الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التحقيق
(1)
تحقيق النصوص علم له قوانينه وأعرافه ومصطلحاته وأدواته، وله جانبان: جانب الصنعة، وجانب العلم.
فأما جانب الصنعة: فهو ما يتصل بجميع النسخ المخطوطة للكتاب المراد تحقيقه، والموازنة بينها واختيار النسخة الأم أو الأصل كما سنعرض له فيما بعد 0 ثم ما يكون بعد ذلك من توثيق عنوان المخطوط واسم المؤلف، ونسبة المخطوط إليه، ونسخه والتعليق عليه، وتخريج شواهده وتوثيق نقوله وصنع الفهارس الفنية اللازمة، فهذا كله جانب الصنعة الذي يستوي فيه الناس جميعاً، ولا يكاد يفضل أحد أحدًا فيه، إلا بما يكون من الوفاء بهذه النقاط أو التقصير فيها.
وأما جانب العلم في تحقيق النصوص: فهو الغاية التي ليس وراءها غاية، وهو المطلب الكبير الذي ينبغي أن تصرف إليه الهمم، وتبذل فيه الجهود، ولاء لهذا التراث العريق، وكشفاً لمسيرتنا الفكرية عبر هذه الأزمان المتطاولة.
وتلخيص هذا الجانب الآن في هذه المحاضرة المحدودة عسر كل العسر، والتدليل عليه لا يكون إلا بالنظر في أعمال المحققين الأثبات، وقراءة حواشيهم، وسترون أن هؤلاء المحققين العلماء دائرون في قضايا العربية كلها التي يدور حولها النص، أصالة أو استطراداً، ثم تأملوا جريدة مراجعهم وستجدون أنها تكاد تغطي
(1) مجلة فن تحقيق التراث، مركز الدراسات والبحوث الإسلامية، كلية دار العلوم، جامعة القاهرة.
المكتبة العربية كلها، فعدة المحقق هي الكتب في كل فن، لأنه في كل خطوة يخطوها مع النص مطالب بتوثيق كل نقل، وتحرير كل قضية، بل إن المحقق الجاد قد يبذل جهداً مضنياً لا يظهر في حاشية أو تعليق، وذلك حين يريد الاطمئنان إلى سلامة النص واتساقه، ولا يشفع له إذا كبا أو تعثر أنه متخصص في النحو فقط، أو في البلاغة فقط، فلا بد أن يكون على صلة باللغة والنحو والتفسير والحديث - متناً وسنداً - وعلم الكلام، والأصول والفقه، والأدب والبلاغة والعروض والتاريخ والبلدان (الجغرافيا) وسائر فروع العلم، إن لم يكن من طريق الإلمام الكامل - وهذا شاق بلا ريب - فمن طريق الأنس بكتب هذه الفنون، والدُّربة على التعامل معها والإفادة منها، ومعرفة مظنة العلم نصف العلم.
وعلى ذلك فإن طالب الدراسات العليا حين يحقق نصاً تراثياً على هذا النحو، إنما يقول مادة علمية محررة، تقوم عليها دراسات الدراسين، فلا دراسة صحيحة مع غياب النص الصحيح المحرَّر. وكم رأينا من دراسات انتهت إلى نتائج غير صحيحة، لأنها اتكأت على نصوص محرفة، وأوضح ما نرى هذا في الدراسات الشعرية التي قامت على دواوين شعرية غير محققة.
والتحقيق في اللغة: التصديق أو قول الحق، والإحقاق: الإثبات، يقال: أحققت الأمر إحقاقًا: أي أثبته وأحكمته وصححته. والجاحظ يسمي العلماء الأثبات: العلماء المحقين. (رسالة فصل العداوة والحسد - رسائل الجاحظ 1/ 339)، والشريف الرضي يسمَّيهم «العلماء المحققين» (حقائق التأويل ص 20).
والتحقيق في اصطلاح نشر التراث: «هو أن يؤدَّى الكتاب أداءً صادقاً كما وضعه مؤلفه كماً وكيفاً بقدر الإمكان» ، والكتاب المحقق:«هو الذي صح عنوانه واسم مؤلفه ونسبة الكتاب إليه، وكان متنه أقرب ما يكون إلى الصورة التي تركها مؤلفه» .
ولتحقيق هذه الغاية لا بد من إجراءات علمية تدور على النقاط التالية:
1 -
تحقيق عنوان الكتاب.
2 -
تحقيق اسم المؤلف.
3 -
تحقيق نسبة الكتاب إلى مؤلفه.
4 -
تحقيق متن الكتاب حتى يظهر بقدر الإمكان مقارباً لنص مؤلفه.
والخطوة الأولى في تحقيق الكتاب هي: جمع قدر معقول من مخطوطاته، والموازنة بين نسخ هذه المخطوطات لاختيار النسخة الأصل أو النسخة الأم، والنسخ المساعدة، ويتم اختيار هذه النسخة الأصل وفق معايير معينة، هي على هذا الترتيب:
1 -
أن تكون النسخة بخط المؤلف، أو تكون من إملائه على أحد تلاميذه، أو تكون قد سمعت عليه، أو أجاز روايتها عنه، على أن يثبت في أول النسخة أو آخرها ما يدل على ذلك.
2 -
أن تكون النسخة مأخوذة عن النسخة السابقة التي هي الأصل، أو تكون فرع فرعها.
3 -
إذا فقدت نسخة المؤلف أو النسخة المنقولة عنها - وهي فرعها أو فرع فرعها - فيكون المعيار العام في تفضيل نسخة على أخرى هو قدم تاريخ النسخ، وقربه من عصر المؤلف، مع سلامة المتن وصحة النسخ.
ويدور عمل المحقق بعد أن ينسخ الكتاب من الأصل المخطوط الذي اختاره وارتضاه، وبعد المقابلة على النسخ الأخرى، على جملة من التعليقات، هي:
1 -
ذكر فروق النسخ، ولا يذكر من هذه الفروق إلا ما له وجه ومعنى.
2 -
تخريج النصوص (قرآن - حديث - شعر - مثل). وتخريج النصوص هو الدلالة على مواضعها في مصادرها.
3 -
توثيق النقول التي صرح المؤلف بنسبتها إلى أصحابها، أو التي سكت عنها، ثم عرف المحقق أصولها وأصحابها.