الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وبذلك يترجح لدي في هذه المسألة عدم وجوب التتابع في قضاء صوم رمضان لثلاثة أسباب:
السبب الأولى: ما سبق ذكره من سقوط اللفظة المحتج بها، وهي قوله:" متتابعات ".
السبب الثاني: أن زيادة " متتابعات" قد عارضها الدليل الثابت في قوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} (1) حيث أطلق سبحانه القضاء ولم يقيده بالتتابع.
وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «قضاء رمضان إن شاء فرق وإن شاء تابع» .
حيث فوض النبي صلى الله عليه وسلم الخيار للمكلف في كيفية القضاء.
السبب الثالث: أن قضاء رمضان متفرقا هو المناسب ليسر الشريعة المبنية على رفع الحرج، وإن كان الأفضل هو التتابع لمن كان قادرا عليه، لما في ذلك من المبادرة إلى فعل الواجب الذي يحصل به إبراء الذمة.
(1) سورة البقرة الآية 185
المسألة الرابعة: وجوب التتابع في صيام كفارة اليمين:
اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في وجوب التتابع في صيام كفارة اليمين:
1 -
فذهب الأحناف، والحنابلة، وكذلك الشافعية في أحد القولين عندهم إلى وجوب التتابع في صيام كفارة اليمين.
قال السرخسي -رحمه الله تعالى-: (وإذا حنث الرجل وهو معسر فعليه ثلاثة أيام متتابعة)(1).
وقال الكاساني -رحمه الله تعالى-: (وأما صوم كفارة اليمين فيشترط فيه التتابع أيضا عندنا)(2).
وقال الخرقي -رحمه الله تعالى-: (فإن لم يجد من هذه الثلاثة واحدا أجزأه صيام ثلاثة أيام متتابعة)(3).
قال ابن قدامة -رحمه الله تعالى- في شرحه لقول الخرقي:
(يعني: إن لم يجد إطعاما، ولا كسوة، ولا عتقا، انتقل إلى صيام ثلاثة أيام؟ لقول الله تعالى: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ} (4). وهذا لا خلاف فيه إلا في اشتراط التتابع في الصوم، وظاهر المذهب اشتراطه) (5).
واحتج الأحناف والحنابلة في ذلك بقراءة عبد الله بن مسعود
(1) المبسوط (8/ 155).
(2)
بدائع الصنائع (5/ 111).
(3)
المغني (13/ 528).
(4)
سورة المائدة الآية 89
(5)
المغني (13/ 528).
رضي الله تعالى عنه: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات).
قال الكاساني -رحمه الله تعالى-: (ولنا قراءة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: " فصيام ثلاثة أيام متتابعات "، وقراءته كانت مشهورة في الصحابة -رضي الله تعالى عنهم-، فكانت بمنزلة الخبر المشهور لقبول الصحابة رضي الله عنهم إياها تفسيرا للقرآن العظيم إن لم يقبلوها في كونها قرآنا، فكانت مشهورة في حق حكم الصحابة رضي الله عنهم إياها في حق وجوب العمل، فكانت بمنزلة الخبر المشهور، والزيادة على الكتاب الكريم بالخبر المشهور جائزة بلا خلاف، ويجوز بخبر الواحد، وكذا عند بعض مشايخنا على ما عرف في أصول الفقه)(1).
وصرح ابن قدامة -رحمه الله تعالى- بالاحتجاج في هذه المسألة بقراءة عبد الله بن مسعود -رضي الله تعالى عنه- مبينة أن تلك القراءة دائرة بين القرآن والخبر وكلاهما حجة (2).
وأما من ذهب من الشافعية -رحمهم الله تعالى- إلى القول بوجوب التتابع في هذه المسألة فاحتجوا لذلك بالقياس على كفارة الظهار والقتل حيث قالوا: لا يجوز الصوم في كفارة اليمين إلا متتابعا؛ لأنه كفارة جعل الصوم فيها بدلا عن العتق، فشرط في صومها التتابع ككفارة الظهار والقتل (3).
(1) بدائع الصنائع (5/ 111)
(2)
المغني (13/ 529).
(3)
المجموع (18/ 120)
2 -
وذهب المالكية والشافعية في الأظهر من مذهبهم إلى عدم وجوب التتابع مع كونه الأفضل.
قال ابن عبد البر -رحمه الله تعالى- في معرض ذكره لكفارة اليمين: (. . . فإن لم يجد شيئا من ذلك كله صام ثلاثة أيام متتابعات، فإن فرقها أجزأت عنه)(1).
وقال ابن رشد -رحمه الله تعالى-: (وأما المسألة الثالثة وهي اختلافهم في اشتراط تتابع الأيام الثلاثة في الصيام، فإن مالكا والشافعي لم يشترطا في ذلك وجوب التتابع وإن كانا استحباه، واشترط ذلك أبو حنيفة.
وسبب اختلافهم في ذلك شيئان:
أحدهما: هل يجوز العمل بالقراءة التي ليست في المصحف؟ وذلك أن في قراءة عبد الله بن مسعود: " فصيام ثلاثة أيام متتابعات ".
والسبب الثاني: اختلافهم هل يحمل الأمر بمطلق الصوم على التتابع أم ليس يحمل إذا كان الأصل في الصيام الواجب بالشرع إنما هو التتابع؟) (2).
وقال النووي -رحمه الله تعالى-: (وللتكفير بالمال بدل وهو الصوم. وهل يجب التتابع في صوم الثلاثة؟ قولان أظهرهما
(1) الكافي (1/ 453).
(2)
بداية المجتهد (1/ 418).
عند الأكثرين: لا) (1).
وقال الغزالي -رحمه الله تعالى- في هذه المسألة: (فلا يشترط التتابع)(2).
وقال الشربيني -رحمه الله تعالى-: (والتكفير بالمال له بدل وهو الصوم، ولا يجب تتابعها في الأظهر لإطلاق الآية.
والثاني يجب لأن ابن مسعود قرأ: " ثلاثة أيام متتابعات "، والقراءة الشاذة كخبر الواحد في وجوب العمل) (3) وحجتهم في عدم وجوب التتابع: أنه صوم نزل به القرآن مطلقا فجاز متفرقا ومتتابعة كالصوم في فدية الأذى، والتتابع صفة لا تجب إلا بنص أو قياس على منصوص، وذلك معدوم في هذه المسألة) (4).
بيان الراجح في المسألة:
يترجح لدي في هذه المسألة وجوب التتابع في صيام كفارة اليمين، وذلك لسببين:
السبب الأول: لقراءة عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: " فصيام ثلاثة أيام متتابعات ".
(1) روضة الطالبين (11).
(2)
المنخول ص (281).
(3)
مغني المحتاج (4/ 328).
(4)
أحكام القرآن (2/ 654) المجموع (18/ 120).