الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أهمية المكتبة العربية:
وفي هذا المجال - ثالثًا - ينبغي أن ننظر إلى المكتبة العربية نظرتنا إلى الكتاب الواحد. وذلك لأن كتب أهل العلم عندنا متشابكة الأطراف، متداخلة الأسباب، فمع الإقرار بنظرية التخصص في الإطار العام للتأليف، فإنك قل أن تجد كتاباً من هذه الكتب مقتصراً على الفن الذي يعالجه، دون الولوج إلى بعض الفنون الأخرى لدواعي الاستطراد والمناسبة، وهذا يؤدي لا محالة إلى أن تجد الشيء في غير مظانه. وأمامي الآن أمثلة ذوات عدد على هذا الذي أقوله، لا يتسع المقام لذكرها
…
وأكتفي هنا بمثالين:
1 -
كتاب «دلائل الإعجاز» للشيخ عبد القاهر الجرجاني، يُعدّ أصلًا في علم البلاغة وإعجاز القرآن. وكان مما عالجه في كتابه هذا الرد على من يقولون:«إن الفصاحة لا تظهر في أفراد الكلمات، ولكن تظهر بالضم على طريقة مخصوصة» .
وقد عرضَّ الشيخ عبد القاهر بأصحاب هذه المقالة في مواضع كثيرة من كتابه، كان منها قوله: «واعلم أن القول الفاسد والرأي المدخول إذا كان صدره عن قوم لهم نباهة وصيت وعلو منزلة في نوع من أنواع العلوم غير العلم الذي قالوا ذلك القول فيه، ثم وقع في الألسن فتداولته في نوع من أنواع العلوم غير العلم الذي قالوا ذلك القول فيه، ثم وقع في الألسن فتداولته ونشرته، وفشا وظهر، وكثر الناقلون له والمشيدون بذكره، صار ترك النظر فيه سُنة والتقليد ديناً
…
».
ويسأل شيخنا محمود محمد شاكر - حفظه الله -: من يكون هؤلاء القوم الذي لهم نباهة وصيت
…
؟ يقول شيخنا أبو فهر: «وفتَّشت ونقَّبت، فلم أظفر بجواب أطمئن إليه، وتاسيت الأمر كله إلا قليلًا نحو من ثلاثين سنة، حتى كانت سنة 1381 هـ - 1961 م، وطبع كتاب «المغني» للقاضي عبد الجبار، المتكلم المعتزلي. في تلك السنة صدر الجزء السادس عشر من كتاب «المغني» فإذا هو يتضمن فصولًا طويلة في الكلام على «ثبوت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم» ، وفي إعجاز القرآن وسائر المعجزات الظاهرة عليه صلى الله عليه وسلم. فلما قرأته ارتفع كل شك، وسقط النقاب عن كل مستتر، وإذا التعريض الذي ذكره عبد القاهر حين قال: واعلم أن القول الفاسد
والرأي المدخول
…
لا يعني بهذا التعريض وبهذه الصفة أحداً سوى قاضي القضاة المعتزلي عبد الجبار».
ثمَّ نقل شيخنا عبارة القاضي عبد الجبار من الجزء السادس عشر من «المغني» ، وهي:«أن الفصاحة لا تظهر في أفراد الكلام، وإنما تظهر بالضم على طريقة مخصوصة» . وهي التي حكاها الشيخ عبد القاهر، ولم ينسبها لأحد على التعيين.
أرأيت؟ هذا كتاب «المغني في أباب التوحيد والعدل» كتاب في أصول فكر المعتزلة وهو داخل في علم الكلام، فما أبعده في تقسيم العلوم وفهارس الكتب عن علم البلاغة! ولكن الكتب العربية تتنادى وتتواصل، وهكذا يعلمنا أستاذنا محمود محمد شاكر كيف تلتمس المعرفة من مظانها ومن غير مظانها، ولن يكون ذلك إلا بالذي ذكرته لك من النظر للمكتبة العربية على أنها كتاب واحد، ثم بالصبر على القراءة، والأخذ في الكتاب قراءة ودرساً إلى غايته ومنتهاه.
