الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأولى في العذاب الحسي على الجسد، وهذه في العذاب النفسي الذي يشعر صاحبه بأن المجتمع الذي يعيشه حكم عليه بالعزلة والإبعاد، وتطهير المجتمع المسلم العفيف منهم.
الوسيلة الثالثة: تطهير الألسنة عن رمي المؤمنين بفاحشة الزنى:
جاءت هذه الآية بعد بيان حد الزنى والتنفير منه ومن أهله، وذلك أن الله عز وجل لما عظَّم أمر الزاني بوجوب إقامة الحد عليه، وأنه لا تجوز مقارنته، ولا مخالطته عظَّم الإقدام على الأعراض بالرمي بفاحشة الزنى، أي: بعد بيان عقوبة من فعله يأتي حكم عقوبة من تكلم به لقطع دابر هذه الفاحشة من كل وجه (1)(2)، وهذه الآية تعتبر حصنًا منيعًا من الخوض في أعراض المؤمنين وإشاعة الفساد لمجرد الشك، وهي الضمان الواقي من الوقوع في الفاحشة، وأن التساهل في هذا الأمر يؤدي إلى نشر الرذيلة وإشاعة الفاحشة ومن ثَمَّ الوقوع فيها.
(1) انظر: نظم الدرر (13/ 213).
(2)
انظر: نظم الدرر (13/ 213). ') ">
وترك الألسن تلقي التهم على الأعِفَّاء والعفيفات بدون دليل قاطع يعطي الفرصة لكل نفس مريضة أن تقذف كل برئ أو بريئة بهذه الجريمة.
وصيانة للأعراض وحماية لأصحابها شدد القرآن الكريم في عقوبة القذف، فجعل حدَّها ثمانين جلدة، وزاد عليه بأن أسقط شهادة صاحبها، ووصمه بالفسق.
والرمي حقيقته: قذف شيء من اليد، وشاع استعماله في نسبة فعل أو وصف إلى شخص، ويستعمل في المقال كناية عن الشتم كالقذف (1).
وإنما استعمل لفظ {يَرْمُونَ} ، في القذف لأن الأذى باللسان كالأذى بالجوارح، وطعن اللسان كوخز السنان (2).
والمراد بالرمي هنا القذف بالزنى بدليل ذكر المحصنات عقيب الزواني ولاشتراط أربعة شهداء؛ لأن القذف بغير الزنى لا يشترط فيه أربعة (3).
والمحصنات هن النساء الحرائر العفائف، وخصهن بالذكر؛ لأن قذفهن أشنع، والعارُ فيهن أعظم، ويلحق الرجال بالنساء في هذا
(1) انظر: نظم الدرر (13/ 213)، تيسير الكريم الرحمن ص 561. ') ">
(2)
انظر: مجمع الأمثال للميداني (1/ 542)، برقم (2285)، وانظر: صفوة التفاسير (2/ 330). ') ">
(3)
انظر: الكشاف (3/ 213). ') ">
الحكم بلا خلاف بين علماء الأمة (1).
واشترط الإتيان بأربعة شهداء تشديدًا على القاذف ورحمة بالعباد وسترًا لهم، وأن يكون الشهداء رجالاً عدولاً يشهدون بذلك صريحًا، دل على ذلك مجيء التاء في العدد، ولقوله:{وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} .
والمعنى: أن الذين يقذفون الأعفاء أو العفيفات بالزنى ثم لم يأتوا بأربعة شهداء عدول من الرجال يشهدون لهم بصحة دعواهم فقد وجبت عليهم العقوبات التالية:
العقوبة الجسدية: وهي جلدهم ثمانين جلدة، والجلد الضرب بالسوط ونحوه كما تقدم، والعقوبة بالضرب لإيلام القاذف في جسده فيرتدع ويطهِّر لسانَه من الخوض في أعراض المؤمنين، ويعتبر غيرُه به.
العقوبة الأدبية: أن ترد شهادته وتسقط عدالته ولا يقبل قوله، وفي هذا احتقار له من جماعة المسلمين، بأن يمشي القاذف بينهم متهمًا لا يوثق له بكلام.
العقوبة الدينية: وصفه بالفسق الذي هو الخروج عن طاعة الله عز وجل
(1) انظر: الجامع لأحكام القرآن (12/ 115). ') ">
وعن صراطه المستقيم، واسم الإشارة للإيذان ببعد منزلتهم في الشر والفساد؛ للإعلان بفسقهم ليتميزوا بهذه الصفة الذميمة (1).
والحصر في قوله: {فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} للمبالغة في شناعة فسقهم حتى كأن ما عداه من الفسوق لا يعد فسقًا (2).
فهذه عقوبات ثلاث لكل من رمى محصنًا أو محصنة بفاحشة الزنا واتهم الأبرياء وأشاع الفاحشة فيهم، فمن تاب من هذا العمل السيئ وأناب وغيَّر سيرته وأصلح حاله ورجع عن خطئه فإن الله يقبل توبته، بأن يكذب القاذف نفسه، ويقرَّ أنه كاذب فيما قال، وهو واجب عليه، أن يكذب نفسه ولو تيقن وقوعه، حيث لم يأت بأربعة شهداء، فإذا تاب القاذف وأصلح عمله وبدل إساءته إحسانا، زال عنه الفسق وقبلت شهادته وتاب الله عليه، فهو الغفور يغفر الذنوب جميعًا، والرحيم يفتح لهم باب التوبة ويرحمهم بها.
فدلت هذه الآية على خطورة الخوض في أعراض المؤمنين وإشاعة الفساد لمجرد الشك، وهي تعتبر ضمانًا واقيًا من الوقوع في الفاحشة، لأن إقامة حد القذف الذي هو جلد القاذف ثمانين جلدة وسقوط شهادته ووصمه بالفسق الذي هو الخروج عن طاعة الله عز وجل
(1) انظر: إرشاد العقل السليم (4/ 93)، في ظلال القرآن لسيد قطب (4/ 2491). ') ">
(2)
انظر: التحرير والتنوير (18/ 159). ') ">