الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث السابع
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنهما قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الأَضْحَى بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَالَ: مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا وَنَسَكَ نُسُكَنَا فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ، وَمَنْ نَسَكَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَإِنَّهُ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَلَا نُسُكَ لَهُ. فَقَالَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ خَالُ الْبَرَاءِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنِّي نَسَكْتُ شَاتِي قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَعَرَفْتُ أَنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَأَحْبَبْتُ أَنْ تَكُونَ شَاتِي أَوَّلَ مَا يُذْبَحُ فِي بَيْتِي، فَذَبَحْتُ شَاتِي وَتَغَدَّيْتُ قَبْلَ أَنْ آتِيَ الصَّلَاةَ. قَالَ: شَاتُكَ شَاةُ لَحْمٍ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّ عِنْدَنَا عَنَاقًا لَنَا جَذَعَةً أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ شَاتَيْنِ، أَفَتَجْزِي عَنِّي؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ.
قوله: "خطبنا النبيُّ صلى الله عليه وسلم يوم الأضحى بعد الصلاة. فقال مَنْ صلّى صلاتنا ونسكَ نُسكَنا فقد أصابَ النُسكَ، ومَنْ نَسكَ قبلَ الصلاةِ فإنَّهُ قبلَ الصلاةِ، ولا نُسكَ له" وفي الرواية التي قبل هذا بباب "يخطبُ. فقال: إنَّ أولَ ما نبدأ به في يومنا هذا أنْ نَصليَ ثم نرجعَ فننحرَ فَمَنْ فعلَ فقد أصابَ سنتُنا".
وقوله: "ومَنْ نسكَ قبل الصلاةِ فإنه قبلَ الصلاةِ ولا نُسكَ له" أي: بإثبات الواو في ولا نسك له، وحذفها النسائي وهو أوجه، ويمكن توجيه إثباتها بتقدير لا يجزىء ولا نسك له، وهو قريب من حديث "فَمَنْ كانت هجرتُهُ إلى اللهِ ورسولِه فهجرتُهُ إلى اللهِ ورسولِه"، وقد أخرجه مسلم عن عثمان بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم عن جرير بلفظه، وأخرجه الإسماعيلي عن أبي خيثمة عن جرير بلفظ "ومَنْ نسكَ قبلَ الصلاةِ فشاتُهُ شاةُ لحم". وأخرجه أبو يعلى عن أبي خيثمة بهذا اللفظ، والظن أن التصرف فيه من عثمان رواه بالمعنى، ومعنى "من نسك نسكنا" ضحى مثل ضحيتنا، والنُسكة الذبيحة، والنُسك العبادة.
وقد قيل لثعلب هل يسمى الصوم نسكًا؟ قال كل حق لله عز وجل يسمى نُسكًا.
وقوله: "أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلّي ثم نرجع" إلخ وقد وقع هذا منه في الخطبة بعد الصلاة، وعلى هذا فمعنى قوله:"أن نصلّي صلاة العيد" أي أول ما يكون الابتداء به في هذا اليوم الصلاة التي بدأنا بها، فعبر بالمستقبل عن الماضي وذلك مثل قوله تعالى: {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا
أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ} المعنى إلا الإيمان المتقدم منهم. وفي رواية محمد بن طلحة الآتية إن شاء الله تعالى في هذا الحديث بعينه "خرجَ عليه الصلاة والسلام يومَ أضحى إلى البقيعِ فصلّى ركعتين، ثم أقبلَ علينا بوجههِ الشريفِ وقال: إن أولَ نُسكِنا في يومِنا هذا أن نبدأ بالصلاةِ ثم نرجعَ فننحرَ". وأول عيد صلاّه النبي صلى الله عليه وسلم عيد الفطر في السنة الثانية من الهجرة.
وقد اختلف في حكم صلاة العيد بعد إجماع الأمة على مشروعيتها فقال أبو حنيفة وأصحابه: واجبة على الأعيان. قال صاحب "الهداية": تجب صلاة العيد على من تجب عليه الجمعة.
وقالت المالكية والشافعية: سُنة مؤكدة. وقال أحمد وجماعة: فرض على الكفاية.
واستدل الأولون بمواظبته صلى الله عليه وسلم عليها من غير ترك. واستدل المالكية والشافعية في حديث الأعرابي في "الصحيحين" هل عليَّ غيرها؟ قال: لا إلا أن تطّوّع"، وحديث "خمس صلوات كتبهنّ الله في اليوم والليلة" وحملوا ما نقله المزني عن الشافعي أن من وجبت عليه الجمعة وجب عليه حضور العيدين على التأكيد فلا إثم ولا قتال بتركها.
