الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الثامن عشر
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ أَفْضَلَ مِنَ الْعَمَلِ فِي هَذِهِ". قَالُوا: وَلَا الْجِهَادُ؟ قَالَ: "وَلَا الْجِهَادُ، إِلَاّ رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ".
قوله: "عن سليمان" هو الأعمش، وقد رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة فصرح بسماع الأعمش له من مسلم ولفظه عن الأعمش قال:"سمعت مسلمًا"، وهكذا رواه الثوري وأبو معاوية وغيرهما من الحفاظ عن الأعمش. وأخرجه أبو داود عن وكيع عن الأعمش فقال:"عن مسلم ومجاهد وأبي صالح عن ابن عباس".
فأما طريق مجاهد فقد رواها أبو عوانة عن موسى بن أبي عائشة عن مجاهد فقال: "عن ابن عمر" بدل "عن ابن عباس".
وأما طريق أبي صالح فقد رواها أبو عوانة أيضًا عن موسى بن أعين عن الأعمش فقال: "عن أبي صالح عن أبي هريرة" والمحفوظ في هذا حديث ابن عباس، وفيه اختلاف آخر عن الأعمش رواه أبو إسحاق الفزاري عن الأعمش فقال:"عن أبي وائل عن ابن مسعود" أخرجه الطبراني. وقد وافق الأعمش على روايته له عن مسلم البطين سلمة بن كهيل عن أبي عوانة أيضًا، ورواه عن سعيد بن جبير أيضًا القاسم بن أبي أيوب عند الدارمي وأبو عوانة وأبو جرير السختياني عند أبي عوانة وعدي بن ثابت عند البيهقي، وسيأتي ما في رواياتهم من الفوائد والزوائد.
وقوله: "ما العمل في أيام أفضل منه في هذه" كذا لأكثر الرواة بالإبهام. وفي رواية كريمة عن الكشميهني "ما العمل في أيام العشر أفضل من العمل في هذه" وهذا يقتضي نفي أفضلية العمل في أيام العشر على العمل في هذه الأيام إن فسرت بأنها أيام التشريح. وعلى ذلك جرى بعض شراح "البخاري"، وحمله على ذلك ترجمة البخاري المذكورة فزعم أن البخاري فسر الأيام المبهمة في هذا الحديث بأنها أيام التشريق، وفسر العمل بالتكبير، لكونه أورد الآثار المذكورة المتعلقة بالتكبير فقط.
وقال ابن أبي جمرة الحديث دال على أن العمل في أيام التشريق أفضل من العمل في غيره.
قال: ولا يعكر على ذلك كونها أيام عيد كما روي عن عائشة ولا ما صح من قوله عليه الصلاة والسلام: "أنها أيام أكل وشرب"، كما رواه مسلم؛ لأن ذلك لا يمنع العمل فيها، بل قد شرع فيها أعلى العبادات وهو ذكر الله تعالى، ولم يمنع فيها منه إلا الصيام.
قال وسرّ كون العبادة فيها أفضل من غيرها أن العبادة في أوقات الغفلة فاضلة على غيرها وأيام التشريق أيام غفلة في الغالب، فصار للعابد فيها مزيد فضل على العابد في غيرها كمن قام في جوف الليل وأكثر الناس نيام.
وفي أفضلية أيام التشريق نكتة أخرى وهي أنها وقعت فيها محنة الخليل بولده، ثم مَنَّ عليه بالفداء فثبت لها الفضل بذلك، وهو توجيه حسن إلا أن المنقول يخالف والسياق الذي في رواية كريمة شاذ مخالف لما رواه أبو ذر، وهو من الحفاظ عن الكشميهني شيخ كريمة بلفظ "ما العمل في أيام أفضل منه في هذا العشر" وكذا أخرجه أحمد وغيره عن شعبة بالإسناد المذكور، ورواه أبو داود الطيالسي في "مسنده" عن شعبة فقال:"في أيام أفضل منه في عشر ذي الحجة" وكذا رواه الدارمي عن شعبة، وفي رواية وكيع المقدم ذكرها ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام يعني أيام العشر، وكذا رواه ابن ماجه عن أبي معاوية عن الأعمش ورواه الترمذي عن أبي معاوية فقال: من هذه الأيام العشر بدون يعني، وقد ظن قوم أن قوله يعني أيام العشر تصير من بعض رواته لكن ما مرّ عن الطيالسي وغيره ظاهر في أنه من نفس الخبر. وكذا في رواية القاسم بن أبي أيوب بلفظ "ما من عمل أزكى عند الله تعالى ولا أعظم أجرًا من خير يعمله في عشر الأضحى".
