الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فإذا كان هذا في حق سائر الخليقة، فكيف يكون إبراهيم الخليل الذي جعله الله أمة، قانتا لله حنيفا، ولم يك من المشركين، ناظرا في هذا المقام، بل هو أولى بالفطرة السليمة والسجية المستقيمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا شك ولا ريب.
ومما يؤيد أنه كان في هذا المقام مناظرا لقومه فيما كانوا فيه من الشرك لا ناظرا: قوله تعالى فيما يأتي: {وَحاجَّهُ قَوْمُهُ..} .
(1)
.
فقه الحياة أو الأحكام:
من أجل إثبات ألوهية الله وربوبيته ناظر إبراهيم وجادل، وأفحم بالحجة والبرهان، وله أربع مناظرات:
الأولى-مناظرته مع أبيه، حيث قال له:{يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً} [مريم 42/ 19] وحكى القرآن خبر هذه المناظرة هنا، فقال:{وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ..} ..
الثانية-مناظرته مع قومه، وهو قوله:{فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ..} ..
الثالثة-مناظرته مع ملك زمانه، فقال:{رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} [البقرة 258/ 2].
الرابعة-مناظرته مع الكفار بالفعل، وهو قوله تعالى:{فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلاّ كَبِيراً لَهُمْ} [الأنبياء 58/ 21].
وهذا يدل على قوة إبراهيم ومقدرته في الجدل والمناظرة، وحضور البديهة لإفحام الخصم، وإثبات مراده بالبرهان القاطع.
وكان إبراهيم عليه السلام بارعا في هذا المقام، حيث أبطل عبادة الكواكب
(1)
تفسير ابن كثير: 151/ 2 - 152
والقمر والشمس؛ لأنها تغيب وتختفي، وشأن الإله ألا يغيب ولا يستتر، ولا يتخلى عن إشرافه لملكوته، وقد تنازل مع خصمه بهذا الأسلوب على سبيل الافتراض، ثم نقض وجهة نظر الخصم وكان في كل ذلك-كما أوضحت-مناظرا لا ناظرا، فعقيدته مستقرة في قلبه بالفطرة والإلهام والإرشاد الإلهي والعقل والحس.
وأما قوله: {لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي} فمعناه: لئن لم يثبتني على الهداية، وقد كان مهتديا. وفي التنزيل:{اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة 6/ 1] أي ثبتنا على الهداية.
وتدرج إبراهيم من اختبار نماذج ثلاثة لألوهية الكواكب إلى إثبات ألوهية الله الحق وربوبيته، بقوله:{إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ} أي قصدت بعبادتي وتوحيدي لله عز وجل وحده. وذكر الوجه؛ لأنه أظهر ما يعرف به الإنسان صاحبه. وكان تدرجه من التعريض بجهل قومه وبطلان الوثنية، إلى سلخ محبته عن الآفلين، إلى الإنذار بالضلال والحيرة، إلى التصريح بالبراءة من الشرك ومن المشركين، إلى إعلان عقيدته بعد هدم أساس الشرك.
قال الرازي: وليس في العالم أحد يثبت لله تعالى شريكا يساويه في الوجوب والقدرة والعلم والحكمة، لكن الثنوية يثبتون إلهين: أحدهما-حكيم يفعل الخير، والثاني-سفيه يفعل الشر. وأما الاشتغال بعبادة غير الله فهناك كثرة: منهم عبدة الكواكب، ومنهم قوم غلاة ينكرون الإله الصانع، وهم الدهرية الخالصة والنصارى يعبدون غير الله، إذ يعبدون المسيح، ومنهم عبدة الأصنام
(1)
.
ولا دين أقدم من دين عبادة الأصنام؛ لأن أقدم الأنبياء الذين وصل إلينا
(1)
تفسير الرازي: 35/ 13
تاريخهم مفصلا هو نوح عليه السلام، وقد جاء بالرد على عبدة الأصنام
(1)
، كما قال تعالى حكاية عن قومه أنهم قالوا:{لا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً} [نوح 23/ 71] وسبب قولهم أن الإنسان البدائي توهم في صموت الصنم سرا يصلح أن يوصل إلى الله تعالى، أوتوهم في ظهور بعض مخلوقات الله من شجر أو شمس أو قمر وسيلة إلى الإله الحق تشفع عنده وتقرب إليه من توجه إليها.
وأدرك قوم إبراهيم أن الأصنام لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع، وإنما قلدوا آباءهم، لذا اتخذوا الأصنام آلهة معبودة لا أربابا مدبرين، لكنهم اتخذوا الكواكب أربابا لتأثيرها السبي في الأرض.
وقلد العرب آباءهم في عبادة الأصنام قائلين: {ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى} [الزمر 3/ 39].
ولا يسع المؤمن إلا التنديد بكل مظاهر الوثنية وأشكالها وطقوسها، وحصر العبادة بفاطر السموات والأرض وحده دون غيره من الوسائل، كما أعلن إبراهيم عليه السلام الذي قال في التماثيل:{بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ، وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ} [الأنبياء 56/ 21].
وجميع مخلوقات الله تعالى دالة على وجود الصانع وقدرته؛ لأنها محدثة ممكنة، وكل محدث ممكن هو محتاج إلى الصانع.
ودل قوله تعالى: {لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} على أحكام ذكرها الرازي:
1 -
دلت هذه الآية على أن الله تعالى ليس بجسم؛ إذ لو كان جسما لكان غائبا عنا أبدا، فكان آفلا أبدا.
(1)
المرجع والمكان السابق.