المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌حجاب المرأة في وجهها: - مجلة البحوث الإسلامية - جـ ٨٩

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌المحتويات

- ‌الفتاوى

- ‌ أسنان الذهب للنساء والرجال)

- ‌من فتاوى سماحة الشيخعبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله مفتي عام المملكة العربية السعودية

- ‌حكم صرف الزكاة لبناء المساجد

- ‌من فتاوى سماحة الشيخعبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخمفتي عام المملكة العربية السعودية

- ‌من فتاوىاللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

- ‌من الفتوى رقم 893

- ‌من الفتوى رقم 949

- ‌البحوث

- ‌المبحث الأولأحوال العرب الدينية قبل البعثة وبداية ظهور الشرك

- ‌المطلب الأول: العرب كانوا على شريعة إبراهيم عليه السلام قبل ظهور عمرو بن لحي الخزاعي

- ‌المطلب الثاني: ابتداء عبادة الأصنام عند العرب:

- ‌المطلب الثالث: مظاهر الشرك عند العرب قبل البعثة

- ‌أولاً: عبادة الأصنام:

- ‌ثانيًا: عبادة الملائكة والجن:

- ‌ثالثًا: عبادة الكواكب والشمس والقمر:

- ‌رابعًا: عبادة النار:

- ‌خامسًا: عبادة الشجر:

- ‌سادسًا: من العرب من كان على دين اليهود والنصارى:

- ‌المبحث الثانيدلالات الآيات القرآنية في بيان معنى إيمان المشركين وشركهم في الآية

- ‌المطلب الثاني: المشركون يدعون الله في الشدة ويشركون به في الرخاء:

- ‌المطلب الرابع: المشركون يؤمنون ويقرون بأن الله هو رب العالمين ومع ذلك يتخذون الأنداد:

- ‌المطلب السابع: المشركون يحتجون بقضاء الله وقدره على شركهم وأفعالهم القبيحة:

- ‌المبحث الثالثدلالات الأحاديث في بيان حال المشركين وإقرارهم بالربوبية

- ‌مطلب في ذكر أخبار وأشعار في الجاهلية تدل على إقرارهم بالربوبية:

- ‌المبحث الرابعذكر كلام المفسرين وأهل العلم في بيان معنى إيمان المشركينوشركهم في قوله تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ}

- ‌المبحث الخامستقريرات أئمة الإسلام والسنة في بيان إقرار المشركين بالربوبية وشركهم في الألوهية

- ‌المطلب الثاني: تقريرات علماء السنة في بيان خطأ المتكلمين في هذه المسألة، وأسباب خفاء ذلك عليهم:

- ‌المبحث السادسعدم الاغترار بالكثرة وعدم الزهد في القلة

- ‌الخاتمة

- ‌القنوط من رحمة اللهأسبابه – مظاهره – علاجه في ضوء عقيدة أهل السنة والجماعة

- ‌المقدمة

- ‌المبحث الأول: تعريف القنوط

- ‌المطلب الأول: تعريف القنوط في اللغة:

- ‌المطلب الثاني: المراد بالقنوط من رحمة الله:

- ‌المطلب الثالث: الفرق بين اليأس والقنوط:

- ‌المبحث الثانيالتحذير من القنوط من رحمة الله في القرآن الكريم والسنة النبوية

- ‌المطلب الأول: التحذير من القنوط من رحمة الله في القرآن الكريم:

- ‌المطلب الثاني: التحذير من القنوط في السنة النبوية:

- ‌المبحث الثالثوسطية أهل السنة والجماعة في باب الخوف والرجاء

- ‌المبحث الرابع: أسباب القنوط من رحمة الله تعالى

- ‌المبحث الخامسمظاهر القنوط من رحمة الله سبحانه وتعالى

- ‌المبحث السادس: علاج القنوط من رحمة الله سبحانه وتعالى

- ‌الخاتمة

- ‌الوسائل الواقية من الوقوع في الفاحشة في ضوء سورة النور

- ‌مُقَدِّمة

- ‌التمهيد:

- ‌ اسم السورة وعدد آياتها

- ‌ نوع السورة ومناسبتها لما قبلها:

- ‌ مقصد السورة وأبرز موضوعاتها:

- ‌الوسيلة الأولى: تطهير الزناة والزواني بعقوبة حد الزنى:

- ‌الوسيلة الثانية: التطهر باجتناب نكاح الزواني وإنكاح الزناة:

- ‌الوسيلة الثالثة: تطهير الألسنة عن رمي المؤمنين بفاحشة الزنى:

- ‌الوسيلة الرابعة: تطهير لسان الزوج عن رمي زوجته بالزنى من غير بينة:

- ‌الوسيلة الخامسة: تطهير النفوس عن ظن السوء بالمؤمنين بفعل الفاحشة:

- ‌الوسيلة السادسة: تطهير الإرادة عن محبة إشاعة الفاحشة في المؤمنين:

- ‌الوسيلة السابعة: تطهير النفوس من الوساوس والخطرات التي توقع في الفاحشة:

- ‌الوسيلة الثامنة: مشروعية الاستئذان عند إرادة دخول البيوت:

- ‌الوسيلة التاسعة: وجوب غض البصر عن النظر المحرم:

- ‌الوسيلة العاشرة: وجوب حفظ الفروج عن المحرم:

- ‌الوسيلة الحادية عشرة: تحريم إبداء المرأة زينتها للأجانب:

- ‌الوسيلة الثانية عشرة: منع ما يحرك الرجل ويثيره:

- ‌الوسيلة الثالثة عشرة: الحض على النكاح:

- ‌الوسيلة الرابعة عشرة: الأمر بالاستعفاف لمن لا يجد النكاح:

- ‌الوسيلة الخامسة عشرة: النهي عن البغاء:

- ‌الخاتمة

- ‌مكانة المرأة في الإسلام

- ‌من أساليب الحملات ضد المرأة:

- ‌النصوص الشرعية في الحجاب:

- ‌سورة النور:

- ‌ سورة الأحزاب

- ‌الاحتشام تقتضيه الفطرة:

- ‌حجاب المرأة في وجهها:

- ‌حديث شريف

الفصل: ‌حجاب المرأة في وجهها:

الشقيّين، اللذين يقلدان بعضهما البعض الآخر، في الفسوق والفحشاء، فيشابهان البهائم، ويتسابقان في دفع أحدهما الآخر إلى النار.

