الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بِالظّالِمِينَ} ثم ذكر هنا مدى سعة علمه وقدرته، فعنده مفاتح الغيب، وهو المتصرّف في الخلق أجمعين، وهو القاهر فوق عباده، وهو الحافظ المتوفي، وهو المحاسب خلقه في أسرع وقت.
التفسير والبيان:
خزائن الغيب ومفاتيحها التي يتوصّل بها إلى علم الغيب عند الله، وهو المتصرّف فيها، وهو عالم الغيب والشهادة، ولا يعلم بالغيب أحد سواه، وينفذ منها ما يراه في الوقت المناسب لحكمته.
والغيبيات التي اختصّ الله بها خمس، روى البخاري عن ابن عمر عن النّبي صلى الله عليه وسلم قال:«مفاتح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله: {إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ، وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ، وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ، وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً، وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}» [لقمان 34/ 31].
وجاء في الخبر أن هذه الآية لما نزلت نزل معها اثنا عشر ألف ملك.
وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت: من زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبر بما يكون في غد، فقد أعظم على الله الفرية، والله تعالى يقول:{قُلْ: لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ} [النمل 65/ 27].
وفي معناها أيضا قوله تعالى: {عالِمُ الْغَيْبِ، فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلاّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ} [الجن 26/ 72 - 27].
ويعلم سبحانه حديث النفس، ويعلم السر وأخفى، فقال:{وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ. وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ} [النمل 74/ 27 - 75] وقال: {يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ} [غافر 19/ 40].
وجملة {لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ} توكيد للجملة السابقة.
ثم فصّل تعالى ما أجمل، وعدّد بعض نواحي العلم التي يحيط بها فقال:
{وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ.} . أي يعلم الأشياء المشاهدة لكم، كما يعلم المغيبات، فيعلم كل ما هو كائن في البر والبحر، فعلمه محيط بجميع الموجودات بريها وبحريها، لا يخفى عليه من ذلك شيء، ولا مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.
ويعلم سقوط أي ورقة من أوراق الشجر في أي مكان وزمان، في البر والبحر، ويعلم الحركات حتى من الجمادات، وبالأولى الحيوانات، ولا سيما المكلفون منهم من الجن والإنس، ويعلم الأحوال المتعلقة بالذوات؛ إذ سقوط الورق حال من الأحوال.
ويعلم ما تسقط من حبة في ظلمات الأرض، سواء بفعل الإنسان كالزارع، أو الحيوان كالنمل، أو بغير فعل الإنسان كالساقط من النبات في شقوق الأرض، ويعلم ما يسقط من الثمار، رطبا ويابسا، حيا وميتا، وهكذا علم كل الكائنات مكنون ثابت في كتاب واضح لا يمحى هو اللوح المحفوظ، الذي سجل في كل شيء، وسجل عدده ووقت وجوده وفنائه. وجعل الكتاب مبينا؛ لأنه يبين عن صحة ما هو موجود فيه، قبل أن يخلق الله الخلق، وهذا قول الزجاج، كما قال تعالى:{ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها} [الحديد 22/ 57]. واختار الرازي وصوب أن الكتاب المبين هو علم الله تعالى لا غير
(1)
.
والخلاصة: أنه تعالى يعلم الغيب والشهادة، والظاهر والباطن، والرطب واليابس، والسر وأخفى وكل شيء في الكائنات، يعلم بالكليات وبالجزئيات.
(1)
تفسير الرازي: 11/ 13
ثم ذكر الله تعالى بعض مظاهر قدرته وتصرفه في الكون والمراحل التي يمر بها الإنسان في أحوال المعيشة والموت والبعث وعند الحساب في الدار الآخرة فقال: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ.} . أي أن الله يتوفى عباده في منامهم بالليل أي بالنوم، وهذا هو التوفي الأصغر، كما قال تعالى:{اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها، وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها، فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ، وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الزمر 42/ 39] فذكر في كل من هاتين الآيتين حكم الوفاتين: الصغرى، ثم الكبرى.
ويعلم ما كسبتم من الأعمال بالنهار، وهذه جملة معترضة دلت على إحاطة علمه تعالى بخلقه في ليلهم ونهارهم، في حال سكونهم وحال حركتهم، كما قال تعالى:{سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ، وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ} [الرعد 10/ 13].
ثم بعد هذا التوفي بالنوم والعلم بأعمالكم في النهار، يبعثكم في النهار أي يثيركم ويرسلكم فيه، على ما هو الأظهر الذي رجحه ابن كثير، وهو قول مجاهد وقتادة والسدي.
هذا التقلب في الليل والنهار لأجل أن يقضى وينفذ الأجل المسمى الذي في علمه تعالى لكل واحد منكم، فإن الآجال والأعمار محدودة ومقدرة مكتوبة سابقا.
ثم إلى الله مرجعكم يوم القيامة بعد تمام الآجال، ثم يخبركم بأعمالكم التي عملتموها في الدنيا، ويجازيكم عليها إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
والله هو القاهر فوق عباده أي هو الذي قهر كل شيء، وخضع لجلاله وعظمته وكبريائه كل شيء، وهو القادر على البعث؛ لأن من قدر على بعث من توفي بالنوم قادر على بعث من توفي بالموت، وهو المتصرف بعباده، يفعل بهم ما يشاء إيجادا وإعداما، إحياء وإماتة.
وهو الحافظ الذي يرسل حفظة من الملائكة ليلا ونهارا يحفظون بدن الإنسان، ويحصون أعماله، ولا يفرطون بشيء منها، كما قال تعالى:{وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ. يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ} [الانفطار 10/ 82 - 12]{عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ، ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق 17/ 50 - 18]. وفي معنى الآية قوله تعالى: {لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ} أي بأمره [الرعد 11/ 13].
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة مرفوعا: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، يجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون» .
والحكمة في كتابة الحفظة الملائكة أعمال الإنسان مع أن الله أعلم بكل شيء:
هي الإتيان بدليل مادي محسوس لإقامة الحجة على الإنسان، ولان المرء إذا عرف تدوين أعماله انزجر عن الممنوعات، وأقدم على الطاعات، كما قال تعالى:
يرسل عليكم الحفظة الملائكة لإحصاء الأعمال، حتى إذا حان الأجل، قبضت روحه رسلنا الموكلون بذلك من الملائكة، هؤلاء الرسل هم أعوان ملك الموت، كما قال تعالى:{قُلْ: يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ، ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} [السجدة 11/ 32] قال ابن عباس وغيره: لملك الموت أعوان من الملائكة يخرجون الروح من الجسد، فيقبضها ملك الموت إذا انتهت إلى الحلقوم.
والحال أن هؤلاء الملائكة الحفظة لا يفرطون أي لا يقصرون في حفظ روح