الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[فَصْل مُرِيدُ الْإِحْرَامِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ التَّمَتُّعِ وَالْإِفْرَادِ وَالْقِرَانِ]
فَصْل وَهُوَ أَيْ: مُرِيدُ الْإِحْرَامِ (مُخَيَّرٌ بَيْنَ التَّمَتُّعِ وَالْإِفْرَادِ، وَالْقِرَانِ) ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ إجْمَاعًا لِقَوْلِ عَائِشَةَ «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهْلِلْ قَالَتْ: وَأَهَلَّ بِالْحَجِّ وَأَهَلَّ بِهِ نَاسٌ مَعَهُ وَأَهَلَّ نَاسٌ بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ وَأَهَلَّ نَاسٌ بِالْعُمْرَةِ وَكُنْتُ فِيمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا التَّمَتُّعُ وَقَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَكَرِهَ التَّمَتُّعَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَمُعَاوِيَةُ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَبَعْضُهُمْ الْقِرَانَ، وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُهُ (وَأَفْضَلُهَا التَّمَتُّعُ) فِي قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ وَجَمْعٍ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ وَعَبْدِ اللَّهِ.
وَقَالَ لِأَنَّهُ آخِرُ مَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ: كَانَ اخْتِيَارُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الدُّخُولَ بِعُمْرَةٍ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ وَلَأَحْلَلْتُ مَعَكُمْ» .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ أَمَرَ أَصْحَابَهُ لَمَّا طَافُوا وَسَعَوْا أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً إلَّا مَنْ سَاقَ هَدْيًا " وَثَبَتَ عَلَى إحْرَامِهِ لِسَوْقِهِ الْهَدْيَ وَتَأَسَّفَ وَلَا يَنْقُلهُمْ إلَّا إلَى الْأَفْضَلِ وَلَا يَتَأَسَّفُ إلَّا عَلَيْهِ لَا يُقَالُ: أَمَرَهُمْ بِالْفَسْخِ لَيْسَ لِفَضْلِ التَّمَتُّعِ وَإِنَّمَا هُوَ لِاعْتِقَادِهِمْ عَدَمَ جَوَازِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْتَقِدُوهُ ثُمَّ لَوْ كَانَ لَمْ يَخُصَّ بِهِ مَنْ لَمْ يَسُقْ الْهَدْيَ؛ لِأَنَّهُمْ سَوَاءٌ فِي الِاعْتِقَادِ ثُمَّ لَوْ كَانَ لَمْ يَتَأَسَّفْ لِاعْتِقَادِهِ جَوَازَهَا فِيهِ وَجَعَلَ الْعِلَّةَ فِيهِ سَوْقَ الْهَدْيِ؛ وَلِأَنَّ التَّمَتُّعَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلِإِتْيَانِهِ بِأَفْعَالِهِمَا كَامِلَةً عَلَى وَجْهِ الْيُسْرِ وَالسُّهُولَةِ مَعَ زِيَادَةِ نُسُكٍ وَهُوَ الدَّمُ.
قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ إذَا دَخَلَ بِعُمْرَةٍ يَكُونُ قَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ حَجَّةً وَعُمْرَةً وَدَمًا (ثُمَّ الْإِفْرَاد) لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَفْرَدَ الْحَجَّ» .
وَقَالَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَجَابِرٌ " هُوَ أَفْضَلُ الْأَنْسَاكِ " لِمَا ذَكَرْنَا وَلِإِتْيَانِهِ بِالْحَجِّ تَامًّا مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى آخَرَ وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا عَنْ الْخَبَرِ: أَنَّهُ أَفْرَدَ عَمَلَ الْحَجِّ عَنْ عَمَلِ الْعُمْرَةِ وَأَهَلَّ بِالْحَجِّ فِيمَا بَعْدُ مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ عَنْ جَابِرٍ ذَكَرَ أَصْحَابَهُ فَقَطْ وَأَجَابَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ بِأَنَّ هَذَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ بِالْمَدِينَةِ
أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ فَسَخَ عَلَى أَصْحَابِهِ وَتَأَسَّفَ عَلَى التَّمَتُّعِ لِأَجْلِ سَوْقِ الْهَدْيِ فَكَانَ الْمُتَأَخِّرُ أَوْلَى (ثُمَّ الْقِرَانُ) وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم «حَجَّ قَارِنًا» وَالْجَوَابُ عَنْهُ.