والبهائم غير مكلفة بشرع فلا حساب عليها ولكن ابن آدم مكلف بشرع الله، وأعطي عقلاً وفهمًا، ليتدبر في الإسلام من تكليف شرع الله، بأوامر تتبع ونواه تجتنب. أ. هـ.

لذا نقول: إن بلاد الشرق والغرب لما انتشر فيها التبرج، مع عدم وجود الحجاب الشرعي، والاحتشام جاء عندهم الاختلاط بين الجنسين، في الدراسة والعمل، ونتج عن ذلك إحصائيات تقدر سنويًّا بالملايين عن الإجهاض، والأولاد غير الشرعيين، مما جعل العقلاء يضجون ويرون الحل فيما جاء في شريعة الإسلام للمرأة بحجابها وحشمتها ووقارها، وزواجرها.

فالغربيون يريدون أن نتساوى معهم في نتائج حضارتهم، ونتخلى عن ديننا، وقيمنا ليتحقق الضياع للناشئة، فسبحان من حمانا بشرعه، الذي جعله لنا نظامًا متكاملاً، يحمي المجتمعات والشرف والأعراض.

ص: 359

‌حجاب المرأة في وجهها:

كان حجاب المرأة المسلمة من الموضوعات التي أخذت جدلاً طويلاً وفق فهم دلالة آيات الحجاب في سورتي: النور، والأحزاب، بالنصّ الكريم من كتاب الله:{إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} و {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ} ما بين: أن الوجه يجب ستره وعلة ذلك، أو كشفه مما

ص: 359

جرّ إلى الاختلاف.

وإن من اختلافات الآراء أن بعضهم له رأيان: إيجاب وسلب كابن عباس رضي الله عنهما وغيره، ولما كان الخطأ سِمَةَ البشر، كما في الحديث:«والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذَهَبَ بكم، ولجاء بقوم يذنبون ويستغفرون فيغفر لهم» (1).

والإمام مالك رحمه الله يقول: (كل يؤخذ من قوله ويترك، غير صاحب هذا القبر) وأشار إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفي سورة النساء يخبر جل وعلا، عن أهمية عدم تعمد الخطأ بقوله الكريم:{وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} .

وفي آخر سورة البقرة قال سبحانه: {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} التفسير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:«قال الله قد فعلت» .

فالمهم في الخطأ إذا بان الصواب بأدلته النقلية أو العقلية الرجوع إليه، وفي هذه الاختلافات: أصبحت المرأة في حجابها بين أمرين: أمر الله، وأمر البشر، إذ يحسّن الإنسان بمفارقات بين نظرة بعض الناس للدين: الذي هو عصمة أمرهم، ومهمتهم في الحياة

(1) رواه مسلم من حديث أبي هريرة ينظر جامع الأصول لابن الأثير تحقيق الأرناؤوط، الطبعة الأولى (8/ 38) وبرواية أخرى للترمذي.

ص: 360

الدنيا ونظرتهم لمتطلبات نفوسهم وتلبية رغباتهم، في تقليد الآخرين والله سبحانه أنزل شرعه، على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وأعطى للإنسان: سمعًا وبصرًا وفؤادًا.

وموضوع حجاب المرأة المسلمة أكثر من يثير شبهاته، في الأزمنة الأخيرة هم رجال يكتبون ويتحمسون، أو بأسماء نسائية مستعارة بأقلام أولئك الرجال.

وهي قضية حرّكها الاستعمار الغربي، عندما جثم على بلاد المسلمين، استمر فكرها رغم انتهاء الاستعمار العسكري، كلّما كادت نارها أن تخبأ جاء من يجددها، كما ذكرنا من قبل عن الشيخ عبد العظيم المطعني – رحمه الله، الذي بين الأسباب والمسببات.

ولم يعرف لهذه الحملات، وما تبعها من الشبهات المنصبة على المرأة، وحجابها ذكر في العصور المفضّلة بتاريخ الإسلام الطويل، مما ندرك منه: القناعة والفهم الصحيح، لدلالة آية الحجاب ومن ثم التطبيق بكل ارتياح في البيئات الإسلامية، بل تأثرت الأمم الأخرى بهذا العمل، لما فيه من حماية للمرأة وحشمة، وافقت هوى في النفوس.

لكن جاءت الحجج ودخل الجدل تدريجيًّا مع الاستعمار، ثم كبر حماسهم، بعدما أيقنوا بركائز تخدمهم، في المجتمعات الإسلامية، فأرادوا الفرض بالضغط والقوة، تحت شعارات ومؤتمرات عديدة، باسم المرأة وحقوق الإنسان وظلم المرأة، فعقدت مؤتمرات بهذه

ص: 361

المسميات: في القاهرة وفي بكين بالصين وغيرها، لاعتبارهم مطلع القرن الحالي خاصّ بالمرأة، وبداية التحول المدروس، قال تعالى:{لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} ، لكن أن يفرضوا على المرأة المسلمة أمرًا يتصادم مع دينها وأوامره، فهذا محل النزاع.

وصدق الله العظيم: في قوله سبحانه: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} يقول صموئيل زويمر، الذي يعتبرونه أكبر القساوسة النصارى وأكثرهم حماسة: لا يهمنا تحويل المسلمين إلى المسيحية (النصرانية) بل نريدهم يشككون في دينهم فهذا يخدمنا كثيرًا (1)(2)

لذلك ركزوا في حملاتهم على المرأة ونزع الحجاب الشرعي، واستغلالها في الدعاية والفن والغنى، ويترتب على نزع الحجاب: التبرج وانتزاع الحياء الذي جمّل الله به المرأة، وميز به المسلمة عن غيرها: لهدف إبعاد المرأة عن مكانتها الإسلامية، إلى فتنة بني إسرائيل في المرأة.

ولأن الإسلام: لا ينتزع جملة واحدة، وإنما ينتقض عروة عروة، فإن المرأة المسلمة وخاصة في هذا العصر، الذي نالت فيه مكانة

(1) ضمن كلمة له في مؤتمر الاستشراق التاسع المنعقد في القدس عام 1910 م.

(2)

ضمن كلمة له في مؤتمر الاستشراق التاسع المنعقد في القدس عام 1910 م. ') ">

ص: 362

علمية شرعية عالية، عليها أكثر من دور: التطبيق العملي في نفسها ومن حولها، والتوعية مع بنات جنسها، والرد على الشّبهات الموجهة للمرأة: بالحكمة والعلم والشواهد، التي تلامس الوجدان، في المجتمع النسائي التعليمي، وتوجيه من هو تحت يدها من النساء لما يجب على المرأة المحافظة عليه، وفق شرع الله.

