الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يكون معه نذيرا ومؤيّدا له ونصيرا، كأنّهم فهموا أن الرّسالة السّماوية تتنافى مع البشرية، وهم يعلمون أنّ الرّسول بشر، كما قال تعالى:{ما هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ، وَيَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ} [المؤمنون 33/ 23]، وقال:
{وَقالُوا: مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ، لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ، فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً} [الفرقان 7/ 25] ومضمون ردّ الاقتراح الثّاني من جهتين:
أوّلا- {وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً.} . أي ولو أنزل الله ملكا كما اقترحوا لقضي الأمر بإهلاكهم، ثم لا يمهلون ليؤمنوا، بل لجاءهم من الله العذاب، كما قال تعالى:
{ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاّ بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ} [الحجر 8/ 15]، وقال:
{يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ، لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ} [الفرقان 22/ 25].
ثانيا- {وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً.} . أي ولو أنزلنا مع الرّسول البشر ملكا، لكان متمثلا بصورة الرّجل، ليمكنهم مخاطبته والانتفاع بالأخذ منه، ثم يعود الأمر كما كان؛ ويقعون في اللّبس والاشتباه نفسه، الذي يلبسون على أنفسهم ويختلط الأمر عليهم باستنكار جعل الرّسول بشرا؛ فإن هذا الرّجل سيقول لهم: إنّي رسول الله، كما يقول محمد صلى الله عليه وسلم، قال ابن عباس في الآية:
يقول: لو أتاهم ملك، ما أتاهم إلا في صورة رجل؛ لأنهم لا يستطيعون النّظر إلى الملائكة من النّور.
وقال قتادة: {وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ} يقول: ما لبّس قوم على أنفسهم، إلا لبّس الله عليهم، واللّبس إنما هو من الناس.
فقه الحياة أو الأحكام:
إنّ إجابة المطالب المادية القائمة على التّعنّت والعناد، مثل إنزال المائدة على
بني إسرائيل، وإنزال كتاب مكتوب في قرطاس أي صحيفة، وإنزال ملك من الملائكة لا تحقق الغرض، وسيظلّ الكافرون المشركون على موقفهم من الكفر والإعراض.
وهذا ما ردّ الله به على الاقتراح الأوّل للمشركين بإنزال كتاب، فلو أنزله وعاينوه ومسّوه باليد كما اقترحوا، لإزالة الرّيب والإشكال عنهم، لعاندوا فيه وتابعوا كفرهم. وهذه الآية جواب لقولهم:{حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ} [الإسراء 93/ 17] فأعلم الله بما سبق في علمه من أنه لو نزل لكذّبوا به.
ثمّ ردّ الله على اقتراحهم الثاني بإنزال ملك: {وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ} قال ابن عباس: لو رأوا الملك على صورته لماتوا إذ لا يطيقون رؤيته.
وقال الحسن البصري وقتادة: لأهلكوا بعذاب الاستئصال؛ لأن الله أجرى سنّته بأن من طلب آية فأظهرت له فلم يؤمن، أهلكه الله في الحال.
وتكملة الرّدّ: {وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً} أي لا يستطيعون أن يروا الملك في صورته إلاّ بعد التّجسيم بالأجسام الكثيفة؛ لأن كلّ جنس يأنس بجنسه وينفر من غير جنسه؛ فلو جعل الله تعالى الرّسول إلى البشر ملكا لنفروا من مقاربته، ولما أنسوا به، ولخافوا منه ومن مكالمته، فلا تتحقق المصلحة؛ ولو تمثّل بصورة بشر لقالوا: لست ملكا، وإنما أنت بشر، فلا نؤمن بك وعادوا إلى مثل حالهم، وكانت الملائكة تأتي الأنبياء في صورة البشر، فأتوا إبراهيم ولوطا في صورة الآدميين، وأتى جبريل النّبي صلى الله عليه وسلم في صورة دحية الكلبي.
أي إن هدفهم لا يتحقق فلو نزل بصورته الحقيقية لما أطاقوا رؤيته، ولو نزل بصورة رجل، التبس الأمر عليهم وقالوا: هذا ساحر مثلك.