(وَصِفَةُ التَّمَتُّعِ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ) أَطْلَقَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ وَجَزَمَ آخَرُونَ مِنْ الْمِيقَاتِ أَيْ: مِيقَاتِ بَلَدِهِ (فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ) نَصَّ عَلَيْهِ وَرُوِيَ مَعْنَاهُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ جَابِرٍ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُحْرِمْ بِهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ فِيهِ وَلَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا (وَيَفْرُغُ مِنْهَا) أَيْ: يَتَحَلَّلُ قَالَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ التَّحَلُّلِ مِنْ الْعُمْرَةِ لَكَانَ قَارِنًا وَاجْتِمَاعُ النُّسُكَيْنِ أَيْ: التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ مُمْتَنِعٌ، لِتَبَايُنِهِمَا وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالنُّسُكَيْنِ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِإِمْكَانِ اجْتِمَاعِهِمَا فِي الْقِرَانِ وَلَعَلَّ صَاحِبَ الْمُبْدِعِ فَهِمَ مِنْهُ ذَلِكَ حَتَّى قَالَ وَفِيهِ نَظَرٌ.
(ثُمَّ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ أَوْ قَرِيبٌ مِنْهَا) نَقَلَهُ حَرْبٌ وَأَبُو دَاوُد لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ " إذَا اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ أَقَامَ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ وَإِنْ خَرَجَ وَرَجَعَ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ " وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ وَيُشْتَرَطُ كَمَا يَأْتِي: أَنْ يَحُجَّ فِي عَامِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَمَنْ تَمَتَّعَ} [البقرة: 196] وَظَاهِرُهُ: يَقْتَضِي الْمُوَالَاةَ بَيْنَهُمَا؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا فَلَأَنْ لَا يَكُونَ مُتَمَتِّعًا إذَا لَمْ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ أَوْلَى وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ: مِنْ اشْتِرَاطِ الْإِحْرَامِ مِنْ مَكَّةَ أَوْ قَرِيبٍ مِنْهَا: تَبِعَ فِيهِ الْمُقْنِعَ وَالْفَائِقَ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ: عَدَمُ التَّقْيِيدِ وَنَسَبهُ فِي الْفُرُوعِ إلَى الْأَصْحَابِ مِنْهُمْ صَاحِبُ الْمُذْهَبِ وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ وَالْخُلَاصَةِ ذَكَرَهُ فِي الْإِنْصَافِ وَقَطَعَ بِعَدَمِ التَّقْيِيدِ فِي الْمُنْتَهَى.
(وَ) صِفَةُ (الْإِفْرَادِ: أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ مُفْرِدًا فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْحَجِّ (اعْتَمَرَ عُمْرَةَ الْإِسْلَامِ إنْ كَانَتْ بَاقِيَةً عَلَيْهِ) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ أَتَى بِهِ قَبْلُ.
(وَ) صِفَةُ (الْقِرَانِ: أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا جَمِيعًا) لِفِعْلِهِ صلى الله عليه وسلم (أَوْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ يُدْخِلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي طَوَافِهَا) لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ «أَهْلَلْنَا بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَدْخَلْنَا عَلَيْهَا الْحَجَّ» .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ " أَنَّ ابْنَ عُمَرَ فَعَلَهُ وَقَالَ " هَكَذَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ أَمَرَ عَائِشَةَ بِذَلِكَ " فَإِنْ كَانَ شَرَعَ فِي طَوَافِ الْعُمْرَةِ لَمْ يَصِحَّ إدْخَالُهُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ شَرَعَ فِي التَّحْلِيلِ مِنْ الْعُمْرَةِ كَمَا لَوْ سَعَى (إلَّا لِمَنْ مَعَهُ الْهَدْيُ فَيَصِحُّ) الْإِدْخَالُ (وَلَوْ بَعْدَ السَّعْيِ) بِنَاءً عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّهُ
لَا يَجُوزُ لَهُ التَّحَلُّلُ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ (وَيَصِيرُ قَارِنًا) جَزَمَ بِهِ فِي الْمُبْدِعِ وَالشَّرْحِ وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى هُنَا وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِهِ فِي الْإِنْصَافِ وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ لَا يَصِيرُ قَارِنًا إذَنْ.