حتى تتظافر الجهود من كل جانب، وفي كل مكان خاصة وأن النساء أكثر دراية بأحوال مجتمعهن، وينفذ لقلوبهن مقارنة الدليل بالواقع، وماذا يفيد المرأة .. لأن الحجاب والاحتشام، فيهما سياج منيع مع عدم الخضوع بالقول، وبذلك لا يوجد مانع من تكبير الدائرة، في هذا الميدان احتسابًا لما عند الله، في التوعية، وكشف ما يراد بالمرأة من فتنة تماثل فتنة بني إسرائيل في النساء، التي أخبر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقد أدت هذا الدور بجرأة كثير من نساء المسلمين في كل مكان، يشهد لهن تاريخهن وحماستهن لدينهن: جهادًا في سبيل الله، وتصديًا للحملات التي وراءها من يحركها ضد المرأة المسلمة .. وإثارة الفتن، والطمع في هذه المرأة .. وقد شجّعت النساء امرأة من هذه البلاد ماتت عام 1338 هـ بقصيدة تبلغ (83) بيتًا، تحرّض المرأة في هذه البلاد على التمسك بقيم الدين والعفاف، وإدراك الخطر حولها، ومنها هذه الأبيات:

ص: 363

يا رعاك الله تيهى عفافًا

وسموًا ورفعة وأمانة

وتحلي بفطنة وذكاء

وتوقّي من كيد أهل الخيانة

لا يغرّنك ما أشاعوا وحاكوا

من كلام وزينوا بهتانه

ثم ألقوا الأضواء في كل درب

ودعوها حريةً فتّانة

جعلوا المغريات شركًا وزانوا

عِدّة الصيد واستطابوا رهانه (1)

وعلى المرأة في دعوتها أن تدرك بأن: دفع المفاسد، مقدم على جلب المصالح .. كما يقول الأصوليون.

- وفي هذا الحديث عن حجاب المرأة، كأنموذج يحسن الاستئناس ببعض الأمور بعدما مرّ من آراء نقلناها:

1 – رأي سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله، بعد إيراده للآية 31 من سورة النور، إذ قال: جاء في هذه الآية الكريمة، ما يدل على وجوب الحجاب، وتحريم السفور في موضعين منها:

الأول: قوله تعالى: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} ، وهذا يدل على النهي عن جميع الإبداء، لشيء من الزينة إلا ما استثني، وهو ملابسها الظاهرة وما خرج بدون قصد، ويدل على ذلك التأكيد منه سبحانه وتعالى، بتكريره النهي عن إبداء الزينة في نفس الآية.

(1) تراجع القصيدة كاملة في كتابنا المرأة بين نور الإسلام وظلام الجاهلية، دار الصحوة القاهرة، الطبعة الأولى 1409هـ 1988م، (ص 184 - 190).

ص: 364

الثاني: قوله تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} ، فهذا صريح في إدناء الخمار من الرأس إلى الصدر، لأنّ الوجه من الرأس الذي يجب تخميره: عقلاً وشرعًا وعرفًا، ولا يوجد أيّ دليل يدل على إخراج الوجه من مسمى الرأس، في لغة العرب، كما لم يأت نصّ على إخراجه أو استثنائه بمنطوق القرآن والسنة، ولا بمفهومهما واستثناء بعضهم له، وزعمهم بأنه غير مقصود في عموم التّخمير، مردود بالمفهوم الشرعي واللغوي، ومدفوع بأقوال بقيّة علماء السلف والخلف، كما هو مردود بقاعدتين أوضحهما علماء الأصول ومصطلح الحديث:

إحداهما: أن حجة الإثبات مقدمة على حجة النفي.

الثانية: أنه إذا تعارض مبيح وحاظر قدم الحاظر على المبيح.

ولما كان الله سبحانه يعلم ما في المرأة، من وسائل الفتنة المتعددة للرجل، أمرها بستر هذه الوسائل، حتى لا تكون سببًا للفتنة فيطمع الذي في قلبه مرض بها.

والزينة المنهي عن إبدائها: اسم جامع لكل ما يحبه الرجل من المرأة، ويدعوه للنظر إليها سواء في ذلك الزينة الأصلية أو المكتسبة، التي هي كلّ شيء تحدثه في بدنها: تجملاً وتزينًا.

وأما الزينة الأصلية: فإنها هي الثابتة كالوجه والشعر، وما كان

ص: 365

من مواضع الزينة كاليدين والرجلين والنّحر، وما إلى ذلك وإذا كان الوجه أصل الزينة، وهو بلا نزاع القاعدة الأساسية للفتنة بالمرأة، بل هو المورد والمصدر لشهوة الرجل، فإن تحريم إبدائه آكد من تحريم كل زينة تحدثها المرأة في بدنها.

قال القرطبي في تفسيره: الزينة على قسمين: خَلْقيّة ومكتسبة فالخَلقيّة وجهها: فإنه أصل الزينة وجمال الخَلْقة ومعنى الحيوانيّة، لما فيه من المنافع وطرق العلوم.

وأما الزينة المكتسبة: فهي ما تحاول المرأة في تحسين خِلْقتها به، كالثياب، والحلي، والكحل، والخضاب. أ. هـ.

وقال البيضاوي في تفسيره: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} كالحلي والثياب والأصباغ، فضلاً عن مواضعها لمن لا يحل أن تبدي له، فإذا كان الوجه هو أصل الزينة بلا نزاع في النقل والعقل، فإن الله جلّتْ قدرته حرم على المرأة إبداء شيء من زينتها، وهذا عموم لا مخصص له من الكتاب والسنة، ولا يجوز تخصيصه بقول: فلان أو فلان، فأي قول من أقوال الناس يخصص هذا العموم، فهو مرفوض لأن عموم القرآن الكريم والسنة المطهرة، لا يجوز تخصيصه بأقوال البشر، ولا يجوز تخصيصه عن طريق الاحتمالات الظنية، أو الاجتهادات الفردية فلا يخصص عموم القرآن إلا بالقرآن الكريم أو بما ثبت من السنة المطهرة، أو بإجماع سلف الأمة ولذلك نقول:

ص: 366

كيف يسوغ تحريم الفرع وهو الزينة المكتسبة، وإباحة الأصل وهو الوجه الذي هو الزينة الأساسية، والمراد بقوله تعالى:{إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} ، كما قال بذلك ابن مسعود رضي الله عنه، وجمع من علماء السلف من المفسرين وغيرهم:(ما لا يمكن إخفاؤه) كالرداء والثوب، وما كان يتعاطاه نساء العرب من المقنعة: التي تجلل ثيابها، وما يبدوا من أسافل الثياب، وما قد يظهر من غير قصد كما تقدمت الإشارة لذلك، فالمرأة منهية من أن تبدي شيئًا من زينتها، ومأمورة بأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة.