واستدلت الحنابلة بقوله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} وهو يدل على الوجوب، وحديث الأعرابي يدل على أنها لا تجب على كل أحد فتعين أن تكون فرضًا على الكفاية.
وأجيب بأنا لا نسلم أن المراد بقوله: فصل صلاة العيد سلمنا ذلك لكن ظاهره يقتضي وجوب النحر وأنتم لا تقولون به سلمنا أن المراد من النحر ما هو أعم، لكن وجوبه خاص به فيختص وجوب صلاة العيد به سلمنا الكل وهو أن الأمر الأول غير خاص به، والأمر الثاني خاص، لكن لا نسلم أن الأمر للوجوب فنحمله على الندب جمعًا بينه وبين الأحاديث الآخر سلمنا جميع ذلك، لكن صيغة صلّ خاصة به فإن حملت عليه وعلى أمته وجب إدخال الجميع، فلما دل الدليل على إخراج بعضهم كما زعمتم كان ذلك قادحًا في القياس قاله البساطي. من القسطلاني.
واختلف فيمن يخاطب بصلاة العيد فمشهور مذهب مالك: ليس ذلك إلا على من تجب عليه الجمعة وهو قول الليث وأكثر أهل العلم فيما حكاه ابن بطال. وقال ربيعة: كانوا يرون الفرسخ وهو ثلاثة أميال. وقال الأوزاعي: من آواه الليل إلى أهله فعليه الجمعة والعيد. وقال ابن القاسم وأشهب: إن شاء من لا تلزمهم الجمعة أن يصلوها بإمام فعلوا ولكن لا خطبة، فإن خطب فحسن.
وقوله: "ولا نسك له" استدل به من اشترط تقدم الذبح من الإمام بعد صلاته وخطبته؛ لأن قوله: "من ذبحَ قبلَ أن يصلِّي فليذبح مكانها أخرى" إنما صدر منه بعد صلاته وخطبته وذبحه فكأنه قال: من ذبح قبل فعل هذه الأمور فليعد أي: فلا يعتد بما ذبحه، وهذا هو قول مالك. واختلف أصحابه في الإمام الذي لا يجوز أن يضحى قبل تضحيته فقيل هو أمير المؤمنين، وقيل هو الإِمام الذي يصلي بالناس صلاة العيد.
وعند الشافعية إن أول وقت الأضحية قدر فراغ الصلاة والخطبة وإنما شرطوا فراغ الخطيب؛
لأن الخطبتين مقصودتان مع الصلاة في هذه العبادة فيعتبر مقدار الصلاة والخطبتين على أخف ما يجزىء بعد طلوع الشمس، فإذا ذبح بعد ذلك أجزأه الذبح عن الأضحية سواء صلى العيد أم لا، وسواء ذبح الإمام أضحيته أم لا ويستوي في ذلك أهل العصر والحاضر والبادي، وقال الأوزاعي بمثل قول مالك.
قال القرطبي: ظواهر الأحاديث تدل على تعليق الذبح بالصلاة، لكن لما رأى الشافعي أن من لا صلاة عيد عليه مخاطب بالتضحية حمل الصلاة على وقتها. وقال أبو حنيفة والليث: "لا ذبح قبل الصلاة، ويجوز بعدها ولو لم يذبح الإمام. وهذا خاص بأهل العصر وأما أهل القرى والبوادي فيدخل وقت الأضحية عندهم إذا طلع الفجر الثاني.
وقال مالك: يذبحون إذا نحر أقرب الأئمة إليهم فإن نحروا قبل أجزأهم. وقال عطاء وربيعة: يذبح أهل القرى بعد طلوع الشمس. وقال أحمد وإسحاق: إذا فرغ الإمام من الصلاة جازت الأضحية، وهو وجه للشافعية قوي من حيث الدليل وإن ضعفه بعضهم. ومثله قول الثوري: يجوز بعد صلاة الإمام قبل خطبته وفي أثنائها، ويحتمل أن يكون قوله في بعض روايات حديث البراء، فلا يذبح حتى ينصرف أي من الصلاة كما في الروايات الآخر وأصرح من ذلك ما وقع عند أحمد عن يزيد بن البراء عن أبيه رفعه "إنما الذبح بعد الصلاة". وفي حديث جندب عند مسلم "منْ ذبحَ قبل أن يصلِّيَ فليذبحْ مكانها أخرى".