(وَلَا يُعْتَبَرُ لِصِحَّةِ إدْخَالِ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ الْإِحْرَامُ بِهِ) أَيْ: الْحَجِّ (فِي أَشْهُرِهِ) لِصِحَّةِ الْإِحْرَامِ بِهِ قَبْلهَا كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ لَمْ يَصِحَّ إحْرَامُهُ بِهَا) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِهِ أَثَرٌ وَلَمْ يَسْتَفِدْ بِهِ فَائِدَةً بِخِلَافِ مَا سَبَقَ (وَلَمْ يَصِرْ قَارِنًا) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ بِالْإِحْرَامِ الثَّانِي شَيْءٌ.
(وَعَمَلُ الْقَارِنِ كَالْمُفْرِدِ فِي الْإِجْزَاءِ) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ.
(وَيَسْقُطُ تَرْتِيبُ الْعُمْرَةِ وَيَصِيرُ التَّرْتِيبُ لِلْحَجِّ كَمَا يَتَأَخَّرُ الْحِلَاقُ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ فَوَطْؤُهُ قَبْلَ طَوَافِ الْقُدُومِ لَا يُفْسِدُ عُمْرَتَهُ أَيْ: إذَا وَطِئَ وَطْئًا لَا يُفْسِدُ الْحَجَّ مِثْلَ أَنْ وَطِئَ بَعْد التَّحَلُّلِ) وَكَانَ لَمْ يَدْخُلْ مَكَّةَ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ دَخَلَهَا وَلَمْ يَطُفْ لِقُدُومِهِ (الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ لَا يَفْسُدُ حَجُّهُ وَإِذَا لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ لَمْ تَفْسُدْ عُمْرَتُهُ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ " وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ رَوَاهُ أَحْمَدُ.
(وَيَجِبُ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ دَمٌ) إجْمَاعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] وَهُوَ دَمُ (نُسُكٍ لَا) دَمَ (جُبْرَانٍ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَفْضَلِيَّةِ التَّمَتُّعِ عَلَى غَيْرِهِ (بِسَبْعَةِ شُرُوطٍ) مُتَعَلِّقٌ بِيَجِبُ (أَحَدهَا أَنْ لَا يَكُونَ) الْمُتَمَتِّعُ (مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 196](وَهُمْ) أَيْ: حَاضِرُو الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (أَهْلُ مَكَّةَ وَ) أَهْلُ (الْحَرَمِ وَمَنْ كَانَ مِنْهُ أَيْ: مِنْ الْحَرَمِ) لَا مِنْ نَفْسِ مَكَّةَ دُون مَسَافَةِ الْقَصْرِ؛ لِأَنَّ حَاضَرَ الشَّيْءِ مَنْ حَلَّ فِيهِ أَوْ قَرُبَ مِنْهُ وَجَاوَرَهُ بِدَلِيلِ رُخَصِ السَّفَرِ (فَمَنْ لَهُ مَنْزِلَانِ مُتَأَهِّلٌ بِهِمَا، أَحَدُهُمَا دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ) مِنْ الْحَرَمِ (وَالْآخَرُ فَوْقَهَا أَوْ مِثْلَهَا لَمْ يَلْزَمْهُ دَمُ) التَّمَتُّعِ.
(وَلَوْ كَانَ إحْرَامُهُ مِنْ) الْمَنْزِلِ (الْبَعِيدِ أَوْ كَانَ أَكْثَرُ إقَامَتِهِ) فِي الْبَعِيدِ (أَوْ) كَانَ أَكْثَرُ (إقَامَةِ مَالِهِ فِيهِ) أَيْ: فِي الْبَعِيدِ (؛ لِأَنَّ بَعْضَ أَهْلِهِ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) فَلَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ.
