ وَآكَدُ لِسَتْرِ الْمَيِّتِ وَالتَّوْسِيعُ: الزِّيَادَةُ فِي الطُّولِ وَالْعَرْضِ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِحَفَّارٍ «أَوْسِعْ مِنْ قِبَلِ
الرَّأْسِ، وَمِنْ قِبَلِ الرِّجْلَيْنِ» وَالتَّعْمِيقُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ - الزِّيَادَةُ فِي النُّزُولِ.
(وَقَالَ الْأَكْثَرُ: قَامَةُ وَسَطٍ وَبَسْطَةٌ، وَهِيَ بَسْطُ يَدِهِ قَائِمَةً وَيَكْفِي مَا) أَيْ: التَّعْمِيقَ (يَمْنَعُ الرَّائِحَةَ وَالسِّبَاعَ) لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ تَقْدِيرٌ، فَيُرْجَعَ فِيهِ إلَى مَا يُحَصِّلُ الْمَقْصُودَ.
(وَ) يُسَنُّ أَنْ (يَنْصِبَ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْمَيِّتِ بَعْدَ وَضْعِهِ فِي اللَّحْدِ (اللَّبِنَ نَصْبًا) لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ سَعْدِ بْنِ وَقَّاصٍ (وَهُوَ) أَيْ: اللَّبِنُ (أَفْضَلُ مِنْ الْقَصَبِ) لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ، وَأَبْعَدُ مِنْ أَبْنِيَةِ الدُّنْيَا بِخِلَافِ الْقَصَبِ وَاللَّبِنُ وَاحِدَتُهُ لَبِنَةٌ مَا ضُرِبَ مِنْ الطِّينِ مُرَبَّعًا لِلْبِنَاءِ قَبْلَ أَنْ يُشْوَى بِالنَّارِ فَإِذَا شُوِيَ بِهَا سُمِّيَ آجُرًّا.
(وَيَجُوزُ) تَغْطِيَةُ اللَّحْدِ (بِبَلَاطٍ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى اللَّبِنِ فِيمَا سَبَقَ (وَيَسُدُّ مَا بَيْنَ اللَّبِنِ أَوْ غَيْرِهِ) مِنْ الْفُرَجِ (بِطِينٍ لِئَلَّا يَنْهَارَ عَلَيْهِ التُّرَابُ) وَلَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ، وَلَكِنْ يُطَيِّبُ نَفْسَ الْحَيِّ رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا.
(وَيُكْرَهُ دَفْنُهُ) أَيْ: الْمَيِّتُ (فِي تَابُوتٍ وَلَوْ امْرَأَةً) لِقَوْلِ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: " كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ اللَّبِنَ وَيَكْرَهُونَ الْخَشَبَ، وَلَا يَسْتَحِبُّونَ الدَّفْنَ فِي تَابُوتٍ لِأَنَّهُ خَشَبٌ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ.