قال ابن دقيق العبد: هذا اللفظ أظهر في اعتبار فعل الصلاة من حيث البراء أي حيث جاء فيه "مَنْ ذبحَ قبلَ الصلاةِ" لكن قال: إن أجريناه على ظاهره اقتضى أن لا تجزىء الأضحية في حق من لم يصل العيد، فإن ذهب إليه أحد فهو أسعد الناس بظاهر هذا الحديث، وإلا وجب الخروج عن هذا الظاهر في هذه الصورة، ويبقى ما عداها في محل البحث وتعقب بأنه قد وقع في "صحيح مسلم" في ش واية أخرى قبل أن يصلي أو نصلي بالشك. قال النووي: الأولى بالياء، والثانية بالنون، وهو شك من الراوي؛ فعلى هذا إذا كان بلفظ يصلي ساوى لفظ حديث البراء في تعليق الحكم بفعل الصلاة.
وعند البخاري في حديث جندب في الذبائح بمثل لفظ البراء، وهو خلاف ما يوهمه سياق صاحب "العمدة" فإنه ساقه على لفظ مسلم وهو ظاهر في اعتبار فعل الصلاة، فإن إطلاق لفظ الصلاة وإرادة وقتها خلاف الظاهر، وأظهر من ذلك قوله:"قبل أن نصلي" بالنون وكذا قوله قبل أن ننصرف سواء قلنا من الصلاة أم من الخطبة.
وادعى بعض الشافعية أن قوله عليه الصلاة والسلام: "مَنْ ذبَح قبل أنْ يصلِّي فليذبحْ مكانها أخرى" أي: بعد أن يتوجه من مكان هذا القول؛ لأنه خاطب بذلك من حضره فكأنه قال من ذبح قبل فعل هذا من الصلاة والخطبة فليذبح أخرى أي: فلا يعتد بما ذبحه.
وأورد الطحاوي ما أخرجه مسلم عن جابر بلفظ "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوم النحر بالمدينة، فتقدم رجال فنحروا وظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نحر فأمرهم أن يعيدوا". قال ورواه حماد بن سلمة عن جابر بلفظ "أن رجلًا ذبحَ قبلَ أن يصلّي رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهى أن يذبحَ أحدٌ قبلَ الصلاةِ" وصححه ابن حبان، ويشهد لذلك قوله في حديث البراء:"إنّ أوّلَ ما نصنعُ أنْ نبدأ بالصلاةِ ثم نرجعَ فننحرَ" فإنه دال على أن وقت الذبح يدخل بعد فعل الصلاة، ولا يشترط التأخير إلى نحر الإمام، ويؤيده من طريق النظر أن الإمام لو لم ينحر لم يكن ذلك مسقطًا عن الناس مشروعية النحر. ولو أن الإمام نحر قبل أن يصلي لم يجزئه نحره فدل على أنه هو والناس في وقت الأضحية سواء.
وقال المهلب: إنما كره الذبح قبل الإمام لئلا يشتغل الناس بالذبح عن الصلاة.
وقوله: "شاتك شاة لحم" أي: ليست أضحية بل هو لحم ينتفع به كما في رواية زبيد الآتية في الضحايا، فإنما هو لحم يقدمه لأهله. وفي رواية فراس عند "مسلم" قال:"ذلك شيءٌ عجلتهُ لأهلِكَ". وقد استشكلت الإضافة في قوله: "شاة لحم" وذلك أن الإضافة قسمان: معنوية، ولفظية.
فالمعنوية إما مقدرة (بمنْ) كخاتم حديد أو (باللام) كغلام زيد أو (بقي) كضرب اليوم معناه ضرب في اليوم.
وأما اللفظية فهي صفة مضافة إلى معمولها كضارب زيد وحسن الوجه ولا يصح شيء من هذه الأقسام الخمسة في شاة لحم. قال الفاكهاني: والذي يظهر لي أن أبا بردة لما اعتقد أن شاته شاة أضحية أوقع صلى الله عليه وسلم الجواب قوله: "شاة لحم" موقع قوله: "شاة غير أضحية".
وقوله: "فإن عندنا عَنَاقًا"، وفي رواية "عناق لبن" العَناق بفتح العين وتخفيف النون الأنثى من ولد المعز عند أهل اللغة، ولم يصب الداودي في زعمه أن العَناق هي التي استحقت أن تحمل، وأنها تطلق على الذكر والأنثى، وأنه بيّن بقوله لبن أنها أنثى.
