الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} ، أي: من الأقوال والأفعال، يفيد إحاطته سبحانه وتعالى بكل شيء، وفائدة هذا الأسلوب استثارة قلوب المؤمنين إلى طاعته لتسارع إلى امتثال أمره، كما أن فيها وعيدًا شديدًا لأهل الريبة والنوايا الخبيثة ممن يحبون التطلع على العورات
فتبين مما تقدم أن الله عز وجل إنما أوجب الاستئذان عند دخول البيوت لما يترتب عليه من آثار حميدة من صفاء النفس وسلامة القلب ونقاء السريرة والبعد عن مظان التُّهم، ولما يترتب على الإخلال به من مفاسد سيئة من النظر المحرم والخلوة والاطلاع على العورات، ومتى حافظ عليه المسلم والتزم به كان ذلك سببًا في صيانة المجتمعات من هذه المفاسد الخطيرة؛ لأن الاستئذان من أعظم الوسائل الواقية من الفاحشة.
الوسيلة التاسعة: وجوب غض البصر عن النظر المحرم:
الغضُّ الخفض والنقص، وغض البصر إطباق الجفن على الجفن بحيث تمنع الرؤية، والمراد به هنا كف النظر عما حرم الله عز وجل كالنظر إلى العورات وإلى النساء الأجنبيات والمردان ونظر المرأة إلى الرجل بشهوة والصور والمناظر المحرمة ونحوها (1)(2)
وإنما جيء بالأمر بغض البصر بعد حكم الاستئذان لأن الدخول إلى البيوت مظنة الاطلاع على العورات، وليؤدب عز وجل عباده المؤمنين بما تقتضيه المجالسة بعد الدخول وهو ألَاّ يكون الداخل إلى البيت محدقًا بصره متطلعًا إلى ما لا يحل، فجاء الأمر في الآية عامًّا للمستأذن والمستأذن عليه، وللمؤمنين والمؤمنات في جميع الأحوال، لأن النظر بريد الزنى ورائد الفجور، وهو أقوى طريق يوصل إلى القلب، والاحتراس منه أصعب (3) وسبب الأمر بغض البصر لأنه ذريعة إلى الوقوع في الفاحشة، ومفتاح الوقوع في المنكرات، وشغل القلب بالهواجس، وتحريك النفس بالوساوس، ومنشأ الفساد والفجور.
وتخصيص المؤمنين بالذكر لأنهم الممتثلون المنتفعون بذلك،
(1) انظر: المفردات (ص374)، فتح القدير (4/ 22)، تيسير الكريم الرحمن (ص566).
(2)
انظر: المفردات (ص374)، فتح القدير (4/ 22)، تيسير الكريم الرحمن (ص566). ') ">
(3)
انظر: الكشاف (3/ 230)، التحرير والتنوير (18/ 203). ') ">
ولتذكيرهم بالإيمان الذي معهم فيمنعهم من وقوع ما يخل به (1)
والفعل: {يَغُضُّوا} ، مجزوم لكونه وقع جوابًا لـ {قُلْ} لتضمنه معنى الشرط، كأنه قيل: إن تقل لهم غضوا يغضوا (2)
وجيء بمن التبعيضية في قوله: {مِنْ أَبْصَارِهِمْ} ، لصعوبة التحرز من النظر ولكونه يجوز في بعض الحالات كنظر الخاطب والشاهد والطبيب والنظر إلى المحارم ونحوه (3)
وفي الكشاف: (وكفاك فرقًا أن أبيح النظر إلاّ ما استثنى منه، وحظر الجماع إلاّ ما استثنى منه) اهـ (4). أي: أن الأصل في الفروج الحظر، وفي النظر الإباحة.
ثم بيَّن جل جلاله الحكمة من الأمر بغض البصر فقال: {ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ} ، أي: أطهر للقلوب، وأنمى للأعمال، (فإن من حفظ فرجه وبصره، طهر من الخبث الذي يتدنس به أهل الفواحش، وزكت أعماله، بسبب ترك المحرم، الذي تطمع إليه النفس وتدعو إليه، فمن ترك شيئا لله، عوضه الله خيرًا منه، ومن غض بصره عن المحرم، أنار الله
(1) انظر: تيسير الكريم الرحمن (ص566)، التفسير المنير (18/ 222). ') ">
(2)
انظر: المحرر الوجيز (4/ 177)، إعراب القرآن الكريم وبيانه محيي الدين درويش (5/ 268). ') ">
(3)
انظر: تيسير الكريم الرحمن (ص566). ') ">
(4)
الكشاف (3/ 229). ') ">