وفي حديث جابر في "صحيحي" أبي عوانة وابن حبان "ما من أيام أفضل عند الله من أيام عشر ذي الحجة" فظهر أن المراد بالأيام في حديث الباب أيام عشر ذي الحجة، لكنه مشكل على ترجمة البخاري بأيام التشريق ويجاب عنه بأجوبة:
أحدها: أن الشيء يشرف بمجاورته للشيء الشريف، وأيام التشريق تقع تلو أيام العشر، وقد ثبتت الفضيلة لأيام العشر بهذا الحديث فثبتت بذلك الفضيلة لأيام التشريق.
ثانيها: أن عشر ذي الحجة إنما شرف لوقوع أعمال الحج فيه، وبقية أعمال الحج تقع في أيام التشريق كالرمي والطواف وغير ذلك من تتماته، فصارت مشتركة معها في أصل الفضل؛ ولذلك اشتركت معها في مشروعية التكبير في كل منها، وبهذا تظهر مناسبة إيراد الآثار المذكورة في صدر الترجمة لحديث ابن عباس.
ثالثها: أن بعض أيام التشريق هو بعض أيام العشر وهو يوم العيد، وكما أنه خاتمة أيام العشر فهو مفتتح أيام التشريق فهي ثبت لأيام العشر من الفضل شاركتها فيه أيام التشريق؛ لأن يوم العيد بعض كل منهما بل هو رأس كل منها وشريفه وعظيمه وهو يوم الحج الأكبر كما يأتي في الحج.
وقوله: "قالوا: ولا الجهاد" في رواية سَلَمَةَ بنِ كُهَيل المذكورة فقال رجل: ولم يوجد في شيء
من طرف هذا الحديث تعيين هذا السائل وعند الإسماعيلي قال ولا الجهاد في سبيل الله مرتين. في رواية سلمة بن كهيل أيضًا حتى أعادها ثلاثًا. ودل سؤالهم هذا على تقرر أفضلية الجهاد عندهم وكأنهم استفادوه من قوله عليه الصلاة والسلام في جواب من سأله عن عمل يعدل الجهاد فقال: "لا أجده".
وقوله: "إلا رجل خرج" كذا للأكثر. والتقدير إلا عمل رجل.
وللمستملي "إلا من خرج" وقوله: "يخاطر بنفسه" أي: يقصد قهر عدوه ولو أدى ذلك إلى قتل نفسه. وقوله: "فلم يرجع بشيء" أي: فيكون أفضل من العامل في أيام العشر أو مساويًا له.
قال ابن بطال: هذا اللفظ يحتمل أمرين أن لا يرجع بشيء من ماله وإن رجع هو، ولا أن يرجع هو ولا ماله بأن يرزقه الله الشهادة. وتعقبه ابن المنير بأن قوله:"فلم يرجع بشيء" يستلزم أن يرجع بنفسه ولابد، وهو تعقب مردود فإن قوله:"فلم يرجع بشيء" نكرة في سياق النفي فتعم ما ذكر.
وفي رواية الطيالسي وغُنْدر وغيرهما عن شعبة "فلم يرجع من ذلك بشيء" والحاصل أن نفي الرجوع بالشيء لا يستلزم إثبات الرجوع بغير شيء؛ بل هو على الاحتمال كما قال ابن بطال، ويدل على الثاني وروده بلفظ تقتضيه فعند أبي عوانة عن شعبة بلفظ "إلَاّ من عقر جواده وأهريق دمه"، وعنده في رواية القاسم بن أبي أيوب "إلا من لا يرجع بنفسه ولا ماله". وفي طريق سلمة بن كهيل فقال:"لا إلا أن لا يرجع".
وفي حديث جاير "إلا من عفر وجهه في التراب" فظهر بهذه الطرق ترجيح ما رده. وفي الحديث تعظيم قدر الجهاد وتفاوت درجاته، وأن الغاية القصوى فيه بذل النفس لله، ويجمع بين حديث الباب وحديث أبي هريرة الآتي في أول الجهاد "أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم-فقال دُلّني على عملٍ يعدلُ الجهادَ قال: لا أجدهُ قال: هل تستطيعُ إذا خرجَ المجاهدُ أن تدخلَ مسجدَكَ فتقوم ولا تفترُ وتصومَ ولا تفطر؟ قال: ومن يستطيع ذلك" بأن يكون عموم حديث أبي هريرة خص بما دل عليه حديث ابن عباس هذا، ويحتمل أن يكون الفضل الذي في حديث أبي هريرة مخصوصًا بنفسه وماله فلم يرجع بشيء" فمفهومه أن من رجع بذلك لا ينال الفضيلة المذكورة، لكن يشكل عليه ما وقع في حديث أبي هريرة الآخر وتكفل الله للمجاهد في سبيله.