قال ابن التين: غلط في نقل اللغة وفي تأويل الحديث فإن معنى "عَناق لبن" أنها صغيرة سن ترضع أمها. وعند الطبراني "أن أبا بردة ذبح ذبيحته بسحر فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال إنما الأضحية ما ذُبحَ بعد الصلاةِ اذهبْ فضحِ. فقال ما عندي إلا جَذَعة مِنَ المعز" الحديث.
وقوله: "هي أحب إليّ من شاتين" مرّ الكلام عليه في الحديث الذي قبله. وقوله: "ولن تجزىء عن أحد بعدك" وفي حديث سهل بن أبي حثمة "ليست فيها رخصة لأحد بعدك". وقوله: "تَجزي" بفتح أوله غير مهموز أي: تقضي. يقال جزى عن فلان كذا أي: قضى، ومنه {لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} أي: لا تقضي عنها. قال ابن بري: الفقهاء يقولون لا تُجزىء بالضم والهمز في موضع لا تقضي والصواب بالفتح وترك الهمز، لكن يجوز الضم والهمز بمعنى الكفاية يقال أجزأ عنك، وبنو تميم يقولون البدنة تُجزىء عن سبعة بضم أوله وأهل الحجاز تجزي بفتح أوله وبهما
قرىء {لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} وفي هذا تعقب على من نقل الاتفاق على منع ضم أوله. وفي هذا الحديث تخصيص أبي بردة بإجزاء الجذع من المعز في الأضحية عنه، لكن وقع في عدة أحاديث التصريح بنظير ذلك لغير أبي بردة ففي حديث عقبة بن عامر المخرج عند المصنف في الضحايا زيادة، ولا رخصة فيها لأحد بعدك.
قال البيهقي: "إن كانت هذه الزيادة محفوظة كان هذا رخصة لعقبة كما رخص لأبي بردة، وفي هذا الجمع نظر؛ لأن في كل منهما صيغة عموم فأيهما تقدم على الآخر اقتضى انتفاء الوقوع للثاني وأقرب ما يقال فيه إن ذلك صدر لكل منهما في وقت واحد أو تكون خصوصية الأول فسخت بثبوت الخصوصية للثاني، ولا مانع من ذلك؛ لأنه لم يقع في السياق استمرار المنع لغيره صريحًا.
وقد انفصل ابن التين وتبعه القرطبي عن هذا الإشكال باحتمال أن يكون العتود المذكور في حديث عاقبة كان كبير السنن بحيث يجزىء، لكنه قال ذلك بناء على أن الزيادة التي في آخره لم تقع له، لا يتم مراده عمر وجودها مع مصادمته لقول أهل اللغة في العتود، وتمسك بعض المتأخرين بكلام ابن التين فضعف الزيادة وليس بجيد فإنها خارجة من مخرج الصحيح، فإنها عند البيهقي عن عبد الله البوشنجي أحد الأئمة الكبار في الحفظ والفقه وسائر فنون العلم رواها عن يحيى بن بكير عن الليث بالسند الذي شاقه البخاري، ولكن وقع الحديث في المتفق للجوزقي عن يحيى بن بكير، وليست الزيادة فيه فهذا هو السر في قول البيهقي إن كانت محفوظة فكأنه لما رأى التفرد خشي أن يكون دخل على راويها حديث في حديث.
وفي كلام بعضهم أن الذين ثبتت لهم الرخصة أربعة أو خمسة، واستشكل الجمع وليس بمشكل؛ لأن الأحاديث التي ورد فيها ذلك ليس فيها التصريح بالنفي إلا في قصة أبي بردة في "الصحيحين" وفي قصة عاقبة بن عامر في البيهقي، وأما ما عدا ذلك فقد أخرج أبو داود وأحمد، وصححه ابن حبان عن زيد بن خالد "أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه عتودًا جذعًا فقال ضحِ فقلت: إنه جذعٌ أفأضحي به؟ قال: نعم، ضحِ به. فضحيتُ به" لفظ أحمد وفي صحيح ابن حبان وابن ماجه، عن عويمر بن أشاقر "أنه ذبح أضحيته قبل أن يغدو يوم النحر فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيدَ أضحية أخرى".
