الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني: الأحاديث الواردة في مزاحه صلى الله عليه وسلم مع الصغار
.
أن المتأمل لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مزاحه ودعابته مع الصبيان يجد أنموذجا فريدا، فهو مع كونه صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا وقائدا ومعلما، ومربيا لهذه الأمة لم ينس الصبيان علماء المستقبل فكان أرحم الناس بالصبيان والعيال.
وقد أشار النووي إلى أن الحديث يروى «ما رأيت أحدا أرحم من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعيال (1)» .
وهذا هو المشهور الموجود في النسخ والروايات، وفي بعض الروايات بالعباد، ثم قال: ففيه بيان كريم خلقه صلى الله عليه وسلم ورحمته للعيال والضعفاء، وفيه: فضيلة رحمة العيال والأطفال
(1) صحيح مسلم الفضائل (2316)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 112).
وتقبيلهم (1).
الحديث الأول:
روى البخاري ومسلم بسنديهما إلى أبي التياح قال: سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: «(إن كان النبي صلى الله عليه وسلم ليخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير: يا أبا عمير، ما فعل النغير) (2)»
قلت: هذا الحديث من الأحاديث التي أفردها العلماء بتآليف خاصة دفاعا عن السنة المطهرة، فمن العلماء الذين أفردوه. بمؤلف خاص ابن القاص وسمى كتابه:(فوائد حديث ابن عمير) وذكر في مقدمة هذا الكتاب سبب تأليفه وأن بعض الناس عاب على أهل الحديث أنهم يروون أشياء لا فائدة فيها ومثل بحديث أبي عمير هذا
(1) شرح النووي على مسلم 8/ 85
(2)
تصغير النغر، وهو طائر يشبه العصفور، أحمر المنقار، ويجمع على: نغران. النهاية: 5/ 86. والحديث متفق عليه أخرجه البخاري في الأدب، باب الانبساط إلى الناس: 8/ 37 ومسلم في كتاب الأدب، حديث: 3/ 2150
وقال رحمه الله: أنه استخرج منه ستين وجها من الفقه وسردها جميعا ونحن نذكر بعض ما ذكر فقال: في قوله (وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاء مزاحه) ما يدل على أنه كان يمازحه كثيرا، وإذا كان كذلك كان في ذلك شيئان:
أحدهما: أن الممازحة مع الصبيان مباح.
والثاني: إنها إباحة سنة لا إباحة رخصة؛ لأنها لو كانت إباحة رخصة لأشبه أن لا يكثرها. وفيه ما يدل على حسن الخلق وأنه يجوز أن يختلف حال المؤمن في المنزل عن حاله إذا برز، فيكون في المنزل أكثر مزاحا، وإذا خرج أكثر سكينة ووقارا إلا من طريق الرياء.
وفيه أنه كان من صفاته صلى الله عليه وسلم أنه كان يواسي بين جلسائه حتى يأخذ كل بحظ. وكذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في دخوله على أم سليم، صافح أنسا، ومازح أبا عمير الصغير، ونام على فراش أم سليم، حتى نال الجميع من بركته (1).
(1) جزء فيه فوائد حديث أبي عمير: 13 - 25 - 26 - 33
الحديث الثاني:
روى الزهري عن محمود بن الربيع قال: «عقلت من
النبي صلى الله عليه وسلم مجة مجها في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلو (1)».
وفي هذا الحديث من هديه صلى الله عليه وسلم ممازحة الأطفال جبرا لخواطر آبائهم.
قال الحافظ: قوله (مجة) أي بفتح الميم وتشديد الجيم، والمج هو إرسال الماء من الفم، وقيل لا يسمى مجا إلا إن كان على بعد.
وفعله النبي صلى الله عليه وسلم مع محمود إما مداعبة معه، أو ليبارك عليه بها كما كان ذلك من شأنه مع أولاد الصحابة (2).
(1) رواه البخاري في كتاب العلم باب متى يصح سماع الصغير: 1/ 172، والبغوي في شرح السنة: 1/ 242
(2)
فتح الباري: 1/ 172
الحديث الثالث:
ما ساقه البخاري بسنده إلى أم خالد بنت خالد بن سعيد قالت: «أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي وعلي قميص أصفر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سنه سنه. قال عبد الله (1) وهي بالحبشية: حسنة. قالت: فذهبت ألعب بخاتم النبوة،
(1) البخاري مع الفتح: 10/ 425 باب من ترك صبي غيره حتى تلعب به أو قبلها أو مازحها
فزبرني أبي (1) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعها. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبلي وأخلقي، ثم أبلي وأخلقي ثم أبلي وأخلقي قال عبد الله: فبقيت حتى ذكر. . يعني من بقائها)».
إن المتأمل لحديث أم خالد الصغيرة ليجد فيه عظم خلقه صلى الله عليه وسلم وطيب نفسه. فقد اشتمل على الممازحة بالقول والفعل مع هذه البنت الصغيرة.
قال الحافظ أثناء شرحه لهذا الحديث: إن الممازحة بالقول والفعل مع الصغيرة إنما يقصد به التأنيس، والتقبيل من جملة ذلك (2).
(1) الزبر بزاي وموحدة ساكنة هو: الزجر والمنع. الفتح: 10/ 425
(2)
الفتح 10/ 425
الحديث الرابع:
في بيان حرص الصبيان على التقرب من النبي صلى الله عليه وسلم وملاقاتهم له في الطرقات روى ثابت عن أنس رضي الله
عنه قال: «أتى علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ألعب مع الغلمان قال: فسلم علينا. فبعثني إلى حاجة فأبطأت عن أمي. فلما جئت قالت: ما حبسك؟ قلت: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجة قالت: ما حاجته قلت: إنها سر، قالت لا تحدثن بسر رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا.
قال أنس: والله لو حدثت به أحدا لحدثتك يا ثابت (1)».
وقد أجمل القرطبي فوائد هذا الحديث بقوله: فيه دليل على تخلية الصغار ودواعيهم من اللعب والانبساط ولا نضيق عليهم بالمنع مما لا مفسدة فيه، وفيه دليل على مشروعية السلام على الصبيان، وفائدته تعليمهم السلام وتمرينهم على فعله وإفشائه
…
وكتمان أنس سر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمه، دليل على كمال عقله (2).
(1) رواه مسلم في كتاب الفضائل باب فضائل أنس بن مالك حديث 145/ 2482، وأحمد في المسند 3/ 109
(2)
المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم لأبي العباس أحمد بن عمر القرطبي: 6/ 412
الحديث الخامس:
ومن أساليبه صلى الله عليه وسلم في المزاح والمداعبة للأبناء ترخيم (1) أسمائهم أو تصغيرها.
فعن أنس بن مالك رضي عنه
(1) وقد تقدم تعريف الترخيم
قال النووي في هذا الحديث: بيان كمال خلقه صلى الله عليه وسلم وحسن عشرته وحلمه وصفحه (2).
وقال القرطبي: وقول أنس: (والله لا أذهب وفي نفسي أن أذهب) هذا القول: صدر من أنس في حال صغره، وعدم كمال تمييزه إذ لا يصدر مثله ممن كمل تمييزه ولم يؤدبه صلى الله عليه وسلم على هذا الفعل بل داعبه، وأخذ بقفاه وهو يضحك رفقا به، واستلطافا له، ثم قال:(يا أنيس اذهب حيث أمرتك) فقال له:
(1) رواه مسلم في كتاب الفضائل باب كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا، حديث 54/ 2310، وأبو داود في كتاب الأدب، حديث:(773)
(2)
شرح النووي على مسلم 8/ 79
أنا أذهب، وهذا كله مقتضى خلقه الكريم، وحلمه العظيم (1).
(1) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم 6/ 104
الحديث السادس:
ومن ملاطفته وتأنيسه للصبيان ما رواه ابن عباس قال: «كنت ألعب مع الصبيان فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فتواريت خلف الباب. قال: فجاء فحطأني حطأة قال ابن المثنى: قلت لأمية: ما حطأني؟ قال: قفدني قفدة (2)» .
قلت: أما فوائد هذا الحديث فأجملها النووي بقوله: فيها جواز ترك الصبيان يلعبون بما ليس بحرام. واعتماد الصبي فيما يرسل فيه
(1) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب. حديث 96/ 2604
(2)
(1) وقال: (اذهب وادع لي معاوية) قال: فجئت فقلت: هو يأكل. قال: ثم قال لي: (اذهب فادع معاوية) قال: فجئت فقلت: هو يأكل. فقال: (لا أشبع الله بطنه)
من دعاء إنسان ونحوه من حمل هدية وطلب حاجة وأشباهه. وجواز إرسال الصبي غيره ممن يدل عليه في مثل هذا ولا يقال: هذا تصرف في منفعة الصبي، لأن هذا قدر يسير ورد الشرع بالمسامحة للحاجة، واطرد به العرف وعمل المسلمين (1).