وَفِيهِ تَشَبُّهٌ بِأَهْلِ الدُّنْيَا وَالْأَرْضُ أَنْشَفُ لِفَضَلَاتِهِ وَلِهَذَا زَادَ بَعْضُهُمْ: أَوْ فِي حَجَرٍ مَنْقُوشٍ (وَيُكْرَهُ إدْخَالُهُ) أَيْ: الْقَبْرِ (خَشَبًا إلَّا لِضَرُورَةٍ وَ) يُكْرَهُ إدْخَالُهُ (مَا مَسَّتْهُ نَارٌ) تَفَاؤُلًا، وَحَدِيدٌ، وَلَوْ أَنَّ الْأَرْضَ رِخْوَةٌ أَوْ نَدِيَّةٌ (وَيُسْتَحَبُّ قَوْلُ مَنْ يُدْخِلُهُ) الْقَبْرَ (عِنْدَ وَضْعِهِ) فِيهِ (بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إذَا وَضَعْتُمْ مَوْتَاكُمْ فِي الْقُبُورِ، فَقُولُوا: بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَفِي لَفْظٍ «كَانَ إذَا وَضَعَ الْمَيِّتَ فِي الْقَبْرِ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيَّ (وَإِنْ أَتَى عِنْدَ وَضْعِهِ وَلَحْدِهِ بِذِكْرٍ أَوْ دُعَاءٍ يَلِيقُ) بِالْحَالِ (فَلَا بَأْسَ) بِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: حَضَرْتُ ابْنَ عُمَرَ فِي جِنَازَةٍ فَلَمَّا وَضَعَهَا فِي اللَّحْدِ قَالَ: «اللَّهُمَّ أَجِرْهَا مِنْ الشَّيْطَانِ وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، اللَّهُمَّ جَافِ الْأَرْضَ عَنْ جَنْبَيْهَا، وَصَعِّدْ رُوحَهَا، وَلَقِّهَا مِنْكَ رِضْوَانًا وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: سَمِعْتُهُ مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَعَنْ بِلَالٍ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فِي قَبْرٍ، فَلَمَّا خَرَجَ قِيلَ لِبِلَالٍ: مَا قَالَ؟ قَالَ: قَالَ: أَسْلَمَهُ إلَيْكَ الْأَهْلُ وَالْمَالُ وَالْعَشِيرَةُ وَالذَّنْبُ الْعَظِيمُ، وَأَنْتَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فَاغْفِرْ لَهُ رَوَاهُ سَعِيدٌ.
(وَيُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ لَهُ) أَيْ: لِلْمَيِّتِ (عِنْدَ الْقَبْرِ بَعْدَ دَفْنِهِ وَاقِفًا) نَصَّ عَلَيْهِ وَقَالَ: قَدْ فَعَلَهُ عَلِيٌّ وَالْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ لِحَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم -
إذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ وَقَالَ: اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم «كَانَ يَقِفُ عَلَى الْقَبْرِ بَعْدَ مَا يُسَوِّي عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ نَزَلَ بِكَ صَاحِبُنَا وَخَلَّفَ الدُّنْيَا خَلْفَ ظَهْرِهِ، اللَّهُمَّ ثَبِّتْ عِنْدَ الْمَسْأَلَةِ مَنْطِقَهُ، وَلَا تَبْتَلِهِ فِي قَبْرِهِ بِمَا لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِ» رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ وَالْأَخْبَارُ بِنَحْوِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْله تَعَالَى فِي الْمُنَافِقِينَ: {وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} [التوبة: 84] مَعْنَاهُ: بِالدُّعَاءِ لَهُ وَالِاسْتِغْفَارِ، بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ دَفْنِهِ فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَادَةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْمُسْلِمِينَ وَنَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ حَبِيبٍ النَّجَّارُ قَالَ " كُنْتُ مَعَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي جِنَازَةٍ فَأَخَذَ بِيَدِي فَقُمْنَا نَاحِيَةً فَلَمَّا فَرَغَ النَّاسُ مِنْ دَفْنِهِ وَانْقَضَى الدَّفْنُ، جَاءَ إلَى الْقَبْرِ، وَأَخَذَ بِيَدِي وَجَلَسَ وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى الْقَبْرِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ إنَّكَ قُلْتَ فِي كِتَابِكَ {فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ} [الواقعة: 88] {فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ} [الواقعة: 89] وَقَرَأَ إلَى آخِرِ السُّورَةِ، ثُمَّ قَالَ: " اللَّهُمَّ وَإِنَّا نَشْهَدُ أَنَّ هَذَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ مَا كَذَّبَ بِكَ وَلَقَدْ كَانَ يُؤْمِنُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ فَاقْبَلْ شَهَادَتَنَا لَهُ وَدَعَا لَهُ وَانْصَرَفَ ".
