الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الضوابط الراسخة:
وإني سائل الدكتور الفاضل: أي بأس في ذكر هذا الضابط النحوي؟ وأي ضرر في أن يتلقاه الصغار فيما يتلقون في النشأة الأولى؟ والدكتور يعلم أن طبيعة تعلم العربية تقتضي حفظ كثير من النصوص والضوابط لترسيخ القاعدة، ولذلك لجأ المصنفون قديماً إلى المنظومات العلمية لضبط القواعد وتثبيتها، ثم كان من ذلك أيضاً تلك الضوابط النثرية لبعض القواعد، مثل «سألتمونيها» لحصر حروف الزيادة في الصرف، و «سكت فحثه شخص» لضبط الحروف المهموسة، و «لم أر على ظهر جبل سمكة» لبيان الأسباب والأوتاد والفاصلة في العروض.
ومن أطرف ما حفظناه من مشايخنا في الصغر قولهم «صن شمله» رموزاً لأسماء الأنبياء المصروفة، أي المنونة: فالصاد لصالح، والنون لنوح، والشين لشعيب، والميم لمحمد صلى الله عليه وسلم، واللام للوط، والهاء لهود، عليهم السلام أجمعين.
فهذه الأسماء الستة تنون وما عداها من أسماء الأنبياء يمنع من التنوين.
وكانوا يقولون لنا أيضا: «لا ت كسر الصحاح ولا تفتح الخزانة» ، يريدون «الصَّحاح» للجوهري وأنه بفتح الصاد، وخزانة الأدب للبغدادي وأنها بكسر الخاء. وقالوا:«من حفظ المتون حز الفنون» ، ولا شك أن الأستاذ الكبير يعرف في جيله هذه المجموعة التي طبعت باسم «مجموع مهمات المتون» ، يشتمل على ستة وستين متناً في مختلف العلوم والفنون، وتاريخ الطبعة الرابعة منه 1369 هـ - 1949 م.
ولا ينبغي أن يلتفت إلى ما يقال من أن هذا عيب في اللغة العربية أن تعتمد على الحفظ الأصم الأعمى، فهذا أمر معروف في سائر اللغات. يقول العالم الأديب الدكتور عبد الله الطيب، في دفع تلك الفرية:«ومساكين اللغة العربية ينفرون من الحفظ ليكونوا متمدينين» . ثم يقول: «وأشهد على نفسي أني عندما كنت أدرس في الخارج (لندن) كنا ندرس بعض القطع المسرحية لشكسبير، فكان التلاميذ يسمع بعضهم لبعض القطع عن ظهر قلب، حتى أمثال «يدخل يطارده القتلة» أو «يخرج يطارده سبع» ، وكانت لههذ المسرحيات القديمة شروح، وقد تكون الأبيات أربعة
أسطر في أعلى الصحيفة، بخط كبير، وسائر الصحيفة بخط دقيق، شرح لما فوق، ويقبل التلاميذ على ذلك ولا ينفرون، فإذا قدم لهم شيء يشبه ذلك بالعربية نفروا منه نفوراً شديداً. ومن عجيب الأمر أن الكتب التي كنا ندرسها بالإنجليزية كان ورقها أصفر، والورق الأصفر لعله ألين على عين القارئ من الرق الناصع الأبيض».
ملحوق التراث بجريدة المدينة المنورة بالسعودية - 21 من ربيع الأول 1408 هـ = 12 من نوفمبر 1987 م.
فهذا الذي يراه الدكتور زكي نجيب محمود «نتفة من الماضي عسيرة الهضم قد تصيب المعدة بالأذى» ، هو عند النظر والتحقيق أساس العلم ومدخله، بل هو الغذاء الذي تصح به المعدة، وتتكون عليه الأنسجة والخلايا، وما دخل علينا البلاء، واستبد بنا الضعف إلا يوم أن هجرنا هذه الضوابط الكلية، ونفرنا من الحفظ، واجتوينا النصوص، ثم غرقنا في البحث النظري الذي أسلمنا إلى التجريد والمطلق.
أما إشفاق الدكتور الفاضل على الصبي الذي هو في الحادية عشرة، أن يؤخذ إلى هذه التراكيب والمصطلحات المعقدة التي تصيب المعدة بالأذى فإن الدكتور الكريم يعلم علماً ليس بالظن أن من أصحاب هذه السن في جيله من أتم حفظ القرآن الكريم، وحفظ إلى جانبه شيئاً من المتون، مثل (متن نور الإيضاح) في فقه الحنفية، أو (متن العشماوية) في فقه المالكية، أو (متن أبي شجاع) في فقه الشافعية، أو (متن زاد المستقنع) في فقه الحنابلة، إلى جانب (متن الآجرومية) الشهير
…
وإني أعيد هنا ما ذكرته من قبل: أن أساتذتنا الذين كتبوا في الدراسات اللغوية والنحوية الحديثة وشرَّقت كتبهم وغرَّبت، ينتمون جميعاً إلى جيل الحفظة: حفظة القرآن والمتون والحواشي والمصطلحات، وما كان لهؤلاء الأساتذة أن يكتبوا ما كتبوا لو لم يحفظوا منذ الصغر: «إذا
…
ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه»، وأخواتها مثل:«لا يجمع بين العوض والمعوض عنه» ، «اجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت في الياء. وذلك في مثل سيَّد» .
