الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كما قال تعالى في آيات كثيرة منها: {وَإِذا قِيلَ لَهُمُ: اِتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا:} {بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا، أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً، وَلا يَهْتَدُونَ} [البقرة 170/ 2]
فقه الحياة أو الأحكام:
الله تعالى خالق الخلق هو مصدر الشرائع والأنظمة كلها للناس، وكل شرع لم يشرعه الله فهو مرفوض، وقد نفى الله تعالى في هذه الآيات تشريع أهل الضلال في الجاهلية، وأعلن لهم: ما سمّى الله، ولا سنّ ذلك حكما، ولا تعبّد به شرعا، وإن علم به وأوجده بقدرته وإرادته خلقا، فإن الله خالق كل شيء من خير وشر، ونفع وضرّ، وطاعة ومعصية.
ولو عقل الجاهليون لما فعلوا أصل الكفر والوثنية والشرك، ولما ضللوا أنفسهم بتحريم ما حرموا، فأي هدف يرتجى، وأي نفع يؤمّل، وأي مصلحة تعود عليهم من عبادة حجر لا يضرّ ولا ينفع، ومن تحريم أشياء لا فائدة ولا جدوى من تعطيل منافعها، وحجرها للأصنام؟!!
ولو عقلوا أيضا لنظروا وفكروا فيما ورثوه، فاختاروا الصالح، وأعرضوا عن الفاسد، ولكنه التقليد الأعمى للآباء والأسلاف من غير روية ولا إمعان، ولا دراية ولا تفكير، فالتقليد أمر ضار، مناف للعلم والدين، مناقض للعقل والمصلحة.
وفضلا عن ذلك إنهم يحرمون بأهوائهم ويقلدون آباءهم، ويزعمون أنهم يفعلون ذلك لإرضاء ربهم وإطاعة خالقهم، من دون دليل ولا برهان على ما يقولون، وإنما هو محض الكذب والافتراء على الله، كما قال تعالى:{وَقالُوا:} {هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلاّ مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ، وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها، وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا، اِفْتِراءً عَلَيْهِ، سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ.
وَقالُوا: ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا، وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا، وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ، سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ، إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} [الأنعام 138/ 6 - 139] حقا إنه تعالى حكيم عليم بالتحريم والتحليل، ولكن المشكلة تكمن في إهمال العقل وتعطيل الفكر، إنها آفة العقل المعطل لدى زعماء الجاهلية وأتباعها!!
والخلاصة: لقد حرموا على أنفسهم من الأنعام ما لم يحرمه الله، اتباعا منهم خطوات الشيطان، فوبخهم الله تعالى بذلك، وأخبرهم أن كل ذلك حلال، فالحرام من كل شيء: ما حرمه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بنص أو دليل، والحلال منه: ما أحله الله ورسوله كذلك.
وقد استدل أبو حنيفة رضي الله عنه بهذه الآية في منعه الأحباس ورده الأوقاف، بأن الله تعالى عاب على العرب ما كانت تفعل من تسييب البهائم وحمايتها وحبس أنفاسها عنها، وقاس على البحيرة والسائبة. غير أن هناك فرقا بيّنا بين الأوقاف الإسلامية للأراضي والدور ونحوها، وبين هذه الأحباس التي لا معنى لها، وقد عابهم الله أن تصرفوا بعقولهم بغير شرع توجه إليهم، وعطلوا المنافع والمصالح للناس في تلك الإبل من غير فائدة.
لذا قرر جمهور العلماء القول بجواز الأحباس والأوقاف؛ لما روي أن ابن عمر في رواية النسائي استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يتصدق بسهمه بخيبر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:«احبس الأصل وسبّل الثمرة» أي اجعلها وقفا وأبح ثمرتها لمن وقفتها عليه، وهو حديث صحيح. وقد أجمع الصحابة على مشروعية الوقف، وذلك أن أبا بكر وعمر وعثمان وعليا، وعائشة وفاطمة، وعمرو بن العاص، وابن الزبير، وجابرا كلهم وقفوا الأوقاف، وأوقافهم بمكة والمدينة معروفة مشهورة. وروي أن أبا يوسف قبل أن يرجع عن قول أبي حنيفة في ذلك قال
لمالك بحضرة الرشيد: إن الحبس لا يجوز، فقال له مالك: هذه الأحباس أحباس رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر وفدك وأحباس أصحابه.
وأما قول شريح: «لا حبس عن فرائض الله» فليس الوقف حبسا عن الفرائض، قال الطبري: الصدقة التي يمضيها المتصدق في حياته، على ما أذن الله به على لسان نبيه، وعمل به الأئمة الراشدون رضي الله عنهم، ليس من الحبس عن فرائض الله، ولا حجة في قول شريح، ولا في قول أحد يخالف السنة، وعمل الصحابة الذين هم الحجة على جميع الخلق.
والمجيزون للوقف لا يجيزون أن ينتفع الواقف بوقفه؛ لأنه أخرجه لله وقطعه عن ملكه، فانتفاعه بشيء منه رجوع في صدقته؛ وإنما يجوز له الانتفاع إن شرط ذلك في الوقف، أو افتقر هو أو ورثته، فيجوز لهم الأكل منه كسائر الفقراء.
وهل حق التصرف في منافع الموقوف للواقف أو لغيره؟ قال الشافعي وأبو يوسف: يحرم على الواقف ملكه، إلا أنه يجوز له أن يتولى صدقته، فيفرّقها ويوزعها بين المستحقين؛ لأن عمر رضي الله عنه لم يزل يلي صدقته، حتى قبضه الله عز وجل، وكذلك علي وفاطمة كانا يليان صدقاتهما.
وقال مالك: لا يتم الوقف حتى يتولاه غير الواقف، فيقبضه ويتصرف بمنافعه من كراء وقسمة بين المساكين المستحقين، ما عدا الخيل والسلاح.