2 -
والمثال الثاني: عرض لي في بعض تحقيقاتي هذان البيتان الشهيران:
اقبل معاذير من يأتيك معتذرا
…
إن بر عندك فيما قال أو فجرا
فقد أطاعك من يرضيك ظاهره
…
وقد أجلّك من يعصيك مستترا
وكانا عندي غير منسوبين فأردت نسبتهما. وأول ما يهرع إليه المحقق في ذلك كتب الأدب، لا سيما تلك التي تتحدث عن العفو والاعتذار. وفي مكتبتي كتاب بذلك العنوان «العفو والاعتذار» لأبي الحسن العبدي، صاحب ابن دريد اللغوي، فنظرت فيه، فوجدت البيتين، ولكن بغير نسبة أيضاً، فأخذت في البحث حتى انتهيت إلى أنهما لهلال بن العلاء الرقي، وذلك في ترجمته من كتاب «سير أعلام النبلاء» للحافظ الذهبي (وينسبان على ضعف للبحتري). وهذا كتاب «سير أعلام النبلاء» معدود في كتب التراجم، فيا بعد ما بينه وبين كتب الأدب في تصنيف العلوم!
وإذا قد انتهيت من تقرير هذه الحقائق، على سبيل الوجازة والاختصار أقول: إن هذا المطبوع من تراثنا - على ضخامته وازدحام المكتبات به - لا يمثل الصورة
الكاملة الحقيقية لتاريخ أمتنا وقضايانا الفكرية. فما زالت الأيام تظهرنا يوماً بعد يوم على نفائس من تراثنا المخطوط كنا نجهلها أو نعدها من المفقودات. وكم في الزوايا من خبايا.
وهذه المخطوطات التي تجود بها المكتبات الخاصة والعامة حيناً بعد حين ينبغي أن تنتهي بنا إلى الحذر في إصدار الأحكام الحاسمة وقول الكلمة الأخيرة. فإن القول الفصل في قضايا الفكر والأدب لا يصار إليه قبل استيفاء أدوات البحث، وأهم هذه الأدوات، بل عدتها الأولى: النصوص في مختلف عصورها.
وقد أتاح لي عملي بمعهد المخطوطات - جمعاً وفهرسة - وجلوسي إلى أشياخ العلم ونشري لبعض الكتب، ثم إشرافي على عدد من الرسائل الجامعية التي تدور في فلك تحقيق النصوص - أتاح لي ذلك كله أن أقف على غرائب وعجائب في بطون المخطوطات تنقص كثيراً مما استقر عند الباحثين والدارسين في تاريخنا الفكري، وذلك لاعتمادهم على مصادر محدودة، وغياب تلك المخطوطات التي لم تنلها أيديهم.
وإن في وجود هذا القدر الضخم من مخطوطاتنا التي تعج بها المكتبات العامة والخاصة شرقًا وغرباً، والتي تنتظر الهمم لبعثها ونشرها، ما يدل على أن هناك حلقات مفقودة في تراثنا المطبوع.
وخذ مثلًا «الكتاب» لسيبويه. وهو قرآن النحو، كما يقولون: مضى على طبعه أول مرة أكثر من مائة عام. وفي «الكتاب» من العسر والغموض على شداة العلم ما هو معروف ومتعالم، بل إن بعض إشارات سيبويه ومباحثه تدق على الخاصة، فكان ينبغي أن ينشر كل ما يتصل بهذا الكتاب الإمام، من شروح وتقييدات، وقد ن شر شيء من ذلك، ولكن بقي أهم شرح له، وهو شرح أبي سعيد السيرافي، أليست الأحكام على سيبويه وعلى «كتابه» ناقصة في غياب هذا الشرح الكبير؟ ثم «ألفية ابن مالك» أشهر نظم نحوي، نشر كثير من شروحها، ولكن بقي أهم شرح لها، وهو شرح الإمام الشاطبي، صاحب «الموافقات» ، و «الاعتصام» . وكتاب «التسهيل» في النحو،