الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مؤلفات الشيخ:
شُغل الشيخ رحمه الله بالإقراء أيامه كلها، فلم يجد وقتاً متسعاً للتصنيف، ولكن الله سبحانه يسَّر له أن يترك بعض الآثار العلمية في فن القراءات، حتى تكون باعثاً لمن يطالعها أن يدعو له بالمغفرة والرضوان. فمما يحضرني الآن هذه التصانيف الآتية، ولست أدَّعي فيها الحصر:
1 -
فتح القدير شرح تنقيح التحرير (في تحرير أوجه القراءات العشر من طريق الطيَّبة).
2 -
شرح على منظومة العلامة الشيخ إبراهيم علي شحاتة السمنُّودي، أبقاه الله، في تحرير طرق ابن كثير وشعبة. فرغ منه يوم الجمعة 25 من صفر سنة 1382 هـ.
3 -
تنقيح فتح الكريم في تحرير أوجه القرآن العظيم، بالاشتراك مع الشيخ إبراهيم علي شحاته والشيخ أحمد عبد العزيز الزيات. وهو نظم منقح من منظومة فتح الكريم في تحرير أوجه القرآن العظيم، للعلامة شيخ القراء في وقته الشيخ محمد بن أحمد المتولي، المذكور قبل.
4 -
كيف يُتلى القرآن، وهي رسالة موجزة محررة في تجويد القرآن: سمَّاها: إملاء ما منَّ به الرحمن على عبده عامر بن السيد عثمان في أحكام تلاوة القرآن. وقد أملاها على أحد تلاميذه الذين يحضرون مقارئه، وهو الطيب الجراح الدكتور حسنى حجازي، رحمه الله. وقد صدرت الطبعة الثانية من هذه الرسالة سنة 1390 هـ = 1970 م.
5 -
تحقيق الجزء الأول من كتاب «لطائف الإشارات» الذي ذكرته من قبل.
صدر عن المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة عام 1392، ولعل المجلس ينشط في طبع بقيته.
6 -
أعان الأستاذ الدكتور شوقي ضيف في تحقيق كتاب «السبعة» لابن
مجاهد، الذي نشرته دار المعارف بمصر أول مرة سنة 1392 هـ = 1972 م. وذلك بمراجعة كتابة آياته الكريمة على هجاء المصاحف المصرية المضبوطة، على ما يوافق رواية حفص عن عاصم، والمطابقة لما رواه علماء الرسم عن هجاء المصاحف التي بعث بها عثمان رضي الله عنه إلى الأمصار الإسلامية.
7 -
وكانت آخر أعمال الشيخ مشاركته في لجنة طبع مصحف الملك فهد بن عبد العزيز، الذي صدر بالمدينة النبوية عام 1405 هـ.
فهذا ما يحضرني الآن مما تركه الشيخ من علم مسطور مكتوب. أما أبقى أثر للشيخ وأخلده وأرجحه في موازينه إن شاء الله تعالى، فهو تلك المقارئ التي جلس فيها جلوساً عاماً للناس، وقد شغلت هذه المقارئ أيامه كلها، وأشهر هذه المقارئ مقرأة الإمام الشافعي يوم الجمعة، وقد أسندت إليه مشيختها عام 1947 م وكان عدد الذين يحضرونها من القراء الرسميين أو المعتمدين من وزارة الأوقاف المصرية محدوداً جداً بجانب مختلف طوائف الناس التي كانت تحضر تلك المقرأة وغيرها من المقارئ، فكنت ترى الطبيب والمهندس والضابط والمحامي والموظف والتاجر والحرفي، والفتى الصغير، والشاب اليافع، والشيخ الفاني، مختلف الأعمار والمهن، يتحلقون حول الشيخ؛ يقرأون ويصحح، عيونهم مشدودة إلى شفتيه، وهو يروَّضهم على النطق الصحيح، يصبر على الضعيف حتى يقوى، ويرفُق بالمتعثر حتى يستقيم، لا يسأم ولا يمل، ولا زلت أذكره رحمه الله وهو يروَّض بعض إخواننا على ترقيق اللام من قوله تعالى:{رب إنهن أضللن} [إبراهيم: 36]، وكان عسراً على هذا الأخ أن يرقق اللام بعد الضاد، فكان شيخنا يقرأ أمامه (أضللن) على مقطعين هكذا:(أضْ)(لَلْن) ويكرر المقطعين منفردين ثم يقرأهما معاً حتى يخلص له الترقيق المراد. وكذلك لا زلت أذكره وهو يروَّضنا على الخروج من التفخيم إلى الترقيق وبالعكس، في قوله تعالى:{ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} [الأنبياء: 28]، فأنت هنا تفخم الراء وإن كان قبلها كسر؛ لأنه كسر عارض للتخلص من التقاء الساكنين، ثم ترقق التاء وتعود إلى تفخيم الضاد، وهكذا كنت تقضي العجب وأنت
تنظر إلى حركة فكيه وشفتيه وجريان لسانه في إعطاء كل حرف حقه ومستحقه: من الهمس والجهر والغنة والإظهار والإخفاء والإقلاب والفك والإدغام، وغير ذلك من دقائق الصوتيات، مما لا تستطيع معامل الأصوات أن تنقله بدقة إلى الطالب لأن هذا العلم - علم الأداء - قائم على التلقي والمشافهة.