(وَإِنْ اسْتَوْطَنَ مَكَّةَ أُفُقِيٌّ) بِضَمَّتَيْنِ نِسْبَةٌ إلَى الْأُفُقِ وَهُوَ النَّاحِيَةُ مِنْ الْأَرْضِ أَوْ السَّمَاءِ وَهُوَ الْأَفْصَحُ وَبِفَتْحَتَيْنِ تَخْفِيفًا (فَحَاضِرٌ) لَا دَمَ عَلَيْهِ لِعُمُومِ الْآيَةِ (فَإِنْ دَخَلَهَا) أَيْ: مَكَّةَ (مُتَمَتِّعًا نَاوِيًا الْإِقَامَةَ بِهَا بَعْدَ فَرَاغِ نُسُكِهِ أَوْ نَوَاهَا) أَيْ: الْإِقَامَةَ (بَعْد فَرَاغِهِ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ النُّسُكِ (أَوْ اسْتَوْطَنَ مَكِّيُّ
بَلَدًا بَعِيدًا ثُمَّ عَادَ) إلَى مَكَّةَ (مُقِيمًا مُتَمَتِّعًا لَزِمَهُ دَمُ) التَّمَتُّعِ؛ لِأَنَّهُ حَالُ الشُّرُوعِ فِي النُّسُكِ لَمْ يَكُنْ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (الثَّانِي أَنْ يَعْتَمِرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَالِاعْتِبَارُ بِالشَّهْرِ الَّذِي أَحْرَمَ) بِهَا (فِيهِ لَا) بِالشَّهْرِ (الَّذِي حَلَّ) مِنْهَا (فِيهِ فَلَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ فِي) شَهْرِ (رَمَضَانَ ثُمَّ حَلَّ) مِنْهَا بِأَنْ طَافَ وَسَعَى وَحَلَقَ.
أَوْ قَصَّرَ (فِي شَوَّالٍ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا) ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ نُسُكٌ يُعْتَبَرُ لِلْعُمْرَةِ أَوْ مِنْ أَعْمَالِهَا فَاعْتُبِرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ كَالطَّوَافِ (وَإِنْ أَحْرَمَ الْآفَاقِيُّ) قَالَ ابْنُ خَطِيبٍ الدَّهْشَةُ: لَا يُقَالُ: آفَاقِيٌّ أَيْ: لَا يُنْسَبُ إلَى الْجَمْعِ بَلْ إلَى الْوَاحِدِ (بِعُمْرَةٍ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ) كَرَمَضَانَ مَثَلًا (ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ وَاعْتَمَرَ مِنْ التَّنْعِيمِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ) فَهُوَ (مُتَمَتِّعٌ نَصًّا) ؛ لِأَنَّهُ اعْتَمَرَ وَحَجَّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ عَامِهِ (وَعَلَيْهِ دَمٌ) لِعُمُومِ الْآيَةِ وَهَذَا قَوْلُ الْمُوَفَّقِ وَالشَّارِحُ عَلَى اخْتِيَارِهِمَا الْآتِي بَيَانُهُ فِي الشَّرْطِ السَّادِسِ (الثَّالِثُ أَنْ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ) لِمَا سَبَقَ (الرَّابِعُ أَنْ لَا يُسَافِرَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَسَافَةَ قَصْرٍ فَأَكْثَرَ فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ: سَافَرَ مَسَافَةَ قَصْرٍ فَأَكْثَرَ (فَأَحْرَمَ) بِالْحَجِّ (فَلَا دَمَ) عَلَيْهِ نَصَّ عَلَيْهِ.
لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ " إذَا اعْتَمَرَ فِي الْحَجِّ ثُمَّ أَقَامَ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ فَإِنْ خَرَجَ وَرَجَعَ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ " وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُ ذَلِكَ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا رَجَعَ إلَى الْمِيقَاتِ أَوْ مَا دُونَهُ لَزِمَهُ الْإِحْرَامُ مِنْهُ فَإِنْ كَانَ بَعِيدًا فَقَدْ أَنْشَأَ سَفَرًا بَعِيدًا لِحَجِّهِ فَلَمْ يُتْرِفهُ بِتَرْكِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ دَمٌ (الْخَامِسُ: أَنْ يُحِلَّ مِنْ الْعُمْرَةِ قَبْلَ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ فَإِنْ أَحْرَمَ بِهِ قَبْلَ حِلِّهِ مِنْهَا صَارَ قَارِنًا) وَلَزِمَهُ دَمُ قِرَانٍ كَمَا يَأْتِي لِتَرَفُّهِهِ بِتَرْكِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ (السَّادِسُ: أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْ الْمِيقَاتِ) أَيْ: مِيقَاتِ بَلَدِهِ (أَوْ مِنْ مَسَافَةِ قَصْرٍ فَأَكْثَرَ مِنْ مَكَّةَ) فَلَوْ أَحْرَمَ مِنْ دُونِ مَسَافَةِ قَصْرٍ مِنْ مَكَّةَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَمُ تَمَتُّعٍ وَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّمَا يَكُونُ عَلَيْهِ دَمُ مُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ بِغَيْرِ إحْرَامٍ إنْ تَجَاوَزَهُ كَذَلِكَ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ (وَنَصّه وَاخْتَارَهُ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ: أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِشَرْطٍ) فَيَلْزَمُهُ دَمُ التَّمَتُّعِ (وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّا نُسَمِّي الْمَكِّيَّ مُتَمَتِّعًا وَلَوْ لَمْ يُسَافِرْ) وَهَذَا غَيْرُ نَاهِضٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْزَمْ مِنْ تَسْمِيَتِهِ مُتَمَتِّعًا وُجُوبُ الدَّمِ وَيَأْتِي أَنَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ لَا تُعْتَبَرُ فِي كَوْنِهِ مُتَمَتِّعًا (السَّابِعُ: أَنْ يَنْوِيَ التَّمَتُّعَ فِي ابْتِدَاءِ الْعُمْرَةِ أَوْ أَثْنَائِهَا) ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَتَبِعَهُ الْأَكْثَرُونَ لِظَاهِرِ الْآيَةِ وَحُصُولِ التَّرَفُّهِ وَجَزَمَ الْمُوَفَّقُ بِخِلَافِهِ.