وحينما نهى الله سبحانه وتعالى المرأة عن إبداء شيء من زينتها، إلا ما ظهر منها، علّمها عز وجل كيف تحيط مواضع الزينة بلف الخمار، الذي تضعه على رأسها فقال:{وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ} ، يعني من الرأس وأعلى الوجه، {عَلَى جُيُوبِهِنَّ} يعني الصدور، حتى تكون يذلك قد حفظت الرأس وما حوى والصدر من تحته، وبما بين ذلك من الرقبة وما حولها، لتضمن المرأة بذلك، ستر الزينة الأصلية والفرعية.

وفي قوله تعالى أيضًا في آخر هذه الآية: {وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} الدلالة على تحريمه سبحانه على المرأة ما يدعو إلى الفتنة، حتى بالحركة والصوت، وهذا غاية في توجيه المرأة المسلمة، وحثّ من الله لها على حفظ كرامتها ودفع الشر عنها.

ويشهد أيضًا لتحريم خروج الزينة المكتسبة أو الأصلية: فعل

ص: 367

النبي صلى الله عليه وسلم بزوجته صفية، وفعل أمهات المؤمنين، وفعل النساء المؤمنات في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية وآية الأحزاب من الستر الكامل، بالخمر والجلابيب، وكانت النساء قبل ذلك يسفرن عن وجوههن، وأيديهن حتى نزلت آيات الحجاب.

وبذلك يعلم أن ما ورد في بعض الأحاديث، من سفور بعض النساء كان قبل نزول آيات الحجاب، فلا يجوز أن يستدل به، على إباحة ما حرم الله، لأن الحجة في الناسخ لا في المنسوخ، كما هو معلوم عند أهل العلم والإيمان.

- ومن آيات الحجاب: الآية السابقة من سورة النور، ومنها قوله تعالى من سورة الأحزاب:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} .

قال العلماء: الجلابيب جمع جلباب: وهو كل ثوب تشتمل به المرأة فوق الدرع والخمار، لستر مواضع الزينة من ثابت ومكتسب، وقوله تعالي:{ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ} يدل على تخصيص الوجه لأن الوجه عنوان المعرفة، فهو نصّ على وجوب ستر الوجه، وقوله:{فَلا يُؤْذَيْنَ} : هذا نصّ على أن في معرفة محاسن المرأة إيذاء لها ولغيرها،

ص: 368

بالفتنة والشر، فلذلك حرم الله تعالى عليها أن تُخْرج من بدنها، ما تُعرف به محاسنها أيًّا كانت، ولو لم يكن من الأدلة الشرعية على منع كشف الوجه، إلا هذا النص منه سبحانه وتعالى، لكان كافيًا في وجوب الحجاب، وستر مفاتن المرأة: ومن جملتها وجهها وهو أعظمها، لأن الوجه هو الذي تعرف به، وهو الذي يجلب الفتنة.

قالت أم سلمة: لما نزلت هذه الآية: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ} خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من السكينة، وعليهن أكسية سود يلبسنها، (قال ابن عباس:«أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن، من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينًا واحدة» .

وقال محمد بن سيرين: سألت عبيدة السلماني، عن قول الله عز وجل:{يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ} ، فغطى وجهه ورأسه وأبرز عينه اليسرى، وأقوال المفسرين في الموضوع كثيرة، لا يتسع المقام لذكرها.

ومن آيات الحجاب أيضًا: قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} ، فهذه الآية: نصّ واضح في وجوب تحجب النساء عن الرجال، وتسترهن منهم وقد أوضح الله سبحانه في هذه الآية الحكمة في ذلك، وهي أن التحجب أطهر لقلوب

ص: 369

الرجال والنساء، وأبعد عن الفاحشة وأسبابها.

وهذه الآية عامة لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهن من المؤمنات، قال القرطبي رحمه الله:(ويدخل في هذه الآية جميع النساء بالمعنى، وبما تضمنته أصول الشريعة، ومن أن المرأة كلّها عورة بدنها وصوتها، فلا يجوز كشف ذلك إلا لحاجة كالشهادة عليها، أو داء يكون في بدنها، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على وجوب الحجاب) وقول القرطبي: إن صوت المرأة عورة: يعني إذا كان ذلك مع الخضوع، أما صوتها العادي فليس بعورة، لقوله سبحانه:{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا} .

فنهاهن سبحانه عن الخضوع في القول، لئلا يطمع فيهن أصحاب القلوب المريضة بالشهوة، وأذن لهن سبحانه في القول المعروف، وكان النساء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يكلمنه ويسألنه، ولم ينكر ذلك عليهنّ، وهكذا كان النساء في عهد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يكلمن الصحابة ويستفتينهم، فلم ينكروا ذلك عليهن، وهذا أمر معروف ولا شبهة فيه، ثم زاد سماحته من السنة فقال:

وأما الدلالة من السنة فمنها: ما ثبت في الصحيحين «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر بخروج النساء إلى مصلى العيد، قلن يا رسول الله: إحدانا لا

ص: 370

يكون لها جلباب، فقال:(لتلبسها أختها من جلبابها)» (1) فدلّ على أن المعتاد عند نساء الصحابة، ألا تخرج المرأة إلا بجلباب وفي الأمر بلبس الجلباب: دليل على أنه لا بد من التستر والحجاب، وكذا ما ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها، قالت:«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الفجر، فيشهد معه نساء من المؤمنات متلفّعات بمروطهن، ثم يرجعن إلى بيوتهنّ ما يعرفهن أحد من الناس» (2).

وقد أجمع علماء السلف على وجوب ستر المرأة المسلمة لوجهها، وأنه عورة يجب عليها ستره، إلا من ذي محرم.

قال ابن قدامة في المغني: والمرأة إحرامها في وجهها، فإن احتاجت سدلت على وجهها، وجملته أن المرأة يحرم عليها تغطية وجهها في إحرامها، كما يحرم على الرجل تغطية رأسه، إلا ما روي عن أسماء: أنها كانت تغطي وجهها وهي محرمة.

والمرأة المحرمة إن احتاجت إلى ستر وجهها لمرور الرجال قريبًا منها: فإنها تسدل الثوب فوق رأسها على وجهها، لما روي عن عائشة رضي الله عنها، قالت:«كان الركبان يمرون بنا ونحن محرمات، مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا كشفنا» (3).

وإنما مُنعت المرأة المحرمة من البرقع والنقاب، ونحوهما مما

(1) متفق عليه.

(2)

صحيح البخاري الصلاة (372)، صحيح مسلم المساجد ومواضع الصلاة (645)، سنن الترمذي الصلاة (153)، سنن النسائي كتاب المواقيت (546)، سنن أبو داود الصلاة (423)، سنن ابن ماجه الصلاة (669)، مسند أحمد بن حنبل (6/ 37)، موطأ مالك وقوت الصلاة (4)، سنن الدارمي الصلاة (1216).

(3)

سنن أبو داود المناسك (1833)، مسند أحمد بن حنبل (6/ 30).

ص: 371

يصنع لستر الوجه خاصة، ولم تمنع من الحجاب مطلقًا قال أحمد: إنما لها أن تسدل على وجهها فوق، وليس لها أن ترفع الثوب من أسفل ا. هـ.

وقال ابن رشد في البداية: (وأجمعوا على أن إحرام المرأة في وجهها، وأن لها أن تغطي رأسها، وتستر شعرها وأن لها أن تسدل ثوبها على وجهها، من فوق رأسها سدلاً خفيفًا تستتر به عن نظر الرجال إليها).

إلى غير ذلك من كلام العلماء، فيؤخذ من هذا ونحوه أن علماء الإسلام، قد أجمعوا على كشف المرأة وجهها في الإحرام، وأجمعوا على أنه يجب عليها ستره بحضور الرجال، فحيث كان كشف الوجه في الإحرام واجبًا فستره في غيره أوجب.

وبهذا يعلم وجوب تحجب المرأة وسترها لوجهها، وأنه يحرم عليها إخراج شيء من بدنها، وما عليها من أنواع الزينة مطلقًا، إلا ما ظهر من ذلك كله، في حالة الاضطرار أو عن غير قصد كما سلف بيان ذلك.

وهذا التحريم جاء لدرء الفتنة، ومن قال بسواه، أو دعا إليه فقد غلط وخالف الأدلة الشرعية، ولا يجوز لأحد اتباع الهوى، أو العادات المخالفة لشرع الله سبحانه، لأن الإسلام هو دين الحق والهدى والعدالة في كل شيء، وفيه الدعوة إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، والنهي عما يخالفها من مساوئ الأخلاق، وسيئ الأعمال، والله المسؤول أن يوفقنا وجميع المسلمين لما يرضيه وأن يعيذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا إنه جواد كريم، وصلى الله

ص: 372

على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين (1)

2 – أكثر المحتجين بكشف المرأة لوجهها: بأنه على رأي الإمام الشافعي، ومعروف أن الشافعي رحمه الله له رأيان في الفتوى: الأول والثاني .. كما بان ذلك في كتابه الأم.

ولم يمر علينا إثبات ذلك له، وإنما الذي جرى الاطلاع عليه، كتاب للأمير الصنعاني أحد مشاهير علماء اليمن، هو كتابه: الأدلة الجليّة في تحريم نظر الأجنبية، حيث قال: والأئمة: مالك والشافعي وأبو حنيفة وغيرهم لم يتكلموا إلا على عورة المرأة في الصلاة، والأمير الصنعاني مع أنه زيدي، فإنه خبير بمذهب الإمام الشافعي، المنتشر في اليمن، مما نظنّ معه: أن الذين نسبوا للشافعي رحمه الله كشف وجه المرأة ويديها، وهو يعني إحرامها في الحج ظنوه، مطلقًا مع ثبوت القول بأنه لا يراه في غير الحج، والشافعي من الأئمة الذي يقول: ما خالف من رأيي سنة الرسول صلى الله عليه وسلم فخذوا بالسنة، واضربوا بكلامي عرض الحائط.

3 – والشيخ أحمد الدويش من المحققين المدققين في كتابه: التحقيق والإيضاح لحكم حجاب المرأة المسلمة، قد حرص على

(1) رسالة حراسة الحجاب: لسماحة الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز، قرأه وقدم له الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين، نشر دار الأثير بالرياض (ص 21 – 36). وينظر أيضًا: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، لسماحته، (5/ 224، 233).

ص: 373

تتبع الأقوال، وناقش بعض من حمّلوا الأدلة، ما لا تحتمل، وجعل في مقدمة طرة هذا الكتاب: قولاً لابن حجر العسقلاني المحدث رحمه الله، يؤصّل أنّ وجه المرأة عورة هو:(ومن المعلوم أن العاقل يشتد عليه، أن الأجنبي يرى وجه زوجته، وابنته ونحو ذلك)(ابن حجر).

-وقد اهتم بتحقيق الأقوال التي يحتج بها المبيحون: لكشف الوجه واليدين، ومن ذلك:

أ – ما أورده عن الشيخ: عبد القادر بن حبيب الله السندي، في كتابه: رسالة الحجاب في الكتاب والسنة، الذي ضعف فيه الآثار المنسوبة لابن عباس رضي الله عنهما، ولضعفها فقد حكم بعدم صلاحيتها للاحتجاج.

وكذا بحثها أيضًا: مصطفى العدوي في كتابه: تفسير سورة النور، الذي خلص إلى ضعفها وعدم صلاحيتها للاحتجاج (1)

وأيد هذا القول الشيخ الشنقيطي: الذي وضّح المعنى بدلائل لغوية: بأن الزينة في لغة العرب: هي ما تتزين به المرأة، مما هو خارج عن أصل خلقتها كالحلي والحلل، وتفسير الزينة ببعض بدن المرأة، خلاف الظاهر، ولا يجوز الحمل عليه إلا بدليل يجب الرجوع إليه (2)

(1) التحقيق والإيضاح لحكم حجاب المرأة المسلمة، الطبعة الأولى 1422 هـ، لأحمد الدويش (ص48). ') ">

(2)

نفس المصدر، وأضواء البيان للشيخ الشنقيطي رحمه الله، (6/ 198)، التحقيق والإيضاح (ص 51 – 54). ') ">

ص: 374

- وتتبع بعضًا ممّا تعلق به من يرى إباحة كشف وجه المرأة وكفيها، أمام الأجانب في هذا العصر، مكتفيًا بما أورده الشيخ ناصر الدين الألباني رحمه الله معتبرًا ذلك أدلة، وأجْمَلَ ما يؤخذ على الشيخ ناصر رحمه الله في خمسة أشياء:

1 -

خطأ في الاستدلال: في حديث سهل بن سعد: «أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله لأهب لك نفسي، فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم: فصعد النظر إليها وصوبه، ثم طأطأ رأسه فلما رأت المرأة أنه لم يقصد منها شيئًا جلست» (1) الحديث.

قال: ومحل الشاهد لديه: «فصعد النظر إليها وصوّبه» (2): وهذا دلالة فيه على أنها غير مغطية لوجهها، فمجرد النظر لا يعطي الدلالة على ذلك، وليس في الحديث ما يدل على أنه بعد الحجاب، ولذا لا يوجد فيه دلالة على محل الدعوى (3).

2 -

حديث ضعيف لا تقوم به حجة في ردّ حكم ثابت، وذلك في حديث عائشة رضي الله عنها، قالت:«كنّ نساء المؤمنات، يشهدن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر، متلفعات بمروطهنّ، ثم ينقلبن إلى بيوتهن، حين يقضين الصلاة، لا يُعْرَفْنَ من الغلس» (4) قال عنه:

وذكر الشيخ الألباني وجه الدلالة بقوله: (ووجه الاستدلال به

(1) صحيح البخاري النكاح (5087)، صحيح مسلم النكاح (1425)، سنن الترمذي النكاح (1114)، سنن النسائي النكاح (3280)، سنن أبو داود النكاح (2111)، سنن ابن ماجه النكاح (1889)، مسند أحمد بن حنبل (5/ 336)، موطأ مالك النكاح (1118)، سنن الدارمي النكاح (2201).

(2)

صحيح البخاري النكاح (5087)، صحيح مسلم النكاح (1425)، سنن الترمذي النكاح (1114)، سنن النسائي النكاح (3280)، سنن أبو داود النكاح (2111)، سنن ابن ماجه النكاح (1889)، مسند أحمد بن حنبل (5/ 336)، موطأ مالك النكاح (1118)، سنن الدارمي النكاح (2201).

(3)

التحقيق والإيضاح للشيخ أحمد الدويش، مصدر سابق (ص 72، 73). ') ">

(4)

صحيح البخاري مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ (578)، صحيح مسلم المساجد ومواضع الصلاة (645)، سنن الترمذي الصلاة (153)، سنن النسائي السهو (1362)، سنن أبي داود الصلاة (423)، سنن ابن ماجه الصلاة (669)، مسند أحمد (6/ 259)، موطأ مالك وقوت الصلاة (4)، سنن الدارمي الصلاة (1216).

ص: 375

هو قولها: «لا يُعرفن من الغلس» (1).

ومحل الشبهة لديه: أنه لولا الغلس لعُرِفْنَ، وإنما يُعْرَفن عادة من وجوههنّ، وهي مكشوفة فثبت المطلوب، قال الشيخ ناصر الدين: ثم وجدت رواية صريحة في ذلك بلفظ: «وما يعرف بعضنا وجوه بعض» .

فأجاب الشيخ الدويش عن ذلك بقوله: إن الشيخ عفا الله عنه حمّل النّصّ ما لا يحتمل، فالحديث ورد لبيان وقت صلاته صلى الله عليه وسلم الفجر، وأنه يبكّر بها، ولم يرد في الحديث نصّ، على كشف الوجوه، أما كونهن لا يُعرفن من الغلس، فالمقصود: بيان الوقت، وليس المقصود بيان حالهن في اللباس، وقولها:«لا يعرف بعضنا وجوه بعض» يؤكد ذلك، فالحديث لا علاقة له بالدعوى، وأصرح منه بالدلالة على ستر الوجه، قول عمر لسودة بنت زمعة لما خرجت لحاجتها، ورأت عمر انقلبت مسرعة، قال:(لا تخفين علينا يا سودة) قالت الراوية: وكانت متميزة عن النساء، بضخامة الجسم.

وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «على رسلكما إنّها صفية» (2) فلو كانتا مكشوفتي الوجه، لم يحتج الأمر إلى هذا القول (3).

3 -

أحاديث يتطرق إليها احتمالات كثيرة في رد حكم ثابت ..

(1) صحيح البخاري مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ (578)، صحيح مسلم المساجد ومواضع الصلاة (645)، سنن الترمذي الصلاة (153)، سنن النسائي السهو (1362)، سنن أبي داود الصلاة (423)، سنن ابن ماجه الصلاة (669)، مسند أحمد (6/ 259)، موطأ مالك وقوت الصلاة (4)، سنن الدارمي الصلاة (1216).

(2)

صحيح البخاري الِاعْتِكَافِ (2039)، صحيح مسلم السَّلَامِ (2174)، سنن أبي داود السُّنَّةِ (4719)، سنن ابن ماجه الصِّيَامِ (1779)، مسند أحمد (3/ 156)، باقي مسند المكثرين (3/ 285).

(3)

المصدر السابق، (ص 72، 73 - 75). ') ">

ص: 376

وذلك في حديث فاطمة بنت قيس: «أن أبا عمر بن حفص، طلقها البتة» (1)، وفي رواية أخرى:«ثلاث تطليقات، وهو غائب فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له، فأمرها أن تعتد، في بيت أم شريك، ثم قال: تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى، تضعين ثيابك عنده» (2). وفي رواية: «انتقلي إلى أم شريك، وأم شريك امرأة غنية من الأنصار، عظيمة النفقة في سبيل الله، ينزل عليها الضيفان، فقلت: سأفعل فقال: لا تفعلي إن أم شريك كثيرة الضيفان، فإني أكره أن يسقط خمارك، أو ينكشف الثوب عن ساقيك، فيرى القوم فيك بعض ما تكرهين» الحديث.

ثم قال: وجه الدلالة بقوله: ووجه دلالة الحديث: على أن الوجه ليس بعورة ظاهرة، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم: أقرّ ابنة قيس على أن يراها الرجال، وعليها الخمار، وهو غطاء الرأس، فدل على أن الوجه منها ليس بالواجب ستره، كما يجب ستر رأسها .. إلى آخر كلامه.

والجواب: أن هذا التوجيه منه عفا الله عنه، هو على فهمه أن الخمار خاص بالرأس، وهذا الفهم كما عرفت بيّن الخطأ، وكيف غاب عنه – رحمه الله – قول عائشة:«فخمّرت وجهي بجلبابي» (3)، ففهمه أن الخمار خاص بالرأس، دون الوجه فهم قاصر، وبهذا يتضح أن الحديث لا دلالة فيه على ما ذكر، بل يفيد بضمه إلى النصوص السابقة، مع دلالة اللغة، التي تحدّد الخمار، أن يشمل ستر الوجه،

(1) صحيح مسلم الطلاق (1480)، سنن الترمذي النكاح (1135)، سنن أبو داود الطلاق (2284)، سنن ابن ماجه النكاح (1869)، مسند أحمد بن حنبل (6/ 373)، موطأ مالك الطلاق (1234) سنن الدارمي النكاح (2177).

(2)

صحيح مسلم الطلاق (1480)، سنن الترمذي النكاح (1135)، سنن أبو داود الطلاق (2284)، سنن ابن ماجه النكاح (1869)، مسند أحمد بن حنبل (6/ 373)، موطأ مالك الطلاق (1234)، سنن الدارمي النكاح (2177).

(3)

صحيح البخاري الْمَغَازِي (4141)، صحيح مسلم التَّوْبَةِ (2770)، سنن أبي داود النِّكَاحِ (2138)، سنن ابن ماجه الْأَحْكَامِ (2347)، مسند أحمد (6/ 198).

ص: 377

ويدل على لزومه (1)

4 – وأورد الحديث الرابع: عن ابن عباس رضي الله عنهما، «أنه قيل له: شهدت العيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، ولولا مكاني من الصّغر ما شهدته، حتى أتى العلم الذي عند دار كثير بن الصلت فصلّى، قال: فنزل صلى الله عليه وسلم كأني أنظر إليه حين يجلّس الرجال بيده، ثم أقبل يشقّهم ثم أتى النساء ومعه بلال، فقال:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا} فتلا الآية حتى فرغ منها، ثم قال حين فرغ منها:(أنتن على ذلك)؟ فقالت امرأة واحدة، لم يجبه غيرها منهن، نعم يا نبي الله، قال: فوعظهن وذكّرهن، وأمرهن بالصدقة، قال: فبسط بلال ثوبه، ثم قال: هلم لكنّ فداكنّ أبي وأمي. فرأيتهن يهوين بأيديهن يقذفنه» (2)، وفي رواية:«فجعلن يلقين الفتخ والخواتم في ثوب بلال، ثم انطلق هو وبلال إلى بيته» .

قال الشيخ ناصر الدين: فهذا ابن عباس، بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم رأي أيديهن، فصح أن اليد من المرأة والوجه ليسا بعورة، وما عداهما ففرض ستره. ا. هـ.

والجواب: أن الشيخ رحمه الله قد أغرب في الفهم كما ترى، فليس في الحديث دلالة على كشف أيديهن، ورؤية ابن عباس رضي الله

(1) المصدر السابق (ص 75 - 77). ') ">

(2)

صحيح البخاري الحيض (304)، صحيح مسلم الإيمان (80)، سنن النسائي صلاة العيدين (1576).

ص: 378

عنهما لا تستلزم ذلك، لأنه قد يراها ترمي ما تريد، وهي ساترة يدها، ثم إن ابن عباس حينذاك كان صغيرًا، كما صرّح بذلك، ثم ليس هناك تلازم بين اليد والوجه، حتى يقال: ما دامت اليد مكشوفة فالوجه مكشوف.

وبهذا يظهر أن الحديث: لا دلالة فيه على مقصوده (1)

وهكذا استمر في بقية استدلالات الشيخ ناصر يحللها ويناقشها.

5 – مرّ بنا في كلمة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، التي رد بها على يوميات أربعة في جريدة الأهرام المصرية، على كاتب: تحامل على الحجاب والنقاب، والدعوة إلى السفور، واعتبار الحجاب بدعة من البدع، وأبان سماحته في كلمته هذه: عن إجماع العلماء على ستر الوجه واليدين.

- وقد جاءت اختلافات حول الكشف للوجه وعدمه، ففي الجواز مرّ بنا جوازه، إذا كان بقصد النكاح ورؤيته أيضًا، وإذا كان بقصد الشهادة، أو الضرورة كالعلاج.

- أما إذا ترتب على كشف الوجه فتنة، أو كان الناظر بشهوة فيجب ستره، وأي فتنة أكثر من واقع زماننا، وتصيد الشباب للنساء: معاكسة وتلفنة، بل يبلغ أكثر من ذلك مواعدة وخطفًا .. فقد فسد الزمان، بجرأة بعض الناس على محارم الله، وهتك الأعراض مع كثرة المغريات، إذ قد روي عن الزبير رضي الله عنه أنه أراد منع زوجته من الصلاة

(1) المصدر السابق (ص77 - 79)، ومن (ص79 - 90). ') ">

ص: 379

في المسجد: العشاء والفجر، وقالت: كيف تمنعني ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تمنعوا إماء الله من المساجد» (1)، ثم إنها توقفت عن الذهاب، وقالت له: يا أبا عبد الله لقد فسد الزمان، والصلاة في البيت أفضل.

وفي كتب المذاهب الأربعة المشهورة، ما يفيد منع كشف الوجه والكفين، نكتفي بنموذج واحد، من كل مذهب دون الحاجة للتوسع.

- الحنابلة: قال الإمام أحمد – رحمه الله: ظفر المرأة عورة، فإذا خرجت من بيتها فلا تبن منها شيئًا ولا خفها، فإن الخف يصف القدم، وأحب إلي أن تجعل لكمها زرا عند يدها حتى لا يبين منها شيء (2)

- الحنفية: جاء في حاشية ابن عابدين على الدر المختار: دلت المسألة على أن المرأة، منهية عن إظهار وجهها للأجانب بلا ضرورة، ومحل الاستحباب عند عدم الأجانب، وأما عند وجودهم فالإرخاء واجب عليها (3)

- الشافعية: قال إمام الحرمين الجويني: اتفق المسلمون على منع النساء من الخروج سافرات الوجوه؛ لأن النظر مظنة الفتنة، وهو محرك للشهوة، فاللائق بمحاسن الإسلام سد الباب فيه، والإعراض عند تفاصيل الأحوال، كالخلوة بالأجنبية (4)

(1) صحيح البخاري الجمعة (900)، صحيح مسلم الصلاة (442)، سنن الترمذي الجمعة (570)، سنن النسائي المساجد (706)، سنن أبو داود الصلاة (568)، سنن ابن ماجه المقدمة (16)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 16)، سنن الدارمي المقدمة (442).

(2)

الفروع (1/ 601). ') ">

(3)

حاشية ابن عابدين، (2/ 528). ') ">

(4)

روضة الطالبين للإمام النووي (7/ 24). ') ">

ص: 380

- المالكية: جاء في حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: لابن مرزوق الدسوقي (محمد عرفة الدسوقي): يرى وجوب ستر وجهها ويديها، وهو مشهور المذهب

- وقد مر بنا في موضوع النظرة وأثرها لبديع الزمان النورسي، التشديد في ذلك، وقد فرّق بين مجتمع القرية والمدينة، لأن القرية، ومجتمع الفلاحين: الكل منشغل بلقمة العيش، وعدم الفراغ فلا توجد فيه الفتنة، مثل مجتمع المدينة، وتوفر الأسباب وضعف الرقابة، والشاعر يقول:

إن الشباب والفراغ والجدة

مفسدة للمرء أي مفسدة

فهل يوجد في هذا الزمان مجتمع، كلّ شبابه صالح لا تتأذى النساء من تتبعه لهنّ، أو إيذائه لهنّ .. إن ما يطفح على سطح وسائل الإعلام، لا يبشر بخير، ناهيك بما لم يصل للإعلام، مما يدعو للحيطة وبث نصائح للنساء، بعدم التبرج عند الخروج من المنزل، والتأدب بآداب الإسلام، وقد روي لأحد العلماء في الصدر الأول: خير للمرأة ألا ترى الرجال غير محارمها، ولا يرونها. ولذا فإن نساء الغرب قد مللن مما جذبتهنّ الحضارة إليه، فهذه كاتبة إنجليزية مشهورة تقول: لئن تشتغل بناتنا في البيوت، خادمات خير وأخف بلاء من اشتغالهنّ بالمعامل، حيث تصبح المرأة ملوثة بأدرانٍ، تذهب برونق حياتها إلى

ص: 381

الأبد، ألا ليت بلادنا كبلاد المسلمين، فيها الحشمة والعفاف والطهارة.

ويقول غوستاف لوبون (المستشرق الفرنسي): ينظر الشرقيون إلى الأوربيين الذين يُكْرِهون المرأة على العمل، كما ينظر إلى حصان أصيل، يستخدمه صاحبه، في جرّ عربة، فعمل المرأة عند الشرقيين، هو تربية الأسرة، وأنا أشاركهم رأيهم مشاركة تامّة، فالإسلام لا النصرانية، هو الذي رفع المرأة من الدرك الأسفل الذي كانت فيه، وذلك خلافًا للاعتقاد الشائع.

والمرأة المسلمة قد شاركت بتوفيق من الله بحجابها وتسترها ووقارها، وفق الحجاب الشرعي، الذي أمرها الله به: محافظة وتطبيقًا، واعتدادًا في جميع الميادين، بما فيها الجهاد في سبيل الله، وما اعتبر ذلك قيدًا وظلمًا، وأدّتْ أدوارًا تتلاءم مع فطرتها، ولم ينقص ذلك من قدرها .. لأنها تقتدي بالرعيل الأول من نساء الإسلام.

وفي الوقت الحاضر: شقت طريقها في مراحل التعليم كلّها، وساهمت في البناء، بشخصية متميزة، ولا اشتكتْ أو تبرمت، بل نافست في التخصصات بتعليم متميز، يلائم فطرتها: انفردت به المرأة.

حتى إن جهات عديدة، بما فيها أمريكا وغيرها، قد سارت في بعض قطاعات التعليم على هذه التجربة، وبدون اختلاط .. فكيف يحكم على أمور افتراضية بالمردود الحسن، بينما الواقع في ضمائر بعض النساء، وأوليائهن على الفطرة السليمة، ويرون في تربية المرأة

ص: 382

ما يكفل الحشمة والعفاف.

وقد أحدثت الصحوة الإسلامية منذ أكثر من عقدٍ زمني، حملة مكثفة ضد المرأة المسلمة وحجابها، بل صرحوا في بعض المؤتمرات والندوات والتوصيات والإعلام بأنواعه، عن الهدف المخفي بالدعوة لانفلات المرأة، المسلمة والعُريّ والفسق، وزواج المثل .. وغيرها من أمور يندى لها الجبين، ومفتاح ذلك الباب هو خلع الحجاب، والحشمة والوقار، ونزع الحياء من المرأة، لأن ما بعد ذلك يأتي تباعًا.

وبعد هذا الاستعراض فإن بعض العلماء يرون الالتزام في دلالة الاحتجاب للمرأة بتغطية الوجه واليدين، والبعض الآخر لا يرى هذا، فإن لكل استدلاله ولا شك أن الكل يبحثون عن المقاصد الشرعية في الحكم، وكثير منهم نصوا على أمن الفتنة والضرر، وأميل وفق هذا مع الرأي الذي بان لي أكثر من أخذ به من العلماء، وهو أن تغطية الوجه، الذي هو مجمع المحاسن، ومناط المعرفة والإعجاب، بالحرص على تغطيته سدًّا لباب الفتنة والضرر على المرأة بالإيذاء ومن باب الورع.

نسأل الله أن يعين النساء المسلمات على تخطّي هذه العقبة، وأن يوفق العلماء والقادة بالوقوف إلى جانبهن، للتصدي للتيارات الزاحفة: إعلاميًّا وثقافيًّا وتوجيهًا، قبل هيجان ذلك التيار، معتصمين بحبل الله المتين، ومن اعتصم بالله هُدي إلى الطريق الأقوم، ومن توكل عليه حقًّا كفاه؛ وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

ص: 383