(1) شرح النووي على مسلم: 8/ 402
الحديث السابع:
ومن مزاحه مع الأطفال وخاصة البنات ما رواه أنس بن مالك قال: «كانت عند أم سليم يتيمة، وهي أم أنس. فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم اليتيمة، فقال:(أنت هيه؟ لقد كبرت، لا كبر سنك) فرجعت اليتيمة إلى أم سليم تبكي فقالت أم سليم: ما لك يا بنية؟ قالت الجارية: دعا علي نبي الله صلى الله عليه وسلم ألا تكبر سني فالآن لا تكبر سني أبدا. أو قالت: قرني، فخرجت أم سليم مستعجلة تلوث خمارها، حتى لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما لك يا أم سليم) فقالت: يا نبي الله أدعوت على يتيمتي؟ قال (وما ذاك يا أم سليم) قالت: زعمت أنك دعوت أن لا يكبر سنها، ولا يكبر قرنها قال: فضحك (2) رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1) الحديث أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب حديث 95/ 2603
(2)
هو بالمثلثة في آخره أي تجير على رأسها. شرح النووي على مسلم 8/ 401 (1)
ثم قال: يا أم سليم أما تعلمين أن شرطي على ربي، أني اشترطت على ربي، فقلت: إنما أنا بشر، أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر، فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل، أن يجعلها له طهورا وزكاة وقربة يقربه بها منه يوم القيامة».
قال النووي: في هذا الحديث: (لا كبر سنك) وفي حديث معاوية (لا أشبع الله بطنك) ونحو ذلك، لا يقصدون بشيء من ذلك حقيقة الدعاء، فخاف صلى الله عليه وسلم أن يصادف شيء من ذلك إجابة فسأل ربه سبحانه وتعالى ورغب إليه أن يجعل ذلك رحمة وكفارة وقربة وطهورا وأجرا (1).
(1) شرح النووي على مسلم 8/ 400
الحديث الثامن:
ومن مزاحه قوله لخادمه ممازحا: يا ذا الأذنين، وهذا من المزح الذي لا يدخله كذب قال أنس بن مالك:«قال لي النبي صلى الله عليه وسلم (يا ذا الأذنين) (1)» .
(1) الحديث رواه أحمد في المسند 3/ 127، 260، وأبو داود في سننه في كتاب الأدب باب ما جاء في المزاح: حديث (4994) والترمذي في كتاب الأدب باب ما جاء في المزاح حديث (2059) وزاد وقال محمود: قال أبو أسامة أحد رواته: إنما يعني به أنه يمازح ورواه البيهقي في السنن الكبرى 10/ 419، والبغوي في مصابيح السنة: 3/ 335 وحسنه وأورده الشيخ ناصر الدين في صحيح الجامع الصغير 6/ 288 برقم 7786
قال أبو سليمان الخطابي معلقا على هذا الحديث: كان مزح النبي صلى الله عليه وسلم مزحا لا يدخله الكذب والتزيد، وكل إنسان له أذنان فهو صادق في وصفه إياه بذلك، وقد يحتمل وجها آخر وهو أن لا يكون قصد بهذا القول المزاح وإنما معناه الحض والتنبيه على حسن الاستماع، والتلقف لما يقوله ويعلمه إياه وسماه ذا الأذنين إذا كان الاستماع إنما يكون بحاسة الأذن، وقد خلق الله تعالى له أذنين يسمع بكل واحدة منها، وجعلهما حجة عليه فلا يعذر معهما إن أغفل الاستماع له ولم يحسن الوعي والله أعلم (1).
(1) معالم السنن: 4/ 126
الحديث التاسع:
ومن مداعبته ومزاحه صلى الله عليه وسلم تصغيره لأسماء المخاطبين من أبناء الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين فيكون بذلك مؤانسا لهم ولذويهم، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:«كان النبي صلى الله عليه وسلم يلاعب زينب بنت أم سلمة ويقول: يا زوينب. . يا زوينب مرارا (1)» .