(وَاسْتَحَبَّ الْأَكْثَرُ تَلْقِينَهُ بَعْدَ دَفْنِهِ، فَيَقُومُ الْمُلَقِّنُ عِنْدَ رَأْسِهِ بَعْدَ تَسْوِيَةِ التُّرَابِ عَلَيْهِ فَيَقُولُ: يَا فُلَانُ ابْنَ فُلَانَةَ ثَلَاثًا فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ اسْمَ أُمِّهِ نَسَبَهُ إلَى حَوَّاءَ ثُمَّ يَقُولُ: اُذْكُرْ مَا خَرَجَتْ عَلَيْهِ مِنْ الدُّنْيَا شَهَادَةَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنَّكَ رَضِيتَ بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا وَبِالْقُرْآنِ إمَامًا وَبِالْكَعْبَةِ قِبْلَةً وَبِالْمُؤْمِنِينَ إخْوَانًا وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ، وَأَنَّ الْبَعْثَ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ) لِحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ فَسَوَّيْتُمْ عَلَيْهِ التُّرَابَ فَلْيَقُمْ عَلَى رَأْسِ قَبْرِهِ ثُمَّ لْيَقُلْ يَا فُلَانُ ابْنَ فُلَانَةَ فَإِنَّهُ يَسْمَعُ وَلَا يُجِيبُ ثُمَّ لْيَقُلْ يَا فُلَانُ ابْنَ فُلَانَةَ ثَانِيَةً فَإِنَّهُ يَسْتَوِي قَاعِدًا، ثُمَّ لِيَقُلْ يَا فُلَانُ ابْنَ فُلَانَةَ ثَالِثًا فَإِنَّهُ يَقُول: أَرْشِدْنَا
يَرْحَمْكَ اللَّهُ وَلَكِنْ لَا تَسْمَعُونَ فَيَقُولُ: اُذْكُرْ مَا خَرَجْتَ عَلَيْهِ مِنْ الدُّنْيَا شَهَادَةَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنَّكَ رَضِيتَ بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا وَبِالْقُرْآنِ إمَامًا فَإِنَّ مُنْكَرًا وَنَكِيرًا يَقُولَانِ: مَا يُقْعِدُنَا عِنْدَهُ وَقَدْ لُقِّنَ حُجَّتَهُ؟ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ: فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ اسْمَ أُمِّهِ قَالَ: فَلْيَنْسُبْهُ إلَى حَوَّاءَ» قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ فِي الشَّافِي وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ فِي الشَّافِي وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ شَاهِينَ وَغَيْرُهُمْ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَلِلطَّبَرَانِيِّ أَوْ لِغَيْرِهِ فِيهِ «وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ، وَأَنَّ الْبَعْثَ حَقٌّ: وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ» وَفِيهِ «وَأَنَّكَ رَضِيتَ بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِالْكَعْبَةِ قِبْلَةً، وَبِالْمُؤْمِنِينَ إخْوَانًا» وَقَالَ الْأَثْرَمُ قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: هَذَا الَّذِي يَصْنَعُونَ إذَا دُفِنَ الْمَيِّتُ يَقْفُ الرَّجُلُ، وَيَقُولُ يَا فُلَانُ بْنَ فُلَانَةَ اُذْكُرْ مَا فَارَقْتَ عَلَيْهِ الدُّنْيَا شَهَادَةَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا نَقَلَ هَذَا إلَّا أَهْلَ الشَّامِ، حِينَ مَاتَ أَبُو الْمُغِيرَةِ جَاءَ إنْسَانٌ فَقَالَ ذَاكَ وَكَانَ أَبُو الْمُغِيرَةِ يَرْوِي فِيهِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ أَشْيَاخِهِمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ.
(قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: لَوْ انْصَرَفُوا قَبْلَهُ لَمْ يَعُودُوا) لِأَنَّ الْخَبَرَ " يُلَقِّنُونَهُ قَبْلَ انْصِرَافِهِمْ لِيَتَذَكَّرَ حُجَّتَهُ.