(وَلَا يُعْتَبَرُ وُقُوعُ النُّسُكَيْنِ عَنْ وَاحِدٍ فَلَوْ اعْتَمَرَ لِنَفْسِهِ وَحَجَّ عَنْ غَيْرِهِ أَوْ عَكْسُهُ) بِأَنْ اعْتَمَرَ عَنْ غَيْرِهِ وَحَجَّ عَنْ نَفْسِهِ (أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ عَنْ
اثْنَيْنِ) بِأَنْ حَجَّ عَنْ أَحَدِهِمَا وَاعْتَمَرَ عَنْ الْآخَرِ (كَانَ عَلَيْهِ دَمُ الْمُتْعَةِ) لِظَاهِرِ الْآيَةِ وَهُوَ عَلَى النَّائِبِ إنْ لَمْ يَأْذَنَا لَهُ فِي ذَلِكَ إنْ لَمْ يَرْجِعْ إلَى الْمِيقَاتِ فَيُحْرِمُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ مُخَالَفَتِهِ وَإِنْ أَذِنَا فَعَلَيْهِمَا وَإِنْ أَذِنَ أَحَدُهُمَا وَحْدُهُ فَعَلَيْهِ النِّصْفُ وَالْبَاقِي عَلَى النَّائِبِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ فِيمَا إذَا اسْتَنَابَهُ اثْنَانِ فِي النُّسُكَيْنِ فَقَرَنَ بَيْنَهُمَا لَهُمَا أَوْ اسْتَنَابَهُ وَاحِدٌ فِي أَحَدِ النُّسُكَيْنِ فَقَرَنَ لَهُ وَلِنَفْسِهِ (وَلَا تُعْتَبَرُ هَذِهِ الشُّرُوطُ) جَمِيعُهَا (فِي كَوْنِهِ) يُسَمَّى (مُتَمَتِّعًا) خِلَافًا لِظَاهِرِ كَلَامِ الْمُوَفَّقِ وَمَنْ تَبِعَهُ (فَإِنَّ الْمُتْعَةَ تَصِحُّ مِنْ الْمَكِّيِّ لِغَيْرِهِ) مَعَ أَنَّهُ لَا دَمَ عَلَى الْمَكِّيِّ.