ولا زلنا نحن أبناء الجيل التالي الذي تستطيع أن تشم فيه رائحة العلم، لأننا وردنا الماء صافياً قبل أن تكدره الدلاء، ولأننا أدركنا معاهد العلم قبل أن يدهمها السيل، أقول: لا زلنا نذكر هذه المشاكل النحوية التي التقينا بها في طراءة الصبا وريق الشباب، مثل إعراب قوله تعالى:{إن هذان لساحران} وكيف رفع {هذان} وهو اسم {إن} ، وتوجيه الرفع في قوله تعالى {والصابئون} في الآية الكريمة {إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون
…
} [المائدة: 69]، واختلاف المعنى باختلاف حركة الإعراب على الراء في قوله تعالى:{ولا تمنن تستكثر ((6)} [المدثر: 6]، وعود الضمير على غير مذكور في قوله تعالى:{حتى توارت بالحجاب (32)} [ص: 32]، أي الشمس، والمصدر المتصيد في قوله تعالى:{وإن تشكروا يرضه لكم} [الزمر: 7]، أي الشكر، وقوله:{ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا} [الإسراء: 60]، أي التخويف.
وقوله: {ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرًا لهم} [آل عمران: 110]، أي الإيمان، ثم في مثل قول الشاعر:
إذا نُهي السفيه جرى إليه
…
وخالف والسفيه إلى خلاف
أي جرى إلى السفه ..
كل هذا كنا نستظهره ونديره على ألسنتنا في سهولة ويسر، كانت أسناننا في تلك الأيام لا تتجاوز الخامسة عشرة
…
نعم كل هذا عرفناه وخبرناه، وجرى منا مجرى المحفوظات والمأثورات، فأورث ملكة في النحو، وأكسب إحساساً بالعربية في أبنيتها وتراكيبها، حتى إذا غبي علينا شيء من هذه الأبنية والتراكيب فزعنا إلى ذلك المذخور من أيام الصبا، فأسفر وجهه، ودن عصيه
…
فهل عند أبناء اليوم من ذلك شيء؟
ولا يصح أن يقال: إن هذا الذي ذكرته كان سمة التعليم الديني أو التعليم الذي تغلب عليه العربية، كالذي في الأزهر الشريف ودار العلوم، فإن الدكتور الفاضل يعلم علم اليقين مواد العربية التي كانت تقدم لتلاميذ المدارس في التعليم العام، أو الأميري.
وأمامي الآن طبعة ثانية من «معجم المصباح المنير» للفيومي المتوفى سنة
770 هـ، وتاريخ هذه الطبعة 1909 م، وكتب على صدرها «قررت نظارة المعارف العمومية طبع هذا الكتاب على نفقتها واستعماله بالمدارس الأميرية» ، وكذلك يعلم الدكتور كتب التراث التي كانت مقررة على طلبة المدارس الثانوية، مثل «البخلاء» للجاحظ، الذي نشره أحمد العوامري بك، وعلي الجارم بك سنة 1356 هـ = 1938 م، و «نقد النثر» المنسوب إلى قدامة بن جعفر - وثبت فيما بعد أنه البرهان في وجوه البيان لابن وهب - الذي نشره الدكتور طه حسين، والأستاذ عبد الحميد العبادي سنة 1356 هـ = 1937 م، وقد قررته وزارة المعارف
لطلاب السنة الخامسة التوجيهية إلى طائفة أخرى من الكتب المشحونة بالنصوص، مثل «مجموعة النظم والنثر» لعبد الله باشا فكري والمنتخب من أدب العرب.
هذا إلى أن الأزهر الشريف كان موجهاً لتعليم النحو في المدارس ومهيمناً عليه، فهذا الكتاب الشهير «الدروس النحوية» الذي ألفه حفني بك ناصف مع محمد أفندي دياب والشيخ مصطفى طموم ومحمد أفندي صالح: قررت نظارة المعارف العمومية سنة 1304 هـ طبعه على نفقتها بعد تصديق شيخ الجامع الأزهر. وهكذا كان تعليم النحو والعربية في مصر أيام عزها ومجدها من خلال الكتاب القديم أالكتاب الحديث المؤسس على القديم والماضي في طريقه.
فهذه العبارة النحوية التي نقلها الدكتور زكي نجيب محمود عن شيخه ينبغي أن تؤخذ في إطار الجد والصرامة الذي كان يشمل تدريس سائر العلوم في ذلك الزمان.
وما أخذت مصر مكانتها التي تزهو بها في العالمين في مختلف العلوم والفنون إلا بذلك الجيل الذي أخذ بالجد في كل أموره منذ النشأة الأولى والناس بأزمانهم أشبه منهم بآبائهم.
ولا سبيل لنا إذا أردنا صلاح الحال وإصلاح الألسنة إلا إحياء جيل المتون والحفظة، وذلك لن يكون إلا بالعودة في تدريس النحو إلى الكتاب القديم والنص التراثي، فإن آخر هذه الأمة لن يصلح إلَاّ بما صلح به أولها.
* * *