ولو كان لي من الأمر شيء لأتيت بشيخ من علماء القراءات في كل قسم من أقسام اللغة العربية بجامعتنا ليعمل على تدريب الطلبة على الأداء الصحيح والنطق السليم، بجانب معامل الأصوات الحديثة. وهؤلاء المشايخ (الغلابة) لن يأخذوا من الأجر أكثر مما تستهلكه هذه المعاملة من طاقة وكهرباء، بل إني أذهب إلى أبعد من هذا في التمني: وهو أن يعين شيخ من هؤلاء القراء مشرفاً خارجيّاً مع المشرف الأكاديمي لكل رسالة علمية (ماجستير أو دكتوراه) تتصل بعلم القراءات من قريب أو بعيد.
ومن تفتن شيخنا في مجال الأداء الصوتي: أنه كان يأخذنا إلى تفرقة دقيقة لطيفة، في الوقف على الراء من قوله تعالى:{فكيف كان عذابي ونذر (16)} [القمر: 16]، وقوله عز وجل:{كذبت ثمود بالنذر (23)} [القمر: 23]، فالراء في الآية الأولى يستحسن أن يوقف عليها بترقيق لطيف يشعر بالياء المحذوفة؛ لأن أصلها (ونُذُري) بإثبات ياء الإضافة، وقرأ بها ورش بن سعيد المصري، عن نافع المدني. ومن القراء المعاصرين الذين سمعتهم يراعون ذلك الترقيق اللطيف المشايخ: محمود خليل الحصري، ومحمود حسين منصور، ومحمد صديق المنشاوي.
أما الراء في الآية الثانية فيوقف عليها بالتفخيم الخالص؛ لأنها جمع نذير.
وأما «النبَّر» في مصطلح علم اللغة الحديث - وهو النظام المقطعي في قراءة الكلمة، فقد كان الشيخ رحمه الله آية فيه، وقد سألته عنه يوماً، فقال لي:«إن القراء لم يذكروا هذا المصطلح، ولكنه بهذه الصفة يمكن أن يُسمَّى «التخليص» أي تخليص مقطع من مقطع». وها أنا ذا أضع هذا المصطلح أمام علماء اللغة الحدثين ليروا فيه رأيهم، ولعلهم يحلونه «النبر» . وقد سمعت لهذا «التلخيص» من
الشيخ أمثلة كثيرة جداً، أذكر منها قوله تعالى:{فسقى لهما ثم تولى إلى الظل} [القصص: 24]، وقوله تعالى:{فقست قلوبهم} [الحديد: 16]، وقوله عز وجل:{وساء لهم يوم القيامة حملًا (101)} [طه: 101]، فأنت لو ضغطت على الفاء في الآية الأولى صارت من الفسق لا من السقي، وإن لم تضغط على الفاء في الآية الثانية صارت من الفقس لا من القسوة. أما في الآية الثالثة فلا بد أن تخلص (ساء) من (لهم) حتى يكون من السوء لا من المساءلة، لو خطفتها خطفة واحدة. هكذا كان يعلمنا الشيخ، إلى أمثلة كثيرة لا أحصيها عدداً. لكني أذكر أن أحدهم قرأ مرة أمام الشيخ:{فلهم أجر غير ممنون (6)} [التين: 6]، وخطف (فلهم) خطفة واحدة ضاغطاً على الفاء، بحيث صارت الكلمة كأنها فعل ماض مسند إلى ضمير الجماعة، مثل: ضربهم، فقال له الشيخ:(مفلهمش) يريد رحمه الله أن يقول إنه ليس فعلًا واقعاً عليهم، وأن هذه البنية من مقطعين (ف)(لهم).
وكان الشيخ صاحب دعابة، فكان إذا قرأ أحدهم على غير الجادة يقول له مستفهماً مستنكراً: إنت جوّدت القرآن في ألمانيا؟ وقرأ بعضهم أمامه برواية خلف عن حمزة، ولم يكن متقناً للرواية، فقال له:«قُوم يا شيخ، دانا كنت باحْسِبَك خَلَف الحبايب» ، وقرأ آخر أمامه وتحنن في صوته تحنناً ظاهراً في تكسر، فقال له الشيخ:«مافيش فايدة» يريد أنه يقلد صت «فايدة كامل» ، فقد كان في صوته تلك السمات التي عرفت بها هذه المغنية قبل أن تشتغل بالسياسة.
وكان للشيخ حسن دقيق جداً في تقييم الأصوات والحكم عليها، وقد لا يعرف كثير من الناس أن الشيخ رحمه الله، درس علم الموسيقى بمعهد فؤاد الأول للموسيقى العربية أل إنشائه.
وكما كانت معرفة الشيخ بمخارج الحروف وصفاتها عظيمة، كانت عنايته بالوقوف: تامها وحسنها وكافيها، عالية جداً، وكان يأخذ على بعض كبار القراء تهاونهم في تعهد الوقوف ومراعاتها، وكان يصارحهم بذلك فيغضبون.
وكان شيخنا رحمه الله يتشدد في الوقوف على رؤوس الآي: لأنها سنة، ولو