الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عمل غير صالح
!
وهذا الذي أقدمت عليه دار المعارف، في نظري عمل غير صالح؛ لأن فيه جرأة على أعمال السابقين، وقد قال أصحاب دار صادر في نشرتهم للسان:«وأشير علينا أن نغير ترتيب «اللسان» ، ولكنا آثرنا أن يبقى على حاله حفظاً للأثر من أن يُغَيَّر» وهذا هو الحق والصواب، فإن ابن منظور - ومن قبله الجوهري - قد رتّب معجمه على اعتبار آخر الكلمة وأولها بعد تجريدها من الزوائد، لأسباب اقتضت ذلك، ومن أهم هذه الأسباب أن آخر الكلمة ثابت تصريفاً واشتقاقاً، وإنما تطرأ الزيادة والتغيير على الأول والحشو (الوسط). وإعادة ترتيب المادة المعجمية على الأول والثاني ينقض ذلك فضلًا عما يحدثه من تعريض منهج المؤلف للاضطراب، من حيث اختلال الإحالات والإرشادات تقديماً وتأخيراً، فالمؤلف يقول وفق منهجه: تقدم ذلك، أو: سيأتي، ولا يستقيم هذا على المنهج المقلوب، فقد يكون المقدم آتياً، والآتي مقدماً.
ويرتبط بتلك الدعوة دعوة أخرى خطيرة، وهي ترتيب المادة اللغوية داخل المعجم على ظاهر اللفظ، دون رعاية للتجريد والزيادة. وفي هذا إضاعة لعلم كبير من علومنا، هو علم الصرف والاشتقاق. ومما ينبغي التنبيه عليه هنا: أن بعض علمائنا الأقدمين قد ذكر في معجمه بعض الألفاظ على ظاهر لفظها لشيوع الكلمة بشكلها هذا، لكنه كان ينبه في كل مرة إلى أن أصل الكلمة هو كذا.
ومن هؤلاء العلماء ابن الأثير المتوفى سنة 606 هـ في معجمه: «النهاية في غريب الحديث والأثر» ، وهو من المعاجم المتخصصة التي رتبت المادة على الأول والثاني والثالث، فقد ذكر في باب الحاء والدال والهاء حديث:«فجعلتهُ في قبر على حدة» ثم قال: «أصلها من الواو، فحذفت من أولها وعوّض منها الهاء في آخرها، كعدة وزنة من الوعد والوزن، وإنما ذكرناها هنا لأجل لفظها» .
لكننا إذا رتبنا معاجمنا كلها على هذا المنهج، ونبها في كل مرة على الأصل الاشتقاقي تضخمت تلك المعاجم جداً فيما لا غناء فيه ولا طائل تحته.
أما ما يقال عن التيسير والتسهيل فهو كلام من يظن أن أبناء العربية كلهم صاروا تلاميذ في مرحلة التعليم الثانوي أو ما هو دونه، وأننا قد تحولنا جميعاً إلى طبقة من العوام لا تقوى على المناهج الموروثة، ولا تطول يدها الكتب الكبار، واللهم لا! ولا ينبغي أن يكون التيسير والتسهيل سبيلًا إلى طمس المعالم وهدم الحدود.
ومن وراء ذلك كله فإن السالك هذا السبيل لا يأمن العثرة بعد العثرة، والزلة إثر الزلة، وما أريد أن أطيل بذكر الأمثلة والشواهد، لكنني أشير هنا إلى عملين تراثيين سلكا هذا المسلك، وما كان ينبغي لهما ذلك، أولهما: كتاب «معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع» لأبي عبيد البكري الأندلسي المتوفى 487 هـ، وقد نشره الأستاذ مصطفى السقا رحمه الله سنة 1945 م. والكتاب في أصل وضعه مرتب على الأبجدية المغربية التي تخالف الأبجدية المشرقية في ترتيب الحروف، وحين نشره الأستاذ السقا أعاد ترتيبه على أبجديتنا المشرقية المعروفة، وقد أدى هذا إلى اختلال في إحالات المؤلف تقديماً وتأخيراً. قد تربك القارئ الذي لم يقرأ مقدمة الأستاذ المحقق. ثم إنه رحمه الله قد تصرف في الكتاب تصرفاً آخر أشار إليه في مقدمته.
ومن العجيب حقاً أن الناشر الأول للكتاب، هو المستشرق الألماني «وستنفلد» حافظ على ترتيب المؤلف للكتاب، وذلك في نشرته التي صدرت بجوتنجن بألمانيا سنة 1876 م، ثم أضاف إليه فهرسة على ترتيب أهل المشرق للحروف، فأحسن كل الإحسان.
والمثال الثاني: كتاب «الاستيعاب في معرفة الأصحاب» - الصحابة رضي الله عنهم لابن عبد البر القرطبي المتوفى 463 هـ، . وقد رتب كتابه هذا أيضاً على ترتيب الحروف عند المغاربة، فجاء ناشره الأستاذ علي محمد البجاوي رحمه الله، وقلب هذا الترتيب ورده إلى الترتيب المشرقي، وقد أدى ذلك إلى سقوط بعض التراجم التي استدركها الناشر في آخر طبعته.
فالحق والصواب أن تترك الكتب كما وضعها مؤلفوها، ثم يلجأ إلى الفهارس
والكشافات تيسيراً وتسهيلاً، كما فعل «وستنفلد» في نشرته لكتاب البكري، وكما صنع شيخنا عبد السلام هارون رحمه الله في فهارس «تهذيب اللغة» للأزهري، ومن الطريق هنا أن شيخي محمود محمد شاكر حفظه الله لا يزال حريصاً على ترتيب مواد اللغة على طريقة الباب والفصل (أصل الاشتقاق).
إنَّ البرّ بتراث الآباء والأجداد، واحترام التاريخ، يقتضينا أن نأخذ بأيدي أبنائنا إلى ذلك الموروث، نخوض بهم لججه، ونسلك معهم دروبه، ونفتح لهم مقفله، وهكذا تتواصل أجيال المعرفة، فيحرص اللاحق على إرث السابق، ويصونه كما يصون كرام الأبناء ودائع الآباء. أما إذا لجأنا إلى إعادة الترتيب والاختصار وما أشبههما فإننا نباعد بينهم وبين تاريخهم، ونتركهم كالذي لا يعرف من النهر الكبير إلا ما يأتيه به الجدول الصغير.
* * *