الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثم أمر الله نبيه ببيان جزاء من خالف الأمر والنهي السابقين فقال له:
{قُلْ: إِنِّي أَخافُ.} . أي قل لهم: إني أخشى إن عصيت الله ربي أن يصيبني عذاب يوم عظيم الهول والخطر وهو يوم القيامة الذي يحاسب الله فيه الخلائق حسابا شديدا على أعمالهم، ويجازيهم على ما يستحقون. يوم لا تملك نفس لنفس شيئا، والأمر يومئذ لله. وإذا كان هذا الإنذار موجها لنبي الله، فما بال الناس الآخرين؟! من يدفع عنه ذلك العذاب يومئذ، فقد رحمه الله ونجا، وذلك هو الفوز الساحق الظاهر الذي لا فوز أعظم منه، كما قال تعالى:{فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ} [آل عمران 185/ 3]. والفوز: حصول الربح ونفي الخسارة.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآيات تثبت أصول الاعتقاد: وهي التوحيد، والبعث والجزاء، والنبوة، وهي أدلة للاحتجاج على المشركين المنكرين، وأولها انتزاع الاعتراف بالخالق، وهم يعترفون بذلك وأن خالق السموات والأرض هو الله. وإذا لم يعترفوا فالحجة قائمة عليهم.
وإذا ثبت أن لله ما في السموات والأرض، وأنه خالق الكل إما باعترافهم أو بقيام الحجة عليهم، فالله قادر على أن يعاجلهم بالعقاب، ويبعثهم بعد الموت.
ولكنه تعالى كتب على نفسه الرحمة، أي وعد بها فضلا منه وكرما، فلذلك أمهل الناس حتى يعودوا لرشدهم، وهذا استعطاف منه تعالى للمتولين عنه إلى الإقبال إليه، وإخبار منه سبحانه بأنه رحيم بعباده لا يعجل عليهم بالعقوبة، ويقبل منهم الإنابة والتوبة.
ومن رحمته الإمهال إلى يوم القيامة، والاعلام بالجمع يوم القيامة، لإثابة الطائعين وتعذيب العاصين، وهذا الإنذار المسبق رحمة أيضا من الله بعباده؛ لأنهم إذا علموا بأنه لا إفلات من الحساب، فكروا في أنفسهم، وأصلحوا أعمالهم، وصححوا إيمانهم.
ثم ذم الله تعالى الخاسرين أنفسهم بإهمالهم ما يقتضيه العقل والعلم من الإيمان الصحيح والاستقامة على دين الله وشرعه، وهؤلاء الخاسرون على الإطلاق لاختيارهم الكفر هم غير المؤمنين.
ومن الاحتجاج على المشركين: أن لله ما سكن وما تحرك في الكون. قال ابن عباس: نزلت الآية: {وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ} لأن كفار مكة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: علمنا أنه ما يحملك على ما تفعل إلا الحاجة، فنحن نجمع لك من أموالنا حتى تصير أغنانا، وترجع عما أنت عليه، فنزلت الآية
(1)
أي قال الله تعالى: أخبرهم أن جميع الأشياء لله، فهو قادر على أن يغنيني.
وإذ قامت الأدلة على الإله الحق فكل إنسان مأمور بعبادته واتخاذه وليا ناصرا له في تحقيق النفع ودفع الضرر، وإسلام الوجه له والانقياد لأوامره، فهو الرزاق المطعم، يرزق ولا يرزق، وكذلك كل إنسان منهي عن الشرك واتخاذ الأنداد والوسطاء.
وعلى كل إنسان أن يخاف من عذاب الله يوم القيامة، فإنه عذاب شديد، ومن ينجو منه فقد شملته الرحمة والعناية الإلهية، وذلك أعظم فوز ونجاح للإنسان. اللهم اجعلني وذريتي وأبي وأمي وأهلي ومشايخي من الفائزين.
(1)
أسباب النزول للواحدي 122