(1) رواه الضياء المقدسي في المختارة: 2/ 45 كما في السلسلة الصحيحة: (2141) عن أحمد بن حرب: ثنا علي بن عبد الحميد: ثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت البناني. قال: قال علي: أحسبه - عن أنس مرفوعا. قال الشيخ ناصر الدين: قلت: وهذا سند صحيح، رجاله كلهم ثقات، وأورده في ترتيب أحاديث الجامع وزياداته وصححه: 3/ 185
الحديث العاشر:
ومن مزاحه ومداعبته لأحب الأطفال إليه صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي رضي الله عنه ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه.
قال أبو هريرة: «كان النبي صلى الله عليه وسلم ليدلع لسانه للحسن بن علي، فيرى الصبي حمرة لسانه، فيبهش إليه (3)» .
(1) رواه البغوي في شرح السنة: 13/ 180، وفي الأنوار في شمائل النبي المختار: 1/ 254. وأورده العراقي في المغني عن حمل الأسفار. حديث (2928) وزاد فيه قال ابن عيينة بن بدر الفزاري: والله ليكونن لي الابن رجلا قد خرج وجهه وما قبلته قط، فقال:" إن من لا يرحم لا يرحم " وعزاه لأبي يعلى من هذا الوجه، دون ما في آخره. من قول عيينة بن بدر وهو عيينة بن حصن بن بدر ونسب إلى جده، وحكى الخطيب في " المبهمات " قولين في قائلي ذلك: أحدهما أنه عيينة بن حصن، والثاني أنه الأقرع بن حابس، وعند مسلم من رواية الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة " أن الأقرع بن حابس أبصر النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الحسن فقال: إن لي عشرة من الولد ما قبلت أحدا منهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لا يرحم لا يرحم " حديث 65/ 2318 من رواية سفيان بن عيينة ومعمر فرقهما كلاهما عن الزهري عن أبي هريرة، ورواه البخاري من طريق الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي، وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسا، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: " من لا يرحم لا يرحم ". البخاري مع الفتح: 10/ 426. قال الحافظ: ووقع نحو ذلك لعيينة بن حصن أخرجه أبو يعلى بسند رجاله ثقات إلى أبي هريرة قال: دخل عيينة بن حصن على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ووقع في رواية الإسماعيلي عن هشام بن عروة عن أبيه قوله: " جاء أعرابي يحتمل أن يكون الأقرع بن حابس ويحتمل أن يكون قيس بن عاصم التميمي ثم السعدي. . ثم قال: ويحتمل أن يكون وقع ذلك لجميعهم فقد وقع في رواية مسلم "قدم ناس من الأعراب فقالوا. . " الفتح: 10/ 430. والحديث قال فيه العراقي سنده جيد، المغني عن حمل الأسفار: (2928) ووثق رجاله الحافظ في الفتح: 10/ 430 وحسنه شعيب الأرنؤوط في تعليقه على شرح السنة: 13/ 180، والشيخ ناصر الدين في السلسلة الصحيحة: 1/ 110 حديث (70) وقال رواه أبو الشيخ في أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة. وهذا إسناد حسن
(2)
أي يخرجه حتى ترى حمرته فيبهش إليه، يقال دلع وأدلع. النهاية: 2/ 130 (1)
(3)
يقال للإنسان إذا نظر إلى شيء فأعجبه واشتهاه وأسرع نحوه بهش إليه النهاية: 1/ 166 (2)
المبحث الثالث:
ويتضمن هذا المبحث مزاحه صلى الله عليه وسلم مع أصحابه وفيه من التوجيه والإرشاد والأنس للقلوب والتواضع والنصح ما لا يعلمه إلا الله، وذلك عملا منه بقوله تعالى:{وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} (1) وسيأتي تفصيل ذلك.
الحديث الأول:
ومن هديه صلى الله عليه وسلم في هذا المجال ما جاء في حديث جابر بن عبد الله الأنصاري في قصة جمله المشهورة «قال جابر بن عبد الله (2)
(1) سورة الحجر الآية 88
(2)
صحيح البخاري البيوع (2097)، صحيح مسلم الرضاع (715)، سنن النسائي البيوع (4638).
غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاحق بي، وتحتي ناضح لي قد أعيا ولا يكاد يسير قال: فقال لي: " ما لبعيرك؟ " قال: فقلت: عليل، قال: فتخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فزجره ودعا له، فما زال بين يدي الإبل قدامها يسير قال: فقال لي: " كيف ترى بعيرك؟ " قال: قلت: بخير، قد أصابته بركتك. قال:" أفتبيعينه؟ " فاستحييت، ولم يكن لنا ناضح غيره. قال: فقلت: نعم، فبعته إياه، على أن لي فقار ظهره حتى أبلغ المدينة. قال: فقلت: له: يا رسول الله إني عروس فاستأذنته. فأذن لي، فتقدمت الناس إلى المدينة حتى انتهيت فلقيني خالي فسألني عن البعير، فأخبرته بما صنعت، فلامني فيه فقال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي حين استأذنته: " ما تزوجت أبكرا أم ثيب " فقلت له: تزوجت ثيبا. قال: " أفلا تزوجت بكرا تلاعبها وتلاعبك؟ " فقلت له يا رسول الله توفي والدي أو استشهد ولي أخوات صغار. فكرهت أن أتزوج إليهن مثلهن فلا تؤدبهن، ولا تقوم عليهن، فتزوجت ثيبا لتقوم عليهن وتؤدبهن. قال: فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، غدوت إليه بالبعير، فأعطاني ثمنه ورده علي».
وقد أجمل النووي فوائد هذا الحديث بقوله: فيه معجزة ظاهرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في انبعاث جمل جابر وإسراعه بعد إعيائه، وجواز طلب البيع ممن لم يعرض سلعته، وجواز المماكسة في البيع، وسؤال الرجل الكبير أصحابه عن أحوالهم والإشارة عليهم بمصالحهم واستحباب نكاح البكر (1).
قلت: وفيه جواز الممازحة من الكبير لمن هو دونه، وقد ذكر صاحب سبيل الهدى والرشاد أنه وقع في رواية لجابر: فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلمني ويمازحني.
(1) شرح النووي على مسلم: 6/ 40
الحديث الثاني:
ومن مزاحه صلى الله عليه وسلم لأصحابه ما ثبت في الصحيحين من حديث عدي بن حاتم في تفسيره للخيط الأبيض من الخيط الأسود «قال عدي بن حاتم (1): قلت: يا رسول الله إني
(1) الحديث متفق عليه أخرجه البخاري في التفسير. باب " وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر " الفتح: 8/ 182، مسلم في الصيام: حديث 33/ 1090
أجعل تحت وسادتي عقالين: عقالا أبيض وعقالا أسود. أعرف الليل من النهار. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن وسادتك لعريض، إنما هي سواد الليل وبياض النهار».
قال النووي: قوله: «إن وسادتك لعريض (1)» قال القاضي: معناه إن جعلت تحت وسادتك الخيطين اللذين أرادهما الله تعالى وهما الليل والنهار فوسادك يعلوهما ويغطيهما، وحينئذ يكون عريضا، وهو معنى الرواية الأخرى في صحيح البخاري:«إنك لعريض القفا (2)» . لأن من يكون هذا وساده يكون عظم قفاه من نسبته بقدره، وهو معنى الرواية الأخرى " إنك لضخم ".
وأنكر القاضي قول من قال: إنه كناية عن الغباوة أو السمن لكثرة أكله على بيان الخيطين.
وقال بعضهم: المراد بالوساد النوم، أي نومك كثير، وقيل: أراد به الليل، أي من لم يكن النهار عنده إلا إذا بان له العقالان طال ليله وكثر نومه. والصواب ما اختاره القاضي (3).
(1) صحيح البخاري تفسير القرآن (4509)، صحيح مسلم الصيام (1090)، سنن الترمذي تفسير القرآن (2971)، سنن النسائي الصيام (2169)، سنن أبو داود الصوم (2349)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 377)، سنن الدارمي الصوم (1694).