وفي "الطبراني "الأوسط" عن ابن عباس "أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى سعد بن أبي وقاص جذعًا من المعز فأمره أن يضحي به".
وأخرجه الحاكم عن عائشة وفي سنده ضعف، ولأبي يعلى والحاكم عن أبي هريرة "أن رجلًا قال يا رسولَ الله هذا جذعٌ مِنَ الضأنِ مهزولٌ، وهذا جذعٌ من المعزِ سمينٌ وهو خيرُهما أفأضحي به؟ قال: ضح به فإنَّ لله الخيرَ"، وفي سنده ضعف والحق أنه لا منافاة بين هذه الأحاديث وبين حديثي أبي بردة وعقبة لاحتمال أن يكون ذلك في ابتداء الأمر، ثم تقرر الشرع بأن الجذع من المعز لا يجزىء، وأختص أبو بردة وعقبة بالرخصة في ذلك وإنما قيل هذا؛ لأن بعض الناس قالوا: إن هؤلاء شاركوا عقبة وأبا بردة في ذلك، إنما وقعت في مطلق الإجزاء لا في خصوص منع الغير، ومنهم من
زاد فيهم عويمر بن أشقر وليس في حديثه إلا مطلق الإعادة؛ لكونه ذبح قبل الصلاة.
وأما ما أخرجه ابن ماجه عن أبي زيد الأنصاري "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل من الأنصار اذبحها ولن تجزىء جذعةٌ عن أحدٍ بعدك" فهذا يحمل على أنه أبو بردة بن نيار؛ لأنه من الأنصار. وكذا ما أخرجه أبو يعلى والطبراني عن أبي جحيفة "أن رجلًا ذبحَ قبلَ الصلاةِ فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لا تجزىء عنكَ. قال إن عندي جَذعةً. قال: تجزىء عنك ولا تجزىء بعد" فلم يثبت الإجزاء لأحد ونفيه عن الغير إلا لأبي بردة وعقبة فإن تعذر الجمع الذي قد مرّ فحديث أبي بردة أصح مخرجًا.
قال الفاكهاني: ينبغي النظر في اختصاص أبي بردة بهذا الحكم وكشف السر فيه. وأجاب الماوردي بأن فيه وجهين:
أحدهما: أن ذلك كان قبل استقرار الشرع فاستثني.
والثاني: أنه علم من طاعته وخلوص نيته ما ميزه عمن سواه.
وفي الأول نظر؛ لأنه لو كان سابقًا لامتنع وقوع ذلك لغيره بعد التصريح بعدم الإجزاء لغيره والغرض ثبوت الإجزاء لعدد غيره كما مرّ.
قلت الظاهر عندي في الجواب هو أن المرجع في الأحكام إنما هو إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأنه قد يخص بعض أمته بحكم ويمنع غيره منه. ولو كان بغير عذر وهذا الحكم متقرر عند العلماء أخذوه من هذا الحديث وغيره، وفي الحديث أن خطابه للواحد يعم جميع المكلفين حتى يظهر دليل الخصوصية؛ لأن السياق يشعر بأن قوله لأبي بردة ضح به أي بالجذع ولو كان يفهم منه تخصيصه بذلك لما احتاج إلى أن يقوله له:"ولن تجزىء عن أحد بعدك" ويحتمل أن يكون قائدة ذلك قطع إلحاق غيره به في الحكم المذكور لا أن ذلك مأخوذ من مجرد اللفظ وهو قوي.
وفيه أن الإمام يعلم الناس في خطبة العيد أحكام النحر.
وفيه جواز الاكتفاء في الضحية بالشاة الواحدة عن الرجل وعن أهل بيته، وبه قال الجمهور وعن أبي حنيفة والثوري يكره.
وقال الخطابي: لا يجوز أن يضحي بشاة واحدة عن اثنين، وادعى نسخ ما دل عليه حديث عائشة الآتي في الضحايا في باب (من ذبح ضحية غيره) وتعقب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال. قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: وفيه أن العمل وإن وافق نية حسنة لم يصح إلا إذا وقع على وفق الشرع.
وفيه جواز أكل اللحم يوم العيد من غير لحم الأضحية لقوله إنما هو لحم قدمه لأهله.
وفيه كرم الرب سبحانه وتعالى لكونه شرع لعبيده الأضحية مع ما لهم فيها من الشهوة بالأكل والادخار، ومع ذلك فأثبت لهم الأجر في الذبح، ثم من تصدق أثيب وإلا لم يأثم.