(وَيَلْزَمُ دَمُ تَمَتُّعٍ وَقِرَانٍ بِطُلُوعِ فَجْرِ) يَوْمِ (النَّحْرِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] أَيْ: فَلْيَهْدِ وَحَمْلُهُ عَلَى أَفْعَالِهِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى إحْرَامِهِ كَقَوْلِهِ «الْحَجُّ عَرَفَةَ» وَيَوْمُ النَّحْرِ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ؛ وَلِأَنَّ ذَلِكَ الْوَقْتَ وَقْتُ ذَبْحِهِ فَكَانَ وَقْتَ وُجُوبِهِ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى تَبَعًا لِابْنِ الْخَطَّابِ وَفِي كَوْنِهِ وَقْتَ ذَبْحِهِ نَظَرٌ وَمُرَادُهُ: أَنَّهُ أَوَّلُ الْأَيَّامِ الَّتِي يُذْبَحُ فِيهَا وَإِنْ تَأَخَّرَ زَمَنُ ذَبْحِهِ عَنْهُ؛ وَلِأَنَّ الْهَدْيَ مِنْ جِنْسٍ يَقَعُ بِهِ التَّحَلُّلُ فَكَانَ وَقْتُ وُجُوبِهِ بَعْدَ وَقْتِ الْوُقُوفِ كَطَوَافٍ وَرَمْيٍ وَحَلْقٍ وَفِيهِ أَيْضًا نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي وُجُوبَهُ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ التَّشْبِيهُ فِي تَأَخُّرِ وَقْتِهَا عَنْ وَقْتِ الْوُقُوفِ فِي الْجُمْلَةِ (وَيَأْتِي وَقْتُ ذَبْحِهِ) فِي بَابِ الْهَدْيِ وَالْأَضَاحِيَّ.
(وَيَلْزَمُ الْقَارِنَ أَيْضًا: دَمُ نُسُكٍ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) نَصَّ عَلَيْهِ وَاحْتَجَّ لَهُ جَمَاعَةٌ بِالْآيَةِ؛ وَلِأَنَّهُ تَرَفَّهَ بِسُقُوطِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ كَالْمُتَمَتِّعِ (وَلَا يَسْقُطُ دَمُ تَمَتُّعٍ وَقِرَانٍ بِفَسَادٍ لِنُسُكِهِمَا) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَ الْإِتْيَانُ بِهِ فِي الصَّحِيحِ وَجَبَ فِي الْفَاسِدِ كَالطَّوَافِ وَغَيْرِهِ (وَلَا) يَسْقُطُ دَمُ تَمَتُّعٍ وَقِرَانٍ أَيْضًا (بِفَوَاتِهِ) أَيْ: الْحَجِّ كَمَا لَوْ فَسَدَ (وَإِذَا قَضَى الْقَارِنُ لَزِمَهُ دَمَانِ دَمٌ لِقِرَانِهِ الْأَوَّلِ وَدَمٌ لِقِرَانِهِ الثَّانِي) .
(وَإِنْ قَضَى) الْقَارِنُ (مُفْرِدًا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ) لِقِرَانِهِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِنُسُكٍ أَفْضَلَ (وَجَزَمَ غَيْرُ وَاحِدٍ) بِهِ (أَنَّهُ يَلْزَمُهُ دَمٌ لِقِرَانِهِ الْأَوَّلِ) ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ كَالْأَدَاءِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ مَمْنُوعٌ (فَإِذَا فَرَغَ) مَنْ قَضَى مُفْرِدًا مِنْ الْحَجِّ (أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْ) الْمِيقَاتِ (الْأَبْعَدِ) أَيْ: أَبْعَدِ الْمِيقَاتَيْنِ اللَّذَيْنِ أَحْرَمَ فِي أَحَدِهِمَا بِالْقِرَانِ وَفِي الْآخَرِ بِالْحَجِّ (كَمَنْ فَسَدَ حَجُّهُ) ثُمَّ قَضَاهُ يُحْرِمُ مِنْ أَبْعَدِ الْمِيقَاتَيْنِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُحْرِمْ بِالْعُمْرَةِ مِنْ أَبْعَدِ الْمِيقَاتَيْنِ (لَزِمَهُ دَمٌ) لِتَرْكِهِ وَاجِبًا.
(وَإِنْ قَضَى) الْقَارِنُ (مُتَمَتِّعًا فَإِذَا تَحَلَّلَ مِنْ
الْعُمْرَةِ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ أَبْعَدِ الْمَوْضِعَيْنِ: الْمِيقَاتِ الْأَصْلِيِّ وَالْمَوْضِعِ الَّذِي أَحْرَمَ مِنْهُ الْإِحْرَامَ الْأَوَّلَ) الَّذِي أَفْسَدَهُ قُلْتُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا دَمَ عَلَيْهِ إذَنْ لِفَوَاتِ الشَّرْط الرَّابِعِ.