(2)
انظر: البخاري في باب " وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ". الفتح: 8/ 182
(3)
شرح النووي على مسلم: 4/ 218
الحديث الثالث:
ومن مزاحه صلى الله عليه وسلم لأصحابه ما حصل لعوف بن
مالك الأشجعي قال عوف: «أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك في قبة من أدم، فسلمت فرد وقال: "ادخل" فقلت: أكلي يا رسول الله؟ قال: " كلك " فدخلت (1)» . وفي رواية عثمان بن أبي عاتكة عند أبي داود: أدخل كلي من صغر
(1) الحديث أخرجه أبو داود في سننه في كتاب الأدب باب ما جاء في المزاح حديث (5000)، وابن ماجه في كتاب الفتن باب أشراط الساعة حديث (4042)، وأحمد في المسند: 6/ 25، 27، وأخرجه البخاري مطولا في الجزية باب ما يحذر في الغدر وليس فيه قصة الدخول. الفتح: 6/ 277 حديث (3176)، وابن حبان (6675)، والطبراني في الكبير: 18 / حديث (70)، والبيهقي في السنن الكبرى: 9/ 223، وفي دلائل النبوة: 6/ 320، 383، والبغوي في شرح السنة: 15/ 43 وقال: هذا حديث صحيح وليس فيه قصة الدخول
القبة.
قال محمد شمس الحق العظيم آبادي: وفيه أنه كما كان يمازح الصحابة كذلك كانوا يمازحونه (1).
(1) عون المعبود: 13/ 280
الحديث الرابع:
ومن مزاحه صلى الله عليه وسلم لأصحابه رضوان الله عليهم ما رواه أنس بن مالك «أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله احملني فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أنا حاملك على ولد ناقة " قال: وما أصنع بولد الناقة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " وهل تلد الإبل إلا النوق "؟ (1)» .
قال العلماء: إن هذا المزاح قاله صلى الله عليه وسلم مباسطا لهذا الرجل بما عساه أن يكون شفاء لبلهه، حيث توهم أن الولد لا
(1) رواه أبو داود في سننه في كتاب الأدب حديث: (4990)، والترمذي، في السنن حديث:(2060)، وفي الشمائل 120 حديث 238 وقال: حديث صحيح غريب، وأحمد في المسند: 3/ 267، والبغوي في مصابيح السنة وحسنه: 3/ 335، والبيهقي في السنن الكبرى: 10/ 419، والحديث صححه الترمذي والبغوي وقال شعيب الأرنؤوط في تحقيقه لشرح السنة: سنده صحيح. شرح السنة: 13/ 182
يطلق إلا على الصغير وهو غير قابل للركوب. فقال له صلى الله عليه وسلم: " هل تلد الإبل " أي جنسها من الصغار والكبار " إلا النوق "؟ وهي أنثى الإبل، والمعنى أنك لو تدبرت لم تقل ذلك. ففيه مع المباسطة له الإشارة إلى إرشاده وإرشاد غيره بأنه ينبغي لمن سمع قولا أن يتأمله ولا يبادر إلى رده إلا بعد أن يدرك غوره (1).
وقال صاحب عون المعبود: في هذا الحديث والأحاديث بعده في الباب إباحة المزاح والدعابة (2).
(1) تحفة الأحوذي شرح الترمذي بتصرف
(2)
عون المعبود شرح سنن أبي داود: 13/ 278
الحديث الخامس:
ومن مزاحه صلى الله عليه وسلم لأصحابه ما رواه الإمام أحمد في المسند بسنده إلى عبد الحميد بن صفي عن أبيه (1) عن جده (2) قال: «إن صهيبا قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وبين يديه تمر وخبز، فقال:" ادن فكل " قال: فأخذ يأكل من التمر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"إن بعينك رمدا" فقال: يا
(1) زياد بن صفي، بفتح المهملة وسكون التحتانية بن صهيب الرومي، صدوق. ت: 220، وت ت: 3/ 374
(2)
صفي بن صهيب بن سنان مقبول من الثالثة. ت: 278، وقال الذهبي: وثق. الكاشف: 2/ 33
رسول الله: إنما آكل من الناحية الأخرى، قال: فتبسم النبي (1)».
