الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الآية، لسبق علم الله بعدم إيمانهم، فأنا أعلم أنها إذا جاءت لا يؤمنون بها، وأنتم لا تدرون بذلك.
{وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ.} . أي وما يشعركم أنا نحوّل قلوبهم عن إدراك الحق والإيمان وأبصارهم عن إبصاره، ونحول بينهم وبينه، فلا يدركونه، ولو جاءتهم كل آية. فلا يؤمنون، كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة حين أتتهم الآيات التي عجزوا عن معارضتها مثل القرآن وغيره؛ لتمام إعراضهم عن إدراك الحقائق، كما قال تعالى:{وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ، فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ، لَقالُوا:}
{إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا، بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ} [الحجر 14/ 15 - 15].
والحقيقة أن من لم يقنعه ما ورد في القرآن من الأدلة العقلية والبراهين العلمية، لا تقنعه الآيات الحسية التي يشاهدها.
وما يشعركم أيضا أنا نذرهم في طغيانهم، أي نخليهم وشأنهم، لا نكفهم عن الطغيان أي تجاوز الحد، ونتركهم يترددون في طغيانهم متحيرين فيما سمعوا ورأوا من الآيات، أهو الحق المبين أم السحر الخادع؟
فقه الحياة أو الأحكام:
المؤمنون منهيون عن مجاراة الكفار ومبادلتهم السباب والشتم والقبائح، سدا لذرائع الفساد، ومنعا من الوقوع في المفسدة، وإن كانت هناك مصلحة مرتجاة، وقصد ثواب، فذلك مرجوح وقليل أمام الجرم الأعظم وهو سب الله، والمفسدة الأغلب. وفي هذا تهذيب أخلاقي، وسمو إيماني، وترفع عن مجاراة السفهاء الذين يجهلون الحقائق، وتخلو أفئدتهم من معرفة الله وتقديسه.
وحكم الآية-كما ذكر العلماء-باق في الأمة على كل حال، فمتى كان الكافر في منعة وغير خاضع لسلطان الإسلام والمسلمين، وخيف أن يسبّ الإسلام أو النّبي صلى الله عليه وسلم أو الله عز وجل، فلا يحل لمسلم أن يسبّ صلبانهم ولا دينهم
ولا كنائسهم، ولا يتعرض إلى ما يؤدي إلى ذلك؛ لأنه فعل بمنزلة التحريض على المعصية.
وهذا نوع من الموادعة، ودليل على وجوب الحكم بسدّ الذرائع، وفي الآية دليل أيضا على أن المحقّ قد يكف عن حق له إذا أدّى إلى ضرر يكون في الدّين.
ومن هذا المعنى ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: لا تبتوا الحكم بين ذوي القرابات مخافة القطيعة. قال ابن العربي: إن كان الحق واجبا فيأخذه بكل حال، وإن كان جائزا ففيه يكون هذا القول
(1)
.
ويؤكد مدلول الآية:
قول النّبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود عن عبد الله بن عمرو: «لعن الله الرجل يسبّ أبويه، قيل: يا رسول الله؛ وكيف يسبّ أبويه؟ قال: يسبّ أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه» قال ابن العربي: فمنع الله تعالى في كتابه أحدا أن يفعل فعلا جائزا يؤدي إلى محظور. وبهذا تمسك المالكية في سد الذرائع: وهو كل عقد جائز في الظاهر يؤول أو يمكن أن يتوصّل به إلى محظور.
وأما المعاندون مشركون أو غيرهم فلن يؤمنوا مهما جاءتهم الآيات، وقد طلب مشركو قريش من الرسول معجزات مادية، وحلفوا أنها لو ظهرت لآمنوا، فبيّن الله تعالى أنهم وإن حلفوا على ذلك، فالله تعالى عالم بأنها لو ظهرت لم يؤمنوا.
(1)
أحكام القرآن: 735/ 2