الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القنوط من رحمة الله
أسبابه – مظاهره – علاجه في ضوء عقيدة أهل السنة والجماعة
لفضيلة الدكتور إبراهيم بن عبد الله الحماد (1)
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} .
أما بعد:
فقد أرسل الله نبيه محمدًا، فجعله خاتم النبيين، وجعل أمته
(1) أستاذ مساعد بقسم العقيدة والمذاهب المعاصرة كلية أصول الدين، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
خير الأمم فقال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} ، ووصفها بالوسطية فقال تعالى:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} ، فهي وسط بين الأمم، ودينها وسط بين الأديان، ظهرت وسطيتها في عقيدتها، وعباداتها، ومعاملاتها، وأخلاقها وسائر شؤون حياتها، بعيدة – بحمد الله – عن الغلو والتقصير، والإفراط والتفريط، والتشديد والتمييع، والإسراف والتقتير، ومن ثم فمن الواجب على أهل الإسلام التمسك بهذا الدين، والسير على هدي سيد المرسلين، وما كان عليه خير القرون من الصحابة والتابعين؛ إذ منه يستمد الناس هذا الدين، وبه النجاة يوم يقوم الناس لرب العالمين.
ولما كانت أمة الإسلام هي الوسط بين الأمم، كان السائرون على هدي الرسول صلى الله عليه وسلم، وصحابته هم الوسط بين الفرق نفوا عن دين الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، فبهم قام الدين وبه قاموا، هم أهل السنة والجماعة، والطائفة الناجية، والفرقة المنصورة إلى قيام الساعة، ومن المظاهر التي تجلت فيها وسطية
أهل السنة والجماعة بين الفرق ما يتعلق بأعمال القلوب كالتوكل، والمحبة، والخوف، والرجاء ونحو ذلك فانعكس أثر هذه الوسطية على أعمال الجوارح.
والبعد عن هذه الوسطية كان سببا في الوقوع في كثير من الانحرافات العقدية ومن ذلك ما يتعلق بعبادة الخوف من الله تعالى فتجاوز بها قوم الحد فخرج بهم إلى القنوط من رحمة الله عز وجل، وتهاون بها آخرون فأوقعهم في الأمن من مكر الله، وتوسط في ذلك أهل السنة والجماعة فجمعوا بين الخوف والرجاء فلم يأمنوا مكر الله تعالى ولم يقنطوا من رحمة الله عملاً بقوله تعالى:{أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} ، وفي هذا البحث محاولة لبيان أن القنوط من رحمة الله عز وجل هو انحراف عن منهج الوسطية، وذكر لبعض أسبابه، وعرض لشيء من مظاهره، وإيضاح لجوانب من علاجه.
أهمية الموضوع وأسباب اختياره:
كان من دوافع هذا البحث ما يلي:
1.
إبراز عقيدة أهل السنة والجماعة، وبيان وسطيتها تمسّ الحاجة إليه في كل وقت، وتتأكد في وقتنا المعاصر الذي
وُجهت فيه السهام لهذه العقيدة.
2.
عبادة الخوف من الله تعالى من أجلّ العبادات وأعظمها، بل هي أحد أركان العبادة الثلاثة: المحبة والخوف والرجاء، ولا يتصور وجود عبادة صحيحة إلا بذلك، لكن الإتيان بها على غير الطريقة الصحيحة يوقع الإنسان في القنوط من رحمة الله، أو الأمن من مكره.
3.
سلك بعض الوعّاظ مسلكًا مخالفًا لما كان عليه النبي، وأصحابه في الوعظ، فاقتصروا في وعظهم على الترهيب والتخويف، والوعيد والتهديد فكان ذلك سببًا في قنوط بعض من استمع إليهم من رحمة الله تعالى، وفي الأثر: الفقيه كل الفقيه من لم يقنّط الناس من رحمة الله، ولم يؤيسهم من روح الله ولم يؤمنهم من مكر الله (1)
4.
