الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وروى عن ابن عباس وابن سيرين: أنها نزلت في أهل الأهواء والبدع من المسلمين الذين يؤولون الآيات بالباطل، لتأييد ما استحدثوا من المذاهب والآراء.
ولما قال المسلمون: إن قمنا كلما خاضوا، لم نستطع أن نجلس في المسجد وأن نطوف، فنزل:{وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ} أي يتقون الله من حساب الخائضين من شيء أي إثم إذا جالسوهم. و {مِنْ} : صلة زائدة.
المناسبة:
بعد أن بيّن الله تعالى في الآيات السالفة أن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس عليه أن يكون حفيظا رقيبا على أعمال المكذبين بآيات الله، وإنما هو مبلّغ، وأن الزمان سيخبرهم بعاقبة تكذيبهم، أبان في هذه الآيات وجوب إعراض الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عن مجالس المشركين إن ضموا إلى كفرهم وتكذيبهم الاستهزاء بالدين والطعن في القرآن والرسول.
التفسير والبيان:
وإذا رأيت يا محمد وكل سامع مسلم الذين يخوضون في آيات القرآن بالتكذيب والاستهزاء، فانصرف عنهم ولا تجالسهم، حتى يخوضوا في غير حديث الكفر والاستهزاء والتكذيب. ومثلهم من يخوض في القرآن بتأويله تأويلا باطلا نابعا من البدع والأهواء والآراء الفاسدة، لا تجالسهم واتركهم. وهذا مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وكذلك لا تجالس كل من يحرف القرآن ويؤول آياته لتكفير مسلم وتضليل مهتد.
فإذا خاضوا في حديث آخر، فلا مانع من مجالستهم والتحدث إليهم.
وإن أنساك الشيطان أيها المسلم النهي والمنع، فجلست مع الخائضين ناسيا، فلا تقعد بعد التذكر مع القوم الظالمين أنفسهم بالتكذيب والاستهزاء.
والخطاب للرسول وكل سامع مسلم.
ويجوز وقوع النسيان على النبي بغير وسوسة الشيطان؛ لقوله تعالى:
{وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ} [الكهف 24/ 18] وقد وقع النسيان من آدم عليه السلام: {فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} [طه 115/ 20] ومن موسى عليه السلام: {قالَ: لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ} [الكهف 73/ 18] وثبت في الكتب الستة أن النّبي صلى الله عليه وسلم سها في الصلاة وقال: «إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكّروني» .
أما في تبليغ الوحي والدين المنزل من الله، فإن الأنبياء معصومون عن نسيان شيء مما أمرهم الله بتبليغه من حلال أو حرام؛ لقوله تعالى:{لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ} [القيامة 16/ 75 - 19].
وإنساء الشيطان للإنسان بعض الشيء ليس من قبيل التصرف فيه، والسلطان عليه؛ لقوله تعالى:{إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ، وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} [النحل 99/ 16 - 100].
فإن تجنبوا مجالسة الخائضين، فلا يحاسبون على خوضهم، وبرئوا من عهدتهم، وتخلصوا من إثمهم. وقال آخرون (مجاهد والسدي وابن جريج): بل معناه: وإن جلسوا معهم، فليس عليهم من حسابهم من شيء، وزعموا أن هذا منسوخ بآية النساء المدنية وهي قوله:{إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ} [140/ 4].
{وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} أي أمرناكم بالإعراض عنهم حينئذ تذكيرا وموعظة، لعلهم يتقون الخوض في آياتنا، ويذكرون الله.
وعلى التفسير الثاني لمجاهد ومن وافقه: يكون المراد هذه الآية: أمرناكم بالإعراض عنهم حينئذ تذكيرا لهم عما هم فيه، لعلهم يتقون ذلك، ولا يعودون إليه. وقال الزمخشري: ولكن عليهم أثناء مجالستهم أن يذكروهم ذكرى إذا سمعوهم يخوضون، بالقيام عنهم، وإظهار الكراهة لهم وموعظتهم، لعلهم يجتنبون الخوض حياء، أو كراهة لمساءتهم. وروي أن المسلمين قالوا: لئن كنا نقوم كلما استهزءوا بالقرآن، لم نستطع أن نجلس في المسجد الحرام، وأن نطوف، فرخص لهم.
ثم أكد الله تعالى ترك المستهزئين بقوله: {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ.} .
أي دع أيها الرسول ومن تبعك من المؤمنين وأعرض عن هؤلاء المشركين الذين يتلاعبون بدينهم بعبادة الأصنام، يصنعونها ثم يأكلونها، فقد أضاعوا عمرهم فيما لا يفيد وهذا هو اللعب، وشغلوا أنفسهم عن العمل المفيد وهذا هو اللهو، وغرتهم الدنيا الفانية، وآثروها على الحياة الباقية، واشتغلوا بلذات الدنيا الحقيرة، فخاضوا في آيات الله بدلا عما كان يجب عليهم من فهمها وتدبرها وامتثالها. وهو كقوله تعالى:{ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا، وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [الحجر 3/ 15].
وذكّر الناس بالقرآن وعظهم به لئلا تحبس عن الخير، وتمنع في جهنم نفس بما عملت، وتسلم إلى الهلاك، وترتهن بعملها الذي صدر منها في الدنيا، كقوله تعالى:{كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ، إِلاّ أَصْحابَ الْيَمِينِ} [المدثر 38/ 74 - 39].
وقوله: {لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ} أي والحال لا قريب ولا أحد يشفع فيها، ولا ناصر ينصرها، كقوله تعالى: {ما لِلظّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