ويمكن أن يجاب بأن الفضل المذكور أولًا خاص بمن لم يرجع، ولا يلزم من ذلك أن لا يكون لمن يرجع أجر في الجملة. وقد مرّ استيفاء الكلام على هذا في باب (الجهاد من الإيمان) من كتاب "الإيمان" وأشد مما تقدم في الإشكال ما أخرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد وصححه الحاكم عن أبي الدرداء مرفوعًا "ألا أُنبئُكم بخير أعمالِكُم وأزكاها عندَ مليكِكُم وأرفعها في درجاتِكم، وخيرٌ لكم من إنفاقِ الذهب والوَرِقِ، وخيرٌ لكم من أن تلقوا عَدوكم فتضربوا أعناقَهم ويضربوا أعناقكم. قالوا: بلى، قال: ذكرُ اللهِ". فإنه ظاهر في أن الذكر بمجرده أفضل من أبلغ ما يقع للمجاهد وأفضل
من الإِنفاق مع ما في الجهاد والنفقة مع النفع المتعدي، وفيه أيضًا تفضيل بعض الأزمنة على بعض كالأمكنة وفضل أيام عشر ذي الحجة على غيرها من أيام السنة. وتظهر فائدة ذلك فيمن نذر الصيام أو علق عملًا من الأعمال بأفضل الأيام، فلو أفرد يومًا منها تعين يوم عرفة؛ لأنه على الصحيح أفضل أيام العشر المذكور فإن أراد أفضل أيام الأسبوع تعين يوم الجمعة جمعًا بين حديث الباب وبين حديث أبي هريرة مرفوعًا "خيرُ يوم طلعتْ فيه الشمسُ يومُ الجمعةِ" رواه مسلم قاله النووي.
وقال الداودي لم يرد عليه السلام أن هذه الأيام خير من يوم الجمعة؛ لأنه قد يكون فيها يوم الجمعة فيلزم تفضيل الشيء على نفسه وتعقب بأن المراد أن كل يوم من أيام العشر أفضل من غيره من أيام السنة سواء كان يوم الجمعة أم لا، ويوم الجمعة فيه أفضل من يوم الجمعة في غيره. لاجتماع الفضلين فيه.
واستدل به على فضل صيام عشر ذي الحجة لاندراج الصوم في العمل، واستشكل بتحريم الصوم يوم العيد.
وأجيب بأنه محمول على الغالب، ولا يرد على ذلك ما رواه أبو داود وغيره عن عائشة قالت:"ما رأيت رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم صائمًا العشرَ قط" لاحتمال أن يكون ذلك لكونه كان يترك العمل وهو يحب أن يعمله خشية أن يفرض على أمته" كما رواه "الصحيحان" عن عائشة أيضًا والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج ولا يتأتى ذلك في غيره وعلى هذا، فهل يختص الفضل بالحاج أو يعم المقيم فيه احتمال.
وقال ابن بطال وغيره: المراد بالعمل في أيام التشريق التكبير فقط؛ لأنه ثبت أنها أيام أكل وشرب وبِعَال وثبت تحريم صومها، وورد فيه إباحة اللهو بالحراب ونحو ذلك، فدل على تفريغها لذلك مع الحض على الذكر أن المشروع منه فيها التكبير فقط، ومن ثم اقتصر المصنف على إيراد الآثار المتعلقة بالتكبير وتعقبه الزين بن المنير بأن العمل إنما يفهم منه عند إطلاق العبادة وهي لا تنافي استيفاء حظ النفس من الأكل وسائر ما ذكر، فإن ذلك لا يستغرق اليوم والليلة.
وقال الكرمانيّ: الحث على العمل في أيام التشريق لا ينحصر في التكبير، بل المتبادر إلى الذهن منه أنه المناسك من الرمي وغيره الذي يجتمع مع الأكل والشرب. قال: مع أنه لو حمل على التكبير وحده لم يبق لقول المصنف بعده باب التكبير أيام (مني) معنى، ويكون تكرارًا محضًا. والذي يجتمع مع الأكل والشرب لكل أحد من العبادة هو الذكر المأمور به. وقد فسر بالتكبير كما قال ابن بطال وأما المناسك فمختصة بالحاج وجزمه بأنه تكرار متعقب؛ لأن الترجمة الأولى لفضل التكبير والثانية لمشروعيته وصفته أو أراد تفسير العمل المجمل في الأولى بالتكبير المصرح في الثانية فلا تكرار. وفي رواية ابن عمر من الزيادة في آخره "أكثروا فيهن من التهليل والتحميد".
وللبيهقي في الشعب عن عدي بن ثابت عن ابن عباس "فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير"،