(وَهَلْ يُلَقَّنُ غَيْرُ الْمُكَلَّفِ؟) وَجْهَانِ وَهَذَا الْخِلَافُ (مَبْنِيٌّ عَلَى نُزُولِ الْمَلَكَيْنِ إلَيْهِ) النَّفْيُ قَوْلُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ وَالْإِثْبَاتُ قَوْلُ أَبِي حَكِيمٍ وَغَيْرِهِ وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ عَنْ الْأَصْحَابِ (الْمُرَجَّحُ النُّزُولُ) فَيَكُونُ الْمُرَجَّحُ تَلْقِينُهُ (وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ) وَاحْتَجَّ بِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرُوِيَ مَرْفُوعًا أَنَّهُ «صَلَّى عَلَى طِفْلٍ لَمْ يَعْمَلْ خَطِيئَةً قَطُّ فَقَالَ: اللَّهُمَّ قِه عَذَابَ الْقَبْرِ وَفِتْنَةَ الْقَبْرِ» قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَا حُجَّةَ فِيهِ، لِلْجَزْمِ بِنَفْيِ التَّعْذِيبِ فَقَدْ يَكُونُ أَبُو هُرَيْرَةَ يَرَى الْوَقْفَ فِيهِمْ اهـ وَكَذَلِكَ أَجَابَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِ الرُّوحِ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِعَذَابِ الْقَبْرِ فِيهِ عُقُوبَةَ الطِّفْلِ قَطْعًا لِأَنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ أَحَدًا بِلَا ذَنْبٍ عَمِلَهُ بَلْ الْمُرَادُ الْأَلَمُ الَّذِي يَحْصُلُ لِلْمَيِّتِ بِسَبَبٍ غَيْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُقُوبَةً عَلَى عَمَلِهِ وَقَالَ الْآخَرُونَ: أَيْ: الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ لَا يُسْأَلُ.
السُّؤَالُ إنَّمَا يَكُونُ لِمَنْ يَعْقِلُ الرَّسُولَ وَالْمُرْسَلَ فَيَسْأَلُ هَلْ آمَنَ بِالرَّسُولِ وَأَطَاعَهُ أَمْ لَا؟ فَأَمَّا الطِّفْلُ الَّذِي لَا تَمْيِيزَ لَهُ بِوَجْهٍ فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ وَلَوْ رُدَّ إلَيْهِ عَقْلُهُ فِي الْقَبْرِ، فَإِنَّهُ لَا يُسْأَلُ عَمَّا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ مَعْرِفَتِهِ وَالْعَلَمِ بِهِ فَلَا فَائِدَةَ فِي هَذَا السُّؤَالِ.
(قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ: يُسْأَلُ الْأَطْفَالُ عَنْ الْإِقْرَارِ الْأَوَّلِ،
حِينَ الذُّرِّيَّةِ) يُشِيرُ بِهِ إلَى قَوْله تَعَالَى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} [الأعراف: 172] قَالَ بَعْضُهُمْ وَهُوَ سُؤَالُ تَكْرِيمٍ، وَسُؤَالُ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إنْ ثَبَتَ - فَهُوَ سُؤَالُ تَشْرِيفٍ وَتَعْظِيمٍ كَمَا أَنَّ التَّكَالِيفَ فِي دَارِ الدُّنْيَا لِبَعْضٍ تَكْرِيمٌ وَلِبَعْضٍ امْتِحَانٌ وَنَكَالٌ (وَالْكِبَارُ يُسْأَلُونَ عَنْ مُعْتَقَدِهِمْ فِي الدُّنْيَا) وَعَنْ (إقْرَارِهِمْ الْأَوَّلِ) حِينَ الذُّرِّيَّةِ.