(وَيُسَنُّ لِمَنْ كَانَ قَارِنًا أَوْ مُفْرِدًا فَسْخَ نِيَّتُهُمَا بِالْحَجِّ وَيَنْوِيَانِ) بِإِحْرَامِهِمَا ذَلِكَ (عُمْرَةً مُفْرَدَةً فَإِذَا فَرَغَا مِنْهَا) أَيْ: الْعُمْرَةِ (وَحَلَّا أَحْرَمَا بِالْحَجِّ لِيَصِيرَا مُتَمَتِّعَيْنِ مَا لَمْ يَكُونَا سَاقَا هَدْيًا) ؛ لِأَنَّهُ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم «أَمَرَ أَصْحَابَهُ الَّذِينَ أَفْرَدُوا الْحَجَّ وَقَرَنُوا أَنْ يُحِلُّوا كُلُّهُمْ وَيَجْعَلُوهَا عُمْرَةً إلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ لِأَحْمَدَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْك حَسَنٌ جَمِيلٌ إلَّا خَصْلَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ: وَمَا هِيَ قَالَ تَقُولُ: بِفَسْخِ الْحَجِّ قَالَ كُنْتُ أَرَى لَك عَقْلًا عِنْدِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ حَدِيثًا جِيَادًا صِحَاحًا كُلَّهَا فِي فَسْخِ الْحَجِّ أَتْرُكُهَا لِقَوْلِكَ؟ وَقَدْ رَوَى فَسْخَ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَجَابِرٌ وَعَائِشَةُ وَأَحَادِيثُهُمْ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا.
وَرَوَاهُ غَيْرُهُمْ مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ وَفِي الِانْتِصَارِ وَعُيُونِ الْمَسَائِلِ: لَوْ ادَّعَى مُدَّعٍ وُجُوبَ الْفَسْخِ لَمْ يَبْعُدْ مَعَ أَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَزْمٍ وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم «لَمَّا قَدِمَ لِأَرْبَعٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ فَصَلَّى الصُّبْحَ بِالْبَطْحَاءِ ثُمَّ قَالَ مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَجْعَلْهَا» وَاحْتَجَّ الْمُخَالِفُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] وَرُدَّ بِأَنَّ الْفَسْخَ نَقْلُهُ إلَى غَيْرِهِ لَا إبْطَالُهُ مِنْ أَصْلِهِ وَلَوْ سَلِمَ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ مَسْأَلَتِنَا قَالَهُ الْقَاضِي فَإِنْ قِيلَ هَلْ يَصِحُّ وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْ فِعْلَ الْحَجِّ مِنْ عَامِهِ قِيلَ مَنَعَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ لَا بُدَّ أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ مِنْ عَامِهِ لِيَسْتَفِيدَ فَضِيلَةَ التَّمَتُّعِ؛ وَلِأَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ فَلَا يُؤَخِّرُهُ لَوْ لَمْ يُحْرِمْ بِهِ فَكَيْفَ وَقَدْ أَحْرَمَ بِهِ.
وَاخْتَلَفَ كَلَامُ الْقَاضِي وَقَدَّمَ الصِّحَّةَ؛ لِأَنَّهُ بِالْفَسْخِ حَصَلَ عَلَى صِفَةٍ يَصِحُّ مِنْهُ التَّمَتُّعُ؛ وَلِأَنَّ الْعُمْرَةَ لَا تَصِيرُ حَجًّا وَالْحَجُّ يَصِيرُ عُمْرَةً كَمَنْ حُصِرَ عَنْ عَرَفَةَ أَوْ فَاتَهُ الْحَجُّ فَإِنْ كَانَ الْمُفْرِدُ وَالْقَارِنُ سَاقَا الْهَدْيَ لَمْ يُفْسَخَا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ «إلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ» (أَوْ) يَكُونَا (وَقَفَا بِعَرَفَةَ) فَلَا يُفْسَخَانِ فَإِنَّ مَنْ وَقَفَ بِهَا أَتَى بِمُعْظَمِ الْحَجِّ وَأَمِنَ مِنْ فَوْتِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ (فَلَوْ فَسَخَا فِي الْحَالَتَيْنِ) أَيْ: فِيمَا إذَا سَاقَا هَدْيًا أَوْ وَقَفَا بِعَرَفَةَ (فَلَغْوٌ) لِمَا سَبَقَ وَهُمَا بَاقِيَانِ عَلَى نُسُكِهِمَا الَّذِي أَحْرَمَا بِهِ.
(وَلَوْ سَاقَ الْمُتَمَتِّعُ هَدْيًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُحِلَّ) مِنْ عُمْرَتِهِ (فَيُحْرِمَ