وفي هذا الحديث إشكال وهو: كيف استجاز صهيب رضي الله عنه أن يعرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالمزح في جوابه؟ وقد أجاب عن هذا الإشكال بدر الدين الغزي بقوله: إنما استجاز صهيب أن يعرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالمزح في جوابه؛ لأن استخباره قد كان يتضمن المزح، فأجابه عنه بما وافقه من المزح مساعدة لغرضه، وتقربا من قلبه، وإلا فليس لأحد أن يجعل جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم مزحا؛ لأن المزح هزل ومن جعل جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم المبين عن الله عز وجل أحكامه المؤدي إلى خلقه أوامره هزلا ومزحا فقد عصى الله تعالى، وصهيب كان أطوع لله سبحانه وتعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم من
(1) رواه أحمد في المسند: 27/ 136 حديث (16591)، وابن ماجه في سننه: 5/ 119 حديث (3443)، والطبراني في الكبير: 8/ 41 حديث (7304) كلهم من طريق ابن المبارك ورواه الحاكم في المستدرك: 3/ 399 من طريق سعيد بن سليمان الواسطي عن ابن المبارك وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. ورواه البيهقي في سننه الكبرى: 9/ 344 من طريق سهل بن عثمان عن ابن المبارك عن عبد الحميد بن زياد .. والحديث صحح إسناده البوصيري فقال: إسناده صحيح، ورجاله ثقات. انظر سنن ابن ماجه: 2/ 1139 بتحقيق محمد فؤاد، وأورده الشيخ ناصر الدين في صحيح ابن ماجه: 2/ 253، وقال فيه العراقي في المغني عن حمل الأسفار: 2/ 1798 رجاله ثقات
أن يكون بهذه المنزلة (1).
(1) المراح في المزاح لبدر الدين الغزي: 20
الحديث السادس:
ومن مزاحه صلى الله عليه وسلم لأصحابه ما رواه الإمام أحمد في المسند من حديث أنس «أن رجلا من أهل البادية كان اسمه زاهرا (2) ما ألصق ظهره بصدر النبي صلى الله عليه وسلم حين عرفه، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " من يشتري العبد؟ " فقال: يا رسول الله إذا والله تجدني كاسدا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لكن عند الله لست بكاسد، أو قال: لكن عند الله أنت غال "» .
(1) مسند أحمد بن حنبل (3/ 161).
(2)
(1)، كان يهدي للنبي صلى الله عليه وسلم الهدية من البادية فيجهزه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن زاهرا باديتنا ونحن حاضروه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه، وكان رجلا دميما فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يوما وهو يبيع متاعه فاحتضنه من خلفه، وهو لا يبصره فقال الرجل: أرسلني من هذا؟ فالتفت فعرف النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل لا يألو أي لا يقصر
الحديث السابع:
ومن مزاحه صلى الله عليه وسلم لأصحابه ما جاء عن سفينة مولى لأم سلمة رضي الله عنها قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فجعل كل من ثقل عليه متاعه من أصحابه حمله علي، حتى حملت من ذلك شيئا كثيرا، فمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما أنت اليوم إلا سفينة (1)» .
(1) رواه أحمد في المسند: 5/ 220، 221، 222، والحاكم في المستدرك: 3/ 606، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي ورواه الطبراني في الكبير: 7/ 97، وأبو نعيم في الحلية: 1/ 369، وفي معرفة الصحابة: 3/ 1392، وأورده الذهبي في السير: 3/ 173، 13/ 179 في ترجمة أبي قلابة، وقال هذا حديث حسن من العوالي، بل هو أعلى ما وقع لأبي قلابة. وصححه الشيخ ناصر الدين في السلسلة الصحيحة (2959)
الحديث الثامن:
ومن مزاحه صلى الله عليه وسلم العملي ما رواه عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أسيد بن حضير رجل من الأنصار قال: «بينما هو يحدث القوم - وكان فيه مزاح - بينا يضحكهم فطعنه النبي صلى الله عليه وسلم بعود، فقال: أصبرني، فقال:: "اصطبر" قال: إن عليك قميصا وليس علي قميص، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم قميصه، فاحتضنه وأخذ يقبل كشحه قال: إنما أردت هذا يا رسول الله (5)» .
(1) سنن أبو داود الأدب (5224).
(2)
يريد أقدني من نفسك، وقوله:" اصطبرني " معناه استقد يريد بالصبر القود. معالم السنن: 4/ 144 (1)
(3)
الكشح ما بين الخاصرة إلى الضلع الأقصر من أضلاع الجنب. عون المعبود: 14/ 107 (2)
(4)
ما أردت بقولي " اصطبرني " إلا هذا التقبيل وما أردت حقيقة القصاص. عون المعبود: 14/ 107 (3)
(5)
(4)