(وَيُسَنُّ وَضْعُهُ فِي لَحْدِهِ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ) لِأَنَّ هَذِهِ سُنَّةُ النَّائِمِ وَهُوَ يُشْبِهُهُ (وَوَضْعُ لَبِنَةٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ شَيْءٍ مُرْتَفِعٍ) تَحْتَ رَأْسِهِ (كَمَا يَضَعُ الْحَيُّ تَحْتَ رَأْسِهِ) قَالَ فِي الْمُنْتَهَى وَشَرْحِهِ: وَيُوضَعُ تَحْتَ رَأْسِهِ لَبِنَةً، فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ فَحَجَرٌ فَإِنْ عُدِمَ فَقَلِيلٌ مِنْ تُرَابٍ، لَا آجُرَّةَ لِأَنَّهُ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ وَيُفْضِي بِخَدِّهِ الْأَيْمَنِ إلَى الْأَرْضِ بِأَنْ يُزَالَ الْكَفَنُ عَنْهُ وَيُلْصَقَ بِالْأَرْضِ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الِاسْتِكَانَةِ وَالتَّضَرُّعِ وَلِقَوْلِ عُمَرَ " إذَا أَنَا مِتَّ فَافْضُوَا بِخَدِّي إلَى الْأَرْضِ ".
(وَتُكْرَهْ مِخَدَّةٌ) بِكَسْرِ الْمِيمِ تُجْعَلُ تَحْتَ رَأْسِهِ نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ وَغَيْرُ لَائِقٍ بِالْحَالِ (وَالْمَنْصُوصُ: وَ) تُكْرَهُ (مِضْرَبَةٌ وَقَطِيفَةٌ تَحْتَهُ) قَالَ أَحْمَدُ: مَا أُحِبُّ أَنْ يَجْعَلُوا فِي الْأَرْضِ مِضْرَبَةٌ، وَلِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُلْقَى تَحْتَ الْمَيِّتِ فِي الْقَبْرِ شَيْءٌ، ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ " لَا تَجْعَلُوا بَيْنِي وَبَيْنَ الْأَرْضِ شَيْئًا " وَالْقَطِيفَةُ الَّتِي وُضِعَتْ تَحْتَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إنَّمَا وَضَعَهَا شُقْرَانُ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَنْ اتِّفَاقٍ مِنْ الصَّحَابَةِ.
(وَنَصُّهُ) أَيْ: الْإِمَامِ (لَا بَأْسَ بِهَا) أَيْ: الْمِضْرَبَةِ أَوْ الْقَطِيفَةِ (مِنْ عِلَّةٍ وَيُسْنَدُ) الْمَيِّتُ (خَلْفَهُ) بِتُرَابٍ، لِئَلَّا يَنْقَلِبَ (وَ) يُسْنَدُ (أَمَامَهُ بِتُرَابٍ لِئَلَّا يَسْقُطَ) فَيَنْكَبَّ عَلَى وَجْهِهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُدْنَى مِنْ الْحَائِطِ لِئَلَّا يَنْكَبَّ عَلَى وَجْهِهِ.
(وَيَجِبُ اسْتِقْبَالُهُ) أَيْ: أَنْ يُدْفَنَ مُسْتَقْبِلَ (الْقِبْلَةِ) لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْكَعْبَةِ: «قِبْلَتِكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا» وَلِأَنَّ ذَلِكَ طَرِيقَةُ الْمُسْلِمِينَ، بِنَقْلِ الْخَلَفِ عَنْ السَّلَفِ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم هَكَذَا دُفِنَ (وَيُسَنُّ لِكُلِّ مَنْ حَضَرَ) الدَّفْنَ (أَنْ يَحْثُوَ التُّرَابَ فِيهِ) أَيْ: الْقَبْرِ (مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ ثَلَاثًا) أَيْ: ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ (بِالْيَدِ، ثُمَّ يُهَالُ عَلَيْهِ التُّرَابُ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ ثُمَّ أَتَى قَبْرَ الْمَيِّتِ، فَحَثَى عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ ثَلَاثًا» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَعَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَة «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم -