الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
زينة المجالس:
وتبقى بعد كل ذلك روحه المرحة وخفة ظلَّه وتعليقاته الطريفة، فهو زينة المجالس وريحانتها، مع عزة نفس وإباء، وحرص على صيانة كرامته من كل ما يسيء إليها ولهذا فهو يصف هؤلاء الذين يتزلفون لتلاميذهم في أسلوبه الساخر الممتع قائلًا: «وإن منهم لفريقاً يتهافت على ذوي المناصب من تلاميذه، حتى إذا رأى أحدهم في مجلس طمح ببصره إليه، وأخذ يمد عنقاً ويميل رأساً، ويسدد نظراً ليريه مكانه فتلتقي العينان، فيذهب بها غنيمة باردة يحدث بها أهله وولده، فإذا أبصره في طريقه ركض خلفه حتى يكاد يتعثر في أذياله، وشق الصفوف إليه وقد علاه البهر وغلبه النهيج حتى يوشك أن يكتم أنفاسه، فإذا انتهى إليه ابتسم في صَغار وانكسار وأخذ يذكره بتلمذته له في ثقل وغثاثة:
«ولو أن أهل العلم صانوه صانهم
…
ولو عظَّموه في النفوس لعظما»
(مقدمة كتاب الشعر ص 6).
وانظر مقالته في الهلال عدد سبتمبر 95 حول التصحيف والتحريف: «هذه النقطة وقضية التصحيف والتحريف» ، وهو يناقش فيها الخطأ الذي جاء في امتحان اللغة العربية للثانوية العامة في بيت أحمد شوقي:
«ولم أخل من وجد عليك ورقَّة
…
إذا حل غيد أو ترحل غيد»
إذ ورد مصحفاً في السؤال بالعين المهملة، والصواب «غيد» بالغين المعجمة (الشوقيات 2، 119).
فيستهل هذه المناقشة بأن يسوق رواية طريفة حول أشهر تصحيف في التراث، وهو التصحيف الذي جعل والي المدينة في زمن سليمان بن عبد الملك يخصي مجموعة من المخنثين، بسبب تصحيف وقع في كلمة «أَحص» بالحاء المهملة فصارت «اِخص» بالخاء المعجمة، هؤلاء الذين خصوا معرَّفون بأسمائهم، ويقال في ترجمة كل منهم:«وهو ممن خُصي بالنقطة» .
وهكذا كان رحمه الله في كل ما يكتب أو يقول خفيف الظل والروح، لا يمل مجلسه، وتود لو بقي معك اليوم كله لا يفارقك.
واليوم ونحن نكتب هذه السطور نشعر بالأسى لفقد «جبل من جبال العلم» - كما وصفه أخي العزيز عبد الحميد البسيوني - حفظه الله ومتعه بالعافية.
وإذا كان الفساد قد ألقى بعاعه في هذه الأيام على حياتنا الأدبية، فإن الدهر قد لا يجوز بأمثاله، وإن عزاءنا أنه لم يمت بيننا، وستبقى الذاكرة تسترجع صورته وعلمه ومواقفه النبيلة العظيمة، وسوف تخلده مآثره وكتبه وسيرته في خدمة التراث العظيم لهذه الأمة التي كرمها الله عز وجل بلغتها ودينها، ولهذا فإن الباحثين مدعوون إلى العكوف على دراسة منهجه وقراءة كتبه واستخلاص المعلومات والإشارات حول قضايا التراث المختلفة ونسخ المخطوطات الثمينة والنادرة التي نسخها أو رآها، وقبل هذا تمثل مراحل حياته التي أوصلته إلى هذه القمة العلياء من العلم والفضل، والتي تصورها سيرة حياته الثرية بالتجارب، ثم الاستفادة من تلك التجارب التي صقلته، والتي سطر كثيراً منها في كتبه وهوامشه، فعليك رحمه الله يا أبا محمد، وجزاك عما قدَّمت خير الجزاء الذي يجزى.
* * *