تأخر الغيثُ عن بعض بلاد المسلمين، واحتبس المطر عن كثير من مناطقها، وقد صلّى المسلمون الاستسقاء أكثر من مرة فلم ينزل الغيث، ولا شك أن ذلك بسبب الذنوب والمعاصي، والواجب في مثل ذلك الرجوع الصادق إلى الله
(1) أورده ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله 2/ 45، وقال: لا يأتي هذا الحديث مرفوعًا إلا من هذه الوجه وأكثرهم يوقفونه على علي رضي الله عنه.
تعالى، وتذكير الناس بالتوبة إلى الله ونحو ذلك من الأسباب التي ترفع البلاء، ولا ينبغي تقنيط الناس من رحمة الله تعالى، وتجاوز ذلك إلى ألفاظ محذورة شرعًا كالقول: بأن الله لن يرحمنا، أو لا نستحق رحمة الله، أو لسنا أهلاً لرحمة الله وما شابه ذلك من ألفاظ مطلقة من غير تقييد.
5.
نيل الكفار من النبي صلى الله عليه وسلم، وتكرار ذلك منهم، واستعلاؤهم على المسلمين وانتهاك حرماتهم وأوطانهم دفع ببعض الناس إلى القنوط من نصر الله وفرجه.
6.
يحل ببعض الناس شيء من مصائب الدنيا كالفقر، والمرض، وعدم الولد ونحو ذلك فيسري إليه القنوط من رحمة الله تعالى من تغير حاله.
7.
تتأخر إجابة دعاء بعض الناس، وقد لا يتحقق له مطلوبه في دعائه فيقنط من ذلك ويترك الدعاء.
8.
عدم الوقوف على دراسة مستقلة تحدثت عن القنوط من رحمة الله تعالى، وإنما يأتي الحديث عنها في باب الخوف من الله كنوع من أنواع الخوف المذموم، لكن لم أجد من أفرده في بحث مستقل.
أهداف البحث:
1.
بيان وسطية أهل السنة والجماعة في باب الخوف والرجاء،
وتحذيرهم من القنوط من رحمة الله تعالى.
2.
ذكر بعض أسباب ومظاهر القنوط من رحمة الله تعالى.
3.
إيضاح بعض جوانب علاج القنوط من رحمة الله تعالى.
خطة البحث:
جاء هذا البحث في مقدمة وستة مباحث وخاتمة.
أما المقدمة فذكرت فيها أهمية الموضوع وأسباب اختباره، وأهدافه، وخطته، ومنهج البحث فيه.
المبحث الأول: تعريف القنوط، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تعريف القنوط في اللغة.
المطلب الثاني: المراد بالقنوط من رحمة الله تعالى.
المطلب الثالث: الفرق بين اليأس والقنوط.
المبحث الثاني: التحذير من القنوط في القرآن الكريم والسنة النبوية، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: التحذير من القنوط في القرآن الكريم.
المطلب الثاني: التحذير من القنوط في السنة النبوية.
المبحث الثالث: وسطية أهل السنة والجماعة في باب الخوف والرجاء.
المبحث الرابع: أسباب القنوط من رحمة الله تعالى.
المبحث الخامس: مظاهر القنوط من رحمة الله تعالى.
المبحث السادس: علاج القنوط من رحمة الله تعالى.
ثم الخاتمة وذكرت فيها أهم النتائج، وجعلت ملحقًا في آخر البحث للمصادر والمراجع.
منهج البحث:
سلكت في هذا البحث المنهج التالي:
1.
اعتمدت في هذا البحث على أقوال شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهما من أئمة أهل السنة في الاعتقاد.
2.
استفدت عند الاستدلال بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية من أقوال المفسرين، وشراح كتب الحديث.
3.
قد أذكر في موضع واحد أكثر من نقل، إما لزيادة معنى، أو تأكيده.
4.
عزو الآيات القرآنية وذلك بذكر اسم السورة ورقم الآية.
5.
تخريج الأحاديث النبوية، وذكر حكم العلماء عليها إذا لم تكن في الصحيحين، أو أحدهما لتلقي الأمة لهما بالقبول.
6.
توثيق النقول بذكر مصادرها.
7.
اكتفيت بذكر سنة الوفاة للأعلام الوارد ذكرهم في متن البحث.