الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المناسبة:
الآيات متصلة بما قبلها في موضوع واحد، وهو إثبات القدرة الإلهية، وإقامة الدليل على وجود الله وتوحيده، وبيان مهام الرّسل أو وظائفهم، مما يؤدي إلى إبطال الشرك وعبادة الأصنام.
التفسير والبيان:
قل أيها الرّسول لهؤلاء المشركين المكذبين المعاندين: أخبروني عما أنتم فاعلون إن سلبكم الله نعمة السمع والبصر، والفؤاد، فالسمع مفتاح المعرفة والتّفاهم مع الآخرين، والبصر لرؤية الأشياء والتّحكّم فيها والسّيطرة عليها، والقلب أو الفؤاد محلّ الحياة والعقل والعلم، فلو تعطلت هذه القوى اختلّ أمر الإنسان وضاعت مصالحه في الدّنيا والدّين. وإذا كان الله هو المنعم بهذه النّعم، وجب أن لا يستحق التّعظيم والثّناء والعبوديّة إلا الله تعالى.
والختم على القلب: الطّبع عليه، بحيث يصبح غير قابل لنفاذ الهداية إليه، ولا لتعقل الأمور وإدراك النّفع والضّرر، والحقّ والباطل.
وقوله: {يَأْتِيكُمْ بِهِ} معناه يأتيكم بما أخذ منكم، أي لا إله غيره يأتيكم بما سلب منكم.
انظر كيف نبيّن الآيات، ونوضّحها، ونفسّرها، ونكررها بألوان مختلفة وأساليب متعدّدة، من إعذار وإنذار، وترغيب وترهيب، ونحو ذلك، دالّة على أنه لا إله إلا الله، وأن ما يعبدون من دونه باطل وضلال، فلو كان ما تعبدونه آلهة تنفع أو تضرّ لردّت عليكم هذا، وإن كنتم تعلمون أنها لا تقدر على شيء، فلماذا تدعونها، والدّعاء عبادة، والعبادة لا تكون إلا لله الواحد القهّار.
وانظر كيف يصدفون أي يعرضون، وقل لهم أيها الرّسول: أخبروني إن
أتاكم عذاب الله بغتة أي فجأة وأنتم لا تشعرون به، أو جهرة أي ظاهرا عيانا تعاينونه وتنظرون إليه، أخبروني ماذا أنتم فاعلون؟ ولا يهلك إلا الظالمون الذين ظلموا أنفسهم بالشّرك بالله، وأصرّوا على الكفر والعناد، أي إنما يحيط العذاب بالظالمين أنفسهم بالشّرك بالله، وينجو الذين كانوا يعبدون الله وحده لا شريك له.
ثم بيّن وظائف الرّسل فقال: {وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ.} . أي إنّ مهمة الرّسل محصورة ببشارة المؤمنين بالجنة والخيرات، وإنذار من كفر بالله بالنار والعقوبات، ثم بيّن مصير الفريقين:
فمن صدّق الرّسل وآمن بقلبه بما جاؤوا به، وأصلح عمله باتباعه إياهم فلا خوف عليهم في المستقبل من عذاب الدّنيا وعذاب الآخرة، ولا هم يحزنون يوم لقاء الله، على ما فاتهم في الماضي، وتركوه وراء ظهورهم من أمر الدّنيا؛ لأن الله يحفظهم من كلّ فزع، كما قال تعالى:{لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ، وَتَتَلَقّاهُمُ الْمَلائِكَةُ، هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} [الأنبياء 103/ 21]، ولا يحزنون في الدّنيا مثل حزن المشركين في شدّته وطول مدّته، وإنما يصبرون على ما أصابهم، ويلتمسون الأجر عند الله، ويتأملون العوض منه، لأن الله تعالى أرشدهم للشكر عند النعمة والصبر عند النقمة، وتفويض الأمر للخالق، كما قال:{ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها، إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ. لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ، وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ، وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ} [الحديد 22/ 57 - 23].
ومن كذب بآيات الله التي أرسلنا بها الرّسل، ينالهم العذاب بما كفروا وجحدوا بما جاءت به الرّسل، وخرجوا عن أوامر الله وطاعته، وارتكبوا المنهيّات المحظورات، وكان جزاء كفرهم وفسادهم في الدّنيا بأنواع النّقمة، وفي