الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المحقِّقينَ. فتوحيد الألوهية هو المطلوبُ من العباد " (1)
(1) تجريد التوحيد المفيد، ص (20 - 21)، وانظر كتاب الشفاء للقاضي عياض في بيان ذكره لأنواع المقالات الكفرية، (2/ 282) وتفريقه بين من نفى الربوبية أو الوحدانية أو عبادة أحد غير الله أو مع الله. . . إلخ.
المطلب الثاني: تقريرات علماء السنة في بيان خطأ المتكلمين في هذه المسألة، وأسباب خفاء ذلك عليهم:
لقد اقتصر أهل الكلام على تقرير توحيد الربوبية، وأهملوا التوحيد العملي توحيد العبادة توحيد الألوهية، وخطأهم في تفسير التوحيد بالربوبية فقط له ارتباط بتفسيرهم لحقيقة الإيمان ومسماه، فأخرجوا توحيد الألوهية عن مسمّى الإيمان الشرعي، ومسمّى التوحيد، ونبه على هذا جماعة من أهل العلم، وإليك نماذج من كلامهم:
1 -
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " وبهذا وغيره يُعْرف ما وقع من الغلط في مسمى " التوحيد " فإن عامة المتكلمين الذين يقرّرون التوحيد في كتب الكلام والنظر - غايتهم أن يجعلوا التوحيد ثلاثة أنواع، فيقولون: هو واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له، وأشهر الأنواع الثلاثة عندهم هو الثالث وهو توحيد الأفعال وهو أن خالق العالم واحد "(1)(2)
(1) رسالة التدمرية 179.
(2)
رسالة التدمرية 179. ') ">
وقال أيضًا تعليقًا على مسمى التوحيد عند المتكلمين: " فقد تبين أن ما يسمونه (توحيدًا) فيه ما هو حق وفيه ما هو باطل، ولو كان جميعه حقًا فإن المشركين إذا أقروا بذلك لم يخرجوا فيه من الشرك الذي وصفهم الله به في القرآن، وقاتلهم عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، بل لا بد أن يعترفوا بأنه لا إله إلا الله وليس المراد بالإله: هو القادر على الاختراع، كما ظنه مَنْ ظنّه من أئمة المتكلمين، حيث ظن أن الإلهية هي القدرة على الاختراع، وأن من أقرّ بأن الله هو القادر على الاختراع دون غيره فقد شهد أنه لا إله إلا هو، فإن المشركين كانوا يقرون بهذا وهم مشركون، كما تقدم بيانه، بل الإله الحق هو الذي يستحق أن يعبد فهو إله بمعنى مألوه، لا [إله] بمعنى [آلِه]، والتوحيد: أن يُعْبدَ اللهُ وحده لا شريك له، والإشراك أن يجعل مع الله إلهًا آخر "(1)
2 -
وقال ابن أبي العز الحنفي رحمه الله في شرح الطحاوية في ذكر أنواع التوحيد: " وأما الثاني وهو توحيد الربوبية كالإقرار بأنه خالق كل شيء، وأنه ليس للعالم صانعان متكافئان في الصفات والأفعال، وهذا التوحيد حق لا ريب فيه، وهو الغاية عند كثير من أهل النظر والكلام وطائفة من الصوفية، وهذا التوحيد لم يذهب إلى نقيضه طائفة معروفة من بني آدم. . . "، ثم ذكر أن أهل الكلام تعبوا
(1) التدمرية، ص 185 - 186. ') ">
في تقرير توحيد الربوبية وظنوا أنه هو التوحيد الذي بينه القرآن، ثم قال:" وليس الأمر كذلك، بل التوحيد الذي دعت إليه الرسل ونزلت به الكتب: هو توحيد الألوهية المتضمن توحيد الربوبية، وهو عبادة الله وحده لا شريك له فإن المشركين من العرب كانوا يقرون بتوحيد الربوبية. . . "(1)
3 -
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله: " والقرآن من أوله إلى آخره في بيان توحيد العبادة وهو أظهر شيء في القرآن وأبينه، وقد أشرت إلى سبب خفاء هذا التوحيد على كثير من المتكلمين ومن سلك سبيلهم فلهذا لم ينكروا الشرك الذي وقع في هذه الأمة من عبادة الأشجار والأحجار والطواغيت والجن فصار هذا الشرك لهم عادة نشأ عليها الصغير وهرم عليها الكبير وهذا هو سبب إنكارهم على من نهاهم عنه، فمن تدبر ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» (2) تبين له خطأ المغرورين في إنكارهم على من دعاهم إلى إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له واشمئزازهم
(1) شرح العقيدة الطحاوية، ص 25 - 29. ') ">
(2)
أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لتتبعن سنن من كان قبلكم، رقم (7320)، ومسلم في كتاب العلم باب اتباع سنن اليهود والنصارى، رقم (2669).
من ذلك " (1)
ونتيجة خفاء توحيد العبادة على المتكلمين لم ينكروا الشرك الذي وقع في الأمة، قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله في كتاب قرة عيون الموحدين: " وقد وقع الأكثر من متأخري هذه الأمة في هذا الشرك الذي هو أعظم المحرمات، كما وقع فيه أهل الجاهلية قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، عبدوا القبور والمشاهد والأشجار والأحجار والطواغيت والجن كما عبد أولئك اللات والعزى ومناة وهبل وغيرها من الأصنام والأوثان، واتخذوا هذا الشرك دينًا، ونفروا إذا دعوا إلى التوحيد أشد نفرة، واشتد غضبهم لمعبوداتهم، كما قال تعالى:{وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُنَ} ، وقال تعالى:{وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا} ، وقال:{إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35) وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} ، علموا أن لا إله إلا الله تنفي الشرك الذي وقعوا فيه، وأنكروا التوحيد الذي دلت عليه. فصار
(1) مجموع رسائل الشيخ عبد الرحمن بن حسن، 2/ 77. ') ">
هؤلاء المشركون أعلم بمعنى هذه الكلمة " لا إله إلا الله " من أكثر متأخري هذه الأمة، لا سيما أهل العلم منهم الذين لهم دراية في بعض الأحكام وعلم الكلام، فجهلوا توحيد العبادة، فوقعوا في الشرك المنافي له وزينوه، وجهلوا توحيد الأسماء والصفات وأنكروه، فوقعوا في نفيه أيضًا، وصنفوا فيه الكتب لاعتقادهم أن ذلك حق وهو باطل، وقد اشتدت غربة الإسلام حتى عاد المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، فنشأ على هذا الصغير، وهرم عليه الكبير.
فلهذا عمَّ الجهل بالتوحيد الذي هو أصل دين الإسلام فإن أصله أن لا يعبد إلا الله، وأن لا يعبد إلا بما شرع، وقد ترك هذا وصارت عبادة الأكثرين مشوبة بالشرك والبدع، ولكن الله تعالى وله الحمد لم يخل الأرض من قائم له بحججه، وداعٍ إليه على بصيرة، لكيلا تبطل حجج الله وبيناته التي أنزلها على أنبيائه ورسله، فله الحمد والشكر على ذلك "
والذي يظهر أن أسباب خفاء توحيد الألوهية عند كثير من المتكلمين الأوائل وخفائه على جُلِّ المتأخرين منهم ما يلي:
1 -
اعتقادهم أن أول واجب هو المعرفة، وانشغلوا في تحديد أول واجب هل هو النظر أم القصد إلى النظر أم الشك، والمعرفة
المطلوبة قصروها على الربوبية، وهذا من أكبر أغلاطهم، ولهذا لم يروا أن توحيد الألوهية هو أول واجب ولم يقرروا معناه على الوجه الصحيح.
2 -
خطؤهم في تفسير معنى الإله حيث ظنوا أن معناه يتعلق بالربوبية فقط ولهذا فسروه بالقادر على الاختراع أو الغني عما سواه المفتقر إليه ما عداه، وترتب على هذا: الخطأ في معنى كلمة التوحيد وبيان حقيقة ما دلت عليه من إبطال الشرك بالله والتعلق بغيره، ووجوب إفراده بالعبادة.
3 -
أن كثيرًا من المتأخرين اشتغلوا بدراسة مسائل الفقه وأصوله أو اشتغلوا بدراسة الحديث أو التفسير أو مقدمات العلوم، أو علوم الآلة، دون التفطن لأصل الدين وأساسه، فتجد أحدهم بارعًا في الفقه متميزًا فيه أو غيره من العلوم ولكن لا تجد عنده كبير علم في أمور التوحيد أو تمييز أنواع الشرك التي ذكرها الله عز وجل أو ذكرها رسوله صلى الله عليه وسلم.
4 -
فقدان العلم الصحيح الصافي الموروث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والسلف الصالح رحمهم الله والانشغال عنه بتقريرات المتأخرين، وابتلاء أواخر هذه الأمة بعلماء سوء وأصحاب شبه وضلالات مما زاد في الانحراف والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله.