الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هو الوسيلة لتطهير الألسنة من الخوض في أعراض المؤمنين، وأن التساهل في هذا الأمر يؤدي إلى نشر الرذيلة وإشاعة الفاحشة بين المؤمنين، وإذا تركت الألسن تلقي التهم على الأعفاء والعفيفات بدون دليل قاطع فإن ذلك يعطي الفرصة لكل نفس مريضة أن تقذف كل بريء وبريئة بهذه الجريمة.
الوسيلة الرابعة: تطهير لسان الزوج عن رمي زوجته بالزنى من غير بينة:
ما تقدم من حكم القذف عام يتناول الزوج وغيره، وهذه الآية في حكم قذف خاص، وهو قذف الزوج زوجته، وهو ما يسمى باللعان، فإذا قذف الزوج زوجته وجب عليه البينة أو حُدَّ حد القذف ثمانين جلدة أو يلاعن، فكان واجبًا على الزوج أن يحفظ لسانه ويطهره من التساهل في إلقاء التهمة على الزوجة والخوض في عرضها بدون دليل قاطع، فإنه إذا حدث هذا شاعت الفحشاء وظهر
المنكر، وترك المجال لكل زوج أن يلقي التهمة على زوجته وهي بريئة منها، ولكل زوج أن يشك في زوجته فكان ذلك سببًا في تفكك الأسر وانهيار البيوت.
لكن رحمة الله وفضله وإحسانه ورأفته بعباده جعلت لذلك مخرجًا وفرجًا وتخفيفًا وسترًا على عباده، لأن هذا عار يلحق الرجل، ومن الصعب أن يأتي بأربعة شهداء وفيه إحراج له، ويعذر بالغَيرة على أهله، ولأنه لا يقذف امرأته إلا وهو صادق لما في ذلك من التشهير بعرضه وشرفه وكرامة أبنائه، لهذه الحِكَم الجليلة وغيرها شُرع حُكم اللعان ليكون مخرجًا وسترًا من المولى على عباده زلاتهم، وفرصة ليفسح أمامهم المجال للتوبة والإنابة، فكان في هذا التشريع الإلهي أسمى ما يتصوره المرء من العدالة والحماية وصيانة الأعراض (1)(2)
فكان هذا مخرجًا للزوج من إقامة الحد عليه إن باح به، أو يكظم غيظه على مضض، أو يعاشر من رأى منها ما لا يرضاه رجل لبيب لأهله، وفي هذا كله حرج، وهو مخرج للزوجة من أن تتهم من زوج لا يرقب في مؤمن إلاًّ ولا ذمة.
واللعان: أن يقذف الرجل امرأته بالزنى ولا شهود يشهدون له بصحة دعواه فوجب عليه أن يشهد أربعة أيمان بالله إنه لمن
(1) انظر: روائع البيان (2/ 98)، التفسير المنير (18/ 156).
(2)
انظر: روائع البيان (2/ 98)، التفسير المنير (18/ 156). ') ">
الصادقين، وسميت شهادات لأنها تقوم مقام الشهداء الأربعة؛ ليدفع عنه حد القذف، فيقول: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به، وعليه أيضًا أن يزيد في الخامسة مع الشهادة المذكورة، مؤكدًا تلك الشهادات، بأن يدعو على نفسه باللعنة إن كان كاذبًا فيما رماها به من الزنى، فإذا تم لعانه، سقط عنه حد القذف، وأما المرأة المقذوفة إذا لم تقر بالذنب وأرادت أن تدرأ حد الزنى عنها وهو الرجم فعليها أن تحلف أربعة أيمان إنه لمن الكاذبين فيما رماها به من الزنى تقوم مقام الشهداء الأربعة في براءتها من التهمة، وتزيد في الخامسة مع شهاداتها الأربع أن تدعو على نفسها بالغضب عليها إن كان زوجها صادقًا فيما يقول، فإذا وقع هذا فرق بينهما فرقة أبدية (1)
وتأمل دقة اختيار اللفظ القرآني حيث جُعلت اللعنة في جانب الزوج والغضب في جانب الزوجة لأن الغالب أن الزوج لا يتجشم فضيحة أهله ورميهم بالزنى إلا وهو صادق، ولأن المرأة هي مادة الفجور ومنبعه، وللتغليظ عليها، ولأن النساء يكثرن اللعن في العادة ومع استكثارهن منه لا يكون له في قلوبهن كبير موقع بخلاف الغضب (2) وتأمل كيف حذف جواب لولا في قوله:{وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} ؟
(1) انظر: تيسير الكريم الرحمن، ص562، التفسير المنير (18/ 156). ') ">
(2)
انظر: إرشاد العقل السليم (4/ 95)، فتح القدير (4/ 10). ') ">
وذلك لتهويل الأمر حتى يذهب الذهن في تقديره كل مذهب فيكون أبلغ في البيان وأبعد في التهويل، ورب مسكوت عنه أبلغ من منطوق به، وتقديره: ولولا فضل الله ورحمته لنال الكاذب منهما عذاب عظيم (1) وفي ختم الآية بقوله: {وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ} ، إشارة إلى الحكمة من مشروعية اللعان، وهي أنه جعل مخرجًا وسترًا من المولى على عباده زلاتهم، ودرءًا من العذاب، وفرصة ليفسح أمامهم المجال للتوبة والإنابة، ولولا ذلك لوجب على الزوج حد القذف مع أن الظاهر صدقه، ولو اكتفي بشهادته لوجب عليها حد الزنى، فكان من الحكمة أن شرع هذا الحكم، فما أوسع رحمته وما أجل حكمته.
فتبين مما تقدم أن هذه الآيات دلت على أنه يجب على الزوج تطهير لسانه عن رمي زوجته بالزنى من غير بينة وعلى خطورة هذا الأمر وأنه سبب في نشر الرذيلة وإشاعة الفاحشة في وسط الجماعة المسلمة، وما التشديد في حضور الشهداء الأربعة وفي الأيمان الأربعة للزوجين وإقامة التلاعن والشهادة على نفسه باللعنة وهي طرد وإبعاد من رحمة الله، وعلى نفسها بالغضب وهو سخط وانتقام
(1) انظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج (4/ 33)، الكشاف (3/ 217)، روائع البيان